الفصل 22 | من 32 فصل

رواية جواد بلا فارس الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم بنوته اسمرة

المشاهدات
28
كلمة
7,579
وقت القراءة
38 د
التقدم في الرواية 69%
حجم الخط: 18

أخذت "آيات" تتمشى بغير هدى، سابحة في أفكارها وأحلامها وطموحاتها. أخذتها قدماها إلى الفيلا، التي شهدت كل ذكريات طفولتها وصباها. نظرت إلى الفيلا من البوابة الحديدية بنظرة اشتياق ممزوجة بالحزن. تنهدت، وهي تتحسر على تلك الأيام التي ولت ولن تعود. ترقرقّت دموع الشوق في عينيها، الشوق لبيتها القديم، لوالدها، لـ "حليمة"، لحياتها السابقة.

ثم ما لبثت أن نفضت تلك الذكريات عنها والتفت لتعود أدراجها. لكنها فجأة وجدت من يمسك بذراعها من الخلف. التفتت بحدة، فاصطدمت عيناها برجل سمح الوجه، ذي لحية سوداء، أنيق الملبس. ارتسمت على ثغره ابتسامة عذبة، وفي عينيه نظرة سعادة ومرح. نظرت إليه لبرهة، ثم ما لبثت أن رسمت ابتسامة واسعة على شفتيها، ونظرت إليه بشوق ولهفة وعدم تصديق، وهتفت بسعادة بالغة: "كريم! اتسعت ابتسامته وهو يقول إليها: "آيات! مش مصدق، كبرتي يا بنت انتي."

أطلّت الفرحة من عينيها وهي تقول بسعادة: "أنا اللي مش مصدقة، كريم انت جيت امتى؟ وطنط وعمو جم معاك ولا لأ؟ قال لها مبتسماً: "لا، محدش جه غيري. هما لسه في النمسا." ثم أخذ نفساً عميقاً وقال: "أنا اللي اشتقت لمصر أوي، فخدت بعضي وجيت." قالت "آيات" بفرحة كالأطفال: "أنا فرحانة أوي إنك جيت، بجد فرحانة أوي." ثم قالت بعتاب: "رغم إنك مبتسألش عليا." قال معتذراً:

"معلش، أنا عارف إني قصرت معاكي. بس بجد من يوم ما سافرت وأنا مطحون شغل، لحد ما قولت ستوب كفاية أوي كده. الواحد بأه ينزل بلده يعمله فيها مشروع صغير على قده ويتجوز ويستقر بأه." ابتسمت قائلة بمرح: "إيه ده انت لسه عانس؟ مش عيب عليك، ده انتي دلوقتي عندك ييجي 33 سنة." أطلق "كريم" ضحكة عالية ثم قال: "هو فيه راجل بيعنس يا تحفة انتي." قالت "آيات" مازحة: "أنا قولت بأه هترجع وفي ايدك واحدة نمساوية مستوردة." ضحك قائلاً بمرح:

"لا مليش أنا في المستورد، البلدي يوكل برده." ابتسمت وقالت وهي تنظر إليه بسعادة: "بجد لسه مش قادرة أصدق إني شوفتك." نظر إليها بسعادة وهو يقول: "أنا اللي مبسوط أوي إني شوفتك، ونفسي أشوف عمو عبد العزيز أوي. هو في الفيلا ولا في الشركة؟ ألقت "آيات" نظرة حزينة على الفيلا، ثم ترقرقّت عيناها بالدموع وهي تقول: "بابا اتوفى يا كريم." اختفت ابتسامة "كريم" لتحمل محلها تقطيبة جبينه وهو يهتف:

"لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله." نظر إليها يتأمل عبراتها المتساقطة وشهقات بكائها قائلاً بأسى: "طيب ادخلي دلوقتي ونتكلم بعدين عشان مينفعش تعيطي كده في الشارع." مسحت عبراتها لتقول بمرارة: "الفيلا اتباعت، أنا مبقتش عايشة هنا." نظر إليها بدهشة، ثم قال: "إزاي يعني؟ صمتت وهي تطرق برأسها أرضاً لتتساقط عبراتها من جديد. جذبها من ذراعها وفتح باب إحدى السيارات الواقفة أمام الفيلا المواجهة لفيلا "آيات"

القديمة وقال: "ارركبي يا آيات." ركب خلف المقود وانطلق بها إلى أحد المطاعم. نظرت إلى النيل بجوارها وهي شارده. تأملها قائلاً: "فاكرة لما كنت بفسحك وأجيبك هنا؟ التفتت تنظر إليه وهي تقول بإبتسامة حزينة: "أيوه فاكرة." انحنى "كريم" على الطاولة واضعاً ذراعيه فوقها وهو ينظر إليها قائلاً: "احكيلي يا آيات، شكلك متغير كتير، حاسك بقيتي أكبر من سنك. اتكلمي امتى عمو اتوفى وليه بعتي الفيلا وعايشة فين دلوقتي؟ قالت بأسى:

"أنا فعلاً حاسة إني عندي 50 سنة يا كريم، موجوعة أوي، من كل حاجة." نظر إليها بإشفاق قائلاً: "طيب اتكلمي، ولا خلاص معدتيش بتعتبريني أخوكي الكبير؟ مسحت عبرة متساقطة وهي تقول: "لأ طبعاً إزاي، انت فعلاً أخويا يا كريم، وطول عمري بحب أحكيلك مشاكلي وبحب إنك تنصحني." "طيب اتكلمي أنا سامعك." أخذت نفساً عميقاً. ثم...

روت عن وفاة والدها وعما قاسته من بعده من الديون والإفلاس والبقاء بلا مأوى. كان يعقد حاجبيه بقوة وهو يستمع إليها وينظر إليها بأسى. انتهت من كلماتها فأعطاها منديلاً تكفكف به دمعها وهو يقول بحنان: "مش عايزك تخافي طول ما أنا موجود يا آيات." نظرت إليه بامتنان لما بثته كلماته القليلة، الكثير من الأمان بداخلها. فأكمل قائلاً بحزم: "أول حاجة لازم تحصل إنك تسيبي شقة زميلك دي، ميصحش تعدي في شقة واحد غريب وأخوكي موجود."

ابتسمت ولم تعقب، فأكمل بحيرة: "وصحبتك دي اللي حكايتها حكاية، كده مش هينفع تعدي معايا في الفيلا، بس مفيش مشكلة هسيبهالكوا وانزل أنا في أي فندق مؤقتاً لحد ما نشوف الأمور هترسي على إيه." قالت "آيات" على الفور: "لأ يا كريم مش معقول نخرجك من بيتك، وبعدين أنا خلاص هشتغل وهيبقى لي مرتب." قال "كريم" بجدية: "ولحد ما تشتغلي ويبقى لك مرتب إزاي تفضلي عايشة في شقة زميلك يا آيات؟ قالت بحرج:

"أنا اضطريت أعمل كده، مكنش قدامي غير كده." تنهد قائلاً: "عارف، بس طالما في بديل يبقى خلاص الوضع ده ميصحش يستمر أكتر من كده. هتيجي تعدي انتي وصحبتك في الفيلا، لحد ما الأمور تتظبط." فكر قليلاً ثم نظر إليها وقال: "شركة إيه اللي هتشتغلي فيها؟ انتي بتقولي شركة والد زميلك، طيب هتشتغلي إيه يعني؟ "هشتغل في مكتب سياحي." رفع حاجبيه في دهشة ثم قال: "مكتب سياحي؟ صمت وعلامات الضيق على وجهه ثم قال:

"طيب مش وقت كلام في الموضوع ده دلوقتي، أهم حاجة دلوقتي إنك تنقلي من الشقة دي النهاردة." أوصلها "كريم" إلى بيت "أحمد"، والتفت إليها قائلاً وهو ينظر إلى العمارة وإلى المنطقة حولها: "تحبي أستناكي؟ التفتت إليه وقالت: "لأ، هناخد وقت على ما نرتب حاجتنا. هتصل بيك لما أخلص." أخرجت هاتفها وقالت: "قولي رقمك يا كريم." أمسك منها الهاتف ودون رقمه ثم اتصل به. ثم قال: "قوليلي رقم زميلك عشان أتصل بيه أشكرة." قالت له "آيات":

"مش معايا رقمه، هو مع أسماء صحبتي." "طيب خلاص ابعتيهولي في رسالة عشان أعرفه إنكوا هتسيبوا الشقة وأشكره على اللي عمله معاكي." أومأت برأسها وتوجهت إلى البناية. استقبلتها "أسماء" قائلة: "كنتي فين يا بنتي؟ أغلقت "آيات" الباب وعلامات الفرح على وجهها وقالت: "كريم رجع من السفر." نظرت إليها "أسماء" بإستغراب وهي تقول: "كريم مين؟ قالت "آيات" بحماس وهي تضع حقيبة يدها فوق المقعد: "كريم جارنا، أخويا في الرضاعة اللي حكيتلك عنه."

قالت "أسماء" وهي تمط شفتيها: "مش فاكرة، أنا فاكرة إنك قولتيلي ليكي أخ بس مش فاكرة انتي قولتيلي إيه عنه." قالت "آيات" وهي تجلس على أحد المقاعد: "ده ابن جيراننا اللي في الفيلا اللي قصادنا، مامته كانت صاحبة ماما الله يرحمها. ولما ماما اتوفت بعد ولادتي طنط دي رضعتني عشان كانت لسه والدة جديد. ومن كام سنة سافروا كلهم النمسا عشان عمو باباه جاله شغل هناك و"كريم" اشتغل هو كمان هناك." ثم أضافت بسعادة:

"بس هو دلوقتي رجع مصر لوحده. فرحت أوي لما شوفتة تاني، بجد كنت مفتقداه جداً. كريم ده يا بنتي أنا كنت بعتبره بابا التاني مش بس أخويا." ضحكت "أسماء" بتهكم وقالت: "بابا! قالت "آيات" بحماس وهي تقف في مواجهتها: "تعرفي إنه قالي إننا نسيب الشقة ونروح نعد عنده في الفيلا." نظرت إليها "أسماء" بدهشة. وبدت شارده. قالت لها "آيات" بقلق: "إيه في إيه؟ مفرحتيش ليه؟ افتكرتك هتفرحي." قطبت جبينها قائلة:

"مش عارفه. أنا طبعاً واثقة فيه لأنك واثقة فيه، بس أنا بقيت أخاف من الناس كلها. وانتي بتقولي إنه رجع لوحده يعني عايش لوحده." ثم استدركت: "ولا هو متجوز؟ "لأ مش متجوز. بس متقلقيش، هو أصلاً قالي إنه مش هيعد في الفيلا وهيسبني أعده فيها أنا وانتي لوحدنا لأنه بصراحة شاف إنه ميصحش إنك تعدي في الفيلا وهو موجود فيها." رفعت "أسماء" حاجبيها بدهشة وقالت مبتسمة: "ده شكله طيب أوي." قالت "آيات" بحماس:

"طيب موووت. بجد أكتر حد محترم ممكن تقابليه في حياتك." ضحكت "أسماء" قائلة: "يا خسارة مامته دي عملت فيكي فصل بايخ أوي، كان لازم ترضعك يعني حبك." قالت "آيات" بمرارة وفي عينها نظرة حزينة: "لأ كدة أحسن، لأن علاقة الأخوة هي اللي بتدوم، لكن الحب بيخلص بسرعة." اختفت ابتسامة "أسماء" وهي تنظر إلى "آيات". بدت على وشك البكاء لكنها تداركت نفسها بسرعة وهي تقول بمرح زائف: "يلا بأه عشان نلم حاجتنا، هو مستني اتصال مني."

عكفت الفتاتان على تعبئة أغراضهما. حانت من "أسماء" التفاتة قائلة: "شكله إيه كريم ده؟ قالت "آيات" وهي تضع ملابسها في حقيبتها: "ريحي نفسك، مش استايلك." "مش استايلي إزاي يعني؟ التفتت إليها "آيات" قائلة: "ملتحي وبيدقق في كل حاجة. يعني بالنسبة لك هتشوفيه متشدد ورجعي." قالت "أسماء" بتهكم: "آه، قولتيلي." ابتسمت "آيات" وهي تقول شاردة:

"كان بينصحني في حاجات كتير وكنت على طول بسمع كلامه. بس لما سافر ودخلت الجامعة، معرفش. حسيت إني لوحدي. ونسيت كل اللي عملهولي واللي كان بيقولهولي." تنهدت بأسى قائلة ونظرة حزن في عينيها: "ياريتُه فضل هنا، خاصة لما بدأت أدخل الجامعة وأشوف ناس وأختلط بناس. أكيد كان هيغير نظرتي لحاجات كتير." لمعت دمعة في عينها وهي تقول: "وأكيد كان هيغير مشاعري تجاه حاجات كتير." توقفت "أسماء" عن تعبئة أغراضها ثم نظرت

إلى صديقتها وسألتها بشك: "آيات، انتي لسه... قاطعتها "آيات" على الفور وقالت بصرامة شديدة: "لأ." ثم التفتت إلى حقيبتها تعاود جمع أغراضها. وقفت "أسماء" تنظر إليها للحظات. ثم انهمكت هي الأخرى فيما تفعل. *** طرق "أحمد" باب مكتب والده في المنزل. دخل ليجد والده جالساً مستغرقاً في التفكير. ابتسم وهو يجلس قبالته قائلاً بمرح: "كانت جامدة صح؟ نظر إليه والده فأكمل "أحمد" بحماس:

"بجد أفكارها روعة، ولو اتطبقت فعلاً هنبقى فعلاً كسبنا السوق. أنا رأيي ندخل بقلب جامد، الاقتراحات اللي قالتها آيات بجد ممتازة." اختفت ابتسامته وهو ينظر إلى والده الذي يجلس واجماً. سأله "أحمد" بإهتمام: "في حاجة يا بابا؟ قال "فؤاد" وهو يخلع عويناته ليعبث بها: "الرجلين اللي كانوا هيشاركوني، رفضوا الفكرة اللي آيات طرحتها." ثم أطلق تنهيدة وقال: "للأسف الاتنين رفضوا." مط "أحمد" شفتيه في تبرم ثم قال:

"مش مشكلة، أكيد هنلاقي حد غيرهم يشاركنا." نظر إلى والده وقال بحنق: "وبعدين مش إحنا اتفقنا أسبوع ويفكروا؟ إيه اللي خلاهم يردوا دلوقتي ومفتكرش كام ساعة من الاجتماع؟ قال "فؤاد" بحيرة: "مش عارف." ثم نظر إلى "أحمد" وقال بحزم: "أفكارها فعلاً عجبتني، خاصة إنها هتريح ضمير الواحد من إنه يضطر يسمح بحاجات مش مظبوطة. يعني الواحد هيشتغل ويكسب وينافس وكمان هيكون ضميره مرتاح." رجع ظهره إلى الخلف قائلاً بحزم:

"أنا هنفذ أفكارها كلها، ومش بس كده... أنا كمان هخليها تشتغل في القرية نفسها مش في المكتب السياحي هنا." ابتسم "أحمد" فقال والده مبتسماً: "وإن شاء الله هلاقي حد يشاركني، رجال الأعمال المحترمة كتير وأكيد حد فيهم هتعجبه الفكرة إن شاء الله." قال "أحمد" بلهفة: "يعني أفرحها وأبشرها؟ "أيوه، خلاص آيات من النهاردة موظفة في شركتي، وطبعاً أسماء صحبتها."

خرج "أحمد" متوجهاً إلى سيارته عازماً على الذهاب إلى "آيات" ليخبرها بتلك البشرى بنفسه، يرى علامات السعادة على وجهها. رن هاتفه فرد قائلاً وهو يستعد لركوب السيارة: "ألو." "أستاذ أحمد فؤاد؟ "أيوه أنا يا فندم." "مع حضرتك كريم أخو آيات." توقفت يد "أحمد" على مفتاح السيارة وهو يعقد حاجبيه في دهشة. أكمل "كريم" قائلاً:

"أنا متشكر جداً على اللي حضرتك عملته مع أختي، وهي وصحبتها هيسيبوا الشقة النهاردة، فياريت نتقابل عشان أديلك مفتاح الشقة." صمت "أحمد" يحاول أن يتوعب ما يسمع ثم قال: "مفيش مشكلة، شوف تحب نتقابل فين؟ "أنا مستني تليفون من آيات لما هتخلص لم حاجتها هي وصحبتها هتكلمني ساعتها هكلمك وأجيلك أسلمك المفتاح." أنهى "أحمد" المكالمة وهو شارداً ثم هتف بحنق ممزوج بالدهشة: "ده مين كريم ده إن شاء الله."

أدار سيارته وانطلق في طريقه إلى "آيات". *** رن جرس الباب. فقالت "آيات" وهي تتوجه لفتحه: "أكيد كريم." فتحت الباب لكنها شعرت بالدهشة لمرأى "أحمد". قال بوجوم: "إزيك يا آيات." "الله يسلمك." بدا عليه الضيق وهو يقول: "كنت جاي عشان أبشرك إن بابا عجبته أفكارك اللي طرحتيها في الاجتماع وإن شاء الله هتشتغلي معاه انتي و أسماء، وكمان هتشتغلوا في القرية نفسها مش في المكتب السياحي." اتسعت ابتسامة "آيات" وهي تتمتم: "الحمد لله."

قال لها فجأة: "مين كريم ده؟ "هو كلمك؟ "أيوه وبيقولي إنه أخوكي، انتي أصلاً ملكيش إخوات." "ده أخوكي في الرضاعة، كان مسافر النمسا ورجع." أومأ برأسه وهو يقول بضيق: "مفيش داعي تسيبي الشقة أصلاً، محدش ساكن فيها ومحدش فينا بيروحها." في تلك اللحظة انفتح باب المصعد ليخرج منه "كريم". امتقع وجهه لرؤية ذلك الغريب واقفاً مع "آيات" أمام باب البيت. اقترب منهما فقالت "آيات" بتوتر: "إزيك يا كريم.. ده أحمد زميلي اللي كلمتك عنهم."

مد "كريم" يده وسلم عليه قائلاً: "أهلاً وسهلاً يا أستاذ أحمد." نظر إليه "أحمد" بدهشة وهو يقول: "الله يسلمك." "شكراً على اللي عملته مع أختي." "لأ أبداً مفيش حاجة." التفت "كريم" إلى "آيات" قائلاً: "خلصتوا؟ قالت وهي تدلف للداخل: "أيوه ثواني هجيب الشنط."

دخلت للحظات كان "أحمد" يرمق خلالها "كريم" بدهشة وبدا وجهه كعلامة استفهام كبيرة. كاد أن يفتح فمه للتحدث لكن أقبلت "آيات" في تلك اللحظة ومعها "أسماء". أسرع "كريم" بحمل الحقيبتين، وأخذ المفتاح من يد "آيات" وسلمه إلى "أحمد" قائلاً وعلى ثغره ابتسامة: "متشكر مرة تانية." ثم أشار إلى الشقة قائلاً: "تقدر تتمم على كل حاجة في الشقة قبل ما نمشي." قال "أحمد" على الفور: "لأ طبعاً."

كانت "أسماء" ترمق "كريم" بنظراتها المتفحصة وقد اتسعت عيناها دهشة. فتح لهما "كريم" باب المصعد وقال: "اسبقوني وهنزل بعدكم." وبمجرد أن انغلق باب المصعد التفتت "أسماء" إلى "آيات" وقالت بحدة: "انتي بتستعبطي يا آيات؟ انتي عايزة تفهميني إن الراجل ده أدنا في السن؟ قالت "آيات" وهي تضحك بشدة: "لأ طبعاً، كريم أكبر مني بـ 11 سنة يعني عنده دلوقتي 33 سنة." صاحت "أسماء" بدهشة:

"يعني عايزة تفهميني إن مامته كانت بترضعه وهو عنده 11 سنة؟! انخرطت "آيات" في ضحك متواصل حتى انفتح باب المصعد. خرجت منه ومازالت تضحك إلى أن قالت "أسماء" بغيظ: "يا بنتي فهميني.. إزاي أخوكي في الرضاعة؟ قالت "آيات" من بين ضحكاتها: "يا بنتي مامته كانت حامل وولدت بس البيبي مات، عشان كده قدرت ترضعني وقتها لأنها ولدت بعد ما ماما الله يرحمها اتوفت بفترة صغيرة." هتفت "أسماء":

"آه، قولتيلي.. ده أنا اتجننت لما شفته لأن شكله مش سنك خالص، قولت البنت دي بتسرح بيا ولا إيه." صمتت قليلاً ثم قالت: "بس كان معاكي حق، مش استايلى." ابتسمت "آيات" وهي تقول بتهكم: "أيوه أنا فاهماكي كويس، انتي عايزة واحد أبو جل في شعره وحظاظة في إيده وسلسلة في صدره وبيقول مامى وبابى." وكزتها "أسماء" بكوعها قائلة: "ها ها ها خفة، مش للدرجة دي يعني، بس على الأقل يكون ستايليش." نظرت إليها "آيات" بتحدي قائلة:

"ليه هو انتي شايفة كريم مش ستايليش؟ على فكرة طول عمره بيهتم بلبسه وبشكله جداً." قالت "أسماء" بتهكم: "بس شكله عقد يا بنتي، دي كفاية دقنه اللي مدياه سن أكبر من سنه. مشوفتيش خد منك المفتاح إزاي واداه هو لـ أحمد؟ لأ وكمان مرضيش يركب معانا الأسانسير، على أساس إني امرأة والمرأة عورة يعني." قالت لها "آيات" بغيظ وهي تنظر إلى "كريم" و "أحمد" الخارجان من البوابة: "عمل كده عشان ما يضايقكيش يا متخلفة."

اقترب "أحمد" منهما وقد بدا عليه الضيق قال لـ "آيات": "لو احتجتي أي حاجة كلميني يا آيات." نظر إليه "كريم" بضيق، فقالت "آيات" بتوتر: "شكراً يا أحمد." التفت إلى "أسماء" ومد يده قائلاً: "سلام يا أسماء، لو احتجتي حاجة كلميني في أي وقت، رقمي معاكي." ابتسمت "أسماء" وسلمت عليه قائلة: "ميرسي يا أحمد."

انطلق "كريم" بسيارته متوجهاً إلى الفيلا. كانت "أسماء" ترمقه من المقعد الخلفي بشيء من الفضول. لاحظت أنه لم ينظر إليها في المرآة قط، فأشاحت بوجهها تنظر من شباك السيارة وهي تبتسم بسخرية. أوقف "كريم" سيارته والتفت إلى "آيات" قائلاً بحنان: "محتاجين نقعد ما بعض قعدة جامدة، يلا انزلي ارتاحي دلوقتي ولو احتجتي حاجة كلميني." ثم رفع حاجبه بحزم قائلاً: "كلميني أنا ها، مش حد تاني." قالت "آيات" على الفور:

"أصلاً مكنتش هتصل بيه يا كريم، وبجد ملجأتلوش غير لما مكنش في حد قدامي غيره." ثم هتفت فجأة: "آه على فكرة باباه قال إنه خلاص موافق على شغلي عنده أنا و أسماء." "طيب يلا انزلي دلوقتي ونتكلم بعدين." *** اقتربت الشمس من المغيب مودعة هذا اليوم، واعدة بفجر يوم جديد. جلس "آدم" في شرفة الشاليه ماسكاً مصحفه، خاشعاً قلبه، دامعة عيناه. اقترب منه "زياد" قائلاً: "مساء الخير يا آدم." قاطع "آدم" التلاوة والتفت إليه قائلاً:

"أهلاً يا زياد." جلس "زياد" أمامه وهو ينظر إلى هاتف "آدم" المغلق والموضوع فوق طاولة صغيرة قائلاً: "قافل موبايلك ليه؟ "كنت مضايق شوية ومكنتش عايز وجع دماغ." زفر "زياد" بضيق وقال: "أحسن إنك قفلته." "في حاجة حصلت؟ قال "زياد" بحنق: "شكري اتصل وأعد يجعر عشان الخمرة اللي رجعناها المخازن وفضل يقول كلام ملوش لازمة وعايزك تفتح تليفونك عشان يكلمك. كنت واثق إنه هيعملنا مشاكل." مط "آدم" شفتيه وقال: "أكيد ساندي اللي قالتله."

"أكيد طبعاً." قال "آدم" بهدوء: "أصلاً كان لازم هيعرف، دي في الأول والآخر قريته." "طيب ناوي على إيه؟ هو شكله فعلاً مش هيتراجع عن موضوع الخمرة ده، مش فاهم ليه، واخدها على قلبه أوي." قال "آدم" وهو يعاود النظر إلى مصحفه: "يعمل اللي يعمله، أنا كمان مش هتراجع." كاد أن يبدأ في التلاوة مرة أخرى، لكنه نظر إلى هاتفه الموضوع فوق الطاولة والتقطه وفتحه. وقف يجرى اتصالاً فرمقه "زياد" بنظرات الفضول قائلاً: "هتكلمه؟

أومأ "آدم" برأسه. كانت المكالمة عاصفة. احتد فيها "شكري" قائلاً: "إزاي يعني يا دكتور ترجع الخمرة المخازن تاني؟ انت عايز تضحك الناس علينا ولا إيه؟ قال "آدم" بحزم: "لأ مش عايز أضحك الناس علينا، بس أنا شايف إن ملهاش لازمة ونقدر نمشي القرية من غيرها." قال "شكري" بحدة: "إزاي يعني يا دكتور؟

إزاي نبقى قرية فايف ستارز من غير الخمرة اللي السياح بيشربوها زي الماية. كده إحنا بننزل خطوة وبنسمح لـ عاصي وأبوه إنهم يسبقونا. لما قريتهم يقدموا فيها خمرة واحنا لأ، كده إحنا بنقول للسياح سيبوا قريتنا وروحوا لقريتهم." قال "آدم" بعناد وهو يشعر بالضيق من هذا الحوار: "لأ مش لازم يكون فيه خمرة عشان السياح يتمسكوا بالإقامة في قريتنا. وبعدين إحنا متميزين عن قرية الفيروز بحاجات كتير، وكمان... قاطعه "شكري" قائلاً بحزم:

"الخمرة اللي رجعت المخازن أنا هكلمهم دلوقتي يرجعوها القرية تاني وياريت تستقبل العربية اللي جايه أو تخلي حد يستقبلها." صمت "آدم" قليلاً ثم قال بصرامة: "لو العربية جت همشيها يا شكري." صاح "شكري" محتداً: "انت بتقول إيه؟ قال "آدم" بعناد وهو لا ينوي التراجع في هذه النقطة: "بقول اللي سمعته. أنا مدير القرية مش انت، وأنا اللي أديرها بطريقتي اللي شايفها صح." صاح "شكري" محتداً بشدة:

"طيب أنا عندي اجتماع دلوقتي، نتكلم بعدين يا دكتور.. بس اعمل حسابك إني مش هقبل أبداً إنك تهد الإسم اللي عملناه في الفترة اللي فاتت." انتهت المحادثة بينهما بطريقة عاصفة كما بدأت. وقف "آدم" ينظر إلى قرص الشمس الذي غرب، بحيرة وتردد وخوف وحزن. مشاعر كثيرة متضاربة وأفكار بداخله تأتي وتذهب. التفت إلى "زياد" قائلاً: "يلا نصلي المغرب." *** "زي ما بقولك كده، اشتغلت مع فؤاد. أنا لسه الخبر واصلني طازة."

تفوه "عاصي" بذلك بحدة عبر الهاتف. فقال "راج" بحزم: "هي اتجننت ولا إيه؟ هي مش عارفه إنهم منافسين لينا؟ قال "عاصي" بغيظ وكأنه يتحدث إلى نفسه: "بأه حتة بت زي دي لا راحت ولا جت ترفض تشتغل معايا وتروح تشتغل مع اللي اسمه فؤاد ده." "أنا مش غايظني إلا الكلام اللي هيتقال دلوقتي. لما بنت أخو سراج اليماني تشتغل في قرية منافس له معنى كده إنها شافت القرية التانية دي أفضل من قرية عمها." قال "عاصي" بغضب:

"شكلها عايزة تتقرص من ودنها عشان تتظبط." "استنى يا عاصي، لما نشوف آخرتها إيه. بلاش تهور." صاح "عاصي": "كل شوية استنى يا عاصي، استنى يا عاصي لحد ما الناس هتركبنا يا بابا. في مواقف مينفعش فيها أستنى. البت دي لو اشتغلت مع فؤاد هيستغل وجودها في قريته لمصلحته، ومش بعيد ينشرها في الجرايد وبالبنط العريض، بنت عيلة اليماني بتشتغل في قريته ورفضت الشغل في قرية عمها." ضاقت عيناه ليقول: "لازم قرصة ودن عشان تتظبط." ***

جلست "آيات" بصحبة "كريم" في أحد المطاعم وقد بدا عليهما الاستغراق في الحديث. قالت: "صدقني يا كريم، الراجل بجد محترم، وأنا حابة أشتغل معاه." قال "كريم" بشيء من الضيق: "اسمها أشتغل عنده مش معاه. وبعدين انتي محتاجة الشغل في إيه؟ قالت "آيات" بإستغراب: "إيه اللي محتاجة فيه إيه؟ محتاجاه عشان أعيش وأصرف على نفسي." ينظر إليها "كريم" قائلاً: "وأنا روحت فين؟

وبعدين كفاية أوي إحساسي الفظيع بالذنب إني مسألتش عنك الفترة اللي فاتت. بس بجد دوامة الشغل كانت واخدهني ومعرفتش أبداً باللي حصل لوالدك الله يرحمه. لو كنت عرفت صدقيني كنت هنزل مصر فوراً وآخدك وأرجع بيكي على النمسا، مكنتش سيبتك أبداً لوحدك كده." ثم استطرد قائلاً: "بس ملحوقة، أديني رجعت أهو."

"أنا كمان قصرت في حقك وفي حق طنط وعمو، بس معرفش ليه الاتصالات اتقطعت فجأة وكل واحد بقى في وادي. أنا حتى فقدت الأمل إنكم ممكن ترجعوا مصر تاني، وقولت خلاص مش هشوفكم تاني أبداً." نظر إليها بعتاب قائلاً: "وليه متصلتيش بيا لما ده كله حصل؟ قالت "آيات" بشرود:

"معرفش، كل حاجة حصلت بسرعة، في فترة صغيرة كان لازم أسيب البيت. ولما دادة حليمة عرضت عليا أعيش معاها قولت بس الدنيا اتظبطت وهلاقي شغل وهعرف أعيش. جه موضوع الزلزال ده وفجأة لقيت نفسي في الشارع وكان لازم أتصرف في نفس اليوم وإلا كنت هقضيه في الشارع. فكان أحمد أقربلي وأسرع في إنه يساعدني وبعدها على طول قالي على موضوع الشغل عند باباه. قولت بس أهي اتحلت." قال "كريم" بإستغراب: "معقول ملكيش صحاب خالص تلجأيلهم؟ تنهدت "آيات"

قائلة:

"أقرب واحدة ليا هي أسماء وأنا وهي ظروفنا واحدة. في بنتين كنت عارفاهم في رحلة وبجد بحبهم، بس مكانوش هيقدروا يساعدوني إني ألاقي شغل. هما عارفين من زمان إني محتاجة شغل، ولو كان حد فيهم أمامه شغل مناسب كان قال لي على طول. وبعدين أنا لما اتصلت بـ أحمد اتصلت عشان عارفة إنه باباه عنده شركة وإنه يقدر يشغلني. ولما قالنا على شقتهم وإننا هنفضل لوحدنا قولت أحسن ما أفرض نفسي على إيمان اللي أنا عارفة ظروفها كويس، ولا على سمر اللي ممكن مامتها تضايق من وجودنا. لكن شقة أحمد كنا قاعدين فيها لوحدنا."

قال "كريم" بحزم: "غلطانة طبعاً. هو ملهوش جيران؟ وشايفين بنتين في الشقة، وميعرفوش إيه القصة بالظبط؟ ده غير إنه من الواضح إنه كان بيجي الشقة كمان." قالت "آيات" على الفور: "لأ والله مكنتش بدخله، كان بيبقى واقف على الباب." قال "كريم" وينظر إليها بحزم: "حتى لو مكنش بيدخل الوضع مكنش مظبوط أبداً يا آيات." دمعت عيناها وهي تقول بضيق:

"معرفش بأه، هو ده اللي حصل وقتها. أنا أصلاً كنت طالعة من المشرحة ومكنتش عارفة أركز. أصلاً أنا لما كلمته مكنتش عارفة أنا عايزة منه إيه، بس قولت ممكن يساعدني في شغل أصرف منه." ربت "كريم" على كتفها قائلاً: "طيب خلاص متضايقيش نفسك، اللي حصل حصل." قالت "آيات" وهي تعاود الحديث في نقطة العمل: "كريم، انت مش ملزم تصرف عليا، وبجد أنا متحمسة للشغل جداً." صمت "كريم" لبرهة ثم قال بضيق:

"آيات، انتي عارفة يعني إيه شغل في قرية سياحية؟ عارفة إيه اللي بيحصل هناك؟ قالت "آيات" بحماس: "لأ متخافش، مفيش حاجة من اللي انت خايف منها دي خالص." "إزاي يعني؟ شرحت له "آيات" أفكارها للقرية اللي طرحتها على "فؤاد" ورجال الأعمال. فقال "كريم" مبتسماً: "كبرتي يا آيات، وبقيتي بتعرفي تفكري." قالت بغضب مصطنع: "قصدك إيه بأه؟ قصدك إني كنت غبية يعني؟ ضحك "كريم" وقال:

"لأ مش قصدي، بس أنا فاكرك آيات البنوتة بتاعة ثانوي، آخر مرة شوفتك فيها فاكرة؟ "طبعاً فاكرة، ده أنا يوميها عيطت عياط. ربنا يسامحكم سيبتوني وسافرتوا." ابتسم قائلاً: "خلاص أديني رجعت أهو، وانتي كبرتي وبقيتي عروسة." ثم نظر إليها نظرة ذات مغزى وقال: "رغم إن فيكي حاجات كده مش عاجباني." علمت "آيات" أنه يقصد ملابسها فقالت بحرج: "أصلاً اللي انت شايفه ده تقدم." رفع حاجبيه وقال: "تقدم! ليه انتي كنتي بتلبسي إيه قبل كده؟

لم تجب وأشاحت بوجهها. فقال بحنق: "أوعي تقولي زي صحبتك؟ قالت "آيات" وشعور بالضيق والندم يلازمها: "بص يا كريم، مش حابة أتكلم في اللي فات، ماشي." "خلاص ماشي، زي ما تحبي." نظرت إليه وقالت: "ها قولت إيه في موضوع الشغل ده؟ أنا حابة آخد رأيك أوي." قال "كريم" بجدية: "بصي يا آيات، منكرش إن الفكرة رائعة وعجبتني. بس فيه مشكلة، انتي مينفعش تسافري لوحدك وتعيشي لوحدك في بلد غريبة ومن غير محرم كمان." هتفت "آيات" قائلة:

"بس أنا لوحدي يعني ظروفي كده." "وأنا روحت فين؟ "مش قصدي يا كريم، بس انت لو مكنتش جيت كنت هبقى لوحدي وكنت هسافر لوحدي." "بس أنا موجود خلاص." صمتت بضيق. فقال: "بصي أنا مش بفرض عليكي حاجة، انتي سألتيني عن رأيي وقولتهولك. أنا مش حابب إنك تسافري لوحدك وتعيشي لوحدك في بلد متعرفيهاش ومن غير راجل معاكي. وكمان صحبتك مش حابب سفرها لوحدها وأهلها موجودين." قالت "آيات" وهي تتذكر مأساة "أسماء" بحزن:

"أسماء مضطرة، انت متعرفش اللي حصل ومش هقدر أحكيهولك، بس فعلاً هي مضطرة لكده." تنهد "كريم" قائلاً: "رأيي وقولتهولك. الفيلا وخليكي عايشة فيها على الأقل هبقى مطمن عليكي. وإن كان على الشغل أنا قولتك راجع وعايز أعمل مشروع، يعني لو صبرتي كام شهر ممكن تشتغلي معايا." قالت "آيات" بحيرة: "بس أنا فعلاً متحمسة أوي لمشروع القرية." قال "كريم" وهو شارداً:

"بصراحة أنا كمان اتحمست، خاصة إنها فكرة مفياش أي حرمانية. وكمان هتبقى حاجة كويسة من باب الدعوة، ويمكن القرى الباقية تقلدنا وتعمل زينا ويبقى إحنا اللي كسبانين دين ودنيا." بدا شارداً وهو يفكر في أفكار "آيات" لمشروع القرية السياحية. نظر إليها قائلاً: "اسمه إيه والد زميلك؟ .. وشركته فين؟ أخبرته "آيات" بالتفاصيل ثم نظرت إلى ساعتها قائلة: "يلا روحني بأه عشان متأخرش على أسماء أكتر من كده." *** دخلت سكرتيرة "فؤاد" قائلة:

"فيه واحد اسمه كريم ضياء عايز يقابل حضرتك.. بيقول بخصوص قرية العين السخنة." شعر "فؤاد" بالدهشة وطلب منها السماح له بالدخول. دخل "كريم" فوقف "فؤاد" يستقبله بالترحاب. بعد تبادل عبارات المجاملة، بدأ "كريم" حديثه قائلاً:

"على فكرة أنا أخو آيات اليماني، وكلمتني عن المشروع وعن الأفكار اللي حضرتك تبنتها للمشروع. أنا كنت مسافر النمسا من سنين، ورجعت وأنا عايز أعمل مشروع في بلدي وأستقر هنا. ولما سمعت من آيات اتحمست جداً لمشروع القرية. أنا عارف إن معاك شريك بالفعل، بس كنت حابب إني أدخل في المشروع ده ولو بنسبة بسيطة." ابتسم "فؤاد" وعقد كفيه فوق المكتب وهو يقول: "لأ أنا مليش شريك لحد دلوقتي." رفع "كريم" حاجبيه بدهشة قائلاً:

"ده اللي فهمته من آيات. بس عامة طالما مفيش شريك لحد دلوقتي، أنا بعرض عليك إنك تشاركني في المشروع ده. بس عشان تكون حضرتك عارف أنا مش هقدر أشارك بنسبة عالية، لأن المشروع ضخم ورأس المال اللي معايا مش هيكفي إني أدخل مناصفة في الشراكة." قال "فؤاد" على الفور:

"وأنا مش شرط عندي إنك تدخل معايا مناصفة. هنقعد أنا وحضرتك والمحامي ونشوف النسبة اللي مناسبة بالنسبة لك وده بعد ما تدرس كل بيانات المشروع والدراسة اللي عملناها للأرباح والنفقات وغيره." ابتسم "كريم" ببشاشة وقال: "على خيره الله." ثم قال: "بس فيه نقطة مهمة بالنسبة لي." "اتفضل."

"أشارك في إدارة القرية. يعني أنا مش عايز أرمي فلوسي في مشروع ويطلع لي أرباح وخلاص. لأ أنا عايز أشرف على المشروع ده من الألف للياء. لأن اللي عجبني في المشروع ده هو الأفكار المحترمة اللي نقدر بيها نعمل قرية سياحية في مصر من غير محرمات ومن غير ما نشيل ذنوب. وفي نفس الوقت هنغير مفهوم ناس كتير عن السياحة والقرى السياحية ونقدم لهم مكان يستغنوا بيه عن الأماكن اللي بيروحوها واللي بيكون فيها من المعاصي ما الله به عليم."

ابتسم "فؤاد" وقال: "وأنا مفيش مشكلة بالنسبة لي. بس محتاجين نقعد مع بعض الفترة الجاية عشان نوصل لشكل محدد وثابت في إدارة القرية عشان متحصلش مشاكل مستقبلاً إن شاء الله." اتسعت ابتسامة "كريم" قائلاً: "اتفقنا." *** وقف "آدم" مع أحد العاملين بالقرية يعطيه بعض التعليمات عندما وجد سيارة تقف بداخل القرية وتتوجه إليها "ساندي" وتأمر العمال بتحميل الصناديق إلى الداخل. توجه مسرعاً إليها وقال: "فيه إيه يا ساندي؟

نظر إلى الكراتين التي يحملها العمال ولما مكتوب عليها فصاح فجأة: "إنت يا ابني رجع الكراتين دي العربية." قالت له "ساندي" بتحدي: "لأ مش هترجع، بابا اللي قالي أعمل كده." ثم نظرت إلى العمال قائلة بنبرة متعالية: "دخلوا الحاجة دي جوة." صرخ "آدم" في الرجال قائلاً: "بقولك سيب اللي في إيدك انت وهو." نظر الرجال إلى بعضهم في حيرة ثم ما لبث أن استجابوا لأوامر "آدم" متجاهلين "ساندي" تماماً. التفتت إليه "ساندي" وقد أغاظها تجاهل

العمال لأوامرها وقالت: "انت إيه اللي عملته ده يا آدم؟ بقولك بابا اللي قالي أنزل الحاجات دي في مطبخ القرية." قال "آدم" بصرامة وعيناه تشعان غضباً: "أولاً اسمي دكتور آدم. ثانياً أنا قولت لأبوكي إني مش هدخل خمرة للقراية تاني." صاحت بحدة: "وده اسمه إيه إن شاء الله؟ إزاي يعني؟ انت عايز تخسرنا ولا إيه؟ ثم صاحت بسخرية: "آه فهمت.. شكلك اتفقت مع عيلة اليماني علينا؟ هما اللي قالولك تعمل كده وتبوظ شغلنا مش كده؟

وانت طبعاً مقدرتش ترفض طلب لعيلة حبيبة القلب اللي ماتت." تجمدت الدماء في عروقه وهو ينظر إليها نظرة ثاقبة أشعرتها بالخوف. قال بصرامة شديدة: "إياكي تجيبي سيرتها على لسانك تاني."

أدار لها ظهره وانصرف. حث الخطى لا يدري إلى أين هو ذاهب. كعادته لم يجد مكان أكثر راحة من الجلوس فوق الرمل ومطالعة البحر أمامه. تنهد في ضيق وهو يشعر بأنه أجل كثيراً قراراً لابد من أخذه. نعم، لا يوجد حل آخر. حاول كثيراً استخدام أسلوب الترقيع لكن ذلك لم يجدِ نفعاً. لم يعد هناك حل سوى البتر! نعم، مؤلم وصعب وقاسٍ.. لكن ليس أمامه سواه حتى يتخلص من الداء الخبيث إلى غير رجعة! ***

تقبلت "آيات" خبر مشاركة "كريم" لـ "فؤاد" بسعادة غامرة، خاصة بعدما عملت بأمر إدارة "كريم" للقرية السياحية. توطدت علاقة قوية وثقة لا بأس بها بين كل من "فؤاد" و "كريم" بعدما لمس كل منهما في الآخر نقاء السريرة. استخار "كريم" ربه وعزم على التوكل عليه في هذا الأمر. سجدت "آيات" لله شكراً على تحسن أوضاعها وعدم اضطرارها لأن تعيش عالة على أحد. ستعمل وتكد وتكسب قوتها. تذكرت "إيمان" ومشاكل أخيها مع البطالة وعدم إيجاد عمل مناسب له. وعلمت منها أيضاً بتركها لعملها. فتحدثت مع "كريم" عن رغبتها في عمل الفتاة وأخيها في القرية. رحب "كريم" بذلك، ففي الفترة القادمة سيحتاج الكثير من العمالة في القرية وحبذا لو كان أشخاص موثوق بهم. كان رد "إيمان"

في بادئ الأمر: "انتي اتجننتي يا آيات؟ لأ ماما ولا بابا ولا علي هيوافقوا على كده." لكن "آيات" أخبرتها: "أنا مش عايزة إنتي لوحدك، أنا عايزة علي كمان." كانت سعادة والدة "إيمان" غامرة. أما "علي" بدا قلقاً في البداية إلى أن شرحت له "إيمان" الطريقة التي سيعتمد عليها أصحاب القرية في إدارتها وخلوها من أي محرمات. تحمس كلاهما وكان ردهما بالموافقة.

لم يمضِ إلا أسبوع حتى استعد الجميع لمغادرة القاهرة والتوجه إلى العين السخنة لبدء العمل في القرية التي تحتاج إلى الكثير من العمل الدؤوب والصبر حتى يجنوا ثمرة عملهم. وفي اليوم الموعود توقفت سيارة "كريم" تحت منزل "علي" ثم ما لبث أن تعرف الرجلان، وكل منهما يتطلع إلى وجه الآخر مستبشراً خيراً. التفت إلى الجميع وذكرهم بقوله: "متنسوش يا جماعة دعاء السفر." التفت إليه "علي" قائلاً: "جزاك الله خيراً على التذكير."

تمتمت "إيمان" بدعاء السفر. أما "آيات" و "أسماء" نظرت كل منهما إلى الأخرى. ثم ما لبثت أن قالت "آيات" لـ "كريم": "كريم، قوله عشان مش حافظاه." قال "كريم" ببطء:

"الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون. اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى. اللهم هون علينا سفرنا هذا، واطو عنا بعده. اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل. اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل."

فرددت الفتاتان الدعاء خلفه. جلس "علي" بجوار "كريم" وأخذ نفساً عميقاً يعبئ رئتيه بهواء الصباح المنعش وقد ارتسمت ابتسامة أمل على ثغره. شعر بانشراح في صدره وبفرحة غامرة لاستجابة دعائه فأخذ يتمتم بلا كلل: "الحمد لله."

تشاركت الثلاث فتيات في المقعد الخلفي. بدت "آيات" سعيدة ومتحمسة لبدء حياتها العملية وتنفيذ أفكارها على أرض الواقع. كانت تشعر ببعض التوتر لوجود "آدم" بنفس البلد، لكنها تجاهلت ذكراه ووجوده وحذفت أي فكرة عنه من عقلها. لا يهمها إن كان موجوداً أم غير موجود، تراه أم لا تراه، لم تعد تشعر تجاهه بأي شيء. ولن يفرق وجوده من عدمه. بالنسبة لها هو كالهواء، موجود لكنه غير محسوس!

أما "أسماء" فشعرت بالراحة لمغادرة القاهرة وبدء حياة جديدة خالية من المشاكل وعزمت على نسيان كل ما مرت به. وإن كان رغم عنها تشعر بشيء من الحزن والقهر لنسيان أبويها أمرها. تنهدت في حسرة ونفضت تلك الصور الحزينة من عقلها وعزمت على ترك الماضي حيث هو. حانت منها التفاتة إلى "كريم" ثم إلى "علي". للمرة الأولى تتعامل مع أشخاص بهذه الخصال التي أشعرتها بمزيج من الدهشة والحنق. نظرت من الشباك ونظرة حائرة في عينيها.

تطلعت "إيمان" إلى الطريق وهي تتساءل، أيكون هذا التغيير في صالحها أم ضدها. كانت شارده لا تعرف تحديداً.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...