الفصل 21 | من 32 فصل

رواية جواد بلا فارس الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم بنوته اسمرة

المشاهدات
30
كلمة
7,533
وقت القراءة
38 د
التقدم في الرواية 66%
حجم الخط: 18

شعرت "آيات" بالتوتر الشديد وهي تدلف إلى مكتب "فؤاد" والد "أحمد". حانت منها التفاتة إلى "أسماء" فوجدتها بنفس توترها. تبادلت الفتاتان النظرات قبل أن يقدمها "أحمد" إلى والده قائلاً: "بابا أحب أعرفك على "آيات" و "أسماء" .. زمايلي في الكلية" ابتسم "فؤاد" ووقف يمد يده ليسلم على الفتاتين قائلاً: "أهلاً بيكم" سلمت عليه "أسماء". أما "آيات" فتوترت، رفعت يدها قليلاً ثم تراجعت وقالت بارتباك شديد: "معلش يا عمو مش بسلم بإيدي"

أعاد "فؤاد" يده بجواره ثم أشار لهما بالجلوس قائلاً: "اتفضلوا" جلست الفتاتان في مقعدين متواجهين. أما "أحمد" فجذب مقعداً وجلس بالقرب من "آيات". عقد "فؤاد" كفيه فوق المكتب وقال: "ها تحبوا تشربوا إيه؟ ضغط زرًا بجواره، فحضرت السكرتيرة على الفور ثم انصرفت تحضر ما طلبوه. بدأ "فؤاد" حديثه قائلاً: "أحمد كلمكم عن طبيعة الشغل اللي محتاجكم فيه؟ قبل أن تجيب الفتاتان، أسرع "أحمد" بالإجابة قائلاً:

"لا يا بابا ما قولتلهمش حاجة .. قولت حضرتك تشرحلهم أفضل" رجع "فؤاد" بظهره إلى الخلف ثم قال: "أنا ناوي إن شاء الله أعمل مشروع سياحي .. قرية سياحية في العين السخنة" نظرت الفتاتان إلى بعضهما البعض في دهشة. فلاحظ "فؤاد" دهشتهما فضاقت عينيه قائلاً: "في حاجة؟ التفتت "آيات" إليه وتنحنحت ثم قالت: "لا أبداً .. بس ابن عمي برضه عامل مشروع سياحي في العين السخنة وكان عارض علينا نشتغل معاه" قال "فؤاد" باهتمام: "اسمه إيه ابن عمك؟

"عاصي سراج اليماني" رفع "فؤاد" حاجبيه بدهشة وهتف: "إنتي بنت أخو "سراج اليماني"؟ حانت منها التفاتة إلى "أسماء" ثم نظرت إليه قائلة بتوتر: "أيوة" صمت "فؤاد" وقد بدا عليه التفكير. سأله "أحمد" باهتمام: "ليه في حاجة يا بابا .. حضرتك تعرفه؟ عقد "فؤاد" ذراعيه مرة أخرى فوق المكتب ونظر إلى "آيات" قائلاً: "قرية "سراج اليماني" اسمها قرية الفيروز ودي جنب قريتنا بالظبط" أومأت "آيات" برأسها وقد غرقت في التفكير. نظر إليها "فؤاد"

نظرة ثاقبة وقال: "وقرية "شكري ....... " اسمها جولدن بيتش ودي كمان جنب قريتها" فجأة تجمدت الدماء في عروقها عندما سمعته يقول: "ومديرها دكتور "آدم خطاب"" بدا على "أسماء" الدهشة وهي تستمع إلى "فؤاد". أما "آيات" فقد بدا عليها الضيق. رمق "أحمد" والده بنظرات عتاب وكأنه يقول: لماذا أخبرتها؟ خشي "أحمد" أن تتراجع "آيات" عن العمل في القرية بعدما علمت بأنها ستعمل في قرية منافسة لـ "سراج" عمها، و "آدم" خطيبها السابق.

نظرت "أسماء" إليها ترقب تعبيرات وجهها علها تستشف ما تفكر فيه وما تنوي فعله. ظلت "آيات" صامتة ترمق السجادة في شرود. أكمل "فؤاد" حديثه قائلاً: "شغلك انتي و "أسماء" لو وافقتوا تشتغلوا عندي .. مش هيكون في القرية فمتقلقيش مش هتحتكوا بحد منهم .. شغلكوا هيكون هنا في المكتب السياحي اللي هنستقبل فيه الحجوزات واللي هنعمل منه الدعاية للقرية" التفتت "آيات" تنظر إلى "فؤاد" وهي تسأله باهتمام: "هنشتغل إيه بالظبط؟

"أنا محتاج ناس بتحب شغلها وناس متفرغة لأن الشغل الفترة الجاية هيكون متعب .. أنا مش داخل منافسة زي دي عشان أخسرها .. وداخل وأنا عارف كويس حجم منافسيني .. ولازم أتفوق عليهم .. عشان كده محتاج معايا ناس بتعشق النجاح .. وتكره الفشل" ثم قال: "وعلى قد ما هتدوا لشغلكم على قد ما شغلكم هيديكوا .. يعني اللي بيتعب معايا بيلاقي نتيجة لتعب" صمتت "آيات" تزن كلماته في عقلها ثم قالت: "طيب هل في ملف خاص بالمشروع أو ملخص عنه؟

"أكيد فيه" "طيب أحب أشوفه وأدرس الموضوع الأول قبل ما أوافق" ضحك "فؤاد" قائلاً: "محسساني إني بتكلم مع سيدة أعمال من الدرجة الأولى" شعرت "آيات" بالجرح وقالت:

"أنا بس حابة إني أتأكد إن كل حاجة هتكون مظبوطة .. أقصد إن مش هيبقى فيه حاجات تغضب ربنا .. أنا كنت في الجامعة وفي ثانوي بعشق الرحلات .. وزرت العين السخنة كتير قوي وأعرفها كويس جداً .. وروحت قرى كتير بصراحة كان فيه حاجات كنت بضايق منها بس مكنتش بهتم .. لكن دلوقتي يهمني إني لما أشتغل في مكان ميكونش فيه حاجة غلط بتحصل .. عشان مش هشيل ذنبها"

ابتسم "فؤاد" وهو يخرج إحدى الملفات من درج مكتبه ويضع فوقها سي دي ويضعهم أمام "آيات" قائلاً: "دي نسخة من البريزنتيشن اللي بقدمه للعملاء .. وده سي دي فيه صور القرية والمناطق اللي حوالي ها" أخذتهم "آيات" قائلة: "إن شاء الله هرد على حضرتك خلال يومين بالكتير" التفت "فؤاد" إلى "أسماء" قائلاً: "وانتي يا "أسماء"؟ ابتسمت "أسماء" وقالت في كياسة: "طبعاً أنا يشرفني جداً إني أشتغل عند حضرتك يا أستاذ "فؤاد""

"خلاص يبقى اتفقنا .. ادرسوا الموضوع كويس ومنتظر ردكم عليا .. خلاص المكتب انتهينا من تشطيباته وبكرة بالكتير يكون اتفرش .. فمحتاج رد في أقرب وقت" *** جلس مدحت والد "أسماء" أمام التلفاز وهو لا يعي ما يدور. سمع المفتاح يدور في الباب فهب واقفاً وعلامات الغضب على وجهه. نظرت إليه زوجته الجديدة قائلة: "انت هنا يا بي" عقد ذراعيه أمام صدره قائلاً: "أيوة هنا .. كنتي فين؟ قالت في تبرم: "كنت مع صحابي" زمجر في غضب:

"طبعاً بتصرفي في الفلوس اللي سحبتيها امبارح" ارتبكت وقالت: "أنا كنت محتاجة مبلغ وخدته .. وبعدين انت ادتني الكريدت عشان لو احتجت حاجة أسحبها" صاح بغضب هادر: "ممكن أفهم كنتي بتعملي إيه بـ 15 ألف جنية؟ زفرت بحنق وقالت وهي تلوح بيديها: "اشتريت شوية حاجات" "أيوة إيه هي الحاجات اللي اشتريتيها دي؟ هتفت بغضب وهي تتوجه إلى غرفة النوم: "حاجات وخلاص" انقض عليها جاذبًا إياها من ذراعها وهو ينظر إليها بشراسة قائلاً:

"أوعي تكوني فاكراني نايم على وداني .. أنا عارف كويس إنتي عملتي إيه بالفلوس دي" بلعت ريقها بصعوبة وقالت وهي تخفي خوفها: "إيه الكلام ده؟ قال بعنف: "أنا عارف كويس إنك لسه بتقابلي التيييييييييييت خطيبك .. وإنك ادتيله الفلوس دي" شعرت بالصدمة لكنها تمالكت أعصابها وقالت: "إيه الكلام الأهبل ده؟ لطمها على وجهها فتأوهت بألم. قال بحزم: "أنا اللي غلطان من الأول إني اتجوزت عيلة زيك متعرفش يعني إيه مسؤولية" صاحت وهي تمسح

بكفها على وجنتها المتألمة: "احمد ربنا إني رضيت بواحد زيك شايب وعايب" لطمها مرة أخرى صارخًا فيها: "لمي هدومك وامشي اطلعى بره .. انتي طالق" ضحكت بسخرية قائلة: "قال يعني طردتني من الجنة .. بلا أرف" ألقى بجسده فوق أحد المقاعد وهو يدفن وجهه بين كفيه ويشعر بأن عالمه ينهار من حوله. *** في المساء وقف "آدم" أمام البحر الهادر يراقب موجاته الغاضبة التي ترسل الزبد تحت قدميه. اقترب منه "زياد" قائلاً وهو يلهث:

"إيه يا ابني انت فين دوختني عليك" التفت إليه "آدم" بصمت. وقف "زياد" أمامه يتفرس فيه قائلاً: "انت كويس؟ أومأ "آدم" برأسه. فقال "زياد": "أنا رجعت النهاردة من شرم لقيت كل اللي في القرية بيتكلموا عن اللي حصل النهاردة" عاد "آدم" ينظر إلى البحر مرة أخرى وهو لا يزال محتفظاً بصمته. سأله "زياد": "انت بجد منعت الخمور من القرية .. وشلت من المنيو الأكلات اللي بتتعمل بيها؟ أومأ "آدم" برأسه دون أن ينظر إليه. فأكمل "زياد" مبتسماً:

"وعرفت كمان إنك قلبت الملهى الليلي لقاعة بلياردو وبولينج .. وإن المهندس هييجي من بكرة يعاين المكان" التفت "زياد" ينظر إلى البحر لبرهة. ثم نظر إلى "آدم" قائلاً: "هو ده اللي كان لازم يحصل .. أنا كمان مكنتش مرتاح للحاجات دي .. كنت حاسس إن بركة فلوسنا كانت ناقصة" تحدث "آدم" قائلاً بحزم: "قول فلوسنا كانت حرام أصلاً" ركل "زياد" الرمل بطرف حذائه ثم قال: "معاك حق" ثم تنهد في ضيق قائلاً:

"رغم إن الواحد عارف كده بس للأسف ساعات بنضعف قدام المغريات المادية" ثم وضع كفه على كتف "آدم" وقال مبتسماً: "بس برافو عليك" ساد الصمت بينهما إلى أن قطعه "زياد" قائلاً: "بس يا ترى إيه هيكون رد فعل "شكري" لما يعرف .. تفتكر ممكن يعترض؟ قال "آدم" بحزم وهو يراقب موجة عالية تبتلع أخرى: "يتفلق .. لو مش عاجبه يخبط دماغه في الحيطة" التفت "آدم" ليغادر المكان.

جلس "زياد" على الرمل وهو يراقب الأمواج بدوره. ثم أراح ظهره فوق الرمال ينظر إلى النجمات القليلة التي تتلألأ في السماء وهو يقول لنفسه: "إيه يا "زياد" مش ناوي تلاقي نصك التاني بقى" ثم رفع ذراعيه إلى السماء قائلاً بمرح: "ابعتهالي يارب" *** جلست "آيات" على الأرض في حجرة المعيشة تفترش أمامها الصور والأوراق التي كانت موجودة في الملف الذي أعطاها إياه "فؤاد". أقبلت عليها "أسماء" حاملة كوبين من الشاي الساخن.

وضعت أحدهما بجوار "آيات" ثم جلست على أحد المقاعد تنظر إلى صديقتها المنهمكة في مطالعة الأوراق والصور ثم قالت: "ها إيه الأخبار؟ حكت "آيات" رأسها ثم قالت وهي تنظر إلى إحدى الأوراق في يدها: "بصراحة مشروع جبار .. ولو اتعمله دراسة جدوى صح مكاسبه هتكون رهيبة .. الموقع فعلاً خرافي .. رغم إني حافظة العين السخنة بس عمري ما شوفت فيها مكان بالروعة دي" قالت "أسماء" باهتمام: "هتوافقي يعني؟ نظرت إليها "آيات" قائلة بشرود:

"لسه مقررتش .. فيه حاجات قلقاني" "إيه اللي قالقك مش بتقولي مشروع كويس؟ ثم هتفت "أسماء" بتهكم: "وبعدين يا "آيات" ملف إيه اللي بتدروسيه .. محسساني إني هدخل شريكة في المشروع .. يا بنتي ده انتي يدوبك شغالة في المكتب السياحي .. ده إيه الهم ده يارب" قالت "آيات" بحزم: "لازم أعرف كل حاجة عن المكان اللي هشتغل فيه .. افرضي اشتغلت في المكتب السياحي وفي الآخر اكتشفت إن فيه حاجات حرام بتحصل في القرية دي .. أشيل ذنبهم يعني؟

قالت "أسماء" بحدة: "حاجات حرام إيه يا بنتي متنرفزينيش .. دي قرية محترمة هيحصل فيها إيه يعني؟ قالت "آيات" بهدوء:

"يحصل فيها اللي كنا بنشوفه في القرى اللي بنروحها يا "أسماء" .. ستات عريانة ماشية يمين وشمال .. بيسين مينفعش تنزليه إلا وانتي لابسة بيكيني والرجالة راحة جاية عينهم تندب فيها رصاصة .. والبيرة اللي كانت بتتشرب زي البيبسي بالظبط .. ده غير المناظر اللي كنا بنشوفها عيني عينك كده من غير أي كسوف ولا خجل .. ويا سلام بقى على الأجانب اللي كنا بنتكعبل فيهم على الشط والواحدة منهم قلعة كل هدومها ونايمة على الأرض تعمل حمام شمس .. مش ده اللي كان بيحصل في القرى اللي بنروحها يا "أسماء"؟

قالت "أسماء" بتبرم: "يعني نعمل إيه .. نقول للرجالة اتلموا ومتبصوش على البنات وهي ماشية على البحر أو وهي نازلة البسين .. ولا نقول لكل بنت اياكي تعملي علاقة مع واحد في القرية عشان مناخدش ذنبك؟ ثم قالت بتهكم: "لو كل الناس فكرت بطريقتك يبقى السياحة هتضرب وكل واحد صاحب قرية يقفلها ويقعد في بيته أحسن .. ويبقى بلد زي مصر خسرت أهم مصادرها للدخل القومي .. يا بنتي لو كل الناس فكرت زيك كده كان البلد خربت" ابتسمت "آيات"

بثقة وهي تقول بتحدي: "طيب .. أنا بقى هعمل دراسة جدوى للمشروع ده بالطريقة اللي أنا شايفاها .. هحط فيها كل الأفكار اللي في دماغي .. وهنحسبها بالورقة والقلم .. ونشوف إذا أفكاري دي اتنفذت السياحة فعلاً هتضرب ولا لأ" ابتسمت "أسماء" بسخرية وهي تنهض قائلة: "والله انتي مخك تعبان"

نظرت "آيات" إلى الأوراق أمامها. ثم حملتهم جميعهم وتوجهت إلى غرفة المكتب والتي تحتوي على الحاسوب الساكن في ركن الغرفة. ثم شرعت تدق بأناملها فوق لوحة المفاتيح في تؤدة. *** لم يشعر بمضي الوقت وهو يتأمل صورتها. امتدت أصابعه لتتلمس الشاشة. ذلك الوجه البريء الخالي من أي شيء مصطنع. تلك النظرة البريئة والبسمة الرقيقة. امتدت يده إلى درج مكتبه ليخرج منها تلك الورقة التي تمزق قلبه كلما تطلع إليها. شهادة وفاة.

نظر بعيون ثكلى إلى اسمها الذي كان يأمل أن يراه على عقد زواجهما. لكن إرادة الله سبقت أمانيه. أخذ شهيقاً عميقاً ليزفر معه ما يعتمل في صدره من ألم. لكن هيهات. لا سبيل للخلاص من هذا الألم. تناول مصحفه من فوق المكتب. وأخذ يقرأ فيه. علا صوته في التلاوة ليصل إلى مسامع أمه. ابتسمت في حنو وهي ترنو إلى غرفته ببصرها. كم اشتاقت لسماع ترتيله العذب. وصوته الخاشع يطرب أذنيها المرهفتين. انتهى من التلاوة بعدما دامت لما يقرب من ساعة.

أطلت برأسها من الباب الموارب وابتسمت في حنو قائلة: "أجيبلك تتعشى يا "آدم"؟ هز رأسه نفياً. ففتحت الباب أكثر ودخلت قائلة: "يا حبيبي انت على لحم بطنك من الصبح .. مفطرتش وحتى في الغدا مأكلتش إلا لقمتين .. عشان خاطري يا حبيبي أحضر لقمة ناكل سوا .. ماشي" أومأ برأسه إيجاباً إذعاناً لإصرارها فابتسمت قائلة: "إن شاء الله يبارك لي فيك" أحضرت صينية كبيرة موضوع عليها ما لذ وطاب. وضعتها فوق الطاولة ونادت عليه.

جلس بجوارها يلوك الطعام في فمه وكأنه لا يشعر بمذاقه. قالت مبتسمة: "عجبك الأكل؟ قال بخفوت: "أيوة يا ماما تسلم إيدك" ربتت على ظهره وهي تضع أمامه المزيد من الطعام. نظر إليها قائلاً: "على فكرة أنا منعت الخمرة واللحوم الحرام من القرية .. والملهى هنقلبه صالة ألعاب" اتسعت ابتسامة والدته فقال لها: "حبيت أعرفك عشان تعرفي إن فلوسي معادش حرام" قالت له في حماس:

"ربنا يبارك فيك يا ابني ويصرف عنك كل سوء .. أهو كده انت ابني "آدم" اللي طمرت تربيتي فيك" ابتسم بوهن وأمسك كفها قائلاً: "ربنا يخليكي ليا يا ماما وجودك جمبي فارق معايا" وضعت يدها الأخرى فوق كفه وقالت: "وهتلاقيني لآخر يوم في عمري جنبك ووراك .. لو وقعت أقومك .. ولو تعبت أداويك .. انت ابني وحتة مني نفسي أشوفك أحسن واحد في الدنيا دي" ثم استدركت قائلة: "مش بالمال ولا بالجاه .. لكن بالأدب والدين والأخلاق"

قبل "آدم" يدها قائلاً بتأثر: "عارفة لو كل الأمهات زيك .. كان شباب كتير حالهم انصلح .. لكن فيه أمهات بدل ما تدعي لابنها بالهداية بتدعي عليه .. ومتعرفش إن دعاء الأم مستجاب .. فيه أمهات بتدمر ولادها بلسانها .. بكلمة منها تخرج في ساعة إجابة ربنا يتقبل دعاءها على ابنها" ابتسمت أمه في حنو وقالت:

"عمر ما قلبي طاوعني أدعي عليك .. حتى لما كنت قاسي عليا كنت بدعيلك بالهداية .. والحمد لله أهو ربنا استجاب وهداك وصلح حالك وبارك لي فيك يا "آدم"" *** شعرت "مديحة" والدة "أسماء" بالصدمة عندما فتحت الباب لتجد زوجها أمامها. نظرت إليه لبرهة وقد تجمدت في مكانها. ثم قالت: "أفندم عايز إيه؟ لم يجبها بل اندفع للداخل فتراجعت للوراء. أغلق الباب خلفه فصاحت: "امشي اطلعى بره" نظر إليها بصرامة قائلاً:

"أسماء هربت من البيت ليه يا "مديحة"؟ اشتعلت عيناها غضباً وهتفت: "انت جاي تفتكر بنتك دلوقتي .. صباح الخير يا "مدحت"؟ اشتعلت عيناه غضباً هو الآخر وقال: "بنتك لفيت عليها في كل حتة وسألت طوب الأرض عليها ومحدش عارف هي فين .. إيه اللي خلاها تسيب البيت انطقي" قالت بصوت مضطرب وهي تحاول أن تطمئن نفسها: "متقلقش هي أكيد عند "آيات" صحبتها" قال بوجوم: "آيات ماتت" شهقت "مديحة" واضعة كفها فوق فمها وقالت: "ماتت .. ماتت إزاي؟

"العمارة اللي كانت ساكنة فيها وقعت في الزلزال" دمعت عيناها وهي تهتف بفزع: "و "أسماء"؟ .. "أسماء" حصلها إيه يا "مدحت"؟ زفر بيأس قائلاً: "أسماء مكنتش معاها" صرخت قائلة والدموع تنهمر من عينيها: "انت واثق .. واثق إن بنتي مكنتش معاها؟ "أيوة واثق" ثم اقترب منها ينظر إليها وقال بصرامة: "إيه اللي خلى "أسماء" تمشي؟ قالت بصوت باكي:

"معرفش .. قالت كلام عن إن "هاني" ضايقها .. بس "هاني" بيقول إنه معملهاش حاجة .. معرفش هي كانت بتقول كده عشان تلفت الانتباه ليها ولا زي ما أختي بتقول إن "هاني" عجبها ولما مدهاش وش طلعت الكلام ده عليه" صمت "مدحت" قليلاً يستوعب ما قالت ثم بدا وكأن جنونه قد جن وصاح: "هاني ابن أختك؟ .. عملها إيه .. "أسماء" قالتلك إيه؟ قالت بمزيج من الخجل والحيرة والندم: "قالت إنه كان بيدخلها أوضتها و إنه ... بيتحرش بيها"

أمسكها "مدحت" من ذراعيها بقسوة قائلاً: "وصدقتيه وكذبتيها؟ .. كدبتي بنتك يا "مديحة"؟ قالت بإضطراب وهي تشعر بالألم من قبضتيه على ذراعيها: "هاني مش ممكن يعمل كده .. الولد متربي كويس و ......... لم ينقذها من بين يديه سوى سماعه لصوت الباب من خلفه. أطل "هاني" برأسه. وما كاد يدخل المنزل حتى ترك "مدحت" ذراعي "مديحة" ليهوي على وجه "هاني" بصفعة ألصقته بالجدار. نظر "هاني" بدهشة وصدمة إلى "مدحت". وصرخت "مديحة" قائلة:

"سيبه يا "مدحت"! لم يلتفت إليها بل جذبه من شعره وأعقبه بصفعة أخرى فجرت الدماء من شفتيه وأخذ يصيح ويئن بألم. صرخ "مدحت" بغضب: "عملت إيه في بنتي يا تيييييييييييييييييت" تحاول "هاني" التحدث لكن "مدحت" لم يدعه له الفرصة. صرخ بصوت مكتوم بعدما سدد له "مدحت" ركلة في بطنه احتقنت لها الدماء في وجهه وهو يشعر بصعوبة شديدة في التنفس. أقبلت أمه من الخارج تصرخ وتولول: "انت اتجننت انت بتعمل إيه في ابني؟

جثت على ركبتيها بجوار "هاني" تتفحصه وهي تصيح بغضب في "مدحت": "انت بتمد إيدك على ابني .. والله لأوديك في ستين داهية" ثم نظرت إلى أختها قائلة: "لمي هدومك وامشي اطلعى بره انتي وجوزك والله لأحبسكوا انتوا الاتنين" وضعت رأس "هاني" الدامي على صدرها وهي تبكي قائلة: "هاني .. عمل فيك إيه الحيوان ده؟ اقترب "مدحت" وبصق في وجه "هاني" الجالس على الأرض وقال في صرامة: "اتفو عليك عيل تيييييييييييت"

انصرف "مدحت" بينما توجهت "مديحة" الباكية تجمع أغراضها في عجالة وهي تبكي في لوحة وحسرة وندم. قام "هاني" بمساعدة أمه التي لم تتوقف عن النحيب والوعيد لأختها وزوجها. أجلسته على الأريكة. في تلك اللحظة خرجت "مديحة" من الغرفة فهجمت عليها أختها تجذبها من ملابسها وتصرخ فيها: "مش عارفين تربوا بنتكوا وجايين تتشطروا على ابني .. روحي شوفي بنتك التيييييييييت هربت مع مين وبعدين ابقي تعالي كلميني" نظرت إليها "مديحة" بغضب

بأعينها الدامعة وهي تقول: "حسبي الله ونعم الوكيل فيكي انتي وابنك .. بس مش غلطتكوا .. دي غلطتي إني مصدقتش بنتي ودافعت عن ابنك التييييييييييت" جذبت ذراعها من بين يديها وخرجت لا تدري إلى أين تذهب. فلا هي تملك المال ولا تملك المكان. مكانها الوحيد كان بيتها الذي طُردت منه وها هي الآن تُطرد من بيت أبيها الذي تعلم جيداً أنه لا حول له ولا قوة أمام عنفوان ابنته.

نزلت الدرج وهي تفكر في ابنتها الضائعة التي انتهجت خطواتها من قبل. ونزلت بحقيبة ملابسها لا تدري إلى أين تذهب. عزمت على التوجه إلى الصاغة لبيع إحدى مصوغاتها الذهبية إلى أن تبحث عن عمل وهي التي كانت تعيش منعمة مرفهة في بيت زوجها. صدمت عندما نظرت إلى "مدحت" الذي لا يزال واقفاً أمام بوابة المنزل. أقبل نحوها وأشار إلى السيارة بصرامة قائلاً: "اركب" قالت بكبرياء:

"لا مش راكبة .. وبعدين مش خايف مراتك الجديدة تشوفك وانت بتوصلني؟ فتح باب السيارة وقال بغضب وعيناه تنذران بالشر: "بقولك اركبي أنا روحي في مناخيري متجننينيش" لا تعلم لما استسلمت وركبت. حطم كرامتها وكبرياءها ولن تسامحه أبداً. بدا أيضاً وكأنه لا يطيق وجودها بجواره في السيارة. لكن كان يجمعهما الآن شئ مشترك أهم بكثير من مشاعر كليهما تجاه الآخر. قال بجدية:

"دلوقتي عايزين نحصر أسماء الناس اللي "أسماء" تعرفهم ونروح لهم واحد واحد" قالت "مديحة" بعصبية: "انت فاكرني هستناك .. أنا عملت كده واتصلت بكل اللي تعرفهم محدش عارف مكانها" "نحاول تاني وتالت ورابع .. مفيش قدامنا غير كده" نظرت إليه بحقد قائلة: "ما انت لو كنت أب وزوج محترم مكنش ده حصل .. لكن انت ......... دوس مكابح السيارة بقوة حتى أصدرت صريراً مرعباً. كادت أن يصطدم رأسها في الزجاج الأمامي.

وقبل أن تأخذ أنفاسها التفت إليها "مدحت" هاتفاً بصوت صم آذانها: "أنا راجل مش محترم و تيييييييييييت .. انتي بقى إيه يا أم يا فاضلة .. في أم تسيب بنتها تحت إيد تييييييييييت زي ده .. في أم تكدب بنتها وتصدق ابن أختها .. في أم تسيب بنتها تنزل من بيتها بشنطة هدومها متعرفش هي راحة فين .. ردي عليا يا "مديحة"؟ لم تستطع "مديحة" الرد. بل لم تستطع حتى النظر إليه. انهمرت عبراتها وهي تتطلع أمامها وشعور عميق بالندم ينهشها.

أدار "مدحت" السيارة مرة أخرى في عصبية وهو يقول: "هترجعي معايا البيت لحد ما نشوف حل للمصيبة اللي احنا فيها وأطمن على بنتي .. بعدها نتطلق وكل واحد يروح لحاله" لم ترد "مديحة" سوى بمزيد من العبرات المنهمرة. ومزيد من الشعور بالندم. *** "أيوة أسمع عنه .. ابنه كان عندي في الكلية" قال "آدم" ذلك موجهاً حديثه إلى "زياد" بعدما عرف منه بأن "فؤاد" هو الذي استأجر القرية الثالثة.

تذكر "آدم" يوم أن هتف "أحمد" وسط الجامعة معلناً حبه لـ "آيات". تذكر يومها كيف هرعت إلى مكتبه لتخبره بأنها لا تبادله مشاعره. علم وقتها بأنها تحمل له هو مشاعر خاصة دفعتها إلى التصرف بتهور والإقدام إلى مكتبه لشرح الأمر. تنهد وهو يتذكر مدى طيبتها ووضوحها وبرائتها. أخرجه "زياد" من شروده قائلاً:

"بس لسه مش عارفين مين المدير اللي هيجيبه للقرية .. بس بيقولوا إنه محتاج شريك معاه عشان يقدر يفتتح القرية وفي اتنين رجال أعمال عارضين شراكتهم بس لسه متفقش مع حد فيهم" أومأ "آدم" برأسه وهو يقول: "فؤاد رجل أعمال محترم بس ملوش في شغل السياحة .. يعني ميُعتبرش منافس قوي بالنسبة لنا .. تلاقيه حب يجرب حظه .. بس أنا واثق إنه مش هيستمر .. ده إذا لقى حد يشاركه أصلاً" قال "زياد" وهو يمُط شفتيه:

"أنا كمان شايف كده .. مفيش داعي للقلق" سمعا صوت طرقات على باب الشاليه فهب "آدم" واقفاً ليرى القادم. شعر بالإمتعاض وهو يرى "ساندي" أمامه. ابتسمت قائلة: "هاي ازيك يا "آدم"؟ قال "آدم" وعلامات الجدية على وجهه: "كويس الحمد لله" هتفت بمرح: "حسيت إني هموت من الملل قولت آجي أعد معاك انت وطنط .. بصراحة حبيتها أوي وأنا وهي بقينا صحاب خلاص" التفت "آدم" بتبرم ونادى والدته. أسرعت بالقدوم لترى "ساندي" أمامها. أقبلت عليها "ساندي"

تقبلها وهي تقول: "ازيك طنط عاملة إيه دلوقتي؟ ابتسمت والدة "آدم" قائلة: "بخير يا بنتي تسلمي" تركهما "آدم" وتوجه إلى غرفة المعيشة حيث "زياد" وأشار له قائلاً: "قوم نخرج" قال "زياد" وهو يتلفت حوله: "مين اللي جه؟ قال "آدم" بتأفف: "ساندي" نظرت "ساندي" إلى "آدم" الذي مر بجوارها متوجهاً إلى باب الشاليه وهتفت: "انت خارج؟ التفت إليها قائلاً بتهكم: "ده بعد إذنك" شعرت بالغيظ. قال لها "زياد" وهو يلحق بصديقه: "إزيك يا "ساندي"؟

قالت وهي شاردة وعلامات الضيق على وجهها: "كويسة" أغلق "زياد" الباب خلفه. رسمت "ساندي" على شفتيها ابتسامة مصطنعة عندما قالت لها والدة "آدم": "اتفضلي يا ابنتي اقعدي" جلست في تبرم. فآخر ما كانت تريده عندما قدمت إلى الشاليه هو مجالسة والدة "آدم". *** وقف "عاصي" في شرفة الشاليه الخاص به يمسك بيده كأساً من الخمر وفي اليد الأخرى الهاتف. أرجع رأسه للخلف وانفجر ضاحكاً وهو يقول:

"أيوة أظاهر كده .. قولتلك من الأول إنه عيل غبي .. رايح يمنع الخمرة من القرية لأ وقلب الملهى الليلي لصالة ألعاب" انفجر في الضحك مرة أخرى وهو يقول: "احترس السيارة ترجع للخلف" قال "سراج" على الطرف الآخر: "أنا مش عارف هو بيخطط لايه بالظبط" قال "عاصي" بحقد: "هيكون بيخطط لإيه يعني ده عيل تييييييييت متخفش منه" رشف رشفة من كأسه ثم قال:

"لا والتاني اللي اسمه "فؤاد" اللي رايح يأجر قرية جنب حيتان زينا .. أهو ده بقى غباؤه ملوش وصف .. واحد لسه بيقول يا هادي في شغل السياحة مش يختار مكان مفيهوش منافسين كبار زينا .. لا جاي راشق في النص .. يشرب بقى" ثم قال: "ده حتى مش عارف يشيل الليلة لوحده وبيدور على شريك" "هو لقى شريك ولا لسه؟ قال "عاصي" بثقة: "لا لسه .. متقلقش أنا بعرف الأخبار أول بأول .. وأول ما هعرف حاجة هبلغك .. بس اطمن "فؤاد" هو آخر شخص نخاف منه"

قال "سراج" وهو يوافقه الرأي: "معاك حق" *** جلست "آيات" في مكتب سكرتيرة "فؤاد" وهي تتذكر بضيق قدوم "أحمد" ذلك اليوم ودسه لرزمة مالية في يدها وأخبرها أنها ستخصم من مرتبها الأول. حاولت بحرج وضيق رفض هذا المال لكنه أصر بشدة وتركها وانصرف. التفتت إليها "أسماء" الجالسة بجوارها وهي تقول: "افرضي معجبوش الدراسة اللي عملتيها .. هنتصرف إزاي؟ قالت "آيات" بحزم: "مش هقبل الشغل طبعاً" بثت كلماتها الغيظ في نفس "أسماء"

التي قالت بتهكم: "أول مرة أشوف واحدة رايحة تشتغل في شركة وتفرض عليهم طريقتها في الشغل .. وكمان مقررة إنهم لو معجبهمش دراسة الجدوى بتاعتها ترفض الشغل معاهم" قالت "آيات" وقد تعبت من مناقشة "أسماء" في هذا الأمر: "قولتلك مليون مرة مش هعمل حاجة حرام .. ولو الموضوع متظبطش زي ما أنا عايزة مش هشتغل معاهم" سألتها "أسماء" بحدة: "ولما ترفضي الشغل هنعمل إيه ساعتها .. وهنرد لـ "أحمد" السلفة اللي اداهالنا من المرتب إزاي؟

شعرت بالضيق وهي تفكر في ورطتهما. قطع عودة السكرتيرة حبل أفكارها لتشير لهما إلى مكتب "فؤاد" قائلة: "اتفضلوا بس خلوا بالكم إن الأستاذ "فؤاد" عنده اجتماع بعد 10 دقايق بالظبط" لم تكن "آيات" في حاجة إلا لهذه الدقائق لعرض الدراسة التي عكفت على كتابتها لمشروع القرية السياحية. قام "فؤاد" وسلم على "أسماء" ثم التفت لـ "آيات" دون أن يمد يده قائلاً: "إزيك يا "أسماء" .. إزيك يا "آيات"؟ "الحمد لله" "الحمد لله" أشار لهما بالجلوس

وعقد كفيه فوق المكتب وقال: "خير كنتوا عايزينى في حاجة؟ تنحنحت "آيات" قائلة: "أيوة .. أنا عملت دراسة جدوى لمشروع القرية السياحية" كانت نظرات "فؤاد" تنم عن دهشته. مدت يدها بالملف فأخذه منها وارتدى عويناته الموضوعة فوق المكتب وأخذ يتفحصه. مرت الدقائق تشعرها بالتوتر أكثر. قبل أن ينتهي "فؤاد" من مطالعة الملف كاملاً دخلت سكرتيرته معلنة عن بدء الاجتماع.

تسرب شعور بالضيق في نفس "آيات" التي كانت تتمنى أن تتاح لها الفرصة لمعرفة رأيه في الحال. قامت بحرج وقالت: "معلش أنا أصلاً اللي غلطانة إني جيت من غير معاد .. إن شاء الله هحدد معاد مع السكرتيرة ونبقى نيجي مرة تانية" نزع "فؤاد" عويناته ونظر إليها قائلاً: "تقدري تشرحي الدراسة اللي عملتيها قدام ضيوفي اللي عامل معاهم الاجتماع؟ تبادلت "آيات" نظرة دهشة مع "أسماء" ثم التفتت إلى "فؤاد" قائلة بإرتباك: "مش عارفة"

نهض "فؤاد" قائلاً: "تعالوا معاي" اتبعته الفتاتان في استسلام. كاد قلب "آيات" أن يتوقف من شدة التوتر والإرتباك. دخل "فؤاد" قاعة اجتماعات صغيرة تضم طاولة كبيرة جلس عليها ثلاثة رجال بالإضافة إلى "أحمد" الذي رفع حاجبيه في دهشة لمرأى الفتاتين برفقة والده. قدم "فؤاد" كل منهم للآخرين. علمت بأن أحد هؤلاء الرجال هو محامي "فؤاد" أما الرجلان الآخران فهما رجلا الأعمال المرشح أن يشارك أحدهما "فؤاد" في مشروع القرية السياحية.

جلس "فؤاد" وظلت الفتاتان واقفين. قال "فؤاد" وهو يلوح بملف "آيات" في يده: "الآنسة "آيات" عملت دراسة جدوى لمشروع القرية وحابب إنها تعرضه عليكم بنفسها" طلب "فؤاد" من السكرتيرة إدارة البروجيكتور. وقفت "آيات" بجوار الشاشة البيضاء تشعر بتوتر بالغ وقد أصبحت تحت محط أنظار الجميع. كانت تثق بفكرتها وبمشروعها لكنها لم يسبق أن قدمت بريزينتيشن من قبل. وأمام رجال أعمال ذو أهمية!

استعانت بالله وقامت بعرض الصورة الأولى التي كانت تمثل صورة لدائرة صفراء في منتصفها دائرة صغيرة خضراء وتحدثت قائلة: "زي ما حضراتكوا عارفين المنطقة اللي في الصورة ملك لمجموعة شركات مصرية وأجنبية ومتقسمة لـ 3 قرى جنب بعض على شكل دايرة .. الـ 3 قرى بيشتركوا في المنطقة الخضرا اللي في النص ودي متقسمة لملعب جولف و اسطبل خيول لممارسة رياضة ركوب الخيل وللـ 3 قرى حق الانتفاع المشترك بيها بحسب تقسيم معين بيكون منصوص في العقد"

تقدمت من البروجيكتور لعرض الصورة التالية والتي كانت تمثل مثلث أصفر ثم التفتت إليهم تتحاشى النظر إلى وجوههم حتى لا تتوتر أكثر وقالت: "القرية الأولى هي قرية الفيروز .. رجل الأعمال اللي اجرها "سراج اليماني" ومدير القرية هو ابنه "عاصي" .. مميزات القرية دي هي إنها أكبر الـ 3 قرى في المساحة وتقسيم الغرف والشاليهات ممتاز .. القرية الثانية هي قرية جولدن بيتش رجل الأعمال اللي اجرها هو "شكري ..... " .. ومديرها ...

صمتت برهة وهي تشعر بالتوتر لذكر اسمه. ثم قالت: "مديرها دكتور "آدم خطاب" .. هي أصغر في الحجم من قرية الفيروز لكن ميزتها الطابع المعماري الأثري اللي فيها .. القرية التالتة وهي قريتنا وهي أصغرهم مساحة لكن ميزتها وجود 2 بيسين بعكس القريتين التانيين اللي فيهم بيسين واحد" قال أحد الرجلين وهو يمط شفتيه: "وإيه الميزة في كده؟ قالت "آيات" بهدوء:

"هشرح دلوقتي .. قرية الفيروز وقرية جولدن بيتش بدأوا منافسة قوية بينهم .. القريتين بيسمحوا بوجود الخمور وكافة أنواع اللحوم .. وقرية جولدن بيتش فيها ملهى ليلي .. وفي المقابل قرية الفيروز فيها مساج للرجال والنساء والقائم عليه بيكون رجال فقط" قالت الجملة الأخيرة بشيء من التقزز. ثم أردفت:

"زي ما حضراتكوا شايفين هما قريتين سياحيتين كبار بس زيهم زي أي قرية تانية مفيش حاجة بتميزهم غير فروقات بسيطة مبتأثرش كتير .. لو فتحنا القرية التالتة وخدت نفس الطابع بتاع القريتين دول يبقى مستفدناش أي حاجة ومقدمناش أي حاجة جديدة .. وهتبقى منافسة روتينية مش أكتر" سألتهم فجأة: "عارفين البطاطس الشيبسي؟ ابتسم الجميع. قال "أحمد" بمرح: "أكيد عارفينها" قالت "آيات" بحماس:

"نتخيل إن اللي بياكل شيبسي في مصر هما 3 مليون فرد .. اتعودوا على منتج بشكل ومواصفات ونكهات معينة .. وبعد فترة جت شركة جديدة نزلت منتج تاني بس المنتج ده بنفس مواصفات ونكهات وطعم المنتج الأول مجرد بس إنهم سموه اسم جديد .. اللي هيحصل إن الـ 3 مليون هيتقسموا نصين نص هيشتري المنتج الأول ونص هيشتري المنتج التاني .. لأن المنتجين زي بعض فمش فارقة كتير .. لو أنا جيت ونزلت منتج بنفس شكل ومواصفات المنتجين التانيين كل اللي هيحصل هو إن الـ 3 مليون هيتقسموا على 3 .. لكن لو أنا جيت وقدمت منتج بإسم جديد .. وشكل جديد ونكهة جديدة وجودة أعلى وكمان عملت عليه تخفيض .. تفتكروا هيفضل عدد اللي بيشتروا الشيبسي هما هماهم الـ 3 مليون؟

أجابت على نفسها قائلة: "أكيد لأ .. لأن فيه ناس بتحب نكهات تانية ملقتهاش في المنتجين الأول والتاني .. واللي أنا عملته هو إني وفرت للناس دي النكهة الجديدة اللي تجذبهم .. ده بالإضافة إن الـ 3 مليون اللي اتعودوا على المنتج القديم أكيد الفضول هيدفعهم إنهم يغيروا ويجربوا الجديد .. ولما أنا أهتم بالجودة وأخليها أعلى .. يبقى كسبتهم هما كمان في صفي وأبقى فعلاً ملكت السوق بدون منازع"

صمتت قليلاً تتأمل الوجوه التي تعلقت أنظارهم بها تبغي المزيد من التوضيح. عرضت إحدى الصور لأحد الشواطئ الخلابة ثم التفتت إليهم قائلة: "دي صورة من قرية في تركيا .. اللي أنا بقترحه في دراسة الجدوى بتاعتي إننا نعمل زي ما القرية دي عملت بالظبط" سألها أحد الرجلين باهتمام: "وإيه اللي عملته القرية دي؟ قالت "آيات" بثقة: "أضافت مفهوم جديد للسياحة اسمه السياحة الحلال" رفع أحد الرجلين حاجبيه بسخرية قائلاً: "سياحة حلال!

أما الآخر فقال باهتمام: "ياريت تشرحي أكتر" أكملت "آيات" قائلة: "من كام سنة دخلت تركيا مفهوم السياحة الحلال للقرى والشواطئ بتاعتها .. كان الكل متوقع في البداية فشل ذريع للنوع ده من السياحة .. لكن تركيا أثبتت إن الفكرة ناجحة وناجحة جداً .. عارفين قيمة المبيعات وصلت لكام في خمس سنين؟ قال أحد الرجلين بروتينية: "100%" ابتسمت "آيات" قائلة: "لأ .. 200%" ساد الوجوه مزيج من الدهشة والإعجاب. قال أحد الرجلين:

"طيب وإيه مفهوم السياحة الحلال ده؟ .. وإيه الفرق بينه وبين السياحة اللي بنشوفها في كل القرى اللي بنروحها؟ قالت "آيات" وهي تعرض صورة للقرية الثالثة مصورة بالأقمار الصناعية: "أولاً قريتنا هيُمنع فيها منعاً باتاً أي حاجة حرام .. من أول الخمور لحد البكيني" ضحك أحد الرجلين بصوت عالٍ وهو يرجع رأسه إلى الخلف ويقول: "حلوة دي .. هنمنع البكيني .. إزاي بقى ممكن أفهم .. أمال الناس هتلبس إيه؟ كظمت "آيات" غيظها وأكملت قائلة:

"ثانياً بالنسبة لحمام السباحة .. زي ما قولت إن قريتنا فيها حمامين سباحة ودي ميزة كويسة جداً .. لأن اللي هيحصل هو إننا هنخصص بيسين للرجال وبيسين للستات .. بيسين الرجالة هنسمح فيه بدخول الرجال والصبيان والبنات تحت سن 7 سنين .. وبيسين السيدات هنسمح فيه بدخول السيدات والبنات الصغيرة والصبيان من تحت سن 7 سنين .. ومش بس كده .. هيبقى فيه حد أدنى للبس .. يعني في حمام السيدات ممنوع لبس البكيني وهيلتزموا بالمواصفات الشرعية للبس اللي المفروض تلبسه السيدات قدام بعضهم وكذلك في حمام الرجالة .. طبعاً القائمين على حمام الرجالة هيكونوا كلهم رجال من أول عامل النظافة لحد المدير المسؤول .. ونفس الشئ في حمام السيدات"

اندفع أحد الرجلين يقول بحدة: "ها وبعدين .. هتعملي إيه بقى على البيلاج .. أظن هتقوليلنا نقفل البيلاج أحسن" قالت "آيات" بهدوء: "لأ طبعاً إزاي نقفل البيلاج .. سياحة الشواطئ هتفضل زي ما هي .. دي متعة في حد ذاتها .. مفيش حد بيسافر مصيف أو قرية إلا وبيحب إنه يقعد على الشط وينزل البحر" صمتت قليلاً ثم قالت بحزم:

"بس برضه هيبقى فيه شروط للحد الأدنى من اللبس .. وأظن نوعية الناس اللي هتيجي القرية عشان يفصلوا بين الرجالة والستات في حمامات السباحة مستحيل يقبلوا بعري على الشط .. يعني واحد بيغير على مراته وجه قريتنا عشان تبقى بحريتها في حمام السباحة بعيد عن عيون الرجالة مش معقول أبداً أول ما يقعد معاها على البيلاج يلبسها بيكيني أو لبس مكشوف! قال الرجل وهو ما زال محتداً:

"إنتي بتتكلمي عن مين بالظبط .. مين اللي هيحب سياحة زي دي .. و إنه يقعد في قرية بالمنظر ده؟ قالت "آيات" دون أن تسمح له بإخراجها عن طورها بأسلوبه:

"اللي هيحب النوع ده من السياحة هو كل راجل مصري عنده نخوة وكرامة وبيغير على بنته ومراته وأمه وأخته .. وكل ست في مصر بتغير على جوزها وابنها من إنه يشوف مناظر مش كويسة .. المصريين بالفطرة عندهم نزعة دينية .. حتى لو الواحد بيعمل غلط برضه بيفضل يغير على مراته وميقبلش عليها الهوا .. فيه ناس كتير أوي في مصر عندها إمكانيات إنها تروح قرى سياحية بس مبيرضوش عشان المناظر اللي هما متأكدين إنهم هيشوفوها هناك .. الناس اللي قاعدة في بيوتها دي ونفسها تصيف في مكان محترم متشلش فيه ذنوب وفي نفس الوقت تستمتع"

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...