بعد فترة طويلة من الانتظار، شعر "آدم" بالتوتر الشديد. مد يده إلى جيبه ليشعل إحدى سجائره، إلا أنه تذكر وجوده في المستشفى، فأعاد العلبة إلى جيبه مرة أخرى. نهض من مقعده وهو يدور حول نفسه كالطير الجريح. كان التوتر قد أخذ منه مبلغه. وأخيرًا، انفتح الباب وخرجت والدته من حجرة الأشعة على الترولي. كانت قد بدأت في الإفاقة قليلاً. قال "آدم" للطبيب بلهفة: خير يا دكتور؟ قال الطبيب:
لا، اطمئن. إن شاء الله بسيطة، بس المسكن اللي خدته مكنش كافي، ففقدت وعيها من شدة الألم. شعر "آدم" بالألم وهو يقول بندم شديد: أنا السبب. ثم نظر إلى الطبيب قائلاً: طيب، والآشعة اللي حضرتك عملتها على راسها؟ قال الطبيب: لا، متقلقش. الحمد لله الوضع مطمئن، بس أهم حاجة ترتاح كويس الفترة اللي جاية. قال "آدم": حاضر يا دكتور.
توجه "آدم" إلى غرفة والدته. رآها وقد فتحت عينيها وتدور بهما في الغرفة. اقترب منها ببطء، فالتفتت تنظر إليه. ما كادت العبرات تقفز إلى عينيها حتى قفزت إلى عينيه هو الآخر. اقترب منها وجلس بجوارها وقبّل رأسها المضمد ويديها ودموعه تغرقهما، وهو يقول بصوت مرتجف: أنا آسف يا ماما، بجد آسف. بللت العبرات وجهها، وشهقات بكائها تمزق قلبه. فنظر إليها بتأثر قائلاً: أنا عارف إني ابن عاق. ادعيلي إن ربنا يهديني. تحدثت
أمه بصوت واهن وهي تقول: بدعيلك يا "آدم"، بدعيلك يا ابني إن ربنا يهديك ويكفيك شر نفسك. قبل يديها مرة أخرى، ثم مسح العبرات المتساقطة فوق وجهه قائلاً بحزم: بمجرد ما صحتك تتحسن، هاخدك تيجي تعيش معايا. مش ممكن أسيبك هنا تاني. ابتسمت أمه وأجهشت في البكاء وهي تقول: وحشتني أوي يا "آدم".
شعر "آدم" برغبة قوية في البكاء، رغبة لم تجتاحه من قبل كما هي الآن. شعر بشيء محبوس بداخله يخنقه ويتمنى أن يخرج. وضع رأسه فوق كتف والدته وأجهش في البكاء. ربتت أمه بيدها على شعره وهي تلف ذراعيها حوله كالطفل الصغير. علت شفتيها ابتسامة من بين دموعها وهي تضمه إليها بشدة خشية أن يبتعد عنها مرة أخرى. قالت أمه بصوت مرتجف: ربنا يهديك يا "آدم"، ربنا يهديك. رفع "آدم" رأسه ونظر إليها بوجهه الباكي قائلاً: مسامحاني؟
نظرت أمه إليه بحنان قائلة: لما تبقى أب، هتعرف إن ابنك ده حتة منك، مينفعش تغضب عليه. عشان رضاك عليه من رضا ربنا، فمش هيجيلك قلب تفضل غضبان عليه، وهتسـامحه وتاخده في حضنك. ومهما عمل فيك، هتفضل تحبه وتدعيله. قبل "آدم" رأسها برفق وقال بتأثر: أنا مستاهلكيش على فكرة. أمسكت وجهه بين كفيها وقالت بحزم: لا، تستاهل. بس ارجع "آدم" ابني، وسيبك من الطريق اللي انت ماشي فيه ده. تنهد "آدم" بحزن، ثم نظر إليها قائلاً برقة:
نامي دلوقتي. الدكتور قال إنك محتاجة راحة. ومتقلقيش، هفضل جنبك لحد ما تقومي بالسلامة وأخدك معايا. ابتسمت أمه بسعادة وهي تنظر إليه وتتأمله. تشبع شوقها إليه طوال الفترة السابقة. ***
ظلت "آيات" تدعو وتستغفر الله عز وجل وهي تنتظر خروج والدها من حجرة العمليات. مرت ساعة وراء ساعة ونار الانتظار تأكلها وتنهش فيها. تنظر إلى الباب المغلق وتتمنى أن يتحرك ويُفتح. ظلت تنظر إليه تأمره بعينيها أن ينفتح، إلى أن استجاب لها. خرج الطبيب، فنهضت بلهفة تسأله وعيناها حمراوين من شدة البكاء. قالت بصوت مبحوح: بابا عامل إيه دلوقتي يا دكتور؟ التفت الطبيب حوله ثم قال: إنتي مفيش حد من قرايبك معاكي؟ هزت "آيات" رأسها نفياً
وهي تقول بضعف: لا، أنا مليش حد غير بابا. نظر إليها الطبيب بشفقة. فقالت تحثه على الكلام وهي تمسح الدموع التي تبلل وجهها: هو كويس؟ هيخرج إمتى؟ تنهد الطبيب وقال بحنو: معلش يا بنتي، البقاء لله. تسمرت "آيات" في مكانها، تنظر إلى الطبيب وقد حبست أنفاسها. بدت عيناها كبئرين ماء امتلآ على آخرهما. تمتمت قائلة: إيه؟ نظر إليها وقد أشفق على حالها فقال بأسى: قلبه متحملش العملية. للأسف اتوفى. لم ترفع "آيات" عيناها عن الطبيب. أخذت
دموعها تتساقط وهي تكرر: إيه؟ نادى الطبيب إحدى الممرضات وقد شعر بالقلق على "آيات". قال لها: خليكي معاها، متسيبيهاش. استمرت "آيات" في النظر إليه ودموعها لا تتوقف عن الإنهمار. ورددت للمرة الثالثة: إيه؟ بتقول إيه؟ فين بابا؟ اضطرب تنفسها وهي تحاول أن تستوعب ما قاله. نظرت إلى غرفة العمليات وأخذت تنادي: بابا.. بابا.. اخرج يا بابا أنا مستنياك. حاولت الممرضة أن تمسك ذراعيها لتبعدها عن غرفة العمليات، فنفضت "آيات" ذراعيها
منها بقوة وهي تصيح: بابا.. بابا اطلع أنا مستنياك. حاولت اقتحام غرفة العمليات، لكن الطبيب أمسكها وهو يصيح في الممرضة: هاتيلي حقنة مهدئ بسرعة. أجهشت "آيات" في البكاء وهي تصرخ بأعلى صوتها: بابا.. بابا اطلع.. بابا. قال لها الطبيب وهو يحاول أن يهدئها: لا حول ولا قوة إلا بالله. اهدى يا بنتي. خارت قواها على الأرض وهو ممسكًا بها وأخذت تصيح: بابا اطلع بقى.. بابا اطلع.
التف حولها عدد من الممرضات. أخذت تبكي بحرقة. حملوها إلى الترولي وأدخلوها إحدى الغرف، وما زالت صيحات بكائها تشق قلب من يسمعها. ***
أمضت "أسماء" الليل في غرفتها وهي جالسة فوق فراشها تبكي قهراً. أزاحت التسريحة ووضعتها خلف الباب حتى لا يتمكن ابن خالتها من الدخول مرة أخرى إلى غرفتها. في الصباح، تخيرت "أسماء" عباءة واسعة ارتدتها وارتدت فوقها حجاباً طويلاً وخرجت من الغرفة. تجمعت الأسرة حول طاولة الطعام. لمحت نظرات السخرية في عيني "هاني" وهو ينظر إلى ملابسها. تذكرت أحداث الليلة الماضية فلم تجد في نفسها رغبة في تناول الطعام. نهضت وتوجهت إلى غرفتها بعدما طلبت من خالتها مفتاحاً لغرفتها.
قالت لها: عايزاه ليه؟ قالت "أسماء" بإرتباك: عادي يا خالتي. وقالت خالتها بلا مبالاة: هبقى أدورلك عليه. دخلت "أسماء" غرفتها وأغلقتها مرة أخرى بالتسريحة. تعلم بأنه لن يجرؤ على اقتحام غرفتها في وضح النهار، لكنها لم يكن لديها استعداد للمخاطرة. فتحت الشرفة وخرجت تستنشق الهواء الساخن، الذي ألهب عينيها ففاضت دموعها مرة أخرى. قالت لنفسها: هي مش هتتحل بقى يا "أسماء"! ***
ساعد المحامي "آيات" في إجراءات الدفن. خانتها ذاكرتها فلم تتصل بـ "سراج" لتخبره بوفاة أخيه، ولا حتى بـ "أسماء". كانت في دنيا غير الدنيا. ولولا وجود دادة "حليمة" بجوارها لماتت في بيتها جوعاً أو حزناً دون أن يشعر بها أحد. سقطت مغشياً عليها مرات عدة، فأسرعت دادة "حليمة" بمساعدتها وبمداواتها. دُفن "عبد العزيز" في مقابر العائلة.
عادت "آيات" إلى الفيلا الخالية. أخذت تنظر إلى كل ركن فيها بألم، فكل مكان بها يحمل ذكرى لها مع والدها الحبيب. جلست على فراشها متعبة مرهقة. فقالت لها "حليمة" بإشفاق: أجبلك تاكلي يا حبيبتي. هزت "آيات" رأسها نفياً وهي تضع رأسها على الوسادة وتغمض عينيها. مسحت "حليمة" بكفها على شعر "آيات" وهي تقول بحنان: طيب نامي دلوقتي يا بنتي، ولما تصحي هحضرلك الغدا.
لم تجد "آيات" في نفسها رغبة لفعل أي شيء سوى النوم، حيث تهرب من الواقع إلى عالم الأحلام. لكن واقعها اخترق حلمها بقوة لتقوم فزعة من نومها وهي تصرخ: بابا! هرولت "حليمة" من المطبخ قائلة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. إنتي كويسة يا "آيات"؟ قالت "آيات" بوهن: أيوه. جلست "حليمة" بجوارها. فوضعت "آيات" رأسها على الوسادة مرة أخرى لتتساقط منها عبرات صامتة. مسحت "حليمة" وجه "آيات" المبلل، ودون أن تشعر، بكت هي الأخرى.
نهضت "آيات" في منتصف الليل وأمسكت مصحفها تقرأ من كتاب الله وقد فاضت عيناها. نوت بقلبها إهداء ثواب تلك القراءة لأبيها. لم تستطع أن تكمل. قطع عليها بكائها القراءة. كانت تشعر بألم يمزقها إلى أشلاء. كيف تتحمل فقدان أبيها؟ لم يكن فقط أباً، بل كان كل عائلتها وكل صحبها. كان شعورها كمن فقد عائلته كلها في يوم واحد. أخذت ترفع يديها بالدعاء له بالرحمة والمغفرة. ***
أمضى "آدم" الأسبوع بجوار والدته في المستشفى. لم يتركها خلاله إلا لفترات قصيرة ثم يعود إليها مرة أخرى. تابع سير العمل بالقرية عن طريق الهاتف، وتابعه "زياد" بالأخبار أولاً بأول. كانت أمه سعيدة بهذا التغير وهذا الاهتمام منه. قالت له في إحدى المرات وهي تنظر إليه متبسمة: ياه.. كنت وحشني أوي يا "آدم". ابتسم "آدم" فأكملت دامعة العينين: كان وحشني ابني اللي بيخاف عليا وبيهتم بيا. كان وحشني أوي. جلس "آدم" بجوارها قائلاً:
طيب بلاش عياط عشان خاطري. ابتسمت وهي تحاول إخفاء تأثرها وقالت: حاضر يا ابني، خلاص مش هعيط. ثم نظرت إليه قائلة: شغلك مش متعطل يا "آدم"؟ قال "آدم": لا، متقلقيش يا ماما. أنا متابع كل حاجة بالتليفون، وكمان "زياد" هناك، فعشان كده مطمن. قالت أمه بسعادة: ما شاء الله. هو "زياد" بيشتغل معاك؟ ابتسم قائلاً: أيوه. قالت أمه بحنان: طول عمركوا روحكوا في بعض. ربنا ما بيفرق بينكوا أبداً. قال "آدم" بمرح وهو ينظر إلى هاتفه:
أهو بيتصل، يا ريتنا كنا جبنا سيرة ربع جنيه. رد "آدم" قائلاً: أيوه يا "زياد". قال "زياد" بتوتر: أيوه يا "آدم". إزيك طنط؟ عاملة إيه دلوقتي؟ قال "آدم" وقد انتبه لتغير صوته: أحسن الحمد لله. مال صوتك؟ في حاجة حصلت؟ تنهد "زياد" بضيق ولهفة كما لو كان لا يستطيع الانتظار أكثر ليخبره بما لديه: لازم تيجي تلحقني بسرعة يا "آدم" في حريقة في القرية. صاح "آدم" وقد هب واقفاً: إيه؟ حريقة؟ نظرت إليه أمه بجزع وقالت:
لا حول ولا قوة إلا بالله. قال "زياد" باضطراب: أيوه حريقة. لسه المطافي ماشية من شوية. صاح "آدم" قائلاً: في حد مات؟ قال "زياد" بسرعة: لا، اطمن. لا في حد مات ولا حد اتصاب. لأن الكلام ده حصل بالنهار، مكنش في حد في الملهى. صاح "آدم" بغضب بالغ: الملـهى؟ الحريقة كانت في الملهى؟ تنهد "زياد" قائلاً: أيوه. النار مسكت فيه، وللأسف المطافي جت متأخر وجزء كبير منه اتحرق. قال "آدم" بغضب هادر: مفيش غيره. "عاصي" الكلب هو اللي عملها.
قال "زياد" بقلق: متتهورش يا "آدم" لو سمحت. أنا بلغت البوليس وهو أكيد هيعرف مين اللي عمل كده. قال "آدم" بعنف وبدا وكأنه لم يستمع إلى كلمات "زياد": أنا هوريك يا "عاصي" الكلب. إذا كنت حابب شغل البلطجة، معنديش أي مشكلة. اشرب بقى. كان "آدم" يغلي من الغضب. فقالت له والدته بقلق: خير يا "آدم"؟ قال "آدم" بحدة: مفيش. شوية مشاكل في الشغل، متشغليش بالك يا ماما. قالت أمه وهي تنظر إليه بإشفاق:
طيب يا حبيبي، سافر. انت متعطلش شغلك بسببى. أنا بقيت كويسة. نظر "آدم" إليها بحزم قائلاً: مش هسيبك هنا يا ماما. هتيجي معايا. ثم توجه إلى الخارج قائلاً: هروح أسأل الدكتور إذا كان ينفع تسافري ولا لأ. *** صاحت "أسماء" بحدة: إنتي بتستعبطي يا "آيات"؟ بجد زعلتيني منك جداً. أسبوع يا "آيات"، أسبوع وأنا معرفش إن باباكي اتوفى؟ وألف موبايلك كمان. قالت "آيات" بوهن وهي جالسة في فراشها:
معلش يا "أسماء". أنا مكنش عقلي فيا، مكنتش قادرة أتكلم ولا حتى أشوف حد. قالت "أسماء" وهي تجلس بجوارها: بس أنا مش حد يا "آيات". قالت "آيات" ودموعها تتساقط على وجهها: معرفش بقى. أنا كنت طول الوقت بنام عشان أهرب من التفكير. وبعدين لما فوقت كلمتك وقولتلك. عانقتها "أسماء" قائلة: يا حبيبتي يا "آيات". معلش، ربنا يرحمه. بكت "آيات" قائلة:
مش قادرة يا "أسماء"، مش قادرة أتحمل فراقه. مش قادرة أصدق إنه خلاص مات. بنام وبصحى أحس إنه هيخبط على باب أوضتي، ويقولي تعالي اتعشى معايا، ويكلمني عن الرحلة اللي هنطلعها سوا. ده وعدني ياخدني للحج السنة دي، وهنطلع عمرة كل سنة. مش قادرة أصدق إني خلاص مش هشوفه تاني. إزاي مشوفوش تاني يا "أسماء"؟ إزاي؟ إزاي هعيش من غير بابا؟ إزاي بابا معدش موجود؟ إزاي معدتش هسمع صوته؟ يعني هو كده خلاص معدش هيكون موجود تاني؟
خلاص كده، هفضل عايشة من غير ما أشوفه. انهمرت العبرات من عيني "أسماء" وهي تنظر إلى صديقتها في أسى واشفاق وقالت: ربنا يصبرك يا "آيات". نظرت "أسماء" إلى الحقائب التي تملأ الغرفة وقالت: إنتي هتسيبي الفيلا إمتى؟ وهتروحي فين؟ ودفعتي أصلاً فلوس العملية إزاي؟ معاكي فلوس؟ قالت "آيات" وهي تحاول تمالك أعصابها:
خدت دهبي، وبعته ودفعت جزء من حساب العملية. ولما الشركة اتباعت كملت ودفعت باقي حساب المستشفى. الفيلا كمان اتباعت بكل اللي فيها في المزاد، بس مديني مهلة لآخر الشهر عشان أخرج منها. قالت "أسماء" باستغراب: بس مش المفروض عمك ده اللي بتكرهوه يورث في باباكي؟ قالت "آيات": لا، الميراث مبيتوزعش إلا بعد تسديد الديون. مش ربنا بيقول في سورة النساء "من بعد وصية يوصى بها أو دين". ثم قالت بألم:
مع إنّي برده هيبقى عليا أكيد ديون، لأن المحامي قال لي إن الفلوس بتاعة الفيلا والعربية مش هتكفي. فهضطر أبيع عربيتي وللأسف معنديش حاجة تاني أبيعها، والفلوس اللي باسم بابا في البنك كمان راحت. قالت "أسماء" بأسى: ده إيه الهم ده. ثم قالت بحزم: بيعي عربيتك وخلي فلوسها ليكي انتي. انتي أولى بيها. وسيبك من موضوع الديون واللي يسألك، قولي ممعكيش. نظرت إليها "آيات" بلوم وبألم وقالت:
إنتي تعرفي إن في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بيقول "يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين". وكمان في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم "أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بجنازة ليصلي عليها، فقال: هل عليه من دين؟ قالوا: نعم، قال: صلوا على صاحبكم، قال أبو قتادة: علي دينه يا رسول الله، فصلى عليه". يعني الرسول مصلاش على الميت صاحب الدين إلا بعد ما حد من الصحابة قال إنه هيسدد عنه دينه. إزاي أسيب بابا من غير ما أسدد دينه.
تنهدت "أسماء" بأسى وقالت: والله لو كان معايا حاجة يا "آيات" مكنتش اتأخرت عنك. قالت "آيات" وهي تنظر إليها ممتنة: عارفة يا "أسماء". قالت "أسماء": أمال إنتي هتعيشي فين بعد ما تسيبي الفيلا؟ قالت "آيات" بحيرة وأسف: معرفش.. معرفش. *** أغلق "عاصي" الهاتف وهو يضحك بشدة. سأله والده الجالس معه في المكتب قائلاً: خير؟ متضحكنا معاك. قال "عاصي" بسعادة: مفيش. "آدم" كان مسافر القاهرة، فبعتله هدية صغيرة نستقبله بيها لما يرجع.
قال أبوه باستغراب: هدية إيه يا "عاصي"؟ قال "عاصي" بتشفٍّ: ولعتله في الملهى الليلي اللي فرحان بيه. ضرب "سراج" بقوة على المكتب فانتفض "عاصي". صاح "سراج" بغضب: أنا مش قايلك متعملش حاجة من غير ما ترجعلي يا "عاصي"؟ قال "عاصي" بغيظ: هو اللي بدأ اللعب بالنار، اللي يلعب بالنار تلسعه. صاح "سراج" بحدة: غبي يا "عاصي"، غبي. إنت عارف "آدم" كويس، مش من النوع اللي يخاف ويكش. إنت عارفه كويس. إيه اللي خلاك تتهور كده؟ قال "عاصي" بحدة:
هيـعمل إيه يعني؟ ولا يقدر يعمل حاجة. هتف "سراج" بحدة: غور من قدامي يا "عاصي"، وتروح حالاً القرية تأمن عليها كويس وتخليك فيها اليومين دول، لأني واثق إن "آدم" مش هيسكت. وأي حاجة جديدة تبلغني بيها فوراً. ثم صاح محذراً وهو يشير بإصبعه: وإياك حسك عينك تعمل حاجة من غير ما ترجعلي، فاهم يا غبي. خرج "عاصي" من مكتب والده وعلامات الغضب على وجهه. وقف أمام المصعد وهو يتمتم بغضب:
أكنّي عيل صغير. اعملي يا "عاصي". وإياك تعمل يا "عاصي". حاجة تقرف. ***
توجه "آدم" مع والدته إلى منزلها يجمع حاجياتها ثم انطلق بها إلى العين الساخنة. كان "آدم" شارداً طوال الطريق يفكر بغيظ فيما فعله "عاصي" بقريته، فليس لديه أدنى شك بأنه وراء حرق الملهى الليلي. تلقى اتصالات عديدة من "شكري" الذي بدا غاضباً، لكن "آدم" طمأنه بأن الخسائر ليست كبيرة وبأن الإقبال على القرية لم يتأثر بتلك الحادثة. لكن "آدم" صمم على تلقين "عاصي" درساً حتى لا يتجرأ مرة أخرى على الاقتراب منه.
أوصل والدته إلى الشاليه وتوجه من فوره إلى الملهى الليلي. عاينه بغضب وهو يتفحص الخسار ثم صاح بغضب: ابن التيييييييييي. قال "زياد" بتهدئة: الحمد لله إنها جت على قد كده يا "آدم". كويس إن محدش اتصاب ولا حد مات، وإلا كانت هتكون فضيحة بجد. خرج "آدم" مسرعاً واجتمع بالحرس الخاص الذي استأجرهم، و... أمرهم بما يجب أن يفعلوه. قوبل بالاعتراض في البداية، لكن الاعتراض اختفى بعدما لوح "آدم" بالثمن! ***
أثناء الغداء، قالت والدة "سماء": أنا خارجة النهاردة مع خالتك وجدك، رايحين نزور ناس قرايبنا في البلد وهنرجع متأخر. خشت "أسماء" من البقاء بمفردها في المنزل، فقالت بلهفة: لا، أنا جايه معاكوا.
ولم تعترض والدتها. حانت منها التفاته إلى "هاني" الذي ابتسم لها بسخرية. قامت وتوجهت إلى غرفتها، فكانت رؤيته تسبب لها الغثيان. بعد منتصف الليل، عادوا من الخارج والكل متعب مرهق. توجهت "أسماء" إلى غرفتها ووضعت التسريحة خلف الباب كعادتها كلما دخلت إلى غرفتها. ما كادت تلتفت حتى رأت "هاني" أمامها. كادت أن تصرخ، لكنه وضع يده على فمها يكممه قائلاً:
شششش. لو فتحتي بوقك، هتبقى فضيحة وهقولهم إني كنت نايم في أوضتك لأنها طراوة، وإنتي اللي بتتبلي عليّ. بكت "أسماء" وهي تقول له: حرام عليك بقى. أنا بنت خالتك، مش واحدة من الشارع. كالمرة السابقة، لم يعبأ لبكائها ولا لتوسلاتها، وجذبها إلى الفراش. أخذت تهتف بين شهقات بكائها المرير: كفاية بقى.
اهتنت تلك الدقائق الكريهة كسابقتها وعاد إلى غرفته منشياً، شاعراً بالانتصار. أما "أسماء"، فكانت نفسيتها وأعصابها في الحضيض. ظلت تتلوى في فراشها بعدما تقيأت بشدة وأصابها الإعياء. أغمضت عينيها بشدة وهي لا تتمنى إلا شيئاً واحداً... الموت. *** استيقظ "عاصي" على صوت هاتفه. رد بصوت ناعس: أيوه. صاح الطرف الآخر:
الحق يا أستاذ "عاصي". في بلطجية دخلوا القرية بعربيات جيب وكسروا الواجهة والإزاز اللي في المدخل. وولعوا في الجنينة ومحدش عرف يمسكهم. هب "عاصي" واقفاً وارتدى ملابسه على عجالة ونزل يرى المصيبة التي أصابت قريته. وجد النزلاء قد تجمهروا في الأسفل وهم ينظرون بجزع إلى الحريق الكبير المشتعل في الحديقة والزرع. فصاح قائلاً: اطلبوا المطافي بسرعة. صاح مدير القرية: طلبناها يا أستاذ "عاصي".
صاح به "عاصي" بحدة وهو يرى الزجاج المحطم والتماثيل المهشمة والنار التي تلتهم كل ما يقابله: وكنت فين حضرتك لما ده حصل وفين الأمن؟ قال مدير القرية بقلق وارتباك: كل حاجة حصلت فجأة. دلوا بعربيات جيب ورموا مولوتوف على الجنينة وحجارة على الواجهات، وعلى ما جينا نتصرف لفوا ومشوا بسرعة. صاح "عاصي" بغضب هادر: اتفضل اقفل حسابك وسلم شغلك وشوفلك مكان تاني تديره. إنت كبيرك أوي تدير حضانة أطفال مش قرية سياحية.
شعر مدير القرية بالمهانة وتوجه إلى الداخل مسرعاً بغضب. وقف "عاصي" ينظر إلى ما حوله بغيظ وقد تعالت صيحات الاستنكار من النزلاء. فصاح بغضب: حد يطلب المطافي. *** توجهت "آيات" إلى مكتب محامي والدها. كانت هذه هي المرة الأولى التي تحتاج لأحد غير والدها وتطلب منه شيئاً ما. شعرت بحرج بالغ. قالت ورأسها منخفض: أنا محتاجة مبلغ صغير وهمضيلك وصولات أمانة. صمت المحامي قليلاً ثم قال متهرباً:
أنا لو كان معايا فلوس مكنتش أعزها عليكي، بس أنا حالياً بمر بأزمة مالية خاصة بعد ما شغلي في شركة والدك انتهى. يعني أنا زيي زيك. نظرت إليه بألم وقالت: بس أنا مفيش مكان حتى أروح فيه. محتاجة على الأقل أأجر شقة. والفلوس اللي اتبقت من بعد بيع العربية مش هتكفي إلا إيجار كام شهر. ده غير الأكل والشرب والمصاريف. قال المحامي بلا مبالاة: انزلي اشتغلي. إنتي متخرجة ومعاكي شهادة وأكيد هتلاقي شغل كتير. قالت "آيات"
بيأس والدموع في عينيها: طيب حضرتك متقدرش تشوفلي شغل في أي شركة؟ قال المحامي وهو يمط شفتيه: هحاول أشوفلك. خرجت "آيات" من مكتبه تنظر إلى الشارع المزدحم وقد امتلأت عيناها بالعبرات. نظرت إلى المارة في الشارع بألم وهي تستعد لأول مرة لمواجهة الحياة بمفردها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!