الفصل 8 | من 32 فصل

رواية جواد بلا فارس الفصل الثامن 8 - بقلم بنوته اسمرة

المشاهدات
33
كلمة
5,235
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 25%
حجم الخط: 18

جلس "آدم" في أحد المطاعم وتحت يده ملف، أخذ يطرق عليه بأصابعه في توتر وهو ينظر إلى ساعته بين الحين والآخر. أقبلت عليه "ساندي" تتهادى في خطواتها، حيته قائلة: –هاي دكتور. اتأخرت عليك؟ قال "آدم" بابتسامة مجاملة: –مش كتير. قالت بمرح وهي تجلس أمامه على الطاولة: –سوري يا دكتور. الطريق كان زحمة موت.

أومأ "آدم" برأسه وبدا أن عقله مشغول بشيء آخر. طلب لها مشروباً. تحدثا قرابة النصف ساعة في موضوعات شتى عن الجامعة والدراسة والعمل، إلى أن قال "آدم" بجدية: –"ساندي"، كنت محتاج منك خدمة. قالت "ساندي" بلهفة: –طبعاً، أنت تؤمر يا دكتور. أمسك الملف الذي كان يستند إليه ذراعه ووضعه أمامها قائلاً: –دي دراسة جدوى لمشروع قرية سياحية في العين السخنة. الدراسة دي عملتها من كذا سنة. أرباحها خيالية ومضمونة جداً. ابتسمت "ساندي"

قائلة وهي تتفحص الملف: –طبعاً طالما حضرتك اللي عاملها تبقى ممتازة يا دكتور "آدم". قال "آدم" وهو ينظر إليها بتمعن: –الدراسة دي أنا محتاج ليها ممول. ثم قال بضيق: –كنت المفروض إني أنا هكون أحد الممولين فيها، بس مش هينفع دلوقتي أشارك في رأس المال. ثم قال بلهفة: –أنا عارف إن والدك رجل أعمال ومش بس كده، عنده شركة سياحية كبيرة ومنافس قوي في السوق. ابتسمت "ساندي" بتفاخر وهي تقول ضاحكة:

–فعلاً بابا حقق اسم كبير أوي في عالم السياحة. قال "آدم" بجدية: –وعشان كده أنا حابب إنه يمول المشروع ده. المشروع ده من أضخم المشاريع اللي اتعملها دراسة جدوى، وكمان المكان نفسه خيالي مش ممكن تتخيلي روعته. وكل شيء موجود في الملف ده. قالت "ساندي" مبتسمة: –طيب وليه حضرتك متعرضش على بابا المشروع ده بنفسك؟ قال "آدم" مبتسماً وهو يرجع ظهره للخلف:

–ما أنا هعرضه بنفسي. بس انتي متخيلة رجل أعمال زي باباكي بيتعرض عليه كام مشروع وكام دراسة جدوى؟ إيه اللي يخليه يلتفت لمشروعي وياخده بجدية؟ ضحكت "ساندي" بدلال قائلة: –عايزني أكون واسطة يعني؟ ابتسم ابتسامته الساحرة وهو يقول بلؤم: –بالظبط كده. ابتسمت وهي تقول بخبث: –أخبار نتيجة الامتحان المفاجئ إيه؟ ابتسم "آدم" ولمعت عيناه وهو يقول: –امتحان مفاجئ إيه اللي بتتكلمي فيه؟ قولي أخبارك امتحان الفاينال إيه؟

ابتسمت "ساندي" وقد لمعت عيناها عندما أخرج "آدم" ورقة من جيبه ووضعها أمامها. نظرت "آيات" بفرحة وعدم تصديق إلى الأسئلة الموجودة في الورقة، ثم نظرت إلى "آدم" قائلة بمرح: –يا سلام عليك يا دكتور. كده تمام أوي وشكلنا هنعمل مع بعض أحلى بيزنس. ابتسم "آدم" وقال محذراً: –الورقة دي ليكي انتي بس، ولو اتسربت يمين ولا شمال.. انتي عارفة أنا ممكن أعمل إيه يا "ساندي". قالت ضاحكة وهي تضع الورقة في حقيبتها: –ليه هو أنا مجنونة ولا إيه؟

أسربها عشان ياخدوا درجات عالية؟ أنا مالي ان شاء الله الدفعة كلها تسقط، المهم إن أنا ضمنت الفول مارك. ابتسم "آدم" قائلاً: –استنى منك رد إمتى؟ قالت بحماس: –بابا مسافر وراجع من السفر خلال أسبوعين إن شاء الله ويمكن أقل كمان. أول ما ييجي مش هخليه يقوم من على الملف غير لما يقراه كله. وأنا واثقة فيك يا دكتور وعارفة إن أكيد بابا هينبهر بدراسة الجدوى اللي عملتها. اتسعت ابتسامة "آدم" وهو يقول: –اتفقنا يا "ساندي". ***

جلست "آيات" في كافيتيريا الكلية تنقل إحدى الأجزاء التي فاتتها من المحاضرة إلى دفترها. اقتربت منها "أسماء" فرفعت "آيات" رأسها لتنظر إليها ببرود، ثم عادت تكمل كتابتها. جلست "أسماء" في المقعد المجاور لها وقالت: –"آيات" مالك في إيه؟ انتي مخصماني ولا إيه؟ قالت "آيات" ببرود دون أن تنظر إليها: –مفيش حاجة. قالت "أسماء" بحده: –لا في. مش معبراني. بتحضري المحاضرات من غيري. بتصل بيكي بتردي بالقطارة. في إيه يا "آيات"؟

من يوم المكالمة اللي كنتي مضايقة فيها وانتي بتعامليني وحش. نظرت إليها "آيات" بحدة وقالت: –كنت فاكرة إني صحبتك. كنت فاكرة إني بتخافي عليا بجد. بس بجد أنا اتصدمت فيكي يا "أسماء". قالت "أسماء" بدهشة: –ليه كل ده؟ إيه اللي حصل؟ فهميني. قالت "آيات" بصوت خافت حتى لا تلفت نظر أحد ممن حولها:

–لما قولتلك على اللي حصل بيني وبين "آدم" أعدتي تقوليلي عادي ومفيهاش حاجة وكل المخطوبين بيعملوا كده. تعرفي إن دي حاجة النبي قال عنها إنها زنا وإنها طريق بيودي للزنا. وانتي حتى مفكرتيش تنصحيني وتقوليلي لأ يا "آيات" اللي حصل ده غلط؟ لا فضلت تقولي إني طفلة في ابتدائي وإن ده طبيعي طالما بنحب بعض. ثم جمعت أشياءها من فوق الطاولة وحملت حقيبتها وهي تقول قبل أن تغادر: –بجد اتصدمت فيكي يا "أسماء".

رحلت "آيات" لتترك "أسماء" متجمدة مكانها. لحظات ونهضت هي الأخرى، سارت تبحث عن "آيات" إلى أن وجدتها تخرج من باب الكلية. فتوجهت تجاهها بسرعة وجذبتها من ذراعها بشدة وجعلتها تلتفت إليها، ثم صاحت بحنق: –وأنا كنت هعرف منين يعني إن كده غلط؟ ليه أسألت الظن فيا وقولتي إنك مش بتحبيني ومش بتخافي عليا؟ أنا معرفش إن كده غلط. ما كل الناس حوالينا بيعملوا كده ومن غير خطوبة حتى. ليه شوفتيني وحشة كده يا "آيات"؟

ثم اغرورقت عيناها بالعبرات وهي تقول بصوت باكي: –إحنا صحاب من أربع سنين. عمرك شفتيني أذيتك ولا عملت حاجة تحسسك إني مش بحبك؟ ها ردي عليا. أصلاً أنا مليش صحاب غيرك وربنا يعلم إني بحبك أكنك أختي، وحتى مش بحاول أتعرف على بنات تانية لأن حاسة إن إنتي صحبتي بجد. وعارفة إنك بتحبيني زي ما أنا بحبك. تيجي دلوقتي تقوليلي إني مش خايفة عليكي؟

والله ما كنت أعرف. أنا افتكرت الموضوع عادي ولما لقيتك مضايقة وبتعيطي قولت أهونها عليكي شوية عشان مبحبش أشوفك مضايقة. ثم قالت بألم: –بس شكراً أوي يا "آيات" شكراً أوي على الكلام اللي سمعتيهولي ده. أنا صاحبة وحشة وزبالة، ابعدي عني بقى. قالت ذلك ثم توجهت إلى بوابة الكلية وهي تحاول مداراة دموعها التي تجمعت داخل عينيها. وقفت "آيات" في مكانها تنظر إليها وهي تبتعد. ثم تنهدت بضيق شديد وجلست على أحد المقاعد بوجوم. ***

طرقت "آيات" باب مكتب "آدم" ودخلت وقد بدا على وجهها العبوس. قالت بهدوء: –"آدم"، هعطلك عن حاجة؟ قال وهو ينهض ويقف أمامها: –لا أبداً. وقف ينظر إليها وإلى المكياج الذي كان يغطي وجهها. وإلى التيشيرت الضيق الذي أبرز تفاصيل جسدها. وضعت الكتب من يدها ووقفت أمامه وقد عقدت ذراعيها أمام صدرها وهي تقول بضيق: –اتخانقت مع "أسماء". قال "آدم" وهو يشعر بالملل من الاستماع إلى المشكلة: –اتخانقتوا ليه؟ قالت "آيات" بحنق:

–أنا اتغبيت أوي معاها وقولتلها كلام مكنش ينفع أقوله وهي مضايقة مني دلوقتي. قال "آدم" ببساطة: –خلاص كلميها واعتذري لها وصالحيها. قالت "آيات" بحزن: –خايفة مترضاش تصالحني. فقال "آدم" بنفاذ صبر: –يعني عايزاني أعملك إيه يعني؟ أكلمها بدالك وأقولها معلش صالحي "آيات"؟ شعرت "آيات" بالصدمة من الأسلوب الذي خاطبها به. فرسمت ابتسامة على شفتيها بصعوبة وأخذت كتبها وقالت بصوت حاولت أن يبدو طبيعياً:

–معاك حق، هكلمها واعتذر لها. شكراً يا "آدم" وآسفة عطلتك. خرجت مسرعة وأغلقت الباب خلفها وهي تشعر بقطرات الدموع في عينيها. لكنها سيطرت عليها ومنعتها من الإنهمار. *** دخلت والدة "إيمان" المطبخ لتجدها واقفة وتغلي شيئاً ما ذو رائحة قوية. فقالت لها وهي تتشمم الرائحة المنبعثة من الطنجرة: –إيه ده؟ بتعملي إيه يا "إيمان"؟ قالت "إيمان" بوجوم دون أن تنظر إليها: –شوربة كرنب. قالت أمها باستغراب: –إيه شوربة كرنب دي؟ قالت "إيمان"

بهدوء: –عشان التخسيس يا ماما. قالت أمها وهي تتأفف من الرائحة: –بس دي ريحتها صعبة أوي يا "إيمان". هتشربيها إزاي دي؟ قالت "إيمان" بنفاذ صبر: –هشربها وخلاص. قالت أمها وهي تنظر إليها: –طيب اتغدى الأول. ده أنا عاملة صينية مكرونة بالبشاميل من اللي بتحبيها. قالت "إيمان" بحنق وهي تضع الشوربة في طبقها: –مكرونة بشاميل إيه يا ماما؟

بقولك هشرب كرنب عشان أخس. يعني أقرف نفسي بأم الشوربة دي عشان آكل شوية مكرونة يضيعوا كل اللي عملته. قالت أمها وهي تغادر المطبخ: –أنا مالي ياختي هو أنا اللي هاكل ولا انتي؟ انتي حرة اعملي اللي تعمليه. جلست "إيمان" ممسكة بطبقها أمام التلفاز وهي تجبر نفسها على شرب هذا السائل ذو الرائحة القوية. ***

نظرت "أسماء" من العين السحرية لتجد "آيات" واقفة أمام الباب. ترددت قليلاً قبل أن تفتح لها. نظرت "آيات" إليها بحزن. فبادلتها "أسماء" بنظرة عتاب. دخلت "آيات" وأغلقت الباب قائلة بحزم: –بصي، وقبل ما تقولي أي حاجة. حقك عليا. أنا غلطت فعلاً وقولتلك كلام صعب. اعملي فيا بقى اللي انتي عايزاه بس مش ماشية من هنا غير لما تقوليلي إنك صالحتيني. ابتسمت "أسماء" ونظرت إليها بعتاب قائلة:

–يعني لو قولتلك مش هصالحك مش هتمشي وهتفضلي قاعدة هنا على طول؟ ابتسمت "آيات" قائلة: –أيوة. قالت "أسماء" بلؤم: –طيب مش هصالحك. عشان تفضلي معايا هنا على طول. عانقتها "آيات" قائلة: –متزعليش مني يا "سمسم". والله بحبك أوي ومقدرش أستغنى عنك. خالص. في تلك اللحظة تعالت أصوات أبوي "أسماء" بالصراخ ودخلا في إحدى شجاراتهما. فصرخت "أسماء" فيهما: –اقفلوا عليكوا الباب. في ناس هنا. نظرت "آيات" إليها بحزن. فقالت "أسماء" بضيق:

–"آيات" امشي دلوقتي. أومأت "آيات" برأسها وقد تعالت حدة أصواتهما. أغلقت "أسماء" باب غرفتها عليها ونامت على فراشها تضع فوق رأسها وسادة تكتم بها تلك الأصوات التي تمنت أن تخرس للأبد. *** جلست "آيات" في حجرة المعيشة تضع اللاب توب فوق قدميها وهي تنظر إلى صورة "آدم" التي تحتفظ بها على حاسوبها. قفز قلبها فرحاً عندما وجدت اتصالاً من "آدم". ردت قائلة: –ألو. قال "آدم" والذي كان جالساً أمام حاسوبه: –إزيك يا حبيبتي، عاملة إيه؟

قالت بهدوء: –الحمد لله. إزيك؟ انتقل بلامبالاة: –الحمد لله. بتعملي إيه؟ ابتسمت وهي تقول: –قاعدة بتفرج على صورتك. ابتسم بسخرية وهو يقول: –فرحتيني. اتسعت ابتسامتها وهي تقول: –لما بحس إنك وحشني ببص للصورة عشان أحس إنك معايا. قال "آدم" بلامبالاة: –وأنا كمان عايز صورة ليكي عشان لما تكوني مش معايا أبصلها وأحس إنك معايا. قالت بلهفة: –طيب استنى هبعتلك صورة دلوقتي. قال ببرود: –ماشي يا حبيبتي.

أخذت "آيات" تنظر إلى عشرات الصور التي تحتفظ بها في حاسوبها ثم قالت: –محتارة. مش عارفة أبعتلك أنهي صورة. صمت "آدم" وقد انشغل بالحديث مع "ساندي" عبر الفيس بوك. قالت "آيات" وهي تنظر إلى الصور: –انت شكلك مبتحبش الميك آب. أبعتلك صورة من غير ميك آب؟ قال "آدم" وتركيزه مع "ساندي": –ابعتي اللي تحبيها وأكيد هتعجبني. ابتسمت "آيات" وهي ترسل الصورة وقالت: –خلاص بعتها. صمتت قليلاً ثم قالت: –انت مشغول ولا إيه؟ قال "آدم" بسرعة:

–لا أبداً. برد على واحد صاحبي مسافر. قالت "آيات" بحزن: –طيب شفتها؟ قال كاذباً: –أيوة شوفتها. زي القمر يا حبيبتي. عقدت "آيات" ما بين حاجبيها وقد شعرت ببروده. فقلت بهدوء: –طيب يا "آدم" أنا هقفل دلوقتي عشان تتكلم مع صاحبك براحتك. قال "آدم" بسرعة: –لا يا حبيبتي أنا معاكي خلاص. قالت بهدوء: –أنا أصلاً هنام دلوقتي. خلي بالك من نفسك ومتسهرش كتير عشان محاضرة بكرة. تصبحي على خير. –تصبحي على خير. قبل أن تغلق قال "آدم":

–"آيات". بحبك أوي. ابتسمت قائلة: –وأنا كمان بحبك أوي. باي.

أنهت "آيات" المكالمة وهي تشعر بالحزن. أحياناً تشعر بقرب "آدم" منها وبحبه الكبير لها. وأحياناً تشعر به بعيداً غريباً بارداً. اعترفت لنفسها بأنها حتى الآن لم تستطع فهمه. اعترفت لنفسها بأنها تشعر بشيء غريب في قلبها. شيء يقلقها ويشعرها بالخوف. شيء يجعلها تفتقد جزءاً من شعورها بالأمان. شيء القلق ملازماً لها. تمنت أن تستطيع فهمه. وأن تستطيع احتوائه. وأن تستطيع أن تجعله لا يقوى على فراقها. ولا يتمنى إلا قربها. ***

أنهى "آدم" محادثته مع "ساندي" وأغلق حاسوبه وخرج يبحث عن أمه. اقترب من غرفتها ليجدها ساجدة على الأرض فوق سجادة الصلاة. سمع همهمتها وصوت نحيبها. جفل قلبه لمرآها هكذا. نظر إليها بحزن لأنه يعلم جيداً بأنه سبب بكائها. وكأنه لا يطيق النظر إليها أكثر. عاد إلى غرفته مرة أخرى وآوى إلى فراشه وهو ينظر إلى سقف الغرفة. دقائق بعدها امتدت يده إلى أحد أدراج الكمودينو ليخرج منه بعض الصور. أخذ يتأمل صوره مع والدته منذ بضع سنوات. وتلك

الابتسامة الساحرة التي تملأ وجهه. تأمل ابتسامة والدته الحانية وهو يشعر وكأنها تضفي عليه المزيد من الحزن والألم. نظر إلى صورة أخرى على أحد المكاتب الفاخرة وهو يبتسم بسعادة للمصور. وصورة تجمعه بـ "زياد" صديقه في أحد الأماكن والتي تبدو بأنها يعاد بناؤها أو ترميمها. أعاد الصور مكانها وتحولت نظراته من الحزن إلى القسوة.

وتمتم بصوت منخفض: –مش هسيبك غير لما أرجع حقي منك يا "سراج" التييييييييت وأربيك انت وابنك. أغمض عينيه وبداخل رأسه صورة لـ "سراج" تجمعه بإبنه. "عاصي". *** توقفت سيارة "آدم" أمام الفيلا. ركبت "آيات" قائلة بابتسامة: –معلش اتأخرت عليك. ابتسم قائلاً: –عادتك ولا هتشتريها؟ ضحكت بعذوبة قائلة: –بأه كده يا "آدم" ماشى. انطلق في طريقه فقالت له: –حبيبي في مكان عايزة أروحه الأول. قال لها: –فين؟ قالت "آيات": –هوصفلك الطرق.

طلبت من "آدم" التوقف أمام أحد فروع جمعية رسالة. نظر "آدم" إلى المنطقة السكنية حوله. فقالت له "آيات": –مش هتأخر عليك. هسلم بس حاجة وأرجع على طول. رآها "آدم" تتوجه إلى داخل الجمعية فشعر بالدهشة. انتظرها حتى عادت وركبت بجواره. سألها باستغراب: –كنتي بتعملي إيه هنا؟ قالت "آيات" بشيء من التردد: –أنا مشتركة في الجمعية. قال "آدم" وهو يفرس فيها: –مشتركة فيها إزاي يعني؟ قالت "آيات":

–بكتب الكتب على الكمبيوتر وبجيبها لهم على سي دي وهما بيحولوها لطريقة برايل عشان الناس اللي فقدوا بصرهم يعرفوا يقرؤوها ويستفيدوا منها. شعر "آدم" بالدهشة وهو يستمع إليها. أدار المحرك وسار في طريقه دون أن يتحدث إليها. توقف أمام أحد المطاعم ونزلا معاً. جلست "آيات" على المقعد المجاور له وانتظرا إحضار النادل لما طلبا. قالت له "آيات" وهي شارده:

–تعرف يا "آدم" ساعات بحس إننا محظوظين أوي. ربنا ادانا حاجات كتير حلوة وفي ناس كتير أوي محرومة منها. نظر "آدم" إليها وكأنها يحاول استكشافها. أكملت دون أن تنظر إليه: –ربنا خد مني ماما الله يرحمها. ودي حاجة صعبة أوي إني أتحرم منها ومن حضنها. بس ربنا عوضني بأب حنين أوي. بيحبني وبيخاف عليا. بس في ناس ربنا حرمها من الاثنين من الأب ومن الأم. أو بيكونوا عايشين بس مش حنينين وطيبين. ظل ينظر إليها صامتاً. فنظرت إليه قائلة بحزن:

–واحدة صاحبتي كده. باباها ومامتها عايشين بس مش حنينين عليها. مش بيعرفوا يتفاهموا معاها ولا بيعرفوا يتفاهموا مع بعض. على طول خناق وزعيق. بتصعب عليا أوي. وجدت "آدم" صامتاً فقالت بسرعة وهي ترسم ابتسامة على شفتيها: –معلش صدعتك بكلامي. عارفة إنك مبتحبش تتكلم في المشاكل.

نظرت أمامها تتطلع إلى المنظر الذي يطل عليه المطعم. أما "آدم" فاستمر في تفرسه فيها. ومشاعر كثيرة متناقضة تتصارع بداخله. فكر أنه بعد أقل من أسبوعين سيكشف أوراقه. وسيخبر "آيات" بالحقيقة وبالسبب الذي دفعه لخطبتها ولكتب كتابها. رغماً عنه قفز إلى رأسه سؤال: تُرى ماذا سيكون شعورها وقتها؟ ماذا ستشعر بعدما تعلم أنها كانت جزء من خطته للنيل من عمها وابتزازه؟

ماذا ستشعر بعد أن تعلم أنه ما تقرب إليها إلا من أجل استعادة حقه المسلوب؟ زفر بضيق وهو ينظر إليها بغضب. أراد أن يصرخ فيها: لماذا أنت طيبة هكذا؟ لماذا أنت صادقة هكذا؟ لماذا لا تكونين مثل "ساندي" ومثل "بوسي" ومثل باقي الفتيات من طبقتك؟ لماذا لا تكونين مانيكان للعرض مثلهن؟ لماذا تلك البراءة التي لم تستطيعي اخفاءها جيداً خلف مكياجك وملابسك المثيرة؟ لماذا أحببتيني لهذه الدرجة؟

لماذا لا تكونين كعشرات الفتيات اللاتي ينجذبن إلى وسامتي وعملي وثرائي دون الاهتمام بما أحب وبما أكره؟ لماذا تتسللين إلى داخل عقلي لتكتشفيه؟ لماذا لا تكتفين بما أظهره لكِ؟ لماذا تريدين المزيد؟ لماذا لا تتركيني وشأني لأكمل خطتي كما خططت؟ حانت من "آيات" التفاتة إليه لترى علامات الضيق على وجهه. فقالت بلهفة: –"آدم" في حاجة مضايقاك؟ زفر بضيق قائلاً وهو يحاول التصرف بطريقة طبيعية: –شوية مشا مشاكل في الشغل متشغليش بالك.

ابتسمت له ونظرت في عينيه قائلة: –معلش يا حبيبي بس انت ان شاء الله هتقدر تحلها. معلش مفيش شغل مفيش فيه مشاكل. متضايقش نفسك. تطلع إليها للحظة ثم أبعد عينيه عنها وهو يشعر بذلك الشيء يعود ليجثم على صدره مرة أخرى.

طلب "آدم" من "آيات" الانتظار أمام المطعم حتى يحضر سيارته التي صفها على بعد عدة شوارع بسبب زحمة السير. سمعت "آيات" ضحكات لشابين بالقرب منها فلم تلتفت إليهما. سمعت أحد الشابين يتجرأ عليها بالكلام بكلماته المبتذلة. التفتت ونظرت إليه نظرة محذرة إلا أن الفتى وجد فيها دافعاً ليزيد من مضايقتها. شعرت بالحنق وهي يميناً ويساراً وهي تقول في نفسها: انت فين يا "آدم"؟ اقترب الشاب منها فالتفتت إليه تقول بحده:

–احترم نفسك. خطيبي جاي دلوقتي ولو شافك هيبهدلك. قال الشاب بمياعة: –يا خسارة. هو القمر مخطوب؟ ينفع كده يعني تكسر قلبي ده. دبت فيك خلاص يا جميل. قالت بغضب وهي تبتعد خطوة للخلف: –قولتلك احترم نفسك. قال الشاب مبتسماً: –أحبك وأنتي متعصبة. هو في كده؟ حتى وأنتي متعصبة زي القمر.

توقف "آدم" بسيارته أمام "آيات" التي لاحظ علامات الخوف على وجهها واقتراب الشاب منها. بمجرد أن رأت "آيات" سيارة "آدم" توجهت إليها مسرعة وركبت ورمقت الفتى بنظرة غاضبة. فتجرأ الشاب وأرسل لها قبلة في الهواء تحت مرأى من "آدم". انطلق "آدم" بسيارته يشق طريقه بين السيارات. كانت تلهث وكأنها كانت تجري. نظر إليها ليجد جبينها المعقود ونظراتها الغاضبة. قال وهو يتظاهر بأنه لم ينتبه لما حدث: –في حاجة؟

أخذت نفساً عميقاً وحاولت الابتسام وهي تنظر له قائلة: –لا يا حبيبي مفيش حاجة.

ثم التفتت لتنظر من الشباك المجاور لها وقد عقدت حاجبيها مرة أخرى وتبدلت نظرة الغضب إلى نظرة حزن. لم يكن ضيقها بسبب الشاب الذي ضايقها فحسب. بل بسبب "آدم" الذي لم يهب لنجدتها أو لتلقين الفتى درساً. تنبهت "آيات" جيداً لنظرات "آدم" التي رأت ووعت ما يحدث. ومع ذلك لم يحرك ساكناً وكأنها لا تخصه. وكأنها ليست خطيبته وحبيبته وكرامتها من كرامته. وكأنها لن تصبح بعد عدة أيام زوجته وعرضه. شعرت بالحزن في قلبها. تُرى ألا يغار عليها إلى هذا الحد؟

أي رجل في مكانه كان تصرفه سيكون مختلفاً. كان سيثور ويغضب ولربما تشاجر مع الفتى من أجلها. لماذا حتى لا يطيب خاطرها بكلمة؟ لماذا يتظاهر بأنه لم يرى ما حدث؟ راقب "آدم" تعبيرات وجهها. تنهد في ضيق. شعر بالاختناق. شعر بأنه لم يعد يتحمل تلك الأيام التي تفصله عن يوم كتب الكتاب. لتنتهي لعبته. *** عادت "آيات" إلى منزلها لتلقي بنفسها على فراشها حزينة دامعة العينين. قال لها "آدم" قبل أن تخرج من السيارة: –بحبك يا "آيات".

ولأول مرة تسمعه تلك الكلمة دون أن يقفز قلبها فرحاً. شعرت بشيء يسلب فرحتها بها. شعرت بها وكأنه يقولها لأنه يجب أن يقولها. شعرت وكأنها كلمة ألقاها لسانه دون أن يمررها على قلبه. أخذت تتسائل: تُرى أيحبني بالفعل؟ لماذا إذن أشعر بالخوف والقلق والحيرة من نظرات عينيه ونبرات صوته؟ تُرى أندم على ارتباطه بي؟ أيراني غير مناسبة له؟ أيخشى من جرح مشاعري برفضه إياي؟ أمسكت هاتفها تنهدت بعمق ثم اتصلت بـ "آدم".

كان "آدم" واقفاً يستند على سيارته وينظر إلى أضواء القاهرة من فوق جبل المقطم عندما وجد اتصالاً من "آيات". رد قائلاً: –أيوة يا "آيات". قالت "آيات" بسرعة وكأنها تخشى هروب الكلمات منها: –"آدم". أنا عايزة أقولك حاجة واسمعني للآخر ومتردش غير لما أقولك. ماشي. صمت "آدم" فقالت بصوت مضطرب:

–"آدم". أنا عمري ما حبيت حد. ولا عمري حسيت بحاجة ناحية أي ولد غير المشاعر العبيطة اللي أي بنت بتحسها في ثانوي. بس عمري ما شورت على راجل واتمنيت إنه يكون جوزي. صمتت قليلاً ثم قالت بأعين دامعة:

–انت أول واحد أحس نحيته بكده. أول واحد أقول هو ده الراجل اللي نفسي يكون جوزي. ونفسي أعيش معاه في بيت واحد. ونفسي يحبني زي ما بحبه. انت كبرت أوي في نظري لما دافعت عني يوم ما سواق التاكسي كان بيزعقلي. احترمتك أوي وحسيتك راجل أوي وعشان كده حسيت إني معجبة بيك. ولما شوفتك السنة دي معرفش إحساسي ده كبر. ولما اتقدمتلي كنت طايرة من الفرح وبجد حبيتك أوي يا "آدم" لأني شوفت فيك كل اللي كنت بتمناه في فارس أحلامي.

كان "آدم" يستمع إليها في وجوم. فأكملت بصوت باكي: –بس لو انت حاسس إن مش أنا فتاة أحلامك. وإنك ندمت ومش عايز تكمل. قول لي يا "آدم". متخافش أنا هتفهم ده لأني عارفة إن مينفعش نكمل مع بعض لو واحد فينا مش متقبل التاني وخايف يقوله كده عشان ميجرحوش. تساقطت العبرات من عينيها وقالت بصوت مرتجف:

–أنا عارفة إن ده هيكون صعب عليا بس ده أحسن عندي مليون مرة من إني اكتشفت بعدين إنك اتجوزتني عشان متجرحنيش. "آدم" في اللحظة اللي أنا بكلمك فيها دلوقتي أنا مستعدة أسمع منك كلمة مش عايزك يا "آيات". لو انت حاسسها قولها دلوقتي. لأنك لو أجلتها أنا معرفش ساعتها هقدر أتحملها ولا لأ. أغمض "آدم" عينيه وهو محتفظاً بصمته. فأكملت بصوت مرتجف والعبرات تتساقط على وجنتيها:

–"آدم" خليك صريح معايا. لو مش عايزني وندمت قول لي دلوقتي وأنا هقول لبابا إن مفيش نصيب ده لو انت خايف تتكلم مع بابا. ولو خايف عليا متخافش. أنا فاهمة إن الخطوبة بتبقى فترة للتعارف وعشان كل واحد يقدر يشوف هو ده الإنسان اللي يتمناه ولا لأ. يعني أنا هعذرك ومش هضايق منك يا "آدم". صمتت "آيات" وهي تحاول السيطرة نفسها ومسح عبراتها التي أغرقت وجنتيها. قاتلت "آيات" بصوت حاولت أن يبدو طبيعياً:

–"آدم" أنا خلصت ومستنية ردك. حابب تكمل معايا ولا لأ؟ صمت "آدم". وظهرت الحيرة في عينيه. والأسى على وجهه. طال صمته. فحثته "آيات" قائلة والدموع تبلل عينيها من جديد: –أنا حاسة بيها بس عايزة أسمعها منك عشان أفضل فاكرة. عشان تنسيني كل الكلام الحلو اللي سمعته منك قبل كده. صمت فقالت بحده: –"آدم" رد عليا. قولتك خلاص أنا فهمت. بس عايزة أسمعها. قولها وخلاص وهقفل بعدها ومش هضايقك تاني. انت عايز تكمل معايا ولا لأ؟

عض "آدم" على شفتيه بقوة. وتنهد بقوة ثم أغمض عينيه قائلاً: –أيوة عايز أكمل معاكي. شعرت "آيات" بالدهشة فلم تكن تلك الإجابة التي شعرت بأنها على طرف لسانه. قالت "آيات": –بجد يا "آدم"؟ يعني مش ندمان؟ قال "آدم" بهدوء وهو يبلع ريقه بصعوبة: –لا مش ندمان. تنهدت "آيات" بارتياح وضحكت وسط دموعها قائلة: –حاسة إني بحلم. مكنتش متوقعة إنك تقول لي كده. اتسعت ابتسامتها وهي تمسح دموعها قائلة: –الحمد لله. كنت خايفة أوي. كده ارتحت.

لكن شعور "آدم" كان أبعد ما يكون عن الراحة. ظل يستمع إلى السعادة في نبرات صوتها وكل كلمة تشعره بسواد قلبه أكثر فأكثر. قالت "آيات": –شكلك بره مش كده؟ تمتم: –أيوة. قالت "آيات" مبتسمة: –طيب يا حبيبي متتأخرش ولما تروح طمني عليك. مش هنام إلا لما تتصل. تمتم "آدم": –لا نامي يمكن أتأخر. ابتسمت قائلة بحنان: –مش هعرف أنام إلا لما أطمن إنك في البيت. خلي بالك من نفسك. قال "آدم" بخفوت: –مع السلامة. قالت "آيات" قبل أن يغلق:

–بحبك أوي. صمت "آدم" للحظات. ثم قال بصوت مضطرب: –وأنا كمان. ابتسمت وأنهت المحادثة وهي تتنهد في راحة. أما "آدم" فأخذ ينظر إلى الفراغ الشاسع أمامه. وهو يسمع كلماتها تتردد في أذنيه. تشعره بالحيرة والأسى.

عاد إلى بيته واتصل بها يخبرها بوصوله. بدل ملابسه وتوجه إلى فراشه. ظل ينظر إلى سقف الغرفة. ثم فجأة قام وتوجه إلى حاسوبه وفتح رسالة "آيات" والتي أرفقت بها صورتها والتي لم يفتحها بعد. ظل ينتظر تحميل الصورة وهو لا يعرف لماذا أراد رؤيتها. ظلت أصابعه تطرق على الماوس بعصبية. إلى أن ظهرت الصورة. اختارت صورة بدون أي زينة. وابتسامتها العذبة تنير وجهها. ظل يتأمل ملامحها باهتمام. نظر إلى

عينيها وتذكر آخر كلماتها: بحبك يا "آدم". شعر في تلك اللحظة بالخوف. الخوف الشديد. سيطر شعور الخوف عليه وأخذ في التزايد فأغلق حاسوبه بسرعة لتختفي صورتها من أمام عينيه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...