الفصل 9 | من 32 فصل

رواية جواد بلا فارس الفصل التاسع 9 - بقلم بنوته اسمرة

المشاهدات
32
كلمة
4,434
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 28%
حجم الخط: 18

جلس "آدم" فى حجرة الصالون ينتظر نزول "آيات". دخل "عبد العزيز" من الباب مبكراً عن موعده، انتبه إلى "آدم" فدخل، سلم عليه قائلاً: -أهلاً بيك يا دكتور. نهض "آدم" وسلم عليه قائلاً: -أهلاً بحضرتك. جلس "عبد العزيز" في مواجهة "آدم" وقال: -بخصوص مكان سكنك اللي اديتهولي يا دكتور "آدم"، انت سبت الشقة دي من فترة مش كده؟ لأنهم قالولي إنها اتباعت مرتين. شرب "آدم" رشفة من كوب الماء الموضوع أمامه وقال بهدوء أعصاب:

-أيوه بعتها، وحالياً قاعد عند والدتي في بيتنا القديم لحد ما الشقة الجديدة تخلص، لأني بعمل فيها شوية تعديلات. قال "عبد العزيز": -أنا افتكرتك اديتني عنوان شقتك الحالية. قال "آدم" مبتسماً: -لأ، اديت لحضرتك عنوان الشقة اللي كنت عايش فيها عشان لما تحب تسأل عني تلاقي الجيران عارفينيني. ابتسم "عبد العزيز" قائلاً: -فعلاً الجيران كانوا عارفينك وعارفين الست والدتك كمان، وقالوا عنكم كلام طيب جداً.

ابتسم "آدم" وقد شعر بالارتياح. نزلت "آيات" والتي فوجئت بوالدها. نظر إليها "عبد العزيز" بغضب وهو ينظر إلى ملابسها ومكياجها. شعرت "آيات" بالاضطراب. فقال "عبد العزيز" بهدوء حتى لا يحرجها أمام "آدم": -اطلعى البسي حاجة تانية يا "آيات"، الطقم ده شكله مش حلو عليكي. شعرت "آيات" بالحرج وقالت بصوت خافت: -حاضر يا بابا. ثم التفتت إلى "آدم" قائلة: -ثواني ونازلة.

صعدت "آيات" وارتدت ملابس أكثر اتساعاً، وإن كانت مازالت غير محتشمة. وأزالت المكياج في عبوس. نزلت الدرج فوقف "آدم" ينظر إليها متفرساً فيها. ثم استأذن من والدها وانصرفا. قاد "آدم" سيارته بهدوء وتوقف في مكان ما. التفت إليها قائلاً: -انتي باباكي مش بيخليكي تحطي ميك أب وإنتي خارجة؟ ارتبكت "آيات" وقالت دون أن تنظر إليه: -أيوه. قال "آدم" بغلظة: -يعني بتحطي من وراه؟ بتستغفليه يعني؟ نظرت إليه "آيات" بحدة. فقال لها بصرامة:

-مفيش معنى تاني للي إنتي بتعمليه غير كده. قالت "آيات" بحدة: -هو مانعني إني أحط ميك أب لأنه مش بيحبه، بس أنا بنت وصغيرة وبحب أكون جميلة وأحط ميك أب، كل البنات بتعمل كده. قال "آدم" بهدوء وهو ينظر إليها: -فعلاً كل البنات بتعمل كده. نظرت إليه فأكمل قائلاً بحزم: -بس البنت المميزة اللي تجبر الراجل إنه يحترمها مش هتعمل كده. احمرت وجنتاها خجلاً وأطرقت برأسها. فقال وهو يتطلع إليها:

-نفسي تشوفي نفسك دلوقتي وخدودك لونهم أحمر من الكسوف وقوليلي الشكل ده أحلى ولا الدهان اللي بترسمي بيه على وشك. نظرت إليه "آيات" فأكمل قائلاً: -على فكرة مفيش راجل محترم بيحترم البنت اللي بتعرض نفسها في الشارع زي ما تكون جارية في سوق الجواري. قالت "آيات" بعتاب ممزوج بالحزن: -أنا جارية يا "آدم"؟ قال بهدوء وهو ينظر إلى عينيها: -لأ يا "آيات" مش جارية، بس مصره تخلي شكلك زيه.

نظرت إلى عينيه وهي تحاول فهم ما يريد وما يفكر فيه. قالت مبتسمة: -لو إنت مش حابب الميك أب يا "آدم"، أنا مش هحطه تاني. انتبه "آدم" فجأة لما يفعل. وسأل نفسه مرة أخرى: ما شأنك إن وضعت مكياج أم لم تضع؟ أشاح بوجهه عنها وقال ببرود: -اعملي اللي إنتي عايزاه. قالت "آيات" بحماس: -لو مش عايزني أحط بجد مش هحط. قال "آدم" كأنه يعاند نفسه ويعاند ما يريد: -لأ، حطي، حطيه يا "آيات". قالت بدهشة: -بس إنت لسه قايل... قال بحنق:

-سيبك من اللي قولته، أنا عايزك تحطي ميك أب، عايز أشوفك بيه على طول. أنهى جملته ثم انطلق بسيارته بعصبية. ظلت "آيات" تنظر إليه باستغراب وهي لا تعي تلك التغيرات المفاجئة التي تطرأ عليه من حين لآخر. *** فتح "علي" باب البيت وهو ينادي في مرح: -ماما، "إيمان". جرت أمه مسرعة من المطبخ وفتحت "إيمان" غرفتها: -خير، فيه إيه يا "علي"؟ قال بسعادة: -الحمد لله لقيت شغل. عانقته أمه قائلة: -يا منت كريم يا رب. قالت "إيمان" بسعادة:

-مبروك يا "علي". قال مبتسماً: -الله يبارك فيكي يا "إيمان". سألته بلهفة: -اشتغلت إيه؟ قال "علي": -هي شغلانة بسيطة في محل بيع أجهزة كمبيوتر، بس أهي بداية يا "إيمان" بدل ما أنا قاعد كده من غير شغل ولا مشغلة. قالت أمه بحماس: -ربنا يجعلك فيها الخير يا ابني وتبقى قدم السعد عليك وتكبر وتبقى أحسن واحد في الدنيا يا "علي" يا ابني. قبل "علي" يديها قائلاً: -ربنا ما يحرمني منك يا أمي ولا من رضاكي عني. ***

كالعادة شعرت بالتوتر والارتباك وهي جالسة في غرفتها تنتظر أن تناديها والدتها. فتحت والدتها الباب وقالت بحماس: -يلا يا "إيمان"، أبوكي قال لي ناديكي، أبوكي وأخوكي "علي" قاعدين مع العريس. برق شعرت "إيمان" بخفقات قلبها تتسارع بجنون. ظلت تدعو الله في سرها أن يبيض وجهها تلك المرة. دخلت برأس منخفض وألقت السلام بصوت خافت. ردوا السلام وجلست في المقعد المواجه لهذا العريس. استكملوا حديثهم مرة أخرى وكأنها غير موجودة.

شعرت بالحنق من هذا التجاهل وكادت أن تبكي أو تنهض لتغادر لولا أنها أجبرت نفسها على البقاء. فجأة وجدته يوجه إليها الكلام قائلاً: -ازيك يا دكتورة "إيمان". شعرت "إيمان" بالسعادة بالرغم من أنه سؤال عادي، لكن كونها محور اهتمام رجل هو ما أسعدها. ردت بصوت خافت: -الحمد لله. لم تستطع أن ترفع رأسها لتنظر إليه. ظلت غاضة بصرها تفكر، كفيها في ارتباك شديد. قال هذا العريس: -أنا عرفت إنك في التكليف، مش كده؟ قالت بتوتر: -أيوه.

قال العريس: -إنتي كنتي حابة تدخلي طب أسنان ولا التنسيق اللي أجبرك عليها؟ شعرت "إيمان" بالسعادة لأسئلته المتلاحقة عنها. فقالت بشيء من الارتباك: -بصراحة أنا كنت حابة أدخل صيدلة بس دخلت أسنان عشان مجموعي مجابش صيدلة، بس بعد ما دخلتها حبيتها أوي. قال ضاحكاً: -يعني طبقتي مقولة حب ما تعمل حتى تعمل ما تحب. ابتسمت وهي تقول: -حاجة زي كده.

تجرأت ورفعت رأسها لتنظر إليه. كان شاباً أسمر البشرة لا تخلو ملامحه من الوسامة. خفق قلبها لمرآه فغضت بصرها مرة أخرى. ابتسم العريس قائلاً: -طيب مش عايزة تسأليني عن حاجة؟ دار الحديث بينهما قرابة النصف ساعة بعدها استأذن للانصراف. دخلت "إيمان" غرفتها وتركته يتحدث مع أبوها وأخوها أمام الباب. أخذت تستعيد في رأسها الحوار الذي دار بينهما. وأخذ يتردد في أعماقها نفس السؤال الذي يتردد كل مرة: تُرى أسيوافق أم سيرفض؟ دخلت والدتها

الحجرة فقالت بلهفة: -العريس قال إيه يا ماما؟ قالت أمها مستبشرة: -إن شاء الله خير. قال كمان كام يوم كده هيتصل يعرف ردك. قالت "إيمان" من قلبها: -يارب تممها على خير يا رب. *** وقف "آدم" في منطقته المفضلة فوق المقطم ينظر أمامه شارداً عابساً. ظل يسأل نفسه: ماذا يحدث لك يا "آدم"؟ لماذا هذا التردد الذي تشعر به بداخلك؟ ألست أنت من وضع الخطة؟ لماذا التردد الآن؟ أخذ يتردد بداخله سؤال: ما ذنبها؟ ما ذنب "آيات" فيما حدث لك؟

لكنه رد على هذا السؤال قائلاً: أنا لن أؤذيها، أنا لا أريد سوى استرداد حقي فقط. "آيات" لن تخسر شيئاً وستجد يوماً رجلاً أفضل مني. ما هي إلا أسابيع قليلة أو حتى أشهر وتنسى اسمي، وتنسى أنها رأتني يوماً وستستمر في حياتها، مع رجل تحبه ويحبها. عند تلك النقطة شعر بقشعريرة في جسده. تراءت أمامه عيناه صورتها، وابتسامتها العذبة، ونظرات عينيها التي تشع حباً، واهتمامها به، ومشاعرها الصادقة النقية. تباً لذلك، لماذا يشعر بتلك النغزات في قلبه؟

لماذا لا تكف تلك المشاعر المثبطة عن التجوال بداخله؟ شعر وكأنه بداخل فرن مشتعل بالرغم من النسمات الباردة التي كانت تلفح وجهه. خلع الجاكت وفتح بعض من أزرار قميصه وهو يتنهد بعمق لعله يتخلص من ذلك الشيء الذي يصر على الجثوم فوق صدره. وبقوة. *** فشلت "بوسي" طوال الأيام السابقة من الوصول إلى "آدم" فلم تجد بداً من الذهاب إلى الجامعة لمقابلته. لم تجده ذلك اليوم في مكتبه. قابلت إحدى الطالبات وسألتها قائلة:

-لو سمحتي متعرفيش دكتور "آدم خطاب" ألاقيه فين؟ قالت الطالبة: -شوفيه في مكتبه. قالت "بوسي": -روحت مكتبه ملقتهوش موجود. قالت طالبة أخرى: -أنا فعلاً مشفتوش النهاردة. قالت الطالبة الأولى: -ممكن يكون واخد إجازة لأن دكتور "آدم" كتب كتابه آخر الأسبوع. نظرت إليها "بوسي" وقد جحظت عيناها وقالت: -إيه؟ كتب كتابه؟ قالت الطالبه: -أيوه، خطب واحدة من دفعتنا، وكتب كتابهم آخر الأسبوع. ثم ضحكت قائلة: -هي كمان غابت النهاردة.

تمتمت "بوسي" بخفوت: -ميرسي. خرجت "بوسي" من الكلية وعيناها تشعان غضباً وحقداً، وقد امتلأتا بالعبرات وقالت في نفسها: ماشى يا عريس. *** في اليوم التالي، وقفت "آيات" أمام المرآة تقيس الفساتين التي ستقوم بارتدائه في كتب كتابها. ثم التفتت إلى "أسماء" قائلة: -"أسماء" إيه رأيك في الفستان؟ ابتسمت "أسماء" قائلة: -تحفة يا "آيات". قالت "آيات" وهي تنظر إلى نفسها في المرآة بسعادة:

-واحد صاحب بابا عنده مصنع ملابس سواريه هو اللي صمم إن فستان كتب كتابي يبقى هدية منه. ضحكت "أسماء" قائلة: -أيوه يا عم محدش قدم وتصميم محدش لبسه غيرك. ربنا يتمملك على خير يا "يويو". قالت "آيات" بلهفة وهي تنظر إلى نفسها في المرآة: -يارب يعجب "آدم".

حاولت "آيات" كثيراً الاتصال بـ "آدم" دون جدوى. ظلت والدة "آدم" تستمع إلى رنين هاتف ابنها كل فترة، فأصابها القلق لعدم رده. دخلت غرفته لتجده فوق فراشه بملابس خروجه. اقتربت منه لتجد العرق متصبباً من وجهه وجسده. وضعت كفها فوق جبينه لتجده مشتعلاً. أصابها القلق فارتدت ملابسها وصعدت للطابق العلوي حيث جارهم الطبيب وطلبت منه النزول لفحص ابنها. أخبرها الطبيب بأنه أصيب بالبرد وكتب على بعض الأدوية. نزلت والدته مسرعة لشراء الأدوية التي وصفها الطبيب. عادت وجلست بجواره وبجانبها الكمادات تضعها على جبينه ووجهه. فتح "آدم" عينيه بصعوبة ليجدها جالسة بجواره تضع هذا الشيء البارد فوق وجهه. نظر إليها ونظر إليه.

قالت بقلق: -إنت كويس يا "آدم"؟ أومأ برأسه فوجد رأسه يتألم من مجرد تلك الإيماءة البسيطة. قالت أمه بحنان: -طيب نام، أنا حطالك فرخة على النار أول ما تخلص هجبلك تاكل. نظر "آدم" إليها ثم أغمض عينيه وراح في سبات عميق من فرط التعب. رن هاتفه مرة أخرى فنظرت والدته إلى الهاتف الملقى بجواره على الأرض. نظرت لتجد اسم "آيات". نظرت إلى "آدم" النائم. ثم...

توجهت إلى الخارج ببطء. دفعها الفضول لتعرف من تلك الـ "آيات" التي تتصل بابنها بإلحاح. ردت قائلة بتوجس: -أيوه. شعرت "آيات" بالدهشة عندما استمعت لصوت امرأة. فقالت: -ألو، مين معايا؟ قالت والدة "آدم": -أنا ماما "آدم". إنتي مين؟ ابتسمت "آيات" قائلة بحماس: -إزيك حضرتك يا طنط، أنا "آيات"، خطيبته. وقع الخبر على رأس والدته كالصاعقة. فرددت: -خطيبته! فقالت "آيات":

-أيوه يا طنط، معلش سامحيني، أنا عرفت في الخطوبة إن حضرتك كنتي مسافرة وتعبانة. معلش كان لازم أكلمك بس أنا طلبت كتير الرقم من "آدم" وهو كان بيقولي إن الظروف مش سامحة إني أكلم حضرتك. صمتت والدة "آدم" وقد تساقطت العبرات فوق عينيها وهي تقطب جبينها في حزن وألم. فقالت "آيات": -طنط حضرتك معايا؟ قالت والدة "آدم": -أيوه. قالت "آيات" بقلق: -هو "آدم" موجود؟ أنا بكلمه من الصبح مبيردش. قالت أمه ببرود: -تعبان شوية. قالت "آيات"

بجزع: -تعبان إزاي يا طنط، ماله "آدم"؟ قالت أمه: -عنده برد وسخن أوي، والدكتور كان لسه عنده من شوية. قالت "آيات" وهي تشعر بالحزن والألم: -طيب يا طنط اديني العنوان. صمتت أمه قليلاً. ثم ألقت نظرة على ابنها وهي تتساءل في نفسها: ماذا تفعل من خلف ظهري يا "آدم"؟ بالتأكيد تلك الخطوبة ليست طبيعية وإلا لكنت أخبرتني بأمرها؟ إذا كنت تلعب فسأفسد عليك لعبتك يا بني. قالت والدته بجزم: -خدي العنوان يا بنتي.

أسرعت "آيات" بارتداء ملابسها في عجالة وانطلقت بسيارتها إلى العنوان الذي أخذته من والدته. شعرت "آيات" بالدهشة وهي تدخل تلك المنطقة الشعبية البسيطة. أوقفت سيارتها أمام البيت بعدما تعبت وعانت في إيجاد العنوان. رأت سيارة "آدم" فعلمت أنها في المكان الصحيح. صعدت الطبقات إلى أن وصلت إلى البيت. فتحت لها والدته. فنظرت إليها "آيات" تحاول تخمين أتلك المرأة أمه أم لا. نظرت إليها أمه تحاول استكشاف تلك الخطيبة التي أخفاها ابنها عنها. ابتسمت "آيات"

قائلة بخجل: -أنا "آيات" خطيبة "آدم". حضرتك مامته؟ أومأت أمه برأسها وأفسحت لها للدخول. شعرت "آيات" بالارتباك بسبب تلك المعاملة الباردة التي تلقتها من والدته. قالت والدته وهي تقوم بواجب الضيافة: -اتفضلي يا بنتي، تشربي إيه؟ قالت "آيات": -شكراً يا طنط، مش عايزة أتعب حضرتك، أنا بس عايزة أطمن على "آدم".

أشارت والدته إلى غرفته وتقدمتها. دخلت "آيات" لتجد "آدم" يتوسط الفراش وقطعة قماش مبللة بالماء فوق رأسه. حبات العرق تنبت على وجهه. اغرورقت عيناها بالعبرات واقتربت منه تتحسس وجهه ثم قالت بقلق: -ده سخن أوي. قالت أمه بهدوء: -شوية وهيبقى كويس، الدكتور كتبله على علاج وقال على بالليل هيكون كويس. جلست "آيات" بجواره وهي تشعر بالحزن من أجله. تأملتها والدته جيداً. تأملت هذا الحزن على وجهها وتلك العبرات في عينيها.

نادت عليه كثيراً فلم يستيقظ. فالتفتت "آيات" لوالدته قائلة بقلق: -أجيبله دكتور تاني؟ أو ناخده مستشفى؟ قالت والدته: -يا بنتي ما تقلقيش، حرارته هتنزل كمان شوية. قالت "آيات" بقلق: -طيب. أزالت عن جبينه قطعة القماش التي سخنت من فرط حرارته المرتفعة وغمستها في الماء البارد. فوضعتها على الكمودينو ثم عادت لوضعها على جبينه مرة أخرى. قالت والدته: -هروح أشوف الأكل اللي على النار. قالت "آيات" وهي تنظر إليها:

-ماشي يا طنط، ومتقلقيش أنا هعمله الكمادات. توجهت والدته إلى المطبخ. وظلت "آيات" بجواره وهي تنظر إليه بألم. وتناديه بين الحين والآخر. تذكرت "آيات" استقبال والدته لها. وشعرت بالقلق من تلك المعاملة الباردة. خرجت "آيات" من الغرفة تنظر يميناً ويساراً لتتلمس طريقها إلى المطبخ. سمعت صوتاً فتوجهت نحوه. التفتت والدة "آدم" لتجد "آيات" واقفة على باب المطبخ وهي تبتسم بارتباك. قالت "آيات": -تحبي أساعدك يا طنط؟ قالت والدة "آيات"

وهي تنظر إلى ملابسها: -لا شكراً، هدومك هتتوسخ. ابتسمت "آيات" وتوجهت إلى مريلة المطبخ القديمة المعلقة على الباب وارتدتها قائلة بمرح: -كده مش هتتوسخ. نظرت إليها والدته وكأنها تحاول استكشافها. اقتربت "آيات" ووقفت لا تدري ما تفعل. فقالت والدته: -لو بتعرفي تقشري البصل قشريه. ابتسمت "آيات" بخجل وقالت: -بصراحة أول مرة هقشر بصل. ثم قالت بحماس: -بس لازم أتعلم عشان إن شاء الله لما نتجوز أنا و "آدم" أطبخله بنفسي.

عملت المرأتان معاً في المطبخ. كانت والدة "آدم" تحاول معرفة معلومات عنها وعن علاقتها بابنها. علمت بأنها إحدى طالباته، وبأن كتب كتابهما نهاية الأسبوع. شعرت بالألم يحرق قلبها. وقالت في نفسها: لماذا يا "آدم"؟ ماذا تحرمني من أن أفرح بك وبزواجك؟ اغرورت عيناها بالعبرات. فقالت "آيات" بقلق: -إنتي كويسة يا طنط؟ قالت والدة "آدم" بهدوء: -أيوه يا بنتي، متشغليش بالك.

سمع كلاهما صوت "آدم" ينادي والدته. فقفزت "آيات" وتوجهت إلى غرفة "آدم". التفت "آدم" ليشعر بالصدمة من رؤيتها أمامه. قال بدهشة كبيرة وبصوت مبحوح: -"آيات"! إنتي بتعملي إيه هنا؟ قالت "آيات" وهي تقترب منه: -اتصلت بيك وطنط أدتني العنوان. إنت كويس يا حبيبي؟ خضتني عليك أوي.

ظل عقل "آدم" يعمل بسرعة. خشي أن تفسد خطته. نظر إليها ليتبين رد فعلها بعدما رأت مكان عيشه. لم يجد على وجهها سوى القلق من أجله. دخلت والدته الغرفة وهي تنظر إليه نظرات نارية. يعرف سببها جيداً. أخذت "آيات" من يد والدته الصينية الموضوع عليها الطعام وقالت لـ "آدم" بحنان: -اقعد كويس عشان أحطلك الأكل.

جلس "آدم" بصعوبة. فوضعت الصينية فوق قدميه. رمقته بحنان وهي تبتسم له. خرجت والدته من الغرفة وهي ترمقه بنظرة عتاب لم يتحملها. فأشاح بوجهه عنها. جلست "آيات" بجواره وقالت بحنان: -آكلك أنا يا "آدم"؟

هز رأسه نفياً. وما كاد يمسك بالملعقة حتى ارتعشت قليلاً في يده وبدا خائر القوى. أمسكت "آيات" الملعقة وبدأت في إطعامه كالطفل الصغير. نظر إليها "آدم" بعينين نصف مفتوحتين يتأملها وهي تطعمه. ابتسمت له تلك الابتسامة العذبة التي اعتادتها عيناه وألفتها. كان يتمنى أن يبتسم لها. لكن رغماً عنه لم يستطع. لم يستطع خداعها بتلك البسمة، التي ستعطيها المزيد من الشعور بالأمان. وبالأمل. شعر بانقباض في قلبه. قالت "آيات" بحنان:

-كنت خايفة عليك أوي. أشاح بوجهه عنها وحاول أن يصم أذنيه عن كلماتها وعن مشاعرها التي تغمره بها. أزاح الصينية الموضوعة على قدمه وقال بعبوس: -"آيات" روحي، أنا بقيت كويس. قالت "آيات" باستنكار: -"آدم" إنت ما أكلتش حاجة، وكمان أنا مش همشي غير لما أطمن عليك.

شعر "آدم" بالنوم يداعب خفونه وبالإرهاق يشل حركته. أغمض عينيه واستسلم له. رمقته "آيات" في حنان وحملت الصينية وتوجهت خارج الغرفة وأغلقتها بهدوء. نظرت إلى والدته التي تعد الطعام على السفرة قائلة بحزن: -مأكلش كويس، ونام. قالت أمه: -لما يصحى هخليه يكمل أكله. أخذت منها الصينية وقالت لها: -يلا يا بنتي عشان ناكل سوا. ابتسمت "آيات" وهي تقول بمرح: -ماشي يا طنط، تسلم إيدك.

بعد عدة ساعات أفاق "آدم" على ضحكات بالخارج. قام من فوره وهو يتذكر "آيات" وهي تطعمه. أخذ يسأل نفسه أكان هذا حلماً أم واقعاً. خرج ليجد "آيات" جالسة مع والدته أمام التلفاز. نهضت "آيات" قائلة بسعادة: -"آدم" الحمد لله. أدار "آدم" نظراته بينهما وظل صامتاً. ثم فجأة نظر إلى الساعة التي تجاوزت العاشرة بقليل وقال لـ "آيات": -إنتي بتعملي إيه هنا لحد دلوقتي؟ قالت "آيات" بحنان: -محبتش أمشي قبل ما أطمن عليك. قال "آدم"

وهو يشعر ببعض آثار التعب: -"آيات" الوقت اتأخر، يلا عشان تروحي. ابتسمت له قائلاً: -حاضر، بس لو سمحت ارجع أوضتك تاني وما تقومش من السرير غير عشان تصلي وبس. رمقته أمه بنظرات ساخرة. فأبعد عينيه عن عينيها بسرعة وقال بنفاذ صبر: -يلا يا "آيات". دفعته "آيات" حتى عاد إلى فراشه مرة أخرى ودثرته بغطائه ثم قالت بحنان: -بكرة إن شاء الله هاجي أزورك. قال بحده: -لأ، هبقى أتصل بيكي في التليفون.

شعرت بالحزن. وبالضيق. لماذا لا يريدها أن تزوره في بيته مرة أخرى؟ سلمت على والدته ثم حملت حقيبتها وخرجت. نظرت والدته إليه وهي تقول: -أنا مش فاهمة إنت بتعمل إيه بالظبط. مش هقولك إلا ربنا يهديك يا ابني، ربنا يهديك ويهديلك نفسك ويبعد عنك شيطانك. حاولت "آيات" كثيراً تشغيل محرك سيارتها دون جدوى. زفرت بضيق وسعدت مرة أخرى. فتحت والدة "آدم" فقالت لها "آيات" في حرج: -معلش يا طنط، متعرفيش ميكانيكي قريب من هنا؟

العربية مش عايزة تدور. قالت والدة "آدم": -لا يا بنتي والله معرف. قالت "آيات" مبتسمة: -خلاص مفيش مشكلة، أنا هاخد تاكسي وهسيبها هنا وهبقى أبعت حد ياخدها. آسفة يا طنط على الإزعاج. أغلقت والدة "آدم" الباب. فخرج "آدم" من غرفته وهي يسير بصعوبة قائلاً: -فيه إيه يا ماما؟ قالت له: -خطيبتك عربيتها عطـلت وكانت بتسأل على ميكانيكي. قولتلها معرفش. صمت "آدم" قليلاً ثم قال فجأة: -ماما لو سمحتي نادى "آيات" بسرعة.

فتحت والدته الباب ونادتها قبل أن تخرج من البوابة: -"آيات". نظرت "آيات" إلى الأعلى وهتفت: -أيوه يا طنط. قالت والدته: -تعالي يا بنتي. صعدت "آيات" مرة أخرى. فقال لها: -"آدم" عايزك. ما كادت "آيات" تتوجه إلى غرفته حتى خرج لها ووقف أمامها. صمت للحظات ثم مد يده إليها بمفتاح سيارته قائلاً: -خدي عربيتي يا "آيات". نظرت "آيات" إلى المفتاح ثم إليه وقالت مبتسمة: -خلاص يا "آدم"، أنا هاخد تاكسي مفيش مشكلة. نظر إليها بحزم قائلاً:

-مينفعش تركبي تاكسي لوحدك بالليل كده. خفق قلب "آيات" وهي تنظر إليه. شعرت بالسعادة تغمر قلبها وهي تستشعر لأول مرة قلقه عليها. قالت وهي لا تستطيع إبعاد عينها عن عينيه: -خايف عليا؟ خفق قلبه. لأول مرة منذ زمن يشعر بأن داخل صدره قلب ينبض. لكنه تمالك نفسه وقال بهدوء: -يلا عشان متتأخريش.

ابتسمت له وأخذت المفتاح وخرجت. توجه إلى شباك غرفته وفتحه وتابعها بعينيه حتى ركبت السيارة وانطلقت بها. عاد إلى فراشه يحاول النوم. لكن النوم جفاه. لم يستطع أن يغمض عينيه إلا بعدما اتصلت به "آيات" لتخبره بأنها وصلت إلى بيتها بسلام.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...