الفصل 1 | من 32 فصل

رواية جواد بلا فارس الفصل الأول 1 - بقلم بنوته اسمرة

المشاهدات
104
كلمة
5,535
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 3%
حجم الخط: 18

تسللت أشعة الشمس الذهبية لتلقي بنورها على أحد الأبراج السكنية في أحد أحياء القاهرة الراقية. تململ "آدم" في الفراش وفتح عينيه بتكاسل. حانت منه التفاتة إلى المرأة النائمة بجواره. أزاح الغطاء ونظر إلى ساعة هاتفه، ثم نهض وخرج من الغرفة وتوجه إلى الحمام. أخذ دشاً ثم وقف أمام مرآة الحمام يزيل بيده بخار الماء الذي ترسب عليها. نظر إلى وجهه الوسيم، وعينيه الزرقاوين الواسعتين التي تدير عقول الفتيات، وبشرة وجهه الخمري وشعره الأسود الحريري الذي انسابت بعض خصلاته المتبللة على جبينه، فأعطته مظهراً جذاباً. إذا أضيف إلى ذلك جسده الرياضي وعضلاته المفتولة، إذن فنحن أمام رجل قل من تستطيع مقاومة جاذبيته.

خرج "آدم" من الحمام لافاً منشفة حول وسطه وأخرى يجفف بها شعره. عاد إلى الغرفة وتناول ملابسه الملقاة على الأرض في إهمال وبدأ في ارتدائها. وقف أمام مرآة التسريحة يمشط شعره عندما وقعت منه الفرشاة على الأرض لتصدر صوتاً مزعجاً. تململت المرأة النائمة في الفراش وفتحت عينيها تنظر إلى آدم الواقف أمام المرآة. ابتسمت وهي تحمل قطعة ملابس شفافة ملقاة على طرف السرير لترتديها ثم تتوجه إليه وتلف يدها حول خصره قائلة:

-صباح الخير يا بيبي. قال "آدم" بصوت رجولي رخيم: -صباح النور. قبلت وجنته قائلة بدلع: -رايح فين على الصبح كده؟ نظر إليها في المرآة قائلاً بسخرية: -هكون رايح فين يعني؟ الشغل طبعاً. قالت بدلال: -طيب متخليك معايا النهاردة. تحرك "آدم" مبتعداً عنها وذهب ليلتقط هاتفه الموضوع على الأرض بجوار السرير. ثم قال: -مش هينفع يا "بوسي". قالت وهي تغادر الغرفة: -طيب استناني هاخد شاور ونفطر سوا.

كان مندمجاً في مطالعة بريده الإلكتروني على الهاتف. ثم خرج من الغرفة وحمل جاكيت البدلة الملقى على أحد مقاعد غرفة المعيشة. ثم خرج وأغلق الباب خلفه. خرجت "بوسي" من الحمام على أثر صوت غلق الباب لتجد "آدم" قد غادر البيت، فزفرت بضيق. ثم عادت إلى الحمام مرة أخرى. ***

خرج "آدم" من البناية الأنيقة وتوجه إلى السيارة ذات الموديل الحديث الواقفة أمامها. انطلق بالسيارة، ليتوقف عند إحدى الإشارات ينتظر فتحها. أخرج سيجاراً من جيبه وأشعله وهو ينفث دخانها بعمق. حانت منه التفاتة إلى السيارة المجاورة، ليجد الفتاة التي تقود السيارة الواقفة بجواره تبتسم له. بادلها ابتسامتها وأخذت نظراته تزداد جرأة وخبثاً. انطلقت الفتاة في طريقها بعدما فُتحت الإشارة. سار "آدم" بسيارته خلفها وهو يبتسم بخبث. أوقفت

الفتاة سيارتها أمام أحد المطاعم وهي تعي تماماً تتبع "آدم" لها. دخلت وطلبت فنجاناً من الشاي وجلست على إحدى الطاولات. دخل "آدم" يبحث بناظريه عنها إلى أن وقع نظره عليها. كانت فتاة جميلة وترتدي تنورة قصيرة وبلوزة مكشوفة الذراعين. توجه إلى طاولتها وجلس بدون أي دعوة. نظرت الفتاة إليه بنظرات تملؤها الإعجاب والدهشة في نفس الوقت.

قالت بترفع: -أفندم. هو حضرتك مش شايفني قاعدة هنا؟ قال وهو يعقد ذراعيه فوق الطاولة ويرمقها بنظرات جريئة: -لا شايفك.. وحسك كمان. قالت الفتاة مصطنعة الجدية: -لو سمحت قوم من هنا. عندك الترابيزات مالية المطعم. قرب كرسيه منها بجرأة وهمس لها وهو يرفع حاجبه بثقة: -عجبني المكان ده ومش هتحرك من هنا.

ابتسمت الفتاة وقد أعجبتها جرأته وثقته بنفسه. حضر النادل يحمل الشاي فطلب منه "آدم" فنجاناً آخر. قضى مع الفتاة قرابة الساعة في التعارف والدردشة وانتهى اللقاء بتبادل أرقام الهواتف ومضى كل منهما في طريقه وهو يلوح للآخر مودعاً. ***

رن جرس الهاتف إلى أن انقطع صوته ليعود مرة أخرى يرن بإصرار. تحركت الفتاة النائمة في منتصف الفراش وتمطت في كسل. وهمت بأن تأخذ الهاتف عندها انقطع صوت الرنين، فعادت إلى النوم مرة أخرى. لكنها استيقظت عندما سمعت صوت الرنين مجدداً. أمسكت هاتفها ونظرت بعينين نصف مفتوحتين إلى اسم المتصل ثم ألقت برأسها على الوسادة وهي ترد بصوت ناعس قائلة: -ألو. صاح صوت أنثوي قائلاً: -أيوة يا "آيات" انتي فين؟ فركت "آيات"

عينيها وهي تقول بصوت ناعس: -في السرير. صاح الصوت الأنثوي: -والله العظيم انتي بتهرجي. بدأت "آيات" في الاستيقاظ شيئاً فشيئاً وقالت: -ايه في ايه يا "أسماء"؟ صاحت "أسماء" بحدة: -انتي مش هتجيبيها لبر السنة دي. قومي يا فالحة عندك امتحان شيت كمان نص ساعة. هبت "آيات" جالسة على الفراش وهي تقول: -هااااااااااار أسود. هي الساعة كام؟ قالت "أسماء" بحنق: -11 ونص يا فالحة. صاحت "آيات" بفزع وهي تزيح الغطاء وتغادر الفراش:

-طيب اقفلي يا "أسماء" اقفلي. ألقت بهاتفها على الفراش وفتحت الباب وأخذت تصرخ قبل أن تتوجه إلى الحمام الملحق بغرفتها: -دادة.. دادة. دخلت "آيات" الحمام وفي سرعة فرشت أسنانها وتوضأت وخرجت من الحمام وهي تجفف وجهها بالمنشفة فاصطدمت بسيدة قصيرة القامة في العقد السادس من العمر تحمل ملامحها الطيبة والحنان. قالت "آيات" بعتاب وهي تتوقف بعد أن اصطدمت بها: -كده يا دادة "حليمة". مش قولتيلي امبارح تصحيني عشان عندي امتحان شيت.

قالت "حليمة" باستغراب: -يا بنتي انتي قولتيلي إن الامتحان بكرة مش النهاردة. خبطت الفتاة على جبينها وهي تقول بحنق: -أوف.. صح معاكي حق. قولتيلي كده. أنا غبية. أنهت "آيات" صلاتها وأسرعت بفتح الدولاب وأخرجت ملابسها في عجالة. ساعدتها "حليمة" وهي تقول: -براحة يا بنتي. في العجلة الندامة. صاحت "آيات" وهي تنزل ملابسها بسرعة: -ندامة إيه يا دادة. الامتحان هيضيع عليا. ده عليه 20 درجة من درجات المادة يعني لو ضاع مني هتسوح.

أمسكت "آيات" هاتفها لتنظر إلى الساعة وتصيح: -يا لهووووويز. باقي ربع ساعة.

توقفت "آيات" أمام المرآة لترتدي حجابها الذي أخذت في عجالة تلفه على شعرها بإحدى الطرق الحديثة التي رأتها على إحدى المذيعات في إحدى القنوات في التلفاز. ثم نظرت إلى وجهها الذي بدا بريئاً هادئاً بعينيها السوداوين التي لا تتميز بالاتساع لكنها أيضاً لا توصف بالضيق. وإلى بشرتها الخمري مائلة للسمرة والى شفاهها الرقيقة. مدت شفتيها في تبرم. ثم أخذت كريم الأساس الذي اشترته أفتح درجة من لونها الحقيقي ليضفي عليها لوناً أكثر بياضاً وأخذت قلم الكحل لترسم عينيها وتزيد من اتساعهما. ومررت قلم الروج على شفتيها بطريقة تزيد من سمكهما. ابتعدت خطوة لتنظر لنفسها في المرآة بعين الرضا. مدت "حليمة"

شفتيها في تبرم قائلة: -لو أبوكي شافك كده هيقطم رقبتك. التفتت إليها "آيات" بسرعة قائلة بلهفة: -هو لسه هنا؟ قالت "حليمة": -لا نزل الشركة من بدري. ابتسمت "آيات" وهي تلقي على نفسها نظرة سريعة في المرآة قائلة: -طيب وهيعرف منين. توجهت إلى حقيبة يدها في عجالة ووضعت فيها هاتفها ثم نظرت إلى "حليمة" قائلة: -باي يا دادة. قالت "حليمة" وهي تشيعها بنظراتها: -مع السلامة يا بنتي.

نزلت "آيات" درجات الفيلا بسرعة وتوجهت إلى الجراج وأخرجت سيارتها لتسير بها بسرعة عالية وسط شوارع القاهرة. *** -معلش يا دكتورة أصلها كانت تعبانة أوي امبارح وكانت في المستشفى. أنا اتصلت بيها وهي زمانها جاية. قالت المعيدة وهي تجمع أوراقها لتنصرف: -أنا مليش دعوة بالكلام ده. الامتحان له معاد محدد. قالت "أسماء" برجاء: -عشان خاطري يا دكتورة. انتي عارفة إن الامتحان ده عليه 20 درجة بحالهم. قالت المعيدة وهي تتوجه

إلى باب القاعة للخروج: -دكتور المادة حدد معاد محدد للامتحان وصحبتك اتاخرت. مش في إيدي بأه. كلمي دكتور المادة. وقفت "أسماء" أمامها تمنعها من الخروج وهي تخرج هاتفها قائلة: -يا دكتورة بقولك هي كانت تعبانة. وهي خلاص في الطريق. اتصلت بـ "آيات" وبمجرد أن انفتح الخط صاحت "أسماء": -أيوة يا "آيات" انتي فين؟ أتاها صوت "آيات" قائلاً بلهفة: -أنا خلاص بركن قدام الجامعة أهو. الامتحان خلص؟ قالت "أسماء": -تعالي على قاعة "أ" بسرعة.

أنهت "أسماء" المكالمة ونظرت إلى الدكتورة قائلة بلهفة: -خلاص هي داخلة الكلية أهي. أوقفت "آيات" سيارتها أمام الجامعة وخرجت منها مسرعة ودلفت من البوابة وهي تحث الخطى. إلى أن وصلت إلى مبنى كُتب عليه بخط كبير "كلية التجارة". صعدت "آيات" الدرجات بسرعة وتوجهت إلى القاعة "أ". استقبلتها "أسماء" على الباب قائلة: -بسرعة. وقفتها بالعافية. دخلت "آيات" وتوجهت إلى المعيدة قائلة وهي تلهث: -آسفة والله يا دكتورة. الطريق كان زحمة موت.

نظرت الدكتورة بشك إلى "أسماء" ثم نظرت إلى "آيات" قائلة: -الطريق كان زحمة ولا انتي كنتي تعبانة امبارح في المستشفى؟ وكزت "أسماء" "آيات" في ذراعها ففهمت "آيات" وقالت بسرعة: -كنت تعبانة جداً وبجد نزلت بالعافية رغم إن الدكتور كتبلي على راحة. واللي زاد وغطى إن الطريق كان زحمة كمان. نظرت إليها المعيدة وهي تعطيها ورقة الامتحان قائلة: -طيب يلا انجزي. لو دكتور المادة شافك هيبقى سين وجيم.

جلست "آيات" وأخذت تجيب على أسئلة الامتحان. انتظرتها "أسماء" بالخارج إلى أن أنهت الامتحان. شكرت "آيات" الدكتورة بابتسامة قائلة: -ميرسي يا دكتورة. جذبتها "أسماء" من ذراعها وتوجهت بها إلى كافيتيريا الكلية وجلستا على إحدى الطاولات. نظرت "أسماء" إلى "آيات" قائلة بغضب: -والله بتستهبلي. ده أنا كان ناقص أبوس إيد المعيدة عشان متمشيش. ضحكت "آيات" وهي تقول: -تسلميلي يا "سمسم". قالت "أسماء" بغيظ:

-أهو ده اللي انتي فالحة فيه. مبخدش منك غير كلام. قامت "آيات" وهي تقول: -طيب هروح أعزمك على نسكافيه حلاوة جدعنتك معايا النهاردة. صاحت "أسماء" بمرح: -نسكافيه بس؟ ده انتي المفروض تعمليلي حفلة. أنقذتي 20 درجة كانوا هيضيعوا عليك. قالت "آيات" بمرح وهي تنصرف: -مش لما أشوف هاخد منهم كام درجة الأول. عادت "آيات" حاملة أكواب النسكافيه البلاستيكية ووضعت كوباً أمام صديقتها. سمعت من خلفها صوتاً يهتف:

-ازيكوا يا بنات. عملتوا إيه في امتحان الشيت؟ جلست "آيات" وهي تنظر إلى الشاب خلفها قائلة: -ازيك يا ابني. عاش مين شافك. غطسان فين؟ مبشوفكش في السكاشن؟ قال الشاب مبتسماً وهو يجلس بين الفتاتين على الطاولة: -محسساني إننا في طب. يا بنتي دي تجارة. قالت "أسماء" بمرح: -طول عمرك فاشل يا "أحمد". قال "أحمد" مازحاً: -سيبنالكوا انتوا الدح.

أخذت "آيات" تشرب من كوبها ببطء. مد "أحمد" يده وأخذ الكوب الموضوع أمام "أسماء" ورشف منه قائلاً: -الله. كنت محتاج كوباية نسكافيه تظبطلي دماغي. صاحت "أسماء" بحنق: -ياباى على الغلاسة. متروح تجيبلك واحد. ده "آيات" جايباهولي. نظر "أحمد" إلى "آيات" وهو يرشف رشفة أخرى قائلاً: -مش مشكلة. تروح تجيبلك واحد تاني. قالت "آيات": -ليه إن شاء الله؟ مش قايمة تاني أنا. قامت "أسماء" وهي تقول بغيظ: -أوف. هروح أجيب أنا.

نظر "أحمد" إلى "أسماء" وهي تبتعد ثم التفت إلى "آيات" ورمقها بنظراته قائلاً: -عملتي إيه في الامتحان؟ قالت "آيات" بلا مبالاة وهي تتجول بعينيها في رواد الكافيتيريا: -كان لذيذ. بس فيه كام نقطة في التشوز وقعوا مني. ضحك "أحمد" قائلاً: -يا بنتي ده تشوز يعني اعملي حادي بادي. ابتسمت "آيات" قائلة بمرح: -ما أنا لما فشلت في إني أختار صح. عملت حادي بادي. قال "أحمد" وهو يرمقها بنظرة إعجاب واضحة: -بس انتي زي القمر النهاردة.

نظرت إليه "آيات" بحدة وقالت: -"أحمد". لو سمحت انت عارف إني مبحبش كده. قال "أحمد" بضيق: -ليه بأه؟ قالت "آيات" بحزم: -لأننا فريندز وبس. قال "أحمد" بتبرم: -وليه منكنش أكتر من فريندز يا "آيات". ليه منكنش... قطع كلامه بعدما أتت "أسماء" حاملة كوبها. جلست في مقعدها الذي تركته منذ قليل. قام "أحمد" قائلاً: -سلام. أشوفكوا بعدين. غادر "أحمد". ونظرات "أسماء" تتابعه. ثم نظرت إلى "آيات" بلؤم قائلة: -قالك إيه؟ قالت "آيات"

بلا مبالاة: -هيقولي إيه يعني. قالت "أسماء" مبتسمة بخبث: -فاكراني مفهمتش اللي حصل؟ قالت لها "آيات" بنفاذ صبر: -إيه اللي حصل يعني؟ قالت "أسماء": -اتعمد إنه ياخد من قدامي كوباية النسكافيه عشان أقوم أجيب لنفسي غيرها ويخلاله الجو. هتفت "آيات" بحنق وهي ترمق صديقتها بنظرات غاضبة: -ومادامتي عارفة كده إيه اللي خلاكي تقومي أصلاً؟ قالت "أسماء" ضاحكة: -مبحبش أبقى عزول يختي.

قالت "آيات" بغيظ وهي تنتقل إلى المقعد المجاور لـ "أسماء" وتفرك لحم ذراعها بين أصبعيها بقوة: -بطلي الأسلوب ده. مبحبوش. هتفت "أسماء" بألم: -دراعي يا مفترية. قالت "آيات" بتشفٍ: -أحسن عشان تحرمي تغيظيني تاني. قالت "أسماء" وهي تفرك ذراعها بيدها: -يا بنتي ده الواد هيموت عليكي من سنة أولى. بلي ريقه بأه. قالت "آيات" بتأفف: -أوف. ميت مرة أقولك أنا وهو فريندز وبس. فضينا بأه من السيرة دي. صمتت "أسماء" قليلاً ثم نظرت إلى "آيات"

قائلة بتهكم: -انسى اللي في بالك ده خالص. ارتبكت "آيات" ونظرت إليها قائلة: -تقصدي إيه؟ تبادلتا نظرة ذات معنى. إلى أن أشاحت "آيات" بوجهها. فقالت "أسماء": -طيب طمنيني على الأقل. الموضوع متطور معاكي لحد فين؟ صمتت "آيات" وأخذت تحرك الكوب الفارغ بين يديها. فقالت "أسماء": -خلاص براحتك. مش هضغط عليكي. التفتت إليها "آيات" قائلة بضيق: -اتخنقت. مش إحنا خلصنا؟ ما تيجي نقوم نلف بالعربية شوية أو نروح النادي؟ قالت "أسماء" باستنكار:

-عندنا النهاردة محاضرتين ورا بعض. قالت "آيات" وهي تنهض وتحمل حقيبتها: -كبرى. خرجت الفتاتان من الجامعة وتوجهتا إلى سيارة "آيات" وانطلقا بهما في شوارع القاهرة. *** دخل "أحمد" بسيارته الفيلا وأوقف سيارته في الجراج ثم صعد الدرجات يصفر بمرح. توجه إلى غرفته وشرع في تبديل ملابسه. نزل إلى الطابق السفلي وهو يدور بعينيه في المكان. إلى أن ظهرت الخادمة فسألها قائلاً: -بابا وماما هنا؟ فقالت الخادمة: -أيوة يا فندم في الجنينة.

خرج "أحمد" ليجد والدته واقفة تساعد والده في تقليم إحدى الأشجار بالحديقة. فأقبل عليها قائلاً بمرح: -يعني "فؤاد" بيه "الأسيوطي" بجلالة قدره وحرمه المصون واقفين بنفسهم بيقصوا الشجر. دي لو الصحافة شمت خبر هتبقى فضيحة بجلاجل. نظر إليه أبواه وضحكا عالياً. ثم قال له والده "فؤاد": -ليه بأه إن شاء الله؟ عيب ولا حرام؟ قالت أمه مبتسمة: -من إمتى بأه قص الشجر فضيحة؟ أقبل عليها "أحمد" وقبل يدها قائلاً بمرح:

-الإيدين الحلوة دي تتلف في حرير مش تقص شجر. ضحك أبوه قائلاً: -انت عارف إني بحب أعتني بالحديقة بنفسي ووالدتك بتحب دايماً تساعدني في كل حاجة أعملها. التفتت أمه إليه وقالت بلهفة: -قول لي عملت إيه في امتحان النهاردة؟ قال "أحمد" مبتسماً: -حليته بصابع رجلي الصغير. ضحك أبوه بتهكم قائلاً: -آه هتقولي على نباهتك. عارفها كويس. بدليل إنك بقالك 3 سنين في سنة رابعة مش عايز تطلع منها. قالت أمه بضيق:

-متعكننش عليه بأه. هو وعدني إنه هينجح السنة دي إن شاء الله. ثم التفتت إليه قائلة: -مش كده يا "أحمد"؟ قال "أحمد" مبتسماً: -طبعاً يا ست الكل. أنا وعدتك. قال "فؤاد" متهكماً: -طيب ما انت وعدتها السنة اللي فاتت واللي قبلها وبرده سقطت. قالت زوجته بضيق: -"فؤاد" بلاش كلمة سقطت دي. قال "فؤاد" صاخباً وهو يخلع الجوانتي السميك الذي يرتدي: -والله أنا مش عارف إيه آخرة دلالك فيه. ده لو بنت مش هتدلع كده؟ عانق "أحمد" أمه قائلاً:

-ربنا يخليكي ليا يا ماما. انتي اللي نصافيني في البيت ده. صاح "فؤاد" قائلاً: -أيوة اتلميتوا على بعض. ثم قال: -أنا رايح المكتب. لما الغدا يجهز نادولي. *** وضعت "آيات" هاتفها النقال بين أذنها وكتفها وجلست على فراشها تصبغ أظافر يدها بالمانكير. وتحدثت بضيق قائلة: -ما انتي عارفة بابا يا "أسماء". مستحيل هيرضى إني أسافر سفرية فيها بيات. قالت "أسماء" بضيق:

-باباكِ ده صعب أوي. وكمان مش سامح لك تتأخري بره البيت عن 10 بالليل. يعني إيه أخرك 10 بالليل. الناس أصلاً بتبتدي تخرج الساعة 10. قالت "آيات" بحنق: -خلاص بأه مش هنفضل نعيد ونزيد في الكلام. متخنقيش انتي كمان. قالت "أسماء" بحزن: -كان نفسي تيجي معايا أوي. زفرت "آيات" بضيق قائلة: -وأنا كمان. انتي عارفة إني بحب شرم أوي. بس مش هينفع موضوع البيات ده. ثم قالت: -طبعاً باباكِ وافق. ضحكت "أسماء" قائلة:

-آهااا. باباتي حبيبي وافق طبعاً. ماما اللي عصلجت شوية. بس بابا راضاني ووافق. قالت "آيات" بمرح: -باباكِ ده راجل سكر. مفيش زيه. يا سلام لو يقعد مع بابا شوية يعلمه إزاي يبقى أب فري كده. سمعت "آيات" طرقات على باب غرفتها فقالت: -ده أكيد بابا دي خبطته. خليكي معايا هشوفه وأرجعلك. ألقت "آيات" هاتفها على الفراش وأخذت تنفخ في أظافرها وتحركها في الهواء لتجففها. فتحت الباب ثم ابتسمت للرجل الوقور الذي يغطي الشيب رأسه قائلة:

-بابا حبيبي. اقترب منها الرجل وقبل رأسها قائلاً: -حبيبة بابا. قاعدة لوحدك وأنا قاعد لوحدي. متيجي نقعد نتفرج على التي في مع بعض. قالت "آيات" وهي تقبل وجنته: -حاضر يا بابا. هقفل بس مع "أسماء" و أنزل أقعد معاك. نظر والدها إلى هاتفها الملقى على الفراش وقال بمرح: -انتوا مبتبطلوش رغي أبداً. ضحكت "آيات" قائلة: -وإحنا ورانا إيه غير الرغي. مسح على شعرها قائلاً: -طيب يا حبيبتي هستناكي تحت.

شيعته بابتسامة ثم أغلقت الباب وعادت إلى هاتفها لتضعه على أذنها قائلة: -"أسماء" انتي لسه عايشة؟ ضحكت "أسماء" قائلة: -عايزاني أموت عشان مسافرش شرم للدرجة دي قلبك أسود وحقود؟ ضحكت "آيات" قائلة: -آه بصراحة متغاظة منك عشان هتروحي وأنا لأ. ثم قالت بجدية: -لا بجد أوى تفكري إن إني ممكن أحقد عليكي أو أبقى غلاوية كده. أنا مش كده والله يا "أسماء". قالت "أسماء" بسرعة: -انتي عبيطة يا بنت انتي. أنا بهزر معاكي. قالت "آيات":

-طيب يلا من غير مطرود عشان نازلة أقعد مع بابا. سيباه لوحده من ساعة ما جه من بره. قالت "أسماء" ضاحكة: -ساعات بحس إنك مراته مش بنته. يلا سلام أشوفك بكرة في الكلية. ثم هتفت قائلة: -عندنا بكرة امتحان شيت تاني. أوعي تروحي عليكي نومة زي النهاردة. لو نمتي تاني لا انتي صحبتي ولا أعرفك. مش هترجي المعيدة تاني. قالت "آيات": -لا متقلقيش يا "سمسم". هخلي دادة تصحيني. يلا باي. -باي. ***

جلست "آيات" على الأريكة بجوار والدها لمشاهدة التلفاز. كانت مندمجة في المشاهدة وهي تضع حبات الفشار في فمها بنهم. التف "عبد العزيز" والدها ينظر إليها وقد رسمت ابتسامة حانية على وجهه. لف ذراعه حول كتفيها وقربها منه مقبلاً رأسها. رفعت نظرها إليه مبتسمة فقال لها: -تعرفي يا "آيات" من يوم وفاة أمك الله يرحمها.. ومفيش حاجة مالية حياتي غيرك. انتي اللي منورة حياتي بوجودك فيها وأي حاجة غيرك متهمنيش. دفنت "آيات"

وجهها في صدره وهي تقول: -انت كمان يا بابا اللي وجودك منور حياتي. ربنا ما يحرمني منك أبداً. اقتربت دادة "حليمة" مبتسمة وهي تراهما هكذا. وقالت بصوت حانٍ: -يلا يا "آيات" يا بنتي عشان تنامي. عندك امتحان الصبح. نظر "عبد العزيز" إلى "آيات" بدهشة: -عندك امتحان الصبح؟ وأيه اللي مسهرك لحد دلوقتي؟ قالت وقد بدأ النعاس يزحف إلى عينيها: -مكنتش عايزة أنام. أوقفها والدها قائلاً بحزم: -يلا على أوضتك يا "آيات". ابتسمت "آيات"

وانحنت لتقبل وجنته قائلة: -تصبح على خير يا بابا. رد والدها مبتسماً: -تصبحي على خير يا حبيبتي. صعدت "آيات" إلى غرفتها. توجهت إلى الدولاب لتختار ما سترتديه في الغد. فغداً يوم مميز بالنسبة لها. لأنها غداً... سترآه. ***

بعد منتصف الليل بعدة ساعات.. دخل "آدم" بسيارته أحد أحياء القاهرة الشعبية وتوقف أمام إحدى البنايات. بدت سيارته الحديثة متناقضة مع الأجواء حولها. صعد "آدم" الدرجات برشاقة إلى أن توقف أمام أحد الأبواب وأخرج مفتاحه ليفتح الباب بهدوء. أغلق الباب خلفه وضغط على زر المصباح بجوار الباب. التفت وشهق بفزع: -خضتيني يا ماما.

نظر إلى المرأة الجالسة على مقعد الصالون الكبير. امرأة في العقد السادس من العمر يبدو عليها علامات الوهن والضعف. وقفت أمامه ونظرت إليه بتبرم قائلة: -كل يوم يا "آدم" ترجع وش الصبح. ده غير بياتك بره كل شوية والتانية. زفر "آدم" بضيق وهو يقول: -هو أنا صغير يا ماما. أنا راجل وعندي 32 سنة يعني مش عيل صغير. قالت أمه بعصبية: -وعشان ما انت راجل ومش صغير المفروض تصرفاتك تكون أعقل من كده يا "آدم". قال "آدم" وهو يتوجه إلى غرفته:

-نكمل خناق الصبح. أنا مصدع وعايز أنام. كاد أن يغلق باب غرفته فأوقفت أمه الباب بيدها ونظرت إليه قائلة: -اتعشيت؟ أومأت برأسه قائلاً: -أيوة.

نظرت إليه بعتاب ثم تركته ودخلت غرفتها. أغلق "آدم" باب غرفته التي كانت تحتوي على أثاث متواضع لكنه جيد. خلع قميصه وتوجه إلى حاسوبه وجلس ينظر إلى بريده الإلكتروني. زفر بضيق عندما لم يجد مبتغاه وأخرج سيجاراً وأشعله وظل ينفث دخانه بعصبية. ثم أغلق الحاسوب وتوجه إلى فراشه بعدما أنهى سيجاره وأغلق المصباح وغط في سبات عميق. *** استيقظت "آيات" من فورها بعدما نادتها "حليمة" قائلة: -"آيات".. اصحي يا بنتي عشان امتحانك.

كان يبدو عليها النشاط بعكس الأمس. أخذت دشاً سريعاً وارتدت ملابسها التي اختارتها بعناية الليلة الماضية. وكالعادة وقفت أمام المرآة تضيف على ملامحها البريئة لمسات تخفي بها براءتها وبساطتها وتظهرها كامرأة. توجهت إلى باب الفيلا فقالت بها "حليمة" قبل أن تغادر: -مش هتفطري يا "آيات"؟ قالت "آيات" وهي تلوح لها مودعة: -هفطر في الجامعة يا دادة. باي.

توجهت إلى سيارتها وانطلقت بها. توقفت أمام الجامعة وخرجت لترتدي نظارتها الشمسية التي أضافت عليها بعض الغموض. توجهت برشاقة إلى داخل الحرم الجامعي. قابلت "أسماء" في الكافيتيريا. فقالت "أسماء" بمرح: -كويس ناموسيتك مكنتش كحلي زي امبارح. يلا بينا نراجع خلاص مفيش وقت.

جلست الفتاتان معاً تراجعان بعض النقاط وتخبر كل منهما الأخرى عن توقعاتها لأسئلة الامتحان. ثم حان وقت الامتحان ودلفتا إلى داخل القاعة. جلس "أحمد" على المقعد المجاور لـ "آيات" ونظر إليها مبتسماً فبادلته ابتسامته. انتهى الامتحان وخرجت الفتاتان لتعودا إلى الكافيتيريا مرة أخرى. قالت "آيات" بضيق: -دكتور غبي. قالت "أسماء" بتبرم وهي تنظر إلى ورقة الأسئلة: -امتحان مستفز لأبعد حد. زفرت "آيات" بضيق قائلة:

-ده امتحان يجيبه في الشيت أمال في امتحان الترم هيعمل إيه. ده هينفخنا. قالت "أسماء" وهي تطوي ورقة الامتحان وتضعها في حقيبتها: -سيبك كبرى. تعالي نشرب حاجة نروق بيها دمنا. بعد نصف ساعة بدأت "آيات" في مراقبة ساعة الموبايل باهتمام. فنظرت "أسماء" إليها وهي تقول بلؤم: -فيه إيه كل شوية تبصي لساعة الموبايل؟ قالت "آيات" بغيظ: -وعرفتي منين إني ببص لساعة الموبايل؟ قالت "أسماء" بسخرية: -أمال بتبصي لإيه؟ للثيم مثلاً؟

لم تجبها "آيات" وتظاهرت بالانشغال بالنظر إلى رواد الكافيتيريا. مرت الدقائق لتعلن الساعة الواحدة إلا عشر دقائق. فأخذت "آيات" تلملم في أشياءها وهي تقول لـ "أسماء": -يلا يا "أسماء". قالت "أسماء" دون أن تتحرك من مكانها: -يلا فين؟ نظرت إليها "آيات" قائلة: -يلا عندنا محاضرة "إدارة أعمال" بعد عشر دقايق. قالت "أسماء" بلؤم: -اشمعنى يعني محاضرات "إدارة الأعمال" اللي بتصري نحضرها؟ قالت "آيات" وهي تنهض مغادرة:

-أنا هحضرها. عايزة تحضريها احضريها. مش عايزة استنيني هنا لحد ما المحاضرة تخلص. نهضت "أسماء" وهي تسرع خلف "آيات". جلسات متجاورتين في المدرج الذي ازدحم بالطلبة والطالبات. سألت إحدى الطالبات: -هو الدكتور اتأخر ليه؟ ردت أخرى: -متأخرش ولا حاجة. دي كلها 5 دقايق. ردت طالبة أخرى ضاحكة: -إن مكنش ده يتأخر أمال مين اللي يتأخر. قالت أخرى بهيام: -يخربيت كده. ده عليه جوز عيون يهبلوا.

شعرت "آيات" بالضيق وهي تستمع إلى تلك التعليقات. وفجأة انخفضت الأصوات تدريجياً وتعلق الأنظار بالشخص القادم. التفتت "آيات" تنظر إلى باب المدرج وقلبها يخفق بسرعة وارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها ونظرة حالمة في عينيها. دخل "آدم" المدرج ووقف على المنصة أمام المكتب بدلته الأنيقة وملامحه الوسيمة ونظرات كالبحر متلاطم الأمواج. نظر إلى الطلاب قائلاً بصوته الرخيم: -مساء الخير. ردد الطلاب: -مساء الخير يا دكتــور "آدم".

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...