دخل "مدحت" بيته ليجد "مديحة" جالسة تبكي فوق الأريكة. نظرت إليه ومسحت عبراتها وهي تحاول أن تتمالك نفسها. اقترب منها وقال: -في حاجة. نظرت إليه ورفعت حاجبها بسخرية قائلة: -ومن امتى بتهتم يعني اذا كان في حاجة ولا لأ. زفر بنفاذ صبر وتوجه إلى غرفة النوم لتبديل ثيابه. توجه إلى بعد ذلك إلى المطبخ وفتح الثلاجة يبحث عن طعام ليسد به رُمقه. أغلق الثلاجة بعنف بعدما وجدها خالية إلا من بعض الطعام الفاسد أو الذي أوشك على الفساد.
توجه إلى غرفة المعيشة حيث تجلس "مديحة" وقال بغضب مكبوت: -هو مفيش أكل. قالت وهي تفتح التلفاز: -لأ مطبختش. -ليه مطبختيش؟ نظرت إليه بعناد قائلة: -مزاجي. هو انت فاكرني الخدامة بتاعتك. مش اح cổng متفقين على الطلاق. أطبخلك بتاع ايه بأه. أنا لما بطبخ بطبخ لنفسي مش ليك ومكنش ليا مزاج النهاردة أطبخ. أطلق سبة بصوت منخفض وتوجه إلى غرفة النوم ليخرج هاتفه من جيب بنطاله ليطلب الطعام من أحد المطاعم. لحقت به "مديحة" وقالت:
-انت بتشتمني؟ نظر إليها بأعين تشع غيظاً وقال: -"مديحة" غوري من قدامي دلوقتي. نظرت إليه بشيء من الاحتقار ثم توجهت إلى غرفة "أسماء" التي أصبحت غرفتها التي تقيم بها وأغلقت الباب بعنف. أطلق "مدحت" سبة أخرى وجلس ينتظر عامل التوصيل. أحضر العامل الطعام فوضعه على الطاولة وشعر بالارتياح لتناول طعامه. خرجت "مديحة" من الغرفة ونظرت إليه بغيظ وقالت: -طول عمرك أناني. طيب على الأقل شوف الكلبة اللي قاعدة جوه دي عايزة تاكل ولا لأ.
نظر إليه بغضب وصاح: -مش قولتي اننا هنطلق وانك مش الخدامة بتاعتي عشان تطبخيلي. أهو أنا بأه مش ولي أمرك عشان أصرف عليكي. صاحت قائلة: -طول عمرك كده وهتفضل كده مبشوفش نفسك غلطان أبداً. دايماً أنا اللي غلط وانت باشا مبتغلطش. قام من فوراً وأزاح الكرسي إلى الخلف بعنف حتى وقع على الأرض وصاح:
-انتي بتقولي شكل للبيع. انتي واحدة معندكيش دم ولا ذرة احساس. سبتي بنتك تضيع من ايدك والتيت ابن أختك يتحرش بيها ولا فتحتي بقك بكلمة. ده انتي أفشل أم وزوجة على وجه الأرض. -لأ انت اللي زوج مثالي. يا راجل يا شايب يا اللي رايح تتجوز واحدة قد بنتك. أهي سبتك زي التيت واطلقت منك. دفعها بقبضتيه في كتفيها من شدة غيظه وقال:
-أنا اللي طلقتها زي ما هطلقك وارميكي في الشارع تشحت عشان تلاقي لقمة نضيفة. أما خليتك تقولي حقي برقبتي مبقاش أنا "مدحت". توجهت "مديحة" إلى غرفة "أسماء" مرة أخرى وأغلقت الباب في وجهه بعنف شديد حتى كاد أن ينخلع من مكانه. جلس "مدحت" أمام الطاولة ثم ما لبث أن دفع الطعام بيده بعصبية حتى تساقط وتناثر على الأرض. *** اتكأت والدة "آدم" على الأريكة وبيدها طبق من الأرز تنقي ما به من شوائب. دخل "آدم" الشاليه واقترب منها قائلاً:
-ازيك يا ست الكل. ابتسمت في وجهه بطيبة وقالت: -إن شاء الله تسلم يا ابني. جلس "آدم" بجوارها. رآها تضيق من عينيها وهي تعاود النظر إلى الطبق في يدها. انحنى إلى الأمام وسألها باهتمام: -ماما انتي حاسة ان نظرك ضعف ولا حاجة. نظرت إليه وقالت وهي ترمش بعينيها: -والله ما أنا عارفة يا ابني بقيت أحس ان عيني مزغللة. قال بجدية: -طيب وليه ما قولتيليش يا ماما. ثم قال: -طيب سيبى ده دلوقتي وتعالي نكشف أكيد هتبقى محتاجة لنضارة.
قالت بلا مبالاة: -لا ملهاش لازمة. مش مهم. نهض "آدم" وأخذ الطبق من يدها ووضعها على الطاولة وقال: -مفيش حاجة اسمها ملهاش لازمة. اذا مكنتش صحتك مهمة أما إيه اللي مهم يعني. قالت وهي مازالت جالسة لا تريد النهوض: -يا ابني ما أنا شايفة أهوه. ملهاش لازمة النضارة. جذبها من يدها لوجهها إلى غرفتها قائلاً: -يلا ادخلي البسي يا ماما لو سمحتي. لاحت ابتسامة على شفتيها تشي بسعادتها لاهتمام "آدم" بها.
انطلق بسيارته إلى إحدى عيادات العيون. أثناء انتظار دورها في الكشف مالت عليه وقالت وهي تتطلع إلى وجهه بتتمعن: -انت كويس يا ابني. التفت إليها وابتسم بوَهن وقال: -أيوه متقلقيش عليا. نظر إليه بحزن وقالت: -انت ندمان انك سبت الشغل؟ قال على الفور بثقة شديدة: -لأ طبعاً مش ندمان أبداً. ثم أحاط كتفيها بذراعه وقربها منه قائلاً في حنان: -متقلقيش عليا. أنا عارف اني هقدر أقف على رجلي تاني. قال بقلب مخلص:
-ربنا يكرمك ويرزقك من وسع ويديلك على قد نيتك يا ابني. قالت بحماس وبطيبة الأمهات المعهودة:
-عارف يا ابني الحرام ده بياكل في جسم الانسان وبيقلل بركة ماله وصحته وعفيتة. لكن الحلال حتى لو كان قليل بس ربنا بيبارك فيه. عارف يا "آدم" أبوك كان مرتبه قليل أوي أوي. بس سبحان الله والله يا ابني عمرنا ما مدينا ايدينا لحد. كنا أول كل شهر نعد نفكر إزاي هنقضي الشهر بالمرتب الصغير ده. بس سبحان الله كنا بنحس ببركة ربنا في كل حاجة وكان ربنا بيسترها معانا لحد آخر الشهر وساعات كان يتبقى فلوس كمان. كنت أجي أشيلها ألاقي أبوك الله يرحمه يقولي لازم نطلع منها صدقة عشان ربنا يبارك لنا في مالنا وصحتنا وابننا "آدم". كنت ساعات أقوله خلّيهم يمكن نحتاجهم في وقت عوزة. كان يقولي متقلقيش لو معاكي 10 جنيه وطلعتي منها 5 جنيه يتبقى كام؟
كنت أقوله يتبقى 5 جنيه. يقولي لأ يتبقى 10 لأن الفلوس اللي بتطلعيها لله مبتجللش المال أبداً دي بتزود بركته. ابتسم "آدم" وهو ينظر إلى أمه بتأثر. قبل رأسها حتى انتبه إليه بعض الجالسين في العيادة. وقال لها وهو مازال محيطاً كتفيها بذراعه: -ربنا يرحمه. ويبارك فيكي يا ماما. انتي وبابا سبب اللي أنا فيه دلوقتي. لأني بعملكم الطيب ربنا كافأكم وهداني. لو مكنتوش انتوا كده كان ممكن أفضل تايه طول عمري.
قبل رأسها مرة أخرى. فنظرت إليهما إحدى السيدات الجالسات بتأثر وقالت: -ربنا يخليهولك يا حاجة. التفتت إليها أم "آدم" وهي تشعر بسعادة غامرة من معاملة ابنها البارة بها. شعرت كأنها ملكته التي يدللها ويعتني بها ويحث نفسه على نيل رضاها. ربتت على قدميه وقالت بابتسامة واسعة: -إن شاء الله يا رب. ***
واجهت "أسماء" مشكلة مع أحد العاملين بالقرية فبحثت عن "علي" إلى أن وجدته واقفاً أمام أحد البوابات. يتحدث إلى أحد الحرس معطياً إياه بعض التعليمات. اقتربت منه وقالت: -لو سمحت يا أستاذ "علي". التفت إليها "علي" ثم أخفض بصره وقال: -ثواني بعد إذنك. التفت إلى الرجل وأنهى حديثه معه. انصرف الرجل فالتفت إليها علي ونظر إلى الأرض قائلاً: -اتفضلي.
اقتربت منه "أسماء" لتريه المكتوب على إحدى الورقات بيديها. غزي عطرها الفواح أنفه، فابتعد خطوة إلى الخلف. نظرت إليه "أسماء" بشيء من الضيق وقالت: -فيه 2 من عمال البوفيه بتاع حفلة بكرة اعتذروا وطالبين أجازة بكرة وسلموني طلبهم ده. واحد تعبان والتاني مسافر وأنا مش عارفة هل نطلب اتنين غيرهم ولا الموجودين هيكفوا. قال "علي" بهدوء وهو يأخذ منها الورقة ليقرأها: -أصلاً دي مش شغلتك يا آنسة. المفروض كانوا يجولي أنا مباشرة.
نظرت إليه "أسماء" بضيق وظنت أنه يهمل دورها فقالت بتحدي: -لأ دي شغلي الأستاذ "كريم" قال كده. طوى "علي" الورقة وعض على شفتيه قليلاً ثم قال بهدوء: -حضرتك فهمتي كلام الأستاذ "كريم" غلط. حضرتك مسؤولة عن السائحات ومشاكلهم اللي بيوجهوها في القرية لو كانت مع أحد الموظفين حضرتك بترجعيلي. ولو كانت مع إحدى الموظفات بترجعي للآنسة "آيات". قالت بحنق وقد أيقنت أنها أساءت الفهم:
-طيب فهمت. وبعدين أصلاً عامل البوفيه هو اللي جالي وسلمني الورقة وأنا جيت لحضرتك عشان معرفتش أتصرف. قال "علي" بهدوء وهو يستعد للانصراف: -مفيش مشكلة. بعد إذنك. غادر في هدوء. فالتفتت إليه "أسماء" ترمقه بنظراتها المتهمة. ثم ما لبثت أن عادت إلى عملها من جديد. *** انطلق "أحمد" بسيارته يشق طريقه إلى العين السخنة لحضور الافتتاح المقام في يوم غد. كان يسير على الطريق بسرعة ولهفة. لملاقاة "آيات" التي افتقدها في الأيام الماضية.
قال "فؤاد" الجالس بجواره: -فاضل كتير يا "أحمد". التفت إليه "أحمد" قائلاً: -لأ يا بابا متقلقش نص ساعة ونوصل بالسلامة. قال "فؤاد" بإعجاب: -تعرف. "كريم" ده طلع راجل وقد المسؤولية. أنا حاسس إننا هنجح جامد في المشروع ده. قال "أحمد" وقد أسعده أن يشيد والده بـ "كريم": -إن شاء الله يا بابا. هو فعلاً باين عليه راجل محترم. عبرت سيارته بوابة القرية بتؤدة. ابتسم "فؤاد" عندما رأى "كريم" واقفاً في استقباله بصحبة أحد الرجال.
تبادل الجميع عبارات التحية وقدّم "كريم" إليهم "علي" قائلاً: -الأستاذ "علي". أخويا وصحبي وأحد نوابي في القرية. رحب به "فؤاد" قائلاً: -تشرفنا يا أستاذ "علي". قال "علي" بحرج: -الشرف ليا يا فندم. دخل الجميع إلى مكتب "كريم" وجار بينهم حديث عن العمل إلى أن قال "أحمد": -طيب هستأذن أنا. هخدلي لفة في القرية. سار في القرية يتأمل ما حوله بنظرة رضا. أخذته قدماه شرقاً وغرباً. إلى أن توجه عائداً في طريقه إلى المكتب.
فجأة لمحها. كانت واقفة تنظر إلى أحد الملفات في يدها وهي تخط بقلمها بعض الملاحظات. علت الابتسامة ثغره وقال مقترباً منها: -"آيات". ازيك. التفتت "آيات" إليه ورسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها وقالت بحرج: -الحمد لله. حمد الله على السلامة. اتسعت ابتسامته وهو يتأملها بعينيه قائلاً: -الله يسلمك. ها إيه أخبار الشغل هنا طمنيني مرتاحة. أومأت برأسها وقالت ممتنة: -أيوه الحمد لله. قال بحنان: -فرحتيني. كنت قلقان عليكي.
شعر "أحمد" بيد تربت على كتفه فالتفت ليجد "كريم". ابتسم له بحرج وقال: -ما شاء الله يا "كريم" المكان هنا روعة زي ما شفته على السي دي بالظبط. قال "كريم" بهدوء وإن كانت ملامحه تنم عن الضيق: -الحمد لله إنها عجبتك يا "أحمد". على فكرة باباك مستنيك في المكتب. "علي" هياخدكم على الأوضتين بتوعكم. التفت "أحمد" إلى "آيات" قبل أن ينصرف قائلاً: -سلام يا "آيات". أشوفك بعدين. كاد "آيات" أن ترحل بدورها لكن "كريم" أوقفها.
نظرت إليه بحرج وقالت: -عارفة إنك هتقولي إنك مضايق إن "أحمد" كان واقف يتكلم معايا. بس هو اللي جه كلمني وأنا يدوبك رديت على قد السؤال. صمت "كريم" وهو يتطلع إليها ثم قال: -بصي يا "آيات" أنا ليا عينين وعقل بفكر بيه. وواضح جداً من نظرات "أحمد" ليكي واهتمامه بيكي إنه حاسس بحاجة نحيتك. ارتبكت "آيات" ونظرت أرضاً وهي لا تجرؤ على إخباره بأنها تعلم ذلك جيداً. فأكمل "كريم":
-أنا مقبلش إن راجل يبص لأختي كده. مركز عينه عليكي وواقف يتكلم معاكي أكنه محرم ليكي. مينفعش يا "آيات". بلعت ريقها بصعوبة ونظرت إليه قائلة: -طيب فهمت. وبعدين أصلاً عامل البوفيه هو اللي جالي وسلمني الورقة وأنا جيت لحضرتك عشان معرفتش أتصرف. قال "علي" بهدوء وهو يستعد للانصراف: -مفيش مشكلة. بعد إذنك. غادر في هدوء. فالتفتت إليه "أسماء" ترمقه بنظراتها المتهمة. ثم ما لبثت أن عادت إلى عملها من جديد. قال "علي"
بهدوء وهو يستعد للانصراف: -مفيش مشكلة. بعد إذنك. غادر في هدوء. فالتفتت إليه "أسماء" ترمقه بنظراتها المتهمة. ثم ما لبثت أن عادت إلى عملها من جديد. قال "علي" بهدوء وهو يستعد للانصراف: -مفيش مشكلة. بعد إذنك. غادر في هدوء. فالتفتت إليه "أسماء" ترمقه بنظراتها المتهمة. ثم ما لبثت أن عادت إلى عملها من جديد. *** في المساء. أطلقت "إيمان" ضحكة عالية وقالت وهي تنظر إلى وجهها في المرآة وقد كساه سائل لزج ذو لون أخضر:
-بقيت شبه الرجل الأخضر. ضحكت "آيات" الجالسة خلفها تضع على وجهها نفس السائل وقالت: -معلش اللي عايز الورد يتحمل شوكه. نظرت "إيمان" إلى "أسماء" الذي اكتسى لونها هي الأخرى باللون الأخضر وقالت بمرح: -"أسماء" انتي حاطة إيه في البتاع ده. عارفة لو اتشوهت هعمل فيكي إيه. قالت "أسماء" ضاحكة: -يا ابنتي ما أنا و "آيات" حاطين زيك أهوه يعني لو في حاجة وحشة مكنش حطيناه على وشنا. قالت "إيمان" وهي تجلس بجوارها:
-يعني البتاع ده لما هشيله هبص في المراية ألاقي نفسي بقيت مزة. ضحكت "أسماء" وقالت: -ليه هو أنا عاملة خلطة سحرية. قال مزة قال. نظرت إليها "إيمان" بغيظ. فقالت "آيات": -أصلاً انتي يا "إيمان" بشرتك رايقة أوي ما شاء الله يعني مش محتاجة ماسكات خالص. بس أهو تجربي معايا العك بتاع "أسماء". قالت "أسماء" بغيظ: -طالما عك طلبتي مني أعملهولك ليه. زي القطط صحيح. نظرت إليهما وقالت بحماس:
-شكل الحفلة دي هتبقى جامدة. ناس ستايل وأجانب بقى ورجالة لووووووز. صاحت "إيمان" مستنكرة: -يخرب عقلك إيه رجالة لوووز دي. خليتي إيه للولاد. قالت لها "أسماء" بمرح: -خليكي انتي في البتاع اللي حاطاه على وشك ده. كفاية عليا أخوكي. -ماله "علي" بأه. -ممملوش يا ستي. بس تحسه عنده كلكيعة قد كده. شكله كان بيحب واحدة زمان وهي اللي كرهته في الصنف. ضحكت "إيمان" وقالت: -لأ "علي" مش كاره الصنف ولا حاجة. صاحت "أسماء" باستنكار:
-أما لو كان كاره كان عمل إيه. ده بيتكلم من مناخيره وبالقطارة بيحسسني إني بشحت منه مش بشتغل معاه. على فكرة أخوكي بجد مغرور أوي. قالت "إيمان" بجدية: -لأ والله "علي" مش مغرور خالص بالعكس هو حد بسيط أوي. مدت "أسماء" شفتيها وقالت: -معرفش. بس أنا شيفاه مغرور. ثم نظرت إلى "آيات" قائلة: -وأخوكي انتي كمان مغرور وشايف نفسه. ألقت عليها "آيات" الوسادة فأصابت وجهها وقالت: -احترمي نفسك ومتقوليش على "كريم" كده.
نظرت "أسماء" بأسى إلى الوسادة التي اتسخت بالماسك وهتفت: -بوظتيلي الماسك ربنا على الظالم والمفترى. قالت لها "آيات" بتشفّي: -أحسن عشان متتكلميش عن أخويا تاني. نهضت "أسماء" بتبرم لتضع الماسك مرة أخرى على وجهها فأطلقت "آيات" و "إيمان" الضحكات العالية وقالت "إيمان" بمرح: -أحسن تستاهل. *** في مساء يوم حفل افتتاح قرية الماسة. استعد الجميع لهذا الحدث الكبير. بدأ التوتر على البعض منهم. وبدا الحماس والتفاؤل على آخرين.
كان الجميع يعمل كالنحل في الخلية. من أجل الخروج أمام الناس والصحافة والإعلام بأفضل صورة لائقة. كانت قاعة الاحتفال من الداخل تحتوي على طاولات للنساء في جهة وطاولات للرجال في الجهة الأخرى. راقب "كريم" كل شيء بدأ من جودة الطعام إلى الفقرات الترفيهية والبريزنتيشن للتعريف بالقرية. وقف "علي" أمام باب القاعة يرتدي حلة أنيقة يرحب بالرجال ويرشدهم إلى مكان القاعة.
وقفت "أسماء" على بعد خطوات منه وقد ارتدت فستاناً أبرز بعض مفاتنها وزينت وجهها بالمكياج. ولفّ حجابها إلى الخلف حتى بدت رقبتها عارية من الأمام. حانت منها التفاتة إلى "علي" الذي يقف بزاوية مولياً إياها ظهره. رفعت حاجبيها في دهشة وهي تنظر إلى سيارة "ساندي" التي توقفت على بعد خطوات لتهبط منها متوجهة إلى القاعة. تسمرت "ساندي" في مكانها وهي ترى "أسماء". اقتربت منها قائلة: -إيه ده "أسماء". مش "أسماء" بردوا.
أومأت "آيات" برأسها مبتسمة فسألتها "ساندي" باستغراب وهي تراها واقفة على باب القاعة: -ازيك يا أسماء بتعملي إيه هنا. اتسعت ابتسامة "أسماء" وهي تقول بنعومة: -هاي "ساندي". أنا بشتغل هنا. رفعت "ساندي" حاجبيها في دهشة فقالت "أسماء" بنظرات ماكرة: -منورة قريتنا يا "ساندي". تجاهلت "ساندي" حديثها وتوجهت إلى داخل القاعة. نظرت بمزيج من الدهشة والامتعاض إلى ترتيب الطاولات. وإلى الصواني المحملة بالعصائر التي تقدم للضيوف.
ألقت نظرة سريعة ثم ما لبثت أن عادت أدراجها وانطلقت بسيارتها إلى خارج القرية. أقبلت إحدى الزائرات فابتسمت "أسماء" في وجهها ورحبت بها. قالت المرأة بإعجاب: -القرية بتاعتكم ممتازة. أخذت جولة فيها بجد رائعة وكمان الأوفرز اللي عاملينها هايلة. ربنا يوفقكم. قالت "أسماء" بأدب: -شكراً لحضرتك وإن شاء الله نكون دايماً عند حسن ظنك. قالت المرأة بحماس: -يا ترى فين مدير القرية أو حد من المسؤولين هنا. عايزة أشكرهم بنفسي.
أشارت "أسماء" إلى "علي" الذي كان مستمعاً إلى الحوار وقالت: -ده الأستاذ "علي" نائب مدير القرية. التفتت المرأة إلى "علي" وقالت ببشاشة وهي تمد له يدها للمصافحة: -أهلاً بحضرتك. بجد بحيكم على المجهود العظيم ده. نظر "علي" إلى يدها الممدودة ثم أبعد عينيه وقال بأدب: -أهلاً بحضرتك. معلش آسف مبسلمش على ستات. إن شاء الله تلاقي الإقامة عندنا في القرية ممتعة.
تلاشت ابتسامة المرأة وأعادت يدها بجوارها ودخلت القاعة دون أن تتفوه ببنت شفة. زفرت "أسماء" بضيق وهي تتابع المرأة بعينيها ثم التفتت إلى "علي" قائلة بحنق شديد: -مكنش فيها حاجة يعني لو سلمت عليها بدل ما تحرجها كده. أطرق "علي" برأسه دون أن يجيب. شعرت "أسماء" بالحنق أكثر وهتفت: -بقول مكنش فيها حاجة يعني لو سلمت عليها بدل ما تحرجها كده. تمتم "علي" بهدوء دون أن ينظر إليها: -سمعتك. زاد رده من حنقها أكثر وأكثر. فقالت بحدة:
-طالما سمعت جاوبني. قال "علي" وهو يعقد حاجبيه بضيق وهو لا يزال ينظر أمامه دون أن يلتفت إليها: -حضرتك مسألتيش حاجة عشان أجاوبك. زفرت "أسماء" بحنق ونظرت أمامها صامتة. قال "علي" فجأة بنبرات هادئة: -النبي صلى الله عليه وسلم قال "لئن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له". وأنا معنديش استعداد أتحمل العذاب ده عشان أرضي واحدة أو محرجهاش.
ظلت "أسماء" صامتة. حانت منها التفاتة إليه لتجده يقف كما هو لا ينظر إليها. نظرت أمامها وقد بدا عليها الشروود. في تلك اللحظة أقبلت "آيات" بصحبة "إيمان" فهتفت "أسماء" بتهكم: -ما لسه بدري. قالت "آيات" بعجالة: -كان ورايا شوية حاجات بخلصها. التفت "علي" وألقى نظرة رضا على ملابس أخته المحتشمة وعلى وجهها الخالي من الزينة. قالت "آيات": -ادخلي انتي يا "أسماء". هقف بدالك شوية.
توجهت "أسماء" إلى داخل القاعة بصحبة "إيمان" واهتمتا بالضيوف بالداخل. جالت "إيمان" بعينيها في القاعة تتفحص المكان فوقع نظرها على "كريم" الذي يمر بين الطاولات بخفة مرحباً بهذا ضاحكاً مع هذا. أشاحت بوجهها سريعاً وجلست على إحدى الطاولات. وقفت "آيات" ترحب بالنساء. عندما تقدم منها "أحمد" بحلته الأنيقة وعطره الراقي وقال مبتسماً: -إيه الأخبار. قالت وهي تبعد عينيها عن وجهه متذكرة كلمات "كريم": -تمام الحمد لله.
نظر إليها قائلاً: -لو تعبتي ادخلي وواحدة من البنات تقف مكانك. قالت على الفور دون أن تنظر إليه وقد بدأت تشعر بالضيق من تدخله المتزايد في شؤونها: -لأ متعتبتش. دلف "أحمد" إلى داخل القاعة وقام بمهمة مجالسة الضيوف والترحيب بهم شأنه شأن "كريم" الذي بدا نجم الاحتفال بأناقة ملبسه وعذوبة لسانه وبشاشة وجهه وثقته بنفسه وحديثه المرح. ***
عدلت أم "آدم" من وضع عويناتِها الجديدة فوق أنفها وتوجهت إلى غرفة ابنها تتطلع إليه وهو واقف أمام مرآته بحلته الأنيقة الفاخرة يصفف شعره بتؤدة فابتسمت قائلة: -ربنا يحرسك من العين يا ابني. ثم اقتربت منه ووضعت كفها على رأسه تقرأ له فاتحة الكتاب والمعوذتين. بعدما انتهت التفتت إليها مبتسماً. فقالت له: -على فكرة أنا خلاص يا ابني جهزت الشنط. قال لها وهو يتوجه إلى الكومودينو يحمل هاتفه ومفاتيحه:
-تمام. أنا مش هتأخر عليكي إن شاء الله يا ماما. يعني كلها ساعة ساعة ونص بالكتير. ثم نظر إليها وقال: -برضه مش عايزة تيجي معايا. قالت وهي تجلس على فراشه: -لأ يا ابني أنا مليش في الحفلات والجو ده. أنا هستناك هنا. قبل رأسها وقال: -طيب شغلي التليفزيون اتسلى فيه على ما أرجع. وأنا هاخد الشنط دلوقتي أحطها في العربية. حمل "آدم" الحقائب ووضعها في حقيبة السيارة. اتصل بـ "زياد" وهو ينطلق بسيارته وقال: -ها انت فين. أنا في الطريق.
-وأنا كمان لسه طالع حالا نتقابل هناك هستناك بره عشان ندخل سوا. *** -التفت "علي" يقول لـ "آيات" وهو غاضاً بصره: -خلاص كده أعتقد مفيش حد جاي بعد كده. ندخل أحسن. دخلت "آيات" ولحق بها "علي". توجهت إلى طاولات النساء ترحب بهن وتقدم لهن المشروبات الباردة المنعشة. بدا على الجميع الرضا من الأنظمة المتبعة في القرية ولكن الأمر لم يخلُ من بعض الانتقادات اللاذعة.
توقفت سيارة "زياد" في القرية وقبل أن يترجل من السيارة أتى "آدم" بسيارته. تصافح الصديقان وقال "زياد" وهو ينظر حوله متأملاً: -يلا بينا ندخل نشوف الناس دي بتعمل إيه بالظبط. ده أنا سمعت عن قوانين غريبة عمر ما حد نفذها قبل كده. -يلا بينا. دخلا الاثنان القاعة. لأول وهلة شعر كلاهما بالدهشة لوجود طاولات مخصصة للنساء وأخرى للرجال. وبدا كل قسم مندمجاً وشبه مستقل عن الآخر. نظرا إلى بعضهما البعض. وتوجها إلى طاولات الرجال.
أدار "آدم" عينيه في المكان متفحصاً وجوه الرجال. وقع بصره على "أحمد". فجأة صاح "زياد" قائلاً: -مش ممكن. التفت إليه "آدم" ينظر إليه مستفهماً. لكن "زياد" تركه وتوجه إلى "كريم" الذي كان واقفاً مع رجلين يتحدثون بمرح. وقف أمامه قائلاً بدهشة ممزوجة بالسعادة: -"كريم ضياء"! التفت "كريم" لينظر إلى "زياد" ثم ما لبث أن اتسعت ابتسامته وصاح قائلاً: -"زياد". مش ممكن. وحشني أوي يا ابن الإيه.
تعانق الاثنان وكل منهما ينظر إلى الآخر بسعادة. صاح "زياد": -انت بتعمل إيه هنا ورجعت من النمسا امتى. قال له "كريم" مبتسماً: -رجعت من أقل من شهر. وبعمل إيه هنا فسيادتك أنا مدير القرية. هتف "زياد" بدهشة: -والله العظيم. ده إيه الصدفة الجميلة دي. أشار "زياد" لـ "آدم" الذي تركه واقفاً على بعد خطوات. أقبل "آدم" ينظر إلى "كريم". فقدم "زياد" كلاهما إلى الآخر قائلاً: -أعرفكم ببعض. "كريم ضياء". دكتور "آدم خطاب".
تصافح الرجلان ورحب كل منهما بالآخر. قال "زياد" بمرح: -"آدم" يا "كريم" يبقى أخويا وصحبي من واحنا صغيرين. ثم نظر إلى "آدم" قائلاً: -"كريم" اتعرفت عليه في شرم لما كنت بشتغل في القرية اللي هناك. راجل محترم جداً. وآخر مرة شفته فيها قبل سفره النمسا بأيام. ثم عاد ينظر إلى "كريم" وهو يقول: -وأهو رجع أهوه وبقى مدير قرية الماسة. نظر إليه "آدم" بدهشة قائلاً وهو يتأمله بلحيته التي لم يرَ من قبل مدير قرية سياحية يحملها:
-انت مدير القرية. ابتسم "كريم" قائلاً: -أيوه مدير القرية بس مش لوحدي معايا شريك. "فؤاد". -أيوه طبعاً أسمع عنه. في تلك اللحظة اقترب "فؤاد" فعرف "كريم" كل منهما على الآخر. فرفع "فؤاد" حاجبيه قائلاً وهو ينظر إلى "آدم": -"آدم خطاب"! مدير قرية جولدن بيتش. قال "آدم" مصححاً: -سابقاً: أنا و "زياد" سبنا الشغل من يومين. نظر إليه "كريم" بدهشة وقال: -مكنتش أعرف إنك سبتها. ثم نظر إلى "زياد" وقال بدهشة:
-ولا كنت أعرف إنك بتشتغل في جولدن بيتش. قال "زياد" بضيق: -دي قرية ما يعلم بيها إلا ربنا كويس إننا خلصنا من الشغل فيها. قال "كريم" باهتمام: -نازلين فين دلوقتي. قال "زياد" شارحاً: -لأ إحنا راجعين النهاردة على القاهرة. كان عندنا فضول بس نحضر الافتتاح ونتفرج على القرية اللي الناس ملهاش سيرة غير عنها. ابتسم "كريم" مرحباً وقال: -القرية وصحاب القرية تحت أمركم.
قدم لهما واجب الضيافة وهو يتطلع حوله خوفاً من حضور "عاصي". حاول أن ينظر تجاه النساء للبحث عن "آيات" لكنه لم يجدها لأول وهلة فأشاح بوجهه. هتفت "آيات" باستغراب: -طيب ومشيت بسرعة ليه. قالت "أسماء" ساخرة: -أنا عارفة يدوبك دخلت دقيقة وخرجت تاني تتمختر وركبت عربيتها ومشيت. قالت "آيات" وهي تفكر: -أكيد كانت جاية تشوف النظام إيه مش إحنا نعتبر قرية منافسة لقرية باباها.
فكرت "آيات" بقلق. تُرى هل "ساندي" فقط من دفعها الفضول لحضور الافتتاح. أم أن "آدم" أيضاً ربما دفعه فضوله للحضور. نفضت تلك الفكرة من رأسها وهي تقول: -لا تقلقي نفسك يا "آيات". وحتى لو حضر فلا شأن لكِ به. تناءت أفكارها واندَمجت في الحديث مع إحدى السيدات. وقف "آدم" ينظر بإعجاب شديد إلى الشاشة التي تعرض صور للقرية وأنظمة العمل بها. اقترب منه "كريم" قائلاً: -يهمني أعرف رأي شخص خبرة زيك يا دكتور. التفت إليه "آدم"
وقال بإعجاب ظاهر: -بصراحة ممتاز. أفكار جريئة محدش نفذها قبل كده. وفي نفس الوقت تريح ضمير أي واحد شغال في السياحة. ابتسم "كريم" قائلاً: -وأنا سعيد إن ده رأيك يا دكتور. -بس انت دراستك إيه. ضحك "كريم" قائلاً: -تقصد عشان الأنظمة اللي حطيناها في القرية والأفكار اللي نفذناها. لأ كل دي اقتراحات أختي. هي اللي قدمت المشروع وبعدها كلمتني عن أفكارها وعجبتني جداً ودخلت شراكة مع الأستاذ "فؤاد". قال "آدم" مبتسماً:
-بجد هايل ربنا يوفقكم. وبعد ما يقرب من الساعة استأذن "آدم" و "زياد" للانصراف. فهتف "كريم": -بتهزر يا "زياد" ملحقناش نعد بعض. -هاجيلك تاني أكيد هتروح مني فين. -طيب ابقى اعملها انت بس وانت عارف القرية تحت أمرك انت ودكتور "آدم". منتظر إن شاء الله زيارة منكم قريب عشان تشوفوها على الطبيعة. قال "آدم" مصافحاً إياه:
-أكيد إن شاء الله هيبقى فيه زيارة تانية. بس اعذرني عشان سايب والدتي منتظراني في الشاليه. وعشان كمان السفر أدامنا 3 ساعات على الطريق. قال "كريم" مودعاً إياهما: -ربنا يحفظها إن شاء الله. اتشرفت بمعرفتك يا دكتور. ثم عانق "زياد" قائلاً: -مستني زيارتك إن شاء الله. رحل "آدم" بصحبة "زياد" متوجهاً كل منهما إلى سيارته. كانت "آيات" مندمجة في الحديث مع إحدى السيدات. وفجأة ارتطمت بها فتاة من الخلف.
فالتفتت الفتاة و "آيات" في نفس الوقت ولترتطم يد الفتاة المحملة بكوب العصير بـ "آيات" ويتساقط العصير على ملابسها. صاحت الفتاة بحرج: -أنا أسفة. معلش بجد أنا أسفة أوي. قالت "آيات" وهي تنظر إلى ملابسها التي اتسخت بالعصير: -لأ أبداً ولا يهمك. قالت الفتاة وهي تخرج مناديلها من حقيبتها وتمسح آثار العصير عن ملابس "آيات": -أوف مش هيطلع. طيب اعمليه في الحمام بماية وشوية وهتنشف. نظرت إليها "آيات" مبتسمة وقالت:
-مفيش مشكلة هروح الشقة أغير. قالت الفتاة بأسف شديد: -معلش والله مخدتش بالي. أنا آسفة مرة تانية. -لأ أبداً ولا يهمك. التفتت "آيات" لتقابل "أسماء" التي تحاول كتم ضحكاتها وقالت: -شكلك فظيع بالعصير المدلوق عليكي ده. تخيلي لو حد من الصحفيين صورك ونلاقي بكرة صورتك ومكتوب فوقها بالبنط العريض. إحدى المسؤولات في قرية الماسة تسكب العصير على ملابسها كالأطفال. نظرت إليها "آيات" بغيظ وقالت: -"أسماء" مش وقتك. قالت "أسماء"
وهي مازالت تضحك: -طيب روحي غيري هدومك بسرعة مش معقول هتقضي بقية الحفلة بالمنظر ده. لم تجد "آيات" حلاً آخر فتوجهت تشق طريقها بين النساء. ما كاد يصل "زياد" إلى سيارته حتى هتف: -أوبس نسيت آخد رقم "كريم". نظر إلى "آدم" قائلاً وهو ينصرف: -ثواني يا "آدم" هاخد منه الرقم بسرعة وأجيلك. أومأ "آدم" برأسه ووقف واضعاً يديه في جيب بنطاله يتطلع إلى المكان حوله منتظراً عودة "زياد".
دخل "زياد" القاعة فكاد أن يصطدم بـ "آيات" التي كانت تهم بالخروج. رجع خطوة للخلف قائلاً: -اتفضلي. خرجت "آيات" وهي تحاول بالمناديل مسح بقع العصير التي ترسبت فوق ملابسها. كانت عينا "آدم" تدور في المكان. ثم التفت ينظر إلى باب القاعة منتظراً خروج "زياد". توقف الزمن. بل توقف كل شيء. توقف قلبه عن مهمته في ضخ الدم إلى جسده. وتوقفت رئتيه عن إمداد قلبه بالأكسجين. وتوقف عقله عن التفكير.
لم تعمل سوى عينيه التي تعلقت بتلك الفتاة الخارجة من القاعة. اتسعت عيناه وهو يراها تمر أمامه. لم يتمكن من رؤية وجهها إلا للحظة لكنها كانت كافية ليتعرف عليها. عادت أجهزته للعمل ولكن بسرعة جنونية. لم يشعر بنفسه إلا وهو يسرع الخطى ليلحق بها. هتف بلوعة وبصوت مرتعش وكأنه قادم من مكان سحيق: -"آيات"! توقفت. لم يقل إلا كلمة واحدة لكنها عرفت صوته. وكيف تستطيع نسيان ذلك الصوت التي كانت تستمتع إليه في محاضراته بالساعات.
حبست أنفاسها. كرر ندائه. الذي لم يكن نداءً بقدر ما كان استفهاماً ملعوفاً ممزوجاً بالتعجب: -"آيات"! اضطرب تنفسها وتسارعت نبضات قلبها. بلعت ريقها بعصبية وأخذت نفساً عميقاً لتلتفت ببطء وتقف في مواجهته. غارت عينا "آدم" في محجريهما وتحركتا بسرعة على وجهها بتفاصيله وكأنها لا تصدق ما تراه أمامها. هربت الدماء من وجهه وكأنه يرى شبحاً أمامه. اضطرب تنفسه بشدة وبدا كمن يجاهد ليبقى قلبه الذي يخفق بجنون حبيس صدره. اقترب منها أكثر
وقال بذهول ولهفة وجزع: -آيات. بلعت "آيات" ريقها بصعوبة وهي تنظر إليه. حاولت أن تفهم مشاعرها في تلك اللحظة فلم تستطع. بدا وكأن قلبها وعقلها يتحدثان معها بلغة لا تفهمها. ثم. استدارت لتغادر. اندفع "آدم" بسرعة جاذباً إياها من ذراعها. التفتت تنظر إليه بدهشة واستنكار. فأمسك بيده الأخرى ذراعها الآخر وأدارها لمواجهته. نظرت إليه بحدة وصاحت: -سيبني. لمعت الدموع في عينيه وعلى شفتيه ابتسامة حائرة مترددة وهو يقول بصوت مضطرب:
-"آيات".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!