الفصل 15 | من 32 فصل

رواية جواد بلا فارس الفصل الخامس عشر 15 - بقلم بنوته اسمرة

المشاهدات
31
كلمة
7,300
وقت القراءة
37 د
التقدم في الرواية 47%
حجم الخط: 18

قال "آدم" وهو يهز رأسه نفياً: -لا للأسف مش عندي غير شاي ليكي. ابتسمت وهي تقترب منه بدلال قائلة: -لا خلاص مش مهم. أحاطته بذراعيها والتقت نظرات عيونها الجريئة بعيونه التي تتلاطم نظراتها كتلاطم الأمواج في بحر هائج مظلم حائر. لا تدري كل موجة في أي وجهة تذهب، فترتطم في طريقها بموجة أخرى لتمتزج معها وتختفي بداخلها، وهكذا حتى تصل إلى الشط بهدوء وقد سكنت ثائرتها واطمأنت ذراتها بوصولها أخيراً إلى بر الأمان.

لكن عيناه بحثت عن الشط فلم تجده. لكم غرق من قبل بين الأمواج العالية تأخذه وتجذبه إلى حيث أرادت. لكن هذه المرة شعر بالنفور لازمه. أين هو من تلك الفتاة البريئة التي بكت أمامه عندما استشعرت أمام خالقها شعوراً عظيماً بالذنب من أجل...

قبلة. تذكر عبراتها التي انهمرت وهي تدفن وجهها بكفيها وتخبره بأنها ظلت طوال الليل تشعر بالذنب مما حدث بينهما. خشيت من خالقها من أجل تلك القبلة وهو ينتهك حرمات الله وتحت ناظريه. أين تلك الفتاة التي معه الآن من الفتاة النقية التي أوقفت خاطبها عند حده وكرهت تجاوزاته التي تغضب ربها رغم شدة حبها له. أين هي من تلك الفتاة العفيفة التي لم تقبل أن يمسها رجل آخر غير زوجها حتى ولو كان خطيبها.

نظر إلى الفتاة التي معه يحاول أن يتناسى تلك الأفكار التي تراوده. لكن كلما غاص في البحر أكثر، كلما شعر بالنفور بداخله يكبر. حتى... نهض عنها. نظرت إليه بغضب قائلة: -في إيه؟ عدل ملابسه وقال بهدوء: -بعد إذنك اخرج.

نظرت الفتاة إليه بغضب شديد وهي تسب بلغتها. انتظرها "آدم" خارج الشاليه حتى خرجت وهي ترمقه شزراً. أغلق "آدم" باب الشاليه وأخذ يحث السير وكأنه يهرب من شيء مخيف بشع. أخذ يسير بغير هدى في اتجاه البحر حتى علم بأن هذا الشيء المخيف البشع الذي أراد الهروب منه إنما بداخله هو. لكن كيف السبيل إلى الهرب؟ كيف النجاة؟

ركل الأرض بطرف حذائه بقوة فتناثرت حبات الرمل أمامه كموجة غاضبة. جلس على الرمل ينظر إلى البحر الثائر كثوران نفسه. تنهد بقوة وهو يستشعر مدى الانحدار الذي أوصله إليه عقله. تذكر نظرات "آيات" يوم أن علمت بحقيقته. نظرت إليه بتقزز ثم أغمضت عينيها حتى تتجنب رؤياه. وصمت أذنيها لتتجنب سماع صوته. شعر الآن بما كانت تشعر به وقتها. فها هو يشعر بالتقزز من نفسه ومن كل شيء فيه. يشعر بأنه غارق في مستنقع لزج كلما حاول النهوض جذبه إليه مرة أخرى حتى استسلم له تماماً.

ظل صوت يهتف بداخله: "انهض يا آدم... انهض". فصاح صوت آخر: "أمثلي يستطيع النهوض؟ لقد أغرقني المستنقع بقذارته حتى لم أعد أشتم إلا تلك العفونة المنبعثة مني. لن أستطيع النهوض. لكني رغماً عني... لم أعد أطيق تلك الرائحة التي أصبحت تصيبني بالغثيان." *** جلست "آيات" تبكي وتتضرع إلى الله أن ينقذ والدها وأن يحفظه لها. أخيراً خرج الطبيب المسؤول عن حالته. فهبت واقفة وهي تنظر إليه بخوف وقلق قائلة: -بابا عامل إيه دلوقتي؟

ممكن أشوفه؟ قال الطبيب وعلامات الإشفاق على وجهه: -للأسف... عضلات القلب ضعيفة وفي صمام تالف. لازم عملية تبديل صمام في أقرب وقت. أجهشت "آيات" في البكاء. فأحاطتها "حليمة" الباكية بذراعيها. فقال الطبيب: -المشكلة إن العملية أصلاً فيها خطورة عليه لأن زي ما قلت عضلات القلب ضعيفة. بس في نفس الوقت مينفعش نتنى على العملية أكتر من كده. قالت "آيات" من بين شهقات بكائها: -يعني نعمل إيه؟ قال الطبيب:

-بصي يا بنتي الحالتين فيهم خطورة سواء انتظرنا أو عملنا العملية. بس رأيي الشخصي إننا نعمل العملية ونتوكل على الله. ثم قال: -طبعاً لازم موافقة حد من أهله. قالت "آيات" وهي تحاول أن تتمالك نفسها: -طيب هرد عليك حضرتك النهارده وأقولك عنعمل إيه. قال الطبيب: -معاكي لحد أسبوع لأن مينفعش ندخله العمليات دلوقتي. لما حالته تستقر شوية. انصرف الطبيب وترك "آيات" غارقة في حيرتها وخوفها. ***

كانت "إيمان" في طريقها إلى عملها عندما استقلت الحافلة وجلست بجوار الشباك تتطلع منه إلى الطريق بعقل نصف منتبه. كان الشرود بادياً عليها وهي مستغرقة في التفكير. لكنها انتبهت فجأة على ضحكات عالية من المقعد خلفها. سمعت شاباً يقول لآخر: -أهي واقفة مش لاقية حتة تقعد فيها. فقال الآخر ضاحكاً: -طبعاً يا ابني ودي يجبولها كرسي يكفيها إزاي دي.

نظرت "إيمان" أمامها لتجد سيدة بدينة للغاية تقف وهي تتمسك بأحد المقاعد وحبات العرق تتصبب فوق جبينها فتسمحها بمنديلها وتعود لتتمسك بيديها في المقعد. سمعت الشاب يقول: -حد يقولها تقف في النص بلاش تركن أوي على الجنب اليمين أحسن الأتوبيس يتقلب بينا. ضحك زميله وهو يقول: -أو ممكن نجيب فيل ونحطه الجهة التانية عشان يبقى في توازن.

شعرت "إيمان" بالعبرات الساخنة تتساقط فوق وجهها وهي تستمع إلى سخرية الشابين من تلك المرأة. لم تكن "إيمان" في مثل بدانتها، لكنها شعرت بكلمات الشابين كالخناجر تطعن فيها هي. وكأن كلماتهما موجهة إليها. ألقت نظرة شفقة على تلك السيدة وهي تحسبن على الشابين في الخلف. ألا يعلم مثل أولئك النهي

الرباني في سورة الحجرات: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ". ألا يعلم أولئك الجهال أن الله لا ينظر إلى الأجساد لكنه

ينظر إلى عمل تلك الأجساد: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ". ألا يعلمون أن الإنسان كرمه الله عز وجل وأسجد له ملائكته وعلمه من علمه، لذلك وجبت المحافظة على كرامته مصانة غير مهانة. ألا يعلم أولئك الذين يسخرون ويستهزأون من غيرهم من ذوي البدانة أن أحياناً تكون تلك البدانة أمراً وراثياً لا دخل للإنسان فيها، كلون عينيه ولون شعره ولون بشرته وشكل أنفه وطوله وقصره. كيف تلوم إنسان أن لون عينيه أسود؟!

كيف تلومه لأنه قصير القامة؟! كيف تلومه لأن أنفه كبير؟! هو لم يخلق نفسه بل الله خلقه والله جميل يحب الجمال لا يخلق شيئاً قبيحاً أبداً. لكن لا يوجد إنسان كامل، فالكمال لله وحده فقط. ومقاييس الجمال والدمامة نسبية من شخص لآخر. قد يفضل رجل الشقراوات وآخر يفضل السمراوات. قد يفضل رجل النحيلات ويفضل آخر البدينات. لكن الغير مقبول هو الاستهزاء بما لا يروق لك. ودت "إيمان" لو صرخت

في وجهي الشابين قائلة: "ألم تعلموا بأن الله أعد عذاباً شديداً وهلاكاً ودماراً لكل من يستهزئ بغيره ويعيب فيهم ويغتابهم؟ 'وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ'". وفي أحد التفسيرات أن "الويل" هو وادٍ في جهنم. مسحت "إيمان" عبراتها المتساقطة وهي تتذكر أن الله عادل لا يظلم أبداً، ولذلك أعطى تلك المرأة من حسنات هذين الشابين ما الله به عليم. ***

جلس "آدم" في مكتبه يطالع حاسوبه ويطمئن على سير العمل في القرية. شعر بالسعادة عندما وجد الإقبال على قريته في يومها الأول بعد الافتتاح فاق توقعاته. شعر بأنه سيصل إلى حلمه بأسرع مما ظن. دخل "زياد" مكتبه وعلى وجهه علامات العبوس. قال له "آدم" مبتسماً بسعادة: -شوفت كام نزيل في القرية ومن أول يوم؟ قال "زياد" واجماً: -أيوة شوفت. نظر إليه "آدم" يرقب تعبيرات وجهه برهة ثم قال: -إيه في إيه يا "زياد"؟ في مشاكل ولا حاجة؟

نظر إليه "زياد" بعتاب قائلاً: -البنت بتاعة امبارح باتت معاك يا آدم؟ ظهر على "آدم" علامات التبرم. فقال "زياد" بحده: -شوفتكوا وانتوا رايحين جهة الشاليه بتاعك. باتت عندك مش كده؟ نظر إليه "آدم" قائلاً ببرود: -لأ. ارتحت. نظر إليه "زياد" متفرساً ثم قال: -يبقى كنت ناوي بس في حاجة منعتك. زفر "آدم" بضيق. فقال "زياد": -لو مكنتش صاحبي وبحبك مكنتش اهتميت وكنت قولت يولع هو وهيا وأنا مالي. بس أنا خايف عليك يا آدم. قال "آدم" بضيق:

-متخافش يا "زياد". وبعدين متعكرش مزاجي أنا فرحان وسيبني أشوف شغلي بمزاج. قبل أن ينصرف "زياد" قال له "آدم": -آه يا "زياد". جهز نفسك النهاردة عشان افتتاح الملهى الليلي. قال له "زياد" بتبرم: -مش عارف إيه لازمتها. قال "آدم" بحزم: -لازمتها إننا بنجذب السياح وبنجذب المصريين اللي عايزين قرية سياحية كاملة من كله. خاصةً بقى إن قرية الفيروز مفيهاش ملهى ليلي ولا فيها مساحة ينفع يتعمل فيها ملهى ليلي ولا حتى فيها ترخيص ملهى ليلي.

قال "زياد" بضيق: -يعني مينفعش نجذب الناس للقرية بتاعتنا غير بالكباريه ده؟ قال "آدم" بحده: -ماسموش كباريه. ده مكان فيه رقص وشرب مش أكتر من كده. متحسسنيش إني هفتح بيت دعارة في القرية. قال "زياد" متبرماً: -طيب انت حر. مع إنني مش مستريح للموضوع ده. لأن نوعية الناس اللي هتدخله مش هتبقى مظبوطة. قال "آدم" بنفاذ صبر: -اللي مش مظبوط نظبطه. أمال البودي جاردز اللي أنا جايبهم دول جايبهم ليه؟

أومأ "زياد" رأسه بعدم اقتناع ثم غادر المكتب. *** توجهت "آيات" إلى مكتب محامي والدها بالشركة. لتسأله عن كيفية سحب أموال من حساب والدها تكفي للعملية. فليس لها حساب خاص بها. لكن المحامي صدمها بشدة عندما قال في أسف: -أنا عارف إنها هتبقى صدمة كبيرة عليكي بس أنا مضطر أصارحك. باباكي اتعرض لخسارة جامدة جداً. الأرصدة كلها اتجمدت واتحجز على الفيلا والشركة وكل حاجة باسم "عبد العزيز" بيه.

نظرت إليه "آيات" مصدومة وقد فغرت فاها. فاكمل قائلاً: -لو بعت الشركة بالفيلا بكل مشتملاتها يدوبك هتقضي الدين اللي على باباكي لأن حجم الاستثمارات كان كبير جداً وللأسف سهمنا نزل جامد في البورصة وكل يوم بينزل عن اليوم اللي قبله. غارت عيناها وقد عُقد لسانها من الصدمة لا تدري ما تقول. فقال المحامي: -أنصحك يا آنسة "آيات" ببيع كل شيء عشان تسديد الديون. لأن كل ما اتأخرتي في البيع كل ما السهم نزل أكتر. قالت "آيات"

بنظرات دامعة: -يعني إيه؟ مفيش فلوس يعمل العملية؟ قال المحامي: -ممكن تستأذني حد من أصحاب الدين إنك تتأخري شوية في السداد. بس لازم البيع في أقرب وقت. قالت "آيات" بحيرة وأسى: -إزاي يعني هبيع أنا مفيش حاجة باسمي كل حاجة باسم بابا. قال المحامي: -أنا معايا توكيل منه. بس محتاج آخد موافقتك. على فكرة قبل ما والدك يدخل المستشفى كنا بنتكلم في القصة دي وأكيد كان هيوافق على البيع.

فكرت "آيات" بعقل مشتت. لم تجد غير أن تستمع إلى كلام المحامي. فقالت بأعين دامعة: -خلاص حضرتك اتصرف. المهم يكون معايا فلوس في أقرب وقت عشان عملية بابا هتتكلم جامد. طمأنها المحامي قائلاً: -متقلقيش إن شاء الله البيع ينتهي بسرعة. بس ياريت تعملي حسابك وتفضّي الفيلا في اليومين الجايين. شعرت "آيات" بالحزن والألم والقهر لكنها تمتمت: -إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم اجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها.

خرجت "آيات" من مكتب المحامي لتركب سيارتها بآلية. وصلت إلى المستشفى وجلست في الخارج بعدما رفض الطبيب السماح لها بالدخول. جلست على أحد المقاعد تنهمر العبرات من عينيها في ألم ولسانها لا يفتر عن الدعاء لوالدها والتضرع إلى الله بشفائه. *** خرج "آدم" من مكتبه ليجد "ساندي" تتشاجر مع إحدى الموظفات. ثم أقبلت على "آدم" قائلة بحدة: -"آدم" البنت دي تطرد فوراً. نظر "آدم" إلى الفتاة الواقفة وقال: -مالها عملت إيه؟

قالت "ساندي" بتعالٍ: -مش عايزة تسمع الكلام. بقولها تديني حسابات النزلاء عشان أراجعها رفضت. بنت قليلة الأدب لازم تطردها. أمر الفتاة بالانصراف ثم نظر "آدم" بغضب إلى "ساندي" قائلاً: -أنا هنا اللي أقول مين يمشي ومين يستنى. وبعدين إنتي عايزة الحسابات تراجعيها ليه؟ مالك إنتي ومال الحسابات. إنتي وظيفتك هنا في العلاقات العامة وبس. قالت "ساندي" بحدة: -دي قرية بابا وأعلم فيها اللي أنا عايزاه. قال "آدم" بصرامة:

-اسمعي يا "ساندي". هتلتزمي بشغلك هنا وتبعدي عن طريقي يبقى تمام ومفيش مشاكل. أما لو فضلتِ تدخلي في اللي ميخصكيش يبقى تروحي تشتغلي في شركة باباكي اللي في القاهرة أحسن. نظرت إليه "ساندي" بغيظ وقالت بحده: -أظاهر إن انت نسيت إن دي قرية بابا وانت شغال عنده. قال "آدم" بعنف: -لأ دي قريتي زي ما هي قريته. أنا شريكه مش شغال عنده.

رمقها بنظرة غاضبة قبل أن يتركها وينصرف. شعرت "ساندي" بالغضب الشديد. فما كانت تتوقع تلك المعاملة من "آدم" بعدما ساعدتها على إقناع والدها بمشروعه. *** جلست "سمر" في حجرة المعيشة أمام التلفاز. سمعت صوت الباب يفتح خلفها. دخلت والدتها وألقت السلام ثم قالت: -في غدا؟ قالت "سمر": -أيوة يا ماما. أقوم أسخنهولك. قالت والدتها: -لا خليكي.

دخلت والدتها وبدلت ملابسها ثم توجهت إلى المطبخ. تبعتها "سمر" ووقفت على باب المطبخ تنظر إلى أمها. فالتفتت إليها قائلة: -أخبار شغلك إيه؟ قالت "سمر" بخفوت: -تمام الحمد لله. قالت والدتها: -اتغديتي؟ قالت "سمر": -أيوة من شوية. صمت كلاهما لفترة قبل أن تقطع "سمر" هذا الصمت قائلة: -ماما... هو إنتي متعرفيش أي حاجة عن بابا؟ وقع الطبق من يد والدتها ليتفتت إلى أشلاء. حاولت جمعه فانجرحت يدها. أسرعت "سمر" بمساعدة أمها قائلة:

-خليكي... أنا هشيله. نظفت "سمر" مكان الطبق المكسور. ثم نظرت إلى والدتها التي علا الغضب وجهها. ثم قالت: -إيدك كويسة؟ قالت أمها: -أيوة. التفتت إليها قائلة بحزم: -مش عايزة أسمع سيرة الراجل ده تاني. ماشي يا "سمر"؟ قالت "سمر" بألم: -أنا بس عايزة أعرف هو ليه مبيسألش عننا يعني خلاص نسينا؟ صاحت أمها قائلة: -أيوة نسينا ومعدناش لازمه. ومش عايزة أسمع كلمة واحدة عنه بعد كده.

خرجت أمها المطبخ مسرعة لتدخل غرفتها باكية. تبكي شعوراً لا يوصف بالظلم والقهر والخيانة. يااه ما أقسى الخيانة. عندما تأتي من أقرب الأشخاص إليك. تكون مرارتها كالعلقم. وألمها كحد السكين. *** جلست "آيات" مع "أسماء" في الفيلا. قالت "أسماء" تواسيها: -معلش يا "آيات". ربنا يقوم عمو بالسلامة. قالت "آيات" باكية: -أنا مش عايزة غير كده. مش مهم أي حاجة خالص. المهم هو يقوم بالسلامة. ابتسمت "أسماء" مشجعة وقالت:

-إن شاء الله هيقوم بالسلامة. ثم قالت: -هتعملي إيه في فلوس العملية؟ قالت "آيات" بحزن وأسى: -المحامي هيبيع كل حاجة ونستأذن حد من أصحاب الدين إني أأجل الدفع شوية. مع إني خايفة أوي يرفضوا. قالت "أسماء": -وليه متطلبيش دهبِك من دكتور "آدم"؟ خفق قلب "آيات" بقوة وهي تستمع إلى اسمه. ثم ما لبثت أن شعرت بالضيق. فقالت "أسماء" بحزم: -إنتي محتاجة كل مليم واكيد دهبِك ده هيفك ضيقتك. اطلبيها منه. صمتت "آيات" قليلاً

ثم قالت بحزن وتهكم: -تفتكري لو طلبتهم منه هيرجعهم لي؟ قالت "أسماء" بحدة: -اطلبيها يا "آيات". ولو مرجعهمش يبقى منه لله بجد. تنهدت "آيات" وهي تشعر بالحيرة ثم قالت بوهن: -مش قدامي فعلاً غير كده. مع إني حاسة إنه مش هيرجعهم لي. قالت "أسماء" مشجعة: -كلميه دلوقتي. أمسكت "آيات" هاتفها وهي تشعر بالاضطراب والتوتر. هل هي ستسمع صوته بعد كل هذه المدة؟

لولا ضيقتها ما فكرت في الاتصال به قط. فآخر ما تريده هو سماع صوته. أو التحدث معه. اتصلت فلم يجب أحد. عاودت الاتصال فلم يجب. تنهدت بحسرة وهي تقول بمرارة: -أكيد عارف إنها أنا وإني هطلب دهبي. قولتلِك مش هيرجعهم. قالت "أسماء" وهي تخرج هاتفها: -طيب كلميه من رقمي. انتظرت "آيات" لبعض الوقت ثم حاولت الاتصال به من هاتف "أسماء" ثم قالت: -برضه مبيردش. قالت "أسماء" وهي تنهض: -إن شاء الله يرد. أنا همشي بقى يا "آيات". وقفت "آيات"

قائلة بوهن: -طيب يا "أسماء" وأنا هطلع أنام شوية وآخد دش وبعدين هنزل أروح المستشفى أبات مع باباها هناك يمكن يفوق ولا حاجة. عانقتها "أسماء" قائلة: -متخافيش إن شاء الله هيقوم بالسلامة. تنهدت "آيات" بعمق قائلة: -يارب يا "أسماء" يارب. *** كانت "أسماء" جالسة في فراشها شاردة تفكر في حالها وفي وضعها هي و "آيات". أرهقها التفكير فقامت واغلقت المصباح وتمددت على فراشها تحاول النوم. فجأة "هاني" يدخل عليها الغرفة ويغلق الباب خلفه.

صاحت قائلة: -امشي اطلع بره. أشار "هاني" إلى فمه بإصبعه وقال مهدداً: -لو صرختي زي المرة اللي فاتت هقول إن إنتي اللي طلبتي تجيلي أوضتك. فكرت "أسماء" في كلامه. لو فعل ذلك فستطرد من البيت شر طردة. بكت قائلة: -حرام عليك سيبني في حالي بقى. اقترب من الفراش فانزوت به أكثر. قال وعيناه تلمعان في ظلام الغرفة: -أسيبك إيه هو أنا عبيط؟ حد يشوف الحلاوة دي كلها قدامه ويسيبها. شدت "أسماء" الغطاء عليها أكثر. لكنه جذبه وأزاحه عنها.

بكت قائلة: -حرام عليك ده أنا بنت خالتك. قال بغلظة وهو يتلمسها بيده: -مبلاش تمثيل بقى. إنتي لو واحدة محترمة مكنتيش قاعدة بلبس زي ده في بيت فيه شابين. نظرت "أسماء" إلى البنطلون البادي نصف الكم الذي ترتديه وتتجول به في البيت بلا حرج وهتفت باكية: -أنا لابسة عادي مش وحش. وإنتوا ولاد خالتكم مش حد غريب. حرام عليك. لم يعبأ ببكائها ولا بتوسلاتها وقال بتهكم: -متخافيش مش هاذيكي. ده إن كنتي لسه سليمة أصلاً.

شعرت بأنفاسه الكريهة المعبأة برائحة الدخان تلفح وجهها وتكتم أنفاسها وشهقات بكائها المرير. شعرت بالعجز والضعف وقلة الحيلة وهي تعلم أن مصيرها إن لم تطعه هو الطرد من البيت بفضيحة تشوه سمعتها أمام الجميع. شعرت بالنفور والتقزز منه ومن نفسها. بكت وتوسلت وترجته أن يتركها. لكنه ظل يعبث بها إلى أن اكتفى. شعرت "أسماء" برغبة شديدة في التقيؤ فلم تستطع أن تكبح جماح نفسها فمدت رأسها بجوار الفراش لتتقيأ كل ما في بطنها المضطرب. قال "هاني"

بتقزز وهو يغادر: -قرفتيني الله يقرفك. وبعدين زي ما وعدتك أهو صاغ سليم. خرج من غرفتها ليتركها باكية بحرقة وهي تكاد تختنق وتغمض عينيها بشدة علها تتناسى تلك الدقائق الكريهة وما حدث فيها. نهضت مسرعة إلى دولاب ملابسها وارتدت على عجالة وأخذت ما استطاعت أن تصل إليه يدها من ملابسها وخرجت من البيت مسرعة دون أن تهتم بإيقاظ والدتها وإبلاغها برغبتها في الرحيل. ***

في وسط الاحتفال في الملهى الليلي الجديد الملحق بقرية جولدن بيتش. قال "زياد" لـ "آدم" بصوت مرتفع حتى يتمكن من سماعه: -كله تمام ومفيش مشاكل. ابتسم "آدم" قائلاً: -كويس وأنا شايف إن معظم اللي هنا مش نزلاء القرية. بس أكيد هيبقوا نزلاء من بكرة. قال "زياد" مبتسماً: -شكلنا فعلاً هناكل السوق هنا. ضحك "آدم" قائلاً: -طبعاً يا ابني كلها فترة صغيرة وميبقاش في العين السخنة إلا قريتنا. ثم قال بحماس:

-ولسه كمان لما الإعلانات الجديدة تنزل في التليفزيون. قال "زياد" وهو يحتسي كوب عصير: -هتنزل إمتى؟ قال "آدم" بحماس: -من الأسبوع الجاي إن شاء الله. ده غير العروض اللي عاملينها للعائلات. إن شاء الله في أقل من شهر القرية هتكون كومبليت. ابتسم "زياد" قائلاً: -أنا كمان متوقع كده. قال "آدم" وهو يبحث بعينيه عن "شكري": -أمال فين "شكري"؟ قال "زياد": -كان هنا من شوية.

أخرج "آدم" هاتفه ليتصل به. لكنه تجمد في مكانه وقد تعلقت عيناه بالهاتف. ترك من كوب العصير الذي كان ممسكاً به وهو لا يبعد نظره عن الهاتف. انتبه "زياد" لنظراته فقال بقلق: -إيه في حاجة؟ لم يجبه "آدم" بل أسرع لمغادرة الملهى وابتعد عن الضوضاء. أخذ ينظر إلى اسم "آيات" بهاتفه وقلبه يخفق شوقاً وخوفاً ورهبة. تُرى لماذا اتصلت به؟ أعاد الاتصال بها بلهفة وشوق.

خرجت "آيات" من الحمام وهي تلف منشفة حولها وأسرعت بالتقاط هاتفها الموضوع على الفراش. نظرت إلى رقم "آدم" وهي تشعر بتوتر بالغ واضطراب تنفسها. جلست على فراشها وهي تحاول أن تنظم تنفسها لتستطيع التحدث معه. انتهى الرنين. وعندما أوشكت على الاتصال به وجدته يتصل. أخذت نفساً عميقاً ثم ردت قائلة: -ألو. ابتسم "آدم" بسعادة عندما سرى صوتها الرقيق إلى أذنه. قال بلهفة: -إزيك يا "آيات"؟

حاولت "آيات" التحدث بصوت طبيعي وإخفاء توترها واضطرابها. قالت بسرعة حتى لا تهرب الكلمات منها: -الحمد لله. أنا كنت بتصل عشان الأمانة بتاعتي اللي عند حضرتك.

أخذت "آيات" تضم أصابع يدها بقوة إلى قبضتها. كانت تشعر بتوتر بالغ. يا الله، كم تحتاج إلى ذهبها الآن لتستطيع جمع المال من أجل العملية الجراحية التي تتوقف عليها حياة والدها. خافت بشدة. خافت أن يرفض إعادتهم إليها. اضطرب تنفسها عندما صمت. طال صمته. تجمعت العبرات في عينيها وأخذت بالتساقط. ماذا ينتظر؟ أينتظر أن تترجاه أن يعيدهم إليها؟

إن كان هذا ما يريده فستفعل. من أجل أن تنقذ والدها. همت بالتحدث لترجوه أن يعيدهم إليها فهي في أمس الحاجة إليهم. لكنه سبقها قائلاً بصوته الرخيم: -أكيد طبعاً. لم تصدق أذنها. أكمل قائلاً: -أنا مكنتش عارف أرجعهم لك إزاي. من يوم اللي حصل وأنا معرفتش أشوفك وكمان خفت أديهم لوالدك عشان مينفعش يعرف اللي إنتي عملتيه. خفت يأذيكي لما يعرف إنك اديتيهملي. تنهدت "آيات" براحة ومسحت عبراتها. فأكمل "آدم" قائلاً:

-أنا دلوقتي في العين السخنة مش في القاهرة. قالت "آيات" بسرعة: -مفيش مشكلة ابعتهم لي مع أي شركة شحن. صمت "آدم" يفكر. شعر بأنه لا يريد أن يضيع تلك الفرصة. الفرصة الوحيدة التي من الممكن أن يلتقي فيها بـ "آيات". والتحدث معها ورؤيتها. لم يكن أبداً ليضيع تلك الفرصة من يده. قال "آدم": -أنا جاي بكرة القاهرة. هديهملك بنفسي. قالت "آيات" وهي تشعر بالتوتر: -مفيش داعي ابعتهم مع أي شركة أو حتى بالبريد السريع. قال "آدم"

وهو يبحث عن حجة: -لا طبعاً مينفعش ده دهب. افرضي الطرد ضاع أو حد سرقه. قالت "آيات" باستسلام: -طيب خلاص. قال "آدم" برقة: -خلاص أنا جاي بكرة وأول ما أوصل القاهرة هكلمك. قالت بهدوء: -ماشي. مع السلامة. أنهت "آيات" المحادثة وهي تشعر وكأن حملاً ثقيلاً زُح عن صدرها. أسرعت بارتداء ملابسها والذهاب إلى المستشفى حيث والدها المريض. *** طرقت "أسماء" بيت والدها بلهفة. إلى أن فتحت لها زوجته وهي تقول بغضب:

-إيه في إيه يا بنت إنتي في حد يخبط على حد في نص الليل؟ قالت "أسماء" الباكية: -فين بابا؟ همت بالدخول فأوقفتها زوجته وهي تقول: -عندك عندك. في إيه هو أنا سمحتلك تدخلي؟ صاحت "أسماء" قائلة: -بقولك فين بابا. نظرت إلى الداخل وهي تهتف: -بابا... بابا... بابا. قالت زوجته بحدة: -باباكي مش موجود. باباكي مسافر. وكفاية قلة أدب بقى هتصحي الجيران. اتفضلي امشي من هنا.

أغلقت الباب في وجهها. فظلت "أسماء" تطرق الباب دون أن تجيبها. أخرجت "أسماء" الهاتف لتتصل بوالدها لكنها وجدت الخط مشغول. كان والدها في تلك اللحظة يتحدث مع زوجته التي اتصلت به قائلة: -شفت بنتك عملت إيه. جايه تفضحني وسط العمارة وعمالة تزعق وتشتم وآخر سفالة وقلة أدب. قال زوجها بحده: -هي فين؟ قالت زوجته بصوت باكي:

-خفت منها أفلت الباب عليها. شكل أمها هي اللي قايلالها تعمل كده. قولتلِك مش هتسيبنا في حالنا. طلقها بقى خلينا نخلص من القرف ده. صاح زوجها بغضب: -مش هطلقها وأعلى ما في خيلها تركبه. اقفلي دلوقتي. جلست "أسماء" على السلم تتصل بوالدها كل دقيقة إلى أن وجدته يتصل بها. قالت بلهفة: -بابا أنا......... قاطعها والدها وهو يصرخ بغضب: -إنتي إزاي يا بنت إنتي تروحي لمراتي وأنا مش موجود وتزعقيلها كده؟ قالت "أسماء" باكية:

-أنا مزعقتش. أنا كنت بنادي عليك كنت فاكرك جوه. هتف والدها بعنف: -روحي قولي لأمك الكلام ده ميجيش معايا. ومش هطلق وخليها كده زي الكلبه. قالت "أسماء" وقد تعالت شهقات بكائها: -مش ماما اللي بعتاني والله. أنا اللي جايه لوحدي. قال واحدة بغلظة: -طيب ارجعي لأمك تاني وإياك أشوفك بتهوبي ناحية مراتى تاني.

لم يعطها فرصة للرد أنهى المكالمة وأغلق الهاتف. أخذت "أسماء" تبكي إلى أن أجهدها البكاء. نهضت بتثاقل حاملة حقيبتها. سارت في الشارع الخالي المظلم وهي لا تدري ما تفعله. فها هي صديقتها "آيات" تمر بظروف صعبة هي الأخرى. وعلى وشك الطرد من بيتها بعد أيام. ووالدها ملقى في المستشفى لا تستطيع أن تدبر تكلفة علاجه. لمن تذهب؟ بمن تلجأ؟

سارت لا تعرف وجهتها. إلى أن قابلها أحد الرجال الذي نظر إليها بطريقة أشعرتها بالخوف الشديد وبالنفور. تذكرت نظرات "هاني" الخبيثة وأنفاسه الكريهة. وقفت بجوار أحد الأعمدة لتتقيأ بما في معدتها من جديد. تساقطت العبرات فوق وجهها وهي تشعر بأن ليس أمامها سوى العودة إلى بيت جدها. إما بيت جدها... وإما الشارع. حيث الكلاب المسعورة في كل مكان! ***

في اليوم التالي استعد "آدم" للسفر وأخبر "زياد" بضرورة توجهه إلى القاهرة لإعادة مصوغات "آيات" إليها ثم قال بلهفة: -ادعيلي يا "زياد" إن المقابلة دي تكون نتيجتها حلوة. قال "زياد": -بصراحة مش متفائل بس يارب. قال "آدم" وهو يعدل من ربطة عنقه: -تفتكر دي حجة عشان تكلمني؟ يعني هي فعلاً لو عايزة الدهب بتاعها كانت خلت باباها يكلمني ويطلبه. مش هي تكلمني بنفسها مش كده؟ قال "زياد" مفكراً: -يمكن خافت تقول لباباها إنها أدتلك دهبها.

قال "آدم": -تفتكر يا "زياد" ممكن نرجع أنا وهي لبعض تاني؟ قال "زياد" بحزن: -مش عايز أحبطك بس أنا شايف إن ده مستحيل. قال "آدم" وهو ينظر إلى "زياد": -بس هي بتحبني أوي يا "زياد". إنت متعرفش "آيات" بتحبني إزاي. ولا قد إيه هي طيبة وحنينة. صمت ولاحت ابتسامة على شفتيه وهو يقول: -وحشتني أوي. مش مصدق إني أخيراً هشوفها. أسرع "آدم" متوجهاً إلى سيارته التي انطلق بها في طريقه إلى القاهرة. بمجرد وصوله اتصل بـ "آيات" قائلاً:

-أنا وصلت يا "آيات" تحبي نتقابل فين؟ قالت "آيات": -تعالى الفيلا. صمت "آدم" قليلاً ثم قال: -مينفعش نتقابل في مكان بره؟ قالت "آيات" بحزم شديد: -لأ. ثم قالت: -لما توصل الفيلا رن لي. أنهت "آيات" المكالمة وهي تنظر إلى الشرفة في انتظاره. بعد ما يقرب من نصف ساعة رأت سيارته تقترب من الفيلا. شعرت بقلبها يخفق بشدة داخل صدرها. أسرعت إلى الداخل حتى تتجنب رؤياه ثم نادت دادة "حليمة" وقالت لها: -وصل يا دادة.

همت "حليمة" بالخروج فأسرعت "آيات" قائلة: -دادة زي ما فهمتك. قالت "حليمة": -متقلقيش يا بنتي. توقف "آدم" أمام بوابة الفيلا وهو ينظر إليها. نزل من سيارته وهو يتصل بـ "آيات" التي لم تجب. رأى "حليمة" مقبلة تجاهه. توقفت أمامه قائلة: -الآنسة "آيات" بعتتني آخد الأمانة بتاعته. نظر "آدم" إليها بضيق ثم ألقى نظرة على الفيلا وقال: -طيب هي مينفعش تخرج تاخدها بنفسها؟ قالت "حليمة" بحزم: -لا مينفعش.

شعر "آدم" بالضيق الشديد فقد كان يمني نفسه برؤيتها وبالحديث معها. توجه إلى سيارته وأحضر العلبة وأعطاها إلى "حليمة" وما كادت لتلتفت لتغادر حتى أوقفها قائلاً: -"آيات" كويسة؟ نظرت إليه "حليمة" بحزم وقالت بترفع: -أوي كويسة... كويسة أوي. دخلت "حليمة" إلى الفيلا فهبت "آيات" واقفة وقالت بلهفة: -ها يا دادة أدهالك؟ أعطتها "حليمة" العلبة فتفتحتها "آيات" بلهفة تتمم على محتوياتها ثم ابتسمت قائلة: -الحمد لله كل حاجة موجودة.

قالت "حليمة" بتردد: -سألني عليكي. نظرت إليها "آيات" قائلة: -وقولتيله إيه؟ قالت "حليمة": -قولتلُه زي ما نبهتي عليا. إنك كويسة ومجبتلوش سيرة عن أي حاجة خالص. أومأت "آيات" برأسها. قالت "حليمة" بطيبة: -ليه ما قولتيش له إنك في ضيقة يا بنتي؟ نظرت إليها "آيات" بحدة قائلة بمرارة: -أقوله عشان يشمت فيا. ده واحد بيكرهني أنا وبابا يا دادة. لو عرف اللي حصلنا هيشمت فينا.

نهضت تنظر من باب الشرفة النصف مفتوح. رأتـه مازال واقفاً أمام سيارته ينظر في اتجاه الفيلا. رجعت إلى الخلف بسرعة حتى لا يراها. بعد عدة دقائق سمعت صوت السيارة. نظرت من جديد لتراه يرحل ويبتعد من أمام ناظريها. تابعته بعينيها الحزينتين إلى أن اختفى من أمامها. ثم توجهت إلى خارج الفيلا وقادت سيارتها إلى حيث محل الذهب لبيع كل ما تملكه من هذه الدنيا من أجل إنقاذ والدها. ***

انطلق "آدم" بسيارته في شوارع القاهرة وهو يشعر بالحزن والأسى. ألهذه الدرجة تكره رؤيته؟ لماذا لم تدعه يراها ويتحدث إليها؟ لماذا لا تسمع منه مثلما سمعت عنه؟

شعر بالضيق الشديد لأنه شعر بأنه فقد كل الخيوط التي توصله إليها. توجه "آدم" إلى بيت والدته. تلك المرأة الطيبة التي تحملت منه الكثير والتي يشعر بأنه ظلمها بشدة. نظر إلى البيت بشوق. صعد الدرجات إلى أن وصل إلى الباب المكسور. شعر بالدهشة وهو يفتح الباب الذي لم يكن مغلقاً. رأى علامات الكسر على الباب ومحتويات البيت المبعثرة. أخذ ينادي على والدته بفزع: -ماما... ماما.

لم يجدها. لا أثر لها. هاله الدماء التي كانت تغطي أرض غرفة والدته. وأرض الصالة. كاد أن يجن. أسرع بطرق باب الشقة المقابلة بلهفة وخوف وجزع. فتحت جارته فقال لها: -أنا "آدم خطاب" متعرفيش فين ماما؟ قال ذلك وهو يشير إلى شقة والدته. فقالت المرأة بأسى: -واحد ابن حرام طلع عليها بالليل وسرق كل اللي حيلتها وشكلها كانت هتصوت وتفضحه فخبطها على دماغها ونقلوها على المستشفى. شعر "آدم" بفزع وخوف شديد قال بلهفة: -هي فين؟ مستشفى إيه؟

قالت المرأة: -والله يا ابني معرف. اسأل أسطى "عبده" المكوجي هو اللي طلب لها الإسعاف. وهو نازل من فوق شاف باب الشقة مكسور ولما دخل لقاها غرقانة في دمها. أسرع "آدم" بالتوجه إلى الرجل الذي قال بغضب: -كنت فين يا ابني وأمك مرمية لوحدها كده؟ لا حول ولا قوة إلا بالله. خلاص مفيش في قلوبكوا رحمة. قال "آدم" بأعين دامعة وصوت أجش: -هي فين؟ وديتها مستشفى إيه؟

أخبره الرجل عن المستشفى الحكومي التي نقلت سيارة الإسعاف أمه إليها. أسرع التوجه إلى المستشفى والعبرات تغطي وجهه المتألم. أوقف السيارة ودخل مسرعاً يبحث عنها. إلى أن وجدها نائمة على أحد الأسرة وقد عُصبت لفافة بيضاء حول رأسها. اقترب منها يبكي بحرقة وهو يتحسس رأسها ويدها. حاول مناداتها فلم تستجب. التفت إلى إحدى الممرضات قائلاً بلهفة: -لو سمحتي... عايز الدكتور اللي متابع حالتها. قالت الممرضة ببرود وهي تلوك اللبان في فمها:

-الدكتور مشي. قال "آدم" بحدة: -طيب أنا عايز أعرف حالتها أسأل مين هنا؟ نظرت الممرضة إلى الأوراق المعلقة على طرف فراشها بلا مبالاة ثم قالت: -متقلقش إن شاء الله هتبقى كويسة. قال "آدم" بحزم: -لو سمحتي أنا عايز أعرف حالتها بالظبط. قالت الممرضة بحنق: -شايفني دكتورة قدامك؟ أنا ممرضة يا أخويا. قولتلك هتبقى كويسة. لما يبقى الدكتور يفوت بكرة ابقى اسأله.

نظر إليها "آدم" بغضب وهي تبتعد. لم ينتظر أكثر بل أزاح الغطاء عن والدته الذي انبعث منه رائحة كريهة. وحملها مسرعاً وتوجه بها إلى الخارج. صاحت إحدى الممرضات: -إنت يا أفندي واخدها ورايح بيها على فين؟ ده مجنون ده ولا إيه. لم يعبأ "آدم" لكلامها وتوجه إلى السيارة وانطلق بها إلى إحدى المستشفيات التي يعرفها. دخل المستشفى فأسرعت الممرضة بإحضار الترولي وتوجهت بها إلى غرفة الفحص. دخل "آدم" غرفة الفحص وقال

للطبيب بصوت مضطرب للغاية: -قالولي إن حرامي خبطها على دماغها وودوها المستشفى بس معرفتش حالتها هناك ومحدش كان متابعها فجبتها وجيت على هنا. طمأنه الطبيب وطلب من الممرضة أشعة لمعرفة هل تعاني من كسور بالجمجمة أم لا. وبمدى خطورة حالتها. جلس "آدم" خارج الغرفة وهو يسند جبينه إلى قبضتيه وهو يغمض عينيه بقوة. حاول أن يدعو الله لها. لكن توقفت الكلمات على لسانه وأبت أن تخرج. هتف صوت بداخله: كيف ستدعوه يا آدم؟ كيف؟

أوتظن أنه سيستجيب لك؟ *** توجهت "آيات" إلى المستشفى بعدما تمكنت من بيع مصوغاتها الذهبية ودفعتهم تحت حساب العملية. ما كادت تتوجه إلى غرفة والدها في العناية المركزة حتى قالت لها الممرضة: -والدك تعب أوي. وحاولنا نتصل بيكي مردتيش. صاحت "آيات" بأعين دامعة: -إيه؟ موبايلي نسيته في البيت. حصله إيه؟ خرج الطبيب فأسرعت تقول بلهفة: -بابا ماله يا دكتور؟ قال الطبيب: -لازم العملية تتعمل النهارده خلاص مفيش ينفع انتظار أكتر من كده.

قالت "آيات" باكية: -أنا دفعت مبلغ تحت الحساب دلوقتي وإن شاء الله هجيب باقي الفلوس. أعطاها الطبيب ورقة لتمضي عليها قائلاً: -طيب امضي على موافقتك إجراء العملية. أغمضت "آيات" عينيها تستخير ربها عز وجل. ثم... مضت الورقة وسلمتها إلى الطبيب. جلست "آيات" على أحد المقاعد وهي تهتف من أعماق قلبها المكلوم: -يارب اشفيه يارب. إنت قادر على كل شيء. يارب استجب لي واشفيه يارب.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...