الفصل 25 | من 32 فصل

رواية جواد بلا فارس الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم بنوته اسمرة

المشاهدات
34
كلمة
14,435
وقت القراءة
73 د
التقدم في الرواية 78%
حجم الخط: 18

عادت "آيات" إلى غرفتها وهي ترتعش بشدة، وقلبها يخفق بقوة. توجهت إلى النافذة تتأكد من كون "آدم" لم يتبعها. جلست على فراشها وما زالت يداها ترتعشان. أعادت في عقلها ما حدث منذ قليل. تملكها شعور بالخوف والغضب في آن واحد. خوف من أن يتعرض لها مرة أخرى، وظلت تتساءل في نفسها: ماذا يريد؟ لماذا تصرف هكذا؟ يا لجرأته، بل يا لوقاحته!

شعرت بالغضب من إمساكه بها وقربه منها على هذا النحو. لم تشعر إلا والعبـرات تتساقط فوق وجنتيها. ماذا يظنني؟ كيف يتعامل معي بهذا الشكل؟ أيظنني سهلة إلى هذه الدرجة؟ يقترب مني وقتما شاء وكيفما شاء. كيف يجرؤ على الاقتراب مني ولمسي بهذا الشكل؟

أبدلت ملابسها بملابس النوم. فلم تشعر في نفسها بأي رغبة في العودة للحفل. كانت تخشى أن تواجهه مرة أخرى. وحتى وإن لم تواجهه، لن تستطيع التحدث مع أي شخص الآن. فالشيء الوحيد الذي تشعر به الآن هو الرغبة في البكاء. لا تعرف تحديداً لماذا تبكي، لكنها فقط كانت تريد أن تبكي. وبكت! *** فتح "آدم" باب الشاليه ولحقه "زياد". استقبلته أمه قائلة: "خلاص يا حبيبي أنا جاهزة وتممت على كل حاجة في الشاليه".

لكنها فوجئت به يقبل عليها ويمسك كتفيها قائلاً وابتسامة واسعة على محياه: "آيات عايشة يا ماما، مماتتش". اتسعت عينا أمه من الدهشة وقالت: "بتقول إيه يا ابني؟ هزها بيديه وقال بحماس والسعادة في عينيه: "بقولك آيات. الحمد لله عايشة. شوفتها يا ماما". نقلت أمه نظرها بينه وبين "زياد"، فقد ظنت أن حزنه عليها جعله يتخيل رؤيتها. قال "زياد" مبتسماً: "شكلها فعلاً مماتتش، واللي ماتت دي كانت واحدة تانية". التفت إليه "آدم"

وقال بلهفة: "أنا مش قادر أصبر، عايز أروح أشوفها تاني وأتكلم معاها". قال "زياد" محذراً: "اهدأ شوية يا آدم. البنت كانت هتطلب لك الأمن، مش عايزين مشاكل". شهقت أم "آدم" قائلة: "تطلب لك الأمن؟ ليه يا ابني؟ قال "زياد" بمرح: "ابنك لما شافها فضل ماسك فيها مش عايز يسيبها. والبنت كانت يا عيني مرعوبة ومخضوضة. وده برضو متمسك فيها بإيده وسنانه". ابتسم "آدم" قائلاً: "أعمل إيه يعني؟ كنت هجنن لما شفتها قدامي".

ثم قال بحزن: "بس مدّتنيش أي فرصة أتكلم معاها، ولا إني أشرح لها أي حاجة". قال "زياد" مطمئناً إياه: "متقلقش، بكرة تتكلموا مع بعض وتقولها كل الكلام اللي جواك. بس اهدأ كده واعقل عشان الأمور دي متتاخدش إلا بالهداوة".

لم يستطع "آدم" النوم. ظل ممدداً فوق فراشه واضعاً اللاب توب فوق قدميه يتأمل صورتها والابتسامة على شفتيه لا تغادرهم. لم يصدق حتى تلك اللحظة أن "آيات" ما زالت على قيد الحياة. تمنى أن يذهب إليها ويتحدث معها فما كان يطيق هذا الانتظار. لكنه خشي أن يسبب لها المزيد من الخوف. اختفت ابتسامته وهو يتذكر كيف كانت خائفة منه. فزعه. تحاول إفلات نفسها من يديه بعنف. تنهد وهو يعلم أن الأمر لن يتم بسهولة. فبالتأكيد ما زالت تحمل له في نفسها البغض والرفض. لكنه لن يدع الأمور على حالها. يجب أن يقنعها بأنه تغير. وأنه ترك كل ما يغضب ربه. وأنه عاد مرة أخرى إنساناً نقياً. وأنه نادم على كل ما فات. تذكر جرمه في حق نفسه، وفي حق ربه.

فتساءل في نفسه: هل تقبلت توبتي يا رب؟ هل عدت فعلاً إنساناً نقياً؟ هل ما زلت غاضباً علي؟ شعر بالتكاسل لكنه أجبر نفسه على النهوض من فراشه. توضأ وصلى ركعتين لله عز وجل. يستغفره فيها ويرجو مغفرته. ويرجو أن يقربه من "آيات"، وأن تكون له دون سواه. *** جلس "عاصي" في بار قريته. في إحدى يديه كأساً وفي الأخرى فتاة. رن هاتفه فرد بلهفة: "إيه الأخبار؟ قال الشخص على الطرف الآخر: "إزيك يا أستاذ عاصي. الحلفة خلصت دلوقتي".

سأله باهتمام: "ها، إيه اللي حصل؟ "مفيش حفلة زي أي حفلة. بس كانوا مقسمين الستات في جهة والرجالة في جهة. عشان كده معرفش أدخل وسطيهم وأدور على آيات". زفر "عاصي" بضيق قائلاً: "وبعدين؟ معمـلتش حاجة يعني؟ زي ما رحت زي ما جيت". قال الرجل: "لا طبعاً، ودي تيجي؟ صحيح أنا معرفتش آخدلها صورة كده ولا كده وهي جوه الحفلة. بس لما طلعت خدتـلها شوية صور في الجون". سأله "عاصي" بلهفة وهو يبتعد عن الفتاة التي معه: "ها، كمل".

قال الرجل بحماس: "في الأول افتكرتها هتمشي وتسيب الحفلة، فمشيت وراها. ولما لقيت واحد جاي ناحيتها استخبيت وراقبتهـم". "واحد مين؟ "آدم خطاب اللي كان شغال في جولدن بيتش". رفع "عاصي" حاجبيه قائلاً: "كمل". "كان باين عليهم بيتخانقوا. هو ماسكها وعايز يحضنها وهي بتزعق فيه وبتـبعد عنه. بس خدت صورة في الجووووون مش واضح فيها إنها كانت بتزقه أو بتحاول تبعد نفسها عنه".

ضحك "عاصي" قائلاً: "حلو قوي كده. الصورة دي هتعمل بيها زي ما اتفقنا". قال الرجل: "متقلقش يا أستاذ عاصي. بكرة الصبح هتلاقي الخبر منور في الجرنال بتاعنا". شعر "عاصي" بالانـتصـار ولمعت عيناه وهو يقول: "أما نشوف أنا وانتِ يا بنت عمي. ابقى خلي أخوكي ينفعك". *** سمعت "آيات" ضحكات صديقتيها تتعالى بعدما دخلتا البيت. مسحت دموعها المتساقطة على وجهها بظهر يدها. سمعت "إيمان" تقول لـ "أسماء": "شكلها نامت، النور مطفي". قالت "أسماء"

بمرح: "هربت من الحفلة وسابتنا نتعجن لوحدنا". طرقت "أسماء" الباب ثم فتحته لتُصدم من وجه "آيات" الباكي. كانت جالسة في منتصف فراشها الصغير وعينيها ممتلئتان بالدموع. أقبلت الفتاتان عليها وقالت "إيمان" بدهشة: "آيات، انتي كنتي بتعيطي؟ جلست "أسماء" بجوارها قائلة: "مالك يا آيات؟ حد ضايقك في الحفلة؟ قالت "آيات" بصوت مبحوح: "شفت آدم". قالت "أسماء": "دكتور آدم؟ وبعدين؟ كلمك؟

أخذت تقص عليهما ما حدث بعدما غادرت الحفل. فصاحت "أسماء" بحنق: "هو فاكر نفسه إيه؟ إزاي يعمل كده؟ قالت "إيمان" وهي تشعر بالغضب هي الأخرى: "بجد راجل مش محترم". قالت "آيات" بصوت مرتعش وقد شعرت برغبة في البكاء مرة أخرى: "لما نادى عليا وشوفته محسـتش بأي حاجة. عارفه أكأنه واحد غريب عني معرفوش. لكن لما عمل معايا كده ومسكني بالشكل ده، بجد حسـيت إني بكرهه. إزاي يتجرأ ويعمل كده؟ قالت "أسماء"

بحيرة: "بس أنا مش فاهمة كان عايز منك إيه؟ قالت "آيات" بحدة: "ولا أنا فاهمة. كل اللي طالع عليه: 'انتي مكنتيش معاها'. مفهمتش هو بيقول إيه. خوفت منه أوي. شكله مكنش طبيعي خالص. لولا إن كان في واحد خارج من القاعة ونددتله مكنتش عرفت أهرب منه". قالت "إيمان" بحزم: "لازم تقولي لأخوكي يا آيات. لازم يعرف إن في معاكي راجل. ممكن يكون عمل كده عشان فاكرك لوحدك وملكيش حد". قالت "أسماء"

باستغراب: "أنا أصلاً مش فاهمة ليه يقرب منك كده ويمسكك مش عايز يسيبك. هو عارف كويس أوي إن خلاص كده الموضوع انتهى. وكمان هو أصلاً مكنش بيحبك. إيه بقى اللهفة اللي ظهرت عليه فجأة دي؟ قالت "آيات" بحنق: "معرفش ومش عايزة أعرف". سألتها "أسماء": "هتقولي لأخوكي؟ تنهدت "آيات" قائلة: "أيوة، بكرة إن شاء الله هعرفه بموضوع خطوبتي القادمة. بس خايفة أقوله على اللي حصل النهاردة يروح يتشـاكل معاه". قالت "إيمان"

بتشفي: "أحسن، خليه يتشـاكل معاه عشان يتربى ويتعمل الأدب. أنا أصلاً مش عارفة انتي ليه ما قولتيش لأخوكي إنك كنتي مخطوبة لـ آدم". قالت "آيات" بمرارة: "مـجتش فرصة للكلام. وبعدين محـبتش أتكلم في الموضوع ده وأفتحه تاني. وكمان متخيلتش أبداً إنه ممكن ييجي الحفلة أني أشوفه. أنا عارفه إنه في قرية منافسة لينا، فقولت مستحيل نتقابل أبداً". ربتت "أسماء" على قدمها قائلة: "طيب يا حبيبتي نامي دلوقتي وبكرة نفكر هنعمل إيه".

حاولت "آيات" النوم، لكن النوم خاصم جفونها. ظلت مستيقظة حتى قبل الفجر بقليل. قامت وصـلت ركعتي قيام الليل. وصـلت الفجر ووضعت جسدها على فراشها وغطت في نوم عميق. *** استيقظ "كريم" وخرج من غرفته ليسمع أصوات في المطبخ. توجه إليه ليرى "علي" يعد الفطار. فابتسم له قائلاً بصوت ناعس: "صباح الخير يا علي". التفت له "علي" قائلاً: "صباح النور".

توجه "كريم" إلى الحمام، بينما أعد "علي" على الطاولة ووضع فوقها الطعام المعد. فتح الباب وتناول الجرائد الموضوعة أمامه ثم وضعها فوق الطاولة. التفت الاثنان حول طاولة الطعام، فقال "علي": "الحفلة كانت حلوة امبارح، أنا شايف إن الناس كانت مبسوطة". قال "كريم"

وهو يلوك الطعام في فمه: "أنا برضه شايف كده. طبعاً كان في ناس مش عاجبها الوضع، بس ده طبيعي. لولا اختلاف الآراء لبارت السلع. كل واحد بيدور على الحاجة اللي مناسبة له ولمبادئه ولتخليه مبسوط وضـميره مرتاح". قال "علي" وهو يتناول إحدى الجرائد من فوق الطاولة: "عجبني فكرة الجرائد اللي بتتوزع على كل القرية كل يوم الصبح". ابتسم "كريم" قائلاً: "فكرة آيات. ما شاء الله عليها دماغها جامدة".

تجمدت نظرات "علي" على أحد العناوين في الجريدة، ثم ما لبث أن تغيرت ملامحه. نظر إليه "كريم" بتـمعن قائلاً: "إيه؟ متقولش بدأوا هجوم. أصلاً دي حاجة متوقعة. أكيد في ناس كتير مش هيعجبها الأسلوب المحترم اللي احنا شغالين بيه". بدا على "علي" الوجوم وهو يعطي الجريدة لـ "كريم". أخذ "كريم" الجريدة ونظر إليها ليتقلى الخبر الصاعق. تمتم يقرأه بصوت خافت: "مشهد عاطفي يجمع بين مدير قرية جولدن بيتش السابق وشقيقة مدير قرية الماسة".

امتقع وجه "كريم" واحتقنت به الدماء عندما رأى الصورة المنشورة تحت الخبر. "آدم" ممسكاً بوجه "آيات" بكفيه مقترباً منها بوجهه وكلاهما ينظر إلى عين الآخر. أطرق "علي" برأسه وقد أصابه الحزن لما يشعر به "كريم" الآن. وضع نفسه موضع "كريم". فلو كانت الصور المنشورة لـ "إيمان" أخته، لكاد أن يجن الآن. نهض "كريم" دون أن يتفوه بكلمة وأحضر هاتفه واتصل بـ "آيات" وهو ما زال ممسكاً بالجريدة في يده. صاحت "أسماء"

النائمة: "آيات ردي على موبايلك أو افصليه". استيقظت "آيات" وشعرت بالتوتر لاتصال "كريم". ظنت أنها يريد أن يسألها لما غادرت الحفل مبكراً. وستضطر إلى أن تقص عليه كل شيء. ردت قائلة: "السلام عليكم. أيوه يا كريم". سمعته يقول بحزم شديد: "وعليكم السلام. واقف مستنيكي قدام باب الشقة. اطلعيلي فوراً". ازداد توتر "آيات" واضطرابها. لماذا يتحدث إليها بجفاء هكذا؟ ليس معقولاً أن هذا بسبب مغادرتها الحفل مبكراً.

تمتمت وهي ترتدي أسدالها: "أستر يا رب". فتحت باب الشقة وهالها وجه "كريم" المحتقن. خرجت وأوارت الباب خلفها ونظرت إليه قائلة: "خير يا كريم؟ رفع الجريدة أمام عينيها. تجمدت الدماء في عروقها وبردت أطرافها وهي تتطلع إلى صورتها مع "آدم" وإلى العنوان الذي يشير بوجود علاقة بينها وبينه. شهقت بقوة وهي تضع كفها على فمها. طوى "كريم" الجريدة وأبعدها عن

ناظريها وهو يقول بصرامة: "أنا عايز أسمع منك انتي كمان قبل ما أروح أربي الكلب ده". ثم أغمض عينيه للحظة وتمتم بخفوت: "أستغفر الله". تتساقط العبرات من عينيها. ثم ما لبثت أن تعالت شهقاتها بالبكاء وهي لا تصدق أن عرضها أصبح شيئاً يُلاك في الصحف وعلى ألسن الناس. أغمضت عينيها بشدة وجسدها يرتجف بقوة. نظر إليها "كريم" بـتـمعن. ثم ما لبث أن جذبها لحضنه وهو يقول لها: "فهميني يا آيات. إزاي الصورة دي اتخدت؟

لم تستطع الرد إلا بمزيد من البكاء. ربت على رأسها قائلاً: "طيب اهدى. اهدى عشان نعرف نتكلم". في تلك اللحظة خرج "علي" من الشقة المجاورة وأشار إلى "كريم" قائلاً: "ادخلوا هنا. أنا نازل". جذبها "كريم" إلى الشقة وأغلق الباب. وجهها للجلوس على الأريكة وجلس بجوارها وهي ما زالت تبكي. ربت على ظهرها قائلاً: "ممكن تهدي شوية. عايز أفهم منك اللي حصل. عشان الموضوع ده مستحيل أعديه بالساهل كده". توقفت عن البكاء وقالت بصوتها الباكي

ووجهها الممتلئ بالعبرات: "هو اللي ماسكني غصب عني ومكنش راضي يسيبني. أصلاً اللي متعرفوش إنه كان خطيبي". صمت "كريم" قليلاً من وقع الخبر عليه. ثم بإنفعال: "إزاي يعني؟ آيات اتكلمي وقوليلي كل حاجة. متخبيش عني حاجة". صمتت "آيات" قليلاً لتتمالك نفسها. ثم.. قصت عليه كل شيء. كل شيء.

وانتهت بقولها: "مكنتش فاكرة إني هـيكون موجود في الحفلة. ولما نادى عليا افتكرته هيحاول يتكلم بس. لكنه مسكني من دراعي ومكنش راضي يسيبني أمشي وفضل يقرب مني غصب عني". انتهت من حديثها ورفعت عينيها تنظر إلى "كريم" فلم تجد وجهه إلا محتقناً أكثر وفي عينيه نظرة غضب شديد. أوقفها قائلاً: "ارجعي انتي وأنا هتصرف". نظرت إليه بقلق قائلة: "هتعمل إيه؟ قال بحزم وهو يسوقها إلى شقتها: "قولتلك هتصرف".

عاد إلى شقته وبدل ملابسه في عجالة وما زالت نظرة الغضب في عينيه. ثم توجه إلى الخارج وهو يحمل هاتفه ومفاتيح سيارته. اتصل بـ "علي" وقال: "علي، هتعرف تتصرف النهاردة من غيري؟ سأله "علي" بقلق: "أيوة. بس انت مش هتيجي الشغل يعني؟ قال "كريم" باقتضاب: "مسافر القاهرة. وهتابعك في التليفون". "ماشي. ترجع بالسلامة إن شاء الله".

انطلق "كريم" يشق طريقه خارج القرية. اتصل بـ "زياد" فلم يجد إجابة. حاول مرات ومرات إلى أن استيقظ "زياد" من نومه وأجاب بعينين نصف مفتوحتين: "ألو". قال "كريم" بحزم: "زياد، قولي عنوان صاحبك". هرب النوم من عيني "زياد" وجلس على فراشه قائلاً: "صاحبي مين؟ "دكتور آدم". قال "زياد" بقلق: "ليه عايز عنوان في إيه؟ "أنا في طريقي للقاهرة عايزة في حاجة مهمة".

شعر "زياد" بالتوتر. هل من الممكن أن تشتكي "آيات" من "آدم" إلى "كريم" باعتباره مدير القرية والمسؤول عنها؟ رد قائلاً: "إحنا مسافرناش يا كريم. إحنا هنا في العين السخنة". "طيب ثواني". أوقف "كريم" سيارته على جانب الطريق ثم قال: "اديني رقم الشاليه بتاعه". أخبره "زياد" عن رقم الشاليه. فأنهى "كريم" المكالمة سريعاً. حاول "زياد" الاتصال بـ "آدم" دون جدوى، فارـتدى ملابسه وتوجه إلى الشاليه يطرق بابه. فتحت له والدة "آدم"

فسألها بلهفة: "آدم هنا يا خالتي؟ "أيوة يا ابني نايم جوه". انطلق "زياد" إلى غرفة "آدم" ليوقظه قائلاً: "آدم! آدم قوم! آدم! استيقظ "آدم" وهو ينظر إلى "زياد" بدهشة. ثم أغمض عينيه مرة أخرى قائلاً: "عايز إيه بقى يا زياد؟ أنا منمتش إلا الصبح". قال "زياد" بقلق: "كريم اتصل بيا وكان مسافر لك على القاهرة وطلب مني عنوانك. قولـتله إننا لسه هنا مسافرناش، فطلب رقم الشاليه بتاعك". فتح "آدم" عينيه ونظر إلى "زياد"

بدهشة وقال: "مش فاهم. كان هيسافرلي القاهرة؟ ليه؟ "مش عارف يا آدم، بس مش مرتاح. خايف تكون آيات دي حكتله على اللي حصل امبارح". جلس "آدم" على فراشه وهو يقول بإمتعاض: "وهو ماله هو؟ دي حاجة بيني وبينها". فتح "زياد" فمه للرد عليه، لكن صوت جرس الباب قاطعه. نظر كلاهما إلى وجه الآخر. ثم نهض "آدم" وتوجه إلى الباب وهو يقول لأمه: "ماما ادخلي جوه بعد إذنك".

دخلت والدته غرفتها وهي تقف خلف الباب تستمع إلى ما يدور، فقد شعرت بالقلق ينتابها. فتح "آدم" الباب وهو يغمض عينيه ليحميها من نور الصباح الذي غزاها. نظر إليه "كريم" بحزم وصـرامة وقال: "ممكن نتكلم شوية؟ شعر "آدم" بالدهشة، فالرجل الضاحك المرح الذي قابله بالأمس تحول 180 درجة وصار وجهه كحجر صوان. ونظرات غاضبة يصوبها تجاهه. أدخله "آدم" إلى غرفة الصالون وأشار له بالجلوس قائلاً: "اتفضل". تحدث "زياد" قائلاً: "خير يا كريم؟

في إيه؟ رفع "كريم" الجريدة أمام ناظريهما. خطف منه "آدم" الجريدة وهو يتطلع إلى الخبر المنشور وإلى صورة "آيات". اتسعت عينا "زياد" في ذهول، ثم ما لبث أن هتف "آدم" بغضب: "ولاد الـ... رفع عينيه ليرتطم بنظرات "كريم" الغاضبة. قال "كريم" بعنف: "ممكن أفهم إيه اللي انت عملته مع آيات امبارح ده؟ إزاي تهاجم عليها كده؟ هتف "آدم" وهو يشعر ببركان غضب بداخله بسبب ما نشر عن "آيات": "وانت مالك انت ومال آيات؟

انت مدير القرية، لكن مش من حقك تدخل في حاجة تخص النزلاء اللي عندك". قال "كريم" بحزم وهو يعقد ذراعيه أمام صدره: "أنا أخوها. يعني ليا الحق إني أتدخل في كل حاجة تخصها. وليا الحق إني أحاسبك دلوقتي على اللي عملته امبارح. عايز أسمع منك حالاً تفسير للي حصل امبارح". قال له "آدم" بدهشة: "أخوها؟ إزاي يعني؟ آيات ملهاش أخوات". قال "كريم"

بحدة: "أخوها في الرضاعة مش بالنسب. ودلوقتي منتظر منك إجابة لأني مش هعدي الموضوع ده بالساهل. حتى اللي نشر الخبر ده لازم هيتعاقب على السب والقذف اللي عمله". تنهد "آدم" وهو يشعر بعقله قد توقف عن العمل. لا يستطيع التفكير بوضوح. فمنذ الأمس وهو يتلقى الصدمات واحدة تلو الأخرى. قال "زياد" محاولاً تهدئة الأمور: "آدم مكنش قصده يا كريم. هو بس انـفعل لما شافها. مكنش مصدق نفسه. لأنه كان فاكرها ماتت". قال "كريم"

بدهشة شديدة: "ماتت؟ وإيه اللي خلاه يفتكرها ماتت؟ قال "آدم" بوهن وهو يشير إلى الأريكة: "اقعد وأنا أحكيلك". توجه "آدم" إلى غرفته ليحضر شهادة الوفاة التي استخرجها لـ "آيات". والتي شعر "كريم" بالصدمة وهو يتطلع إليها. ثم.. تحدث "آدم" ليخبره بجانبه من القصة. ران الصمت طويلاً إلى أن قال "آدم"

بخجل: "أنا آسف إني اتصرفت كده. بس حط نفسك مكاني. واحدة انت مستلمها من المشرحة ودافنها بإيدك وعملت لها شهادة وفاة وفجأة لقيتها قدامك. غصب عنك مش هتعرف تتحكم في مشاعرك ومش هتعرف تفكر بوضوح". تنهد "كريم" بضيق وهو يقول: "المشكلة دلوقتي في الخبر اللي اتنشر ده". ظهر الغضب على وجه "آدم" وهو يقول: "متقلقش، أنا هعرف شغلي مع اللي عمل كده. سيبـهولي". قال "كريم"

بحزم وهو ينهض: "أنا هعذرك بس عشان الكلام اللي قلته دلوقتي وعشان الموقف الصعب اللي اتعرضتله. بس مش هسمحلك إنك تقرب من أختي تاني. الرابط اللي كان بينكوا خلاص انتهى. مش عايز أشوفك تضايقها تاني". ثم قال بغضب مكبوت: "أما اللي نشر الكلام ده فأنا لازم أرفع عليه قضية سب وقذف". أومأ "آدم" برأسه وهو يقول بصرامة: "معاك حق. ارفع عليه القضية عشان يتربى على اللي عمله ده. بس أنا برضه مش هسيبه".

خرج "كريم" دون أن يضيف كلمة أخرى. التقط "آدم" الجريدة التي تركها "كريم" على الطاولة وأخذ يتطلع إلى تفاصيل الخبر والذي كانت تتحدث عن علاقة خفية بينهما. امتقع وجهه والتفت يغادر الشاليه. لحقه "زياد" وهو يسأله: "على فين يا آدم؟ قال وهو يركب سيارته بسرعة: "رايح الجريدة اللي نشرت الخبر ده".

انطلق "زياد" خلفه بسيارته. كانت جريدة محلية لم يجد صعوبة في الوصول إلى مقرها. نزل "آدم" وهو يحمل بيده الجريدة وأخذ يسأل عن صاحب الاسم الموضوع في بداية المقال إلى أن وجده. دفعه "آدم" في كتفه وهو يهتف: "إيه الكلام اللي انت نشرته ده؟ شعر الرجل بالخوف لأول وهلة. ثم ما لبث أن قال: "إيه؟ خبر زي أي خبر". صاح "آدم" بعنف: "الخبر ده تنزله تكذيب دلوقتي حالاً. انت فاهم؟ قال الرجل ضاحكاً بسخرية: "لا مش فاهم. تكذيب إيه؟

انت بتحلم". كان رد "آدم" لكمة قوية سددها إلى وجه الرجل مع تعالي صيحات الاستنكار من الجميع. جذبه "زياد" قائلاً: "خلاص يا آدم، كفاية". ألقى "آدم" الجريدة فوق الرجل الملقى على الأرض وقال باشمئزاز: "أنا هعرفك إزاي تنشر خبر زي ده. أنا والبنت اللي في المقال هنرفع عليك قضيتين سب وقذف ومش هسيبك إلا وانت محبوس".

هم بأن يضربه مرة أخرى لكن "زياد" أحكم قبضته عليه وهو يجذبه إلى خارج المبنى. هتف "زياد" قائلاً: "مش هتجيبها لبر يا آدم. مش هترتاح إلا لما تجيب لنفسك مصيبة". ركب "آدم" سيارته وهو يشعر بالحمق الشديد. فسأله "زياد": "رايح فين؟ قال وهو ينطلق في طريقه: "رايح في داهية".

أخذ ينطلق بسيارته لا يلوى على شيء وهو يفكر في مدى الأذى الذي سببه إلى "آيات". شعر بالضيق الشديد وهو يفكر في حالها الآن بعد نشر هذا الخبر وهذه الصورة التي تجمعه بها. زفر بضيق وضرب على المقود بقبضته بقوة شديدة وهو يهتف: "الله يخرب بيتك. كنت ناقصك انت كمان". *** "إيه اللي منشور في الجرنال ده يا آيات؟

شعرت "آيات" بالخجل الشديد وهي تستمع إلى تلك العبارة عبر الهاتف. لم تكن تعلم أن المتصل هو "أحمد" وإلا ما كانت ردت عليه. صمتت فحثها قائلاً بصوت غاضب: "آيات، قولـيلي معناه إيه الكلام ده؟ إزاي تتصوروا مع بعض كده؟ انتي رجعتيله تاني يا آيات؟ صاحت "آيات" بحنق: "دي حاجة ملكش إنك تتدخل فيها. ولو سمحت أنا هقفل دلوقتي عشان مش قادرة أتكلم".

انفجرت "آيات" في البكاء. جلست "أسماء" بجوارها تطيب خاطرها. دخلت "إيمان" حاملة كوب عصير ليمون وأعطته إلى "آيات" قائلة: "اشربي ده يا حبيبتي". قالت "آيات" من بين بكائها: "أنا عملت إيه عشان يحصلي ده كله؟ ربنا يسامحه. طلعلي منين ده معرفش. بسببـه بقت الناس تتكلم عني وسمعتي بقت زي الزفت". صاحت "أسماء" بقوة: "محدش يقدر يتكلم عن سمعتك. ده جرنال حقير أصلاً محدش بيصدق كلام الجرايد". قالت "آيات" بصوت باكي: "والصورة؟

والصورة اللي منشورة. لو مصدقوش الكلام، الصورة هتخليهم يصدقوا". زفرت "إيمان" بحنق شديد وهي تقول: "الناس دي معندهاش دين ولا أخلاق. ده قذف محصنات وخوض في الأعراض. ربنا ينتقم منهم". قالت "آيات" وهي تحاول السيطرة على بكائها: "أعمل إيه دلوقتي؟ مش هقدر أطلع من البيت وأشوف حد. أكيد كل اللي في القرية شافوا الصورة".

في تلك اللحظة رن جرس الباب. فارـتدت "إيمان" أسدالها وتوجهت لفتحه. خفق قلبها بقوة عندما وجدت "كريم" الذي خفض بصره بمجرد أن رآها. وكذلك فعلت هي ووقفت متوترة. فقال بهدوء: "لو سمحتي، قولي لـ آيات تلبس وهستناها تحت". قالت "إيمان" بصوت مضطرب: "حاضر". نزل "كريم" ينتظرها بالأسفل. عدة دقائق ووجدها أمامه تنظر يميناً ويساراً. قال وهو يشعر، ينظر إلى عينيها اللتين بدا عليهما آثار البكاء: "انتي كويسة؟

ارتجفت شفتاها وأطـرقت برأسها والدموع تتجمع في عينيها من جديد. تنهد "كريم" بأسى وربت على كتفها قائلاً بحنان: "متخـفيش، أنا هعرف أجيبلك حقك منه. كلمت المحامي بتاع الأستاذ فؤاد وإن شاء الله هنمشي في إجراءات القضية". رفعت "آيات" رأسها ونظرت إليه في اضطراب. شعرت بشيء من الحزن والألم وهي تقول: "بس الموضوع مش مستاهل قضية. يعني.. يعني هو كده هيدخل السجن؟ قال "كريم" بحزم: "إزاي مش مستاهل قضية؟

يكتب عنك خبر زي ده وينشر صورة ليكي ومن غير ما يتأكد من أي معلومة في الخبر بتاعه. لازم طبعاً يتعاقب. ده قذف". قالت "آيات" وقد فهمت ما يعنيه: "آه آه يستاهل طبعاً. أنا افتكرتك بتتكلم عن.. عن.. آدم". قال "كريم" وهو يتنهد بضيق: "ده حكايته حكاية هو كمان". نظرت إليه قائلة: "إيه اللي حصل؟ انت روحتله؟ قال "كريم" بتهكم: "الأستاذ مطلعلك شهادة وفاة".

فغرت "آيات" فاها بدهشة. فروى لها "كريم" ما سمعه من "آدم". تجمعت الخيوط في عقلها واستطاعت تفسير تصرفاته الغريبة ليلة أمس وطريقته في التعامل معها والتي أشعرتها وقتها بالخوف منه. لم تستطع إنكار شعورها بالتفهم لمتصرفاته التي ضايقتها بالأمس. فبالتأكيد كانت الصدمة شديدة عليه. نظر إليها "كريم" بـتـمعن وقال: "مش عايزك تشيلي هم حاجة. خلاص أنا اتكلمت معاه ومش هيقربلك تاني. والصحفي برضه مش عايزك تشيلي همه". التفتت

إليه وهي تقول بمرارة: "بعد إيه؟ الناس خلاص قرأت اللي موجود في الجرنال. انت ناسي إن الجرايد بتتوزع على القرية كلها. يعني كل الناس قرأته". دمعت عيناها. فقال لها بحنان: "احتسبي يا آيات أجر الأذية دي. انتي مش هتكوني أحسن من أم المؤمنين عائشة اللي خاضوا في عرضها. وهي من هي.

وربنا سبحانه وتعالى قال: 'إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبةٌ مِّنكُم لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُم'. قولي الحمد لله وادعي إنه يرفع عنك البلاء ده. و متقلقيش حتى لو متحاسبش في الدنيا فربنا هيتولى عقابه في الآخرة". تمتمت "آيات" وهي تكفـكف دمعها: "الحمد لله".

تمـددت "آيات" على فراشها وهي تشرد في كلام "كريم" الذي رواه لها عن "آدم" وعن ظنه أنها فارقت الحياة. تذكرت "آيات" نظرات عينيه يوم أمس ولهفته عليها. ودموعه التي كانت تملأ عينيه. شعرت بالدهشة. لماذا يهتم بدفنها ودفن "حليمة" وإستخراج شهادة وفاة لها؟ لماذا شعر بهذه السعادة لدرجة أنه بكى عندما وجدها حية أمامه؟ لماذا هذا الاهتمام؟ ظل السؤال في عقلها بلا إجابة. *** التفت "زياد" ليقول لـ "آدم"

الجالس بجواره على الشط: "آدم، أنا رأيي تسيب العين السخنة دلوقتي لأن بجد الدنيا مولعة على الآخر". صمت "آدم" لبعض الوقت وهو ينظر إلى البحر ثم قال: "مش همشي". نظر إليه "زياد" قائلاً: "طيب هتعمل إيه؟ هتفضل قاعد هنا في قرية شكري؟ لمعت عينا "آدم" واحتفظ بصمته. فهتف "زياد": "أنا مش حابب أستنى في القرية المقرفة دي". ثم أشار إلى بعض الفتيات والشباب على بعد عدة أمتار منهما والذين يلهون معاً بجرأة قائلاً: "مش شايف المناظر؟

الواحد حاسس إنه في مكان موبوء". ثم زفر بحدة وقال: "أنا خلاص قرفت بقى من الشغلانة دي. حاسس بجد إني عايز أسيب المكان ده. أنا بقالي سنين بشتغل في السياحة لما جبت أخرى خلاص". قال "آدم" بثقة: "متقلقش، هـلاقي حل". التفت إليه "زياد" قائلاً: "حل إيه؟ قال "آدم" وقد لمعت عيناه بلؤم: "بكرة تعرف". ثم عاد ينظر إلى البحر أمامه وهو عازم على التمسك بـ "آيات" بكل ما أوتي من قوة. ***

حاولت "آيات" في الأيام التالية إشغال نفسها بعملها ونسيان ما حدث. كانت تشعر بالحزن والألم عندما ترى اثنين ينظران إليها ثم تنحي أحدهما وتهمس في أذن الأخرى. لكنها حاولت أن تحتسب أجر ذلك البلاء الذي وقع بها. كانت تعمل بهمـة ونشاط لترهق عقلها وجسدها حتى لم يعد لديها قدرة على التفكير في همومها. لكن السؤال عن سر اهتمام "آدم" بها ظل في رأسها بلا إجابة.

مارست "إيمان" عملها المعتاد في صالة الألعاب الرياضية. كانت تشعر بسعادة بالغة لممارسة هذا العمل لأنه يشجعها على اللعب هي الأخرى ومشاركة هؤلاء الفتيات في محاولة إنزال وزنها. علمت منهم وصفات مجربة في فقدان الوزن وكونت مجموعة من الفتيات ليشجعوا بعضهن البعض على السير على أحد الأنظمة الغذائية لفقدان الوزن. وكانت هي قائدة تلك المجموعة. شعرت بالحماس الشديد في مواصلة النظام الغذائي هذه المرة. فلكم بدأت في الأنظمة والتي كان

مصيرها الفشل الذريع لقلة حماسها ولقلة عزيمتها. أما هذه المرة فالأمر مختلف. كانت ولأول مرة منذ فترة طويلة تشعر بالسلام الداخلي مع نفسها. وكأنها تصالحت معها. وبدأت في النظر إلى نفسها بشيء من الإيجابية. أنهت كتابة التقرير الإشرافي الذي طلبه "كريم" من كل مشرفي القرية وتسليمه له في نهاية كل أسبوع. ذهبت في اتجاه مكتبه تقدم قدماً وتؤخر الأخرى. لا تعلم لماذا يعتريها هذا التوتر الشديد كلما صادفته أو تحدثت معه. حاولت البحث عن

"آيات" لإعطائها الملف لـتسلمه بدلاً منها. لأنها شعرت أنها لا تملك الجرأة لمواجهته وخاصة بعدما حدث في الاجتماع. توجهت "آيات" إلى مكتب "كريم" وسلمته تقرير "إيمان" عن صالة الألعاب الرياضية. تفحص الملف بنظرة سريعة. وقبل أن تغادر "آيات" أوقفها قائلاً: "هي لسه مضايقة مني؟

قالت "آيات" على الفور: "لا بالعكس. دي محرجة منك جداً. عشان اللي حصل وأنها فهمتك غلط في الاجتماع". أومأ "كريم" برأسه وغادرت "آيات" المكتب. *** أنهت "أسماء" عملها وشعرت بالإرهاق والجوع فتوجهت إلى الاستراحة المخصصة للموظفين. جلست على إحدى الطاولات وبدأت في تناول طعامها. سمعت فتاتين في الطاولة التي خلفها تقول إحداهما للأخرى: "لا بس في ناس محترمة برضه".

ردت الأخرى قائلة: "أيوة في ناس محترمة. بس اللي اسمه علي ده راجل قليل الأدب بيبص للبنات بصات وحشة واتحـرش بيا قبل كده". انحشر الطعام في حلق "أسماء". امتدت يدها إلى كوب الماء وتناولت عدة رشفات منه وهي تسمع الفتاة تقول: "معاكي حق. أنا برضه مبـرتاحلوش خالص. حتى بفكر نشتكيه للأستاذ كريم. هو راجل محترم وأكيد هيمشيه". قال الفتاة: "يا ستي مش عايزين مشاكل. ممكن علي ده يقول إننا بنتبلى عليه وشكلنا إحنا اللي هيكون شكلنا وحش".

بدا الدموع في عيني "أسماء" وتجعد جبينها بقوة وهي تتذكر تحرشات "هاني" بها والتي كاد أن يتنساها وينسى كل ما حدث قبل قدومها إلى القرية. لكن ها هي تلك الذكريات الكريهة تعود لتطفو على سطح ذكرياتها مرة أخرى. قامت من فورها وألقت نظرة على الفتاتين ثم توجهت منطـقة كالسهـم تبحث عن "علي"!

كانت تشعر ببركان غضب بداخلها. كاد أن يأتي بما في معدتها وهي تتذكر اضطرارها للاستسلام لـ "هاني" بسبب خوفها وجبنها. أعادت كلمات الفتاة في عقلها وشعورها بالخوف من الكلام والتحدث بما يحدث معها. تخيلت "علي" وهو يفعل مع الفتاة كما فعل "هاني" معها. أخذ غضبها في التزايد إلى أن وصل لقمته. ها هي وجدت مبتغاها. "علي" جالس على أحد المقاعد في الحديقة. انطلقت في اتجاهه. وقفت أمامه

وهي تصرخ فيه بغضب هادر: "عامل فيها راجل محترم. هو ده بقى الدين اللي ربنا قال عليه". نظر إليه "علي" بدهشة شديدة وهو يحاول استيعاب ما تقول. فأكملت بغضب: "انت إنسان حقير ومعندكش أخلاق وأنا مش هسكت. أنا هقول للأستاذ كريم ولو معملش حاجة وطردك من هنا أنا هسيب القرية دي لأن ميشرفنيش إني أشتغل مع واحد سافل زيك".

قالت ذلك ثم غادرت مسرعة. امتقع وجه "علي" بشدة وهو يستمع إلى تلك الكلمات التي انهالت بها عليه. هب واقفاً وركض خلفها ثم وقف أمامها يمنعها من التحرك ونظر إليها بغضب قائلاً: "إيه اللي انتي بتقوليه ده؟ صاحت بغضب متهكمة: "أيوة مثل مثل. ما انت رائع قوي في التمثيل. انت عارف كويس أنا بتكلم عن إيه". كاد "علي" أن يجن من حديثها وأسلوبها فصاح بغضب: "والله ما فاهم انتي بتتكلمي عن إيه بالظبط. ولا فاهم انتي ليه بتشتـميني كده".

قالت "أسماء" وهي تنظر إليه باشمئزاز: "سمعت بنتين وهما بيتكلموا مع بعض في الكافتيريا عن اللي انت بتعمله في البنات وتحرشاتك بيهم ونظراتك ليهم. انت بجد إنسان حقير قوي بجد. وراسـم نفسك وعامل إنك محترم بس أهو ربنا كشفك على حقيقتك". نظر إليها "علي" بأعين تشع غضباً وهو يضم قبضتي يده بقوة حتى ابيضت أصابعه وهرب الدم منها.

قال بصرامة: "والله العظيم لو مكنتش بنت أنا كنت عرفت شغلي معاكي. مين البنتين اللي بتقولي إنك سمعتيهم بيتكلموا عني؟ نظرت إليه "أسماء" وقد شعرت ببعض الخوف من نظرات عينيه الغاضبة فلم يسبق لها أن رأته غاضباً هكذا. قالت بتوتر: "قاعدين في الكافيتيريا". أشار لها بحزم أن تلحق به وقال: "وريهم لي".

ذهبت معه في اتجاه الكافتيريا. حمدت الله أن الفتاتين ما زلتا في مقعديهما. أشارت "أسماء" في اتجاه طاولتهما فـتـجه إليهما "علي". بمجرد أن رأوه توقفوا عن الكلام. نظر إليهما "علي" بغضب قائلاً وهو يحاول أن يتحكم في أعصابه: "أنا عملت إيه بالظبط؟ إيه اللي قولـتوه عني؟ وقفت "أسماء" تـراقب ما يحدث باهتمام وقد...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...