بعد عدة أيام اجتمعت العائلة وتمت خطبة مازن وجنة. كانت ترتدي فستانًا باللون الوردي ومطرزًا ببعض الورود البيضاء، وكان نفس الفستان الذي اختاره لها مازن. ظنت أنه كان لهجر، وكانت هادئة ولكنها فرحة بما حدث. أما هو، فلم يصدق عينيه، فالآن أصبحت ترتدي دبلته، والحلم أصبح على وشك التحقيق. سيفعل ما تريده لكي تصبح جنته في أقرب وقت ممكن. انتهى الحفل بكل ما حدث فيه من رقص وأغاني وكل ما تحمله من فرحة.
اجتمع الشباب جميعًا بحديقة المنزل، يحاوطهم عتمة الليل وسماء صافية كأنها بحر لم يحمل أمواجًا. كان مازن وجنة يجلسان بجانب بعضهما، وبجوار جنة شروق ومروان، وبجوار مروان عزيز وسناء. فهم يشكلون دائرة تحمل معاني الفرح، فبداخل كل منهم فرحة لم يتخيلها الآخر. أخذهم الكلام والضحك، وقام مازن سريعًا وأتى بجيتار أخفاه كثيرًا، لم يعلم عنه أحد شيئًا. مروان وعزيز في آن واحد: ياااااااه! نظرت الفتيات لبعضهن، فلم يفهمن شيئًا.
لينطق مروان ضاحكًا عندما شاهد نظراتهن: مازن كان يحب جدًا يعزف أيام الكلية، بس جاء عليه فترة ومنع أنه يعزف أو يغني أو يعمل حاجة من دي، بس أنا دلوقت فهمت هوا كان مانع ليه. ليكمل عزيز حديث صديقه: أيوا ياعم، يسهلو، طلع الجيتار دلوقت عشان الست جنة، ها؟ ليضحك الجميع، ويبتسم هو، لينظر إليها بشغف، ويصدح صوت الجيتار معلنًا عن أغنية شعر، هو أن كلماتها تمثلها الآن. أخذ يعزف على أوتار جيتاره، وخرج صوته العذب موجهًا إليها هي فقط:
ليه خايفة مني؟ ليه في كل نظرة بشوف عنيكي بتتهمني؟ حاسس كأني أنا مش حبيبك، وإنتي واحدة غريبة عني. ليه خايفة مني؟ ليه في كل نظرة بشوف عنيكي بتتهمني؟ حاسس كأني أنا مش حبيبك، وإنتي واحدة غريبة عني. غريبة عني. خايف عليكي وبحرسك من أي حاجة هتلمسك، وبجد نفسي أحسسك طعم الأمان. غيرت نفسي، وبوعدك أحميكي من الناس وأسعدك. لو متي كان هيعوضك، أنا أموت كمان. خايف عليكي وبحرسك من أي حاجة هتلمسك، وبجد نفسي أحسسك طعم الأمان.
غيرت نفسي، وبوعدك أحميكي من الناس وأسعدك. لو متي كان هيعوضك، أنا أموت كمان. فاكرة اللي بينا وإزاي عرفنا بعض وإزاي اتقابلنا؟ فاكرة أما قولنا فاضل بينا احنا وبين الجنة سنة، في إيه جرالنا؟ خايف عليكي وبحرسك من أي حاجة هتلمسك، وبجد نفسي أحسسك طعم الأمان. غيرت نفسي، وبوعدك أحميكي من الناس وأسعدك. لو متي كان هيعوضك، أنا أموت كمان. خايف عليكي وبحرسك من أي حاجة هتلمسك، وبجد نفسي أحسسك طعم الأمان.
غيرت نفسي، وبوعدك أحميكي من الناس وأسعدك. لو متي كان هيعوضك، أنا أموت كمان. انتهت كلمات الأغنية، وانتهى ما يريد قوله لها مع عزفه الذي لمس قلبها. أدمعت عيناها، فهي أحست أنها لم تعطيه الفرحة التي كان ينتظرها منها، ولكنه سوف يظل ينتظر، فإذا لم يرا الفرحة في عينيها الآن، سيراها غدًا أو بعد شهر أو بعد سنة، حتى إذا جاءت في آخر لحظة من عمره، فهو راضٍ لأنه سيحصل عليها من جنته.
أما عند مروان، فقد حاوط شروق بذراعيه، واستسلمت هي لحضنه الدافئ. ليتمايل جسدهما سويًا على كلمات الأغنية. كان عزيز يمسك بيد سناء وينظر لعينيها بشغف وحب واضح. أما هي، فكانت تنتظر كثيرًا هذه اللحظات التي تجمعهم سويًا، فأبسط الأشياء بينهم يجعلها هي ذكرى جميلة تحملها في قلبها، تحتفظ بأي شيء يجمعها معه.
في صباح يوم جديد، ذهبت سناء لمحل عزيز. كانت أعدت له الطعام لأنها تعلم أن طعامه دائمًا يكون من محلات، فأرادت أن تطعمه شيئًا صنع يدها وتجلس معه بعض الوقت. وصلت أخيرًا للمحل، وكان الوقت قد تأخر قليلًا. دخلت بدون أن تصدر أي صوت.
تجولت بالمحل لعلها تجده أو تجد أحد العاملين، ولكن لا يوجد أي أحد. فاتجهت للمكتب الخاص به، وعلى وجهها ابتسامة عريضة، ولكن طارت سريعًا عندما رأته متمددًا على الأريكة عاري الصدر، وأعلاه إحدى الفتيات. كان شعرها مشعثًا قليلًا، كان مظهرها لا يدل أنها فتاة طبيعية، بل تشبه فتيات الليل بملابسها الفاضحة. فكانت ترتدي إحدى الفساتين الضيقة ككيس المخده، تصل لنصف فخذيها، ولم تكن هذه القماشة تستر جسدها، بل كانت تظهر أكثر مما تخفي.
شهقت الفتاة بصوت منخفض وانهارت سناء. انهارت دموعها كشلالات، لم تصدق ما تراه عيناها. وقع ما بيدها في الأرض فأحدث ضجة. فقام هو مفزوعًا، نظر للفتاة بعيون متسعة، والتفت سريعًا ليرى وجه سناء. فما وجد إلا صنمًا يقف بلا روح، وكأن أحدهم طعنها عدة طعنات في ظهرها، لتقع على الأرض جالسة تبكي وتبكي وتخفي وجهها بين يديها. ارتعب هو من منظرها، فما كان منه إلا أن ركض تجاهها. وعندما لامست يداه يدها، ما كان منها إلا أن انتفض جسدها
ووقفت سريعًا لتمسح دموعها، تخفيها بين جفنيها. وقفت بكل شموخ وكأن لم يحدث شيء. وما أن فتحت فمها، أطلق كلمة واحدة كتبت بها نهاية حياة عزيز بلا رحمة أو شفقة.
"طلقني." مروان وقد أعد لشروق مفاجأة، ولنقل أنها ليست لها فقط، بل لعزيز وسناء ومازن وجنة أيضًا، لكنه لم يخبر أحدًا بها.
فتح عينيه ببطء قليل ليجدها قد أعدت فطورًا خفيفًا لكليهما، وحضرت له بعض الملابس، وجهزت الحمام لينعم بحمام بارد يزيل منه أرق النوم. فرح هو كثيرًا بهذا، فالآن الحياة ابتسمت له. لقد امتلك قلبها ولن يتركه أبدًا، لن يتخلى عنه، فإنه الآن متوج على عرش قلبها ولا يمكن إزالته. ذهبت إليه بخطوات هادئة لتظهر ابتسامتها التي تذيب عقله. تأخذه لعالم الأحلام خاصتها. اقتربت منه وطبعت قبلة خفيفة على خديه. ابتعدت.
وهي تمسح بيدها على شعره وهمسة بنبرة أذابت بها أثر نومه: صباح العسل على حبيبي. ليمسك هو يدها مقربًا إياها إليه، ليهتف بهمس: بس الصباح مش بيبقى كده ياقلب حبيبك. أمّال بيبقى إزاي؟ تعالي هوريكي. وقبل أن تنطق بحرف، كان قد ابتلع شفتيها ليتذوق طعم العسل بهما. ابتعد بعد ثوانٍ. كده بقى يبقى صباح العسل فعلًا. 😉
وقف سريعًا ودخل للحمام لكي يريح جسده، لعله يهدئ من لوعته، وتركها لخجلها وأحلامها معه، تنعم بصباح لم تصل أمنيتها إليه أبدًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!