استيقظت أم "آدم" من نومها وخرجت من غرفتها لتجد "آدم" واقفاً في الشرفة. اتجهت إليه وقالت: -صباح الخير يا "آدم". التفت "آدم" وابتسم بوهن قائلاً: -صباح النور يا مامان. نظرت إليه أمه باستغراب وقالت: -أنت إيه اللي مصحيك بدري كده؟ قال "آدم" وقد بدت على وجهه تعبيرات حزينة وفي عينيه حيرة استشعرتها أمه من أول وهلة: -أنا ما نمتش أصلاً. اقتربت منه ووقفت بجواره على سور الشرفة ونظرت إليه قائلة باهتمام: -خير يا ابني في إيه؟
تنهد "آدم" محاولاً تخليص نفسه من ضيقه الذي يجثم على صدره. صمت ولم يجب، فحثته قائلة: -أنا أمك يا "آدم"، لو في حاجة قولي يا ابني، يمكن أقدر أساعدك. التفت "آدم" إليها وقال بحزن وضيق: -"آيات".. والدها اتوفى. صمتت والدته قليلاً ثم قالت: -"آيات" خطيبتك القديمة مش كده؟ أومأ برأسه، فقالت أمه بأسى: -لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يرحمه ويغفر له. قال "آدم" وهو ينظر إلى الشمس التي بدأت أشعتها تلوح في الأفق:
-باباها كان مديون واضطرت تبيع كل ميراثها عشان تسدد ديونه.. وحتى الفيلا باعتها، وما عرفتش هي عايشة فين ولا إزاي. ثم زفر بضيق قائلاً: -وراحت لـ "سراج" عمها تطلب منه شغل. سألته أمه باستغراب: -وأنت يا ابني عرفت كل ده إزاي؟ هو أنتوا لسه بتكلموا بعض؟ قال "آدم" بضيق:
-عرفته وخلاص.. حاولت أكلمها كتير مردتش عليا، وفين وفين لما ردت. ولما طلبت عنوانها وإني أطمن عليها، قالتلي إنها لا عايزة تشوفني ولا عايزة تسمع صوتي، وإنها مش هتشغل الشريحة دي تاني، ومن ساعتها وموبايلها مقفول. تابعت أمه باهتمام تعبيرات الضيق على وجهه. لاحت ابتسامة حانية على شفتيها وهي تقول: -أنت حبتها يا "آدم"؟ نظر "آدم" إلى أمها بحزن وعيناه تقول: نعم.. أحبها.. أحبها. اتسعت ابتسامة أمه وهي تقول بحماس:
-دي بنت طيبة وبنت حلال. أول ما شوفتها بصراحة ما عجبنيش شكلها، يعني كانت بتحط مكياج كتير ولبسها ضيق، فبصراحة اتضايقت. بس لما اتكلمت معاها حسيت إني ارتحت لها قوي وحسيت إنها مؤدبة ومحترمة. ابتسم "آدم" بوهن قائلاً: -حبيتها يعني؟ قالت أمه بحماس: -بصراحة أيوة.. ومادمت أنت كمان حبيتها يبقى يا ابني متضيعهاش من إيدك. اختفت ابتسامة "آدم" وهو يقول: -ماما، انتي متعرفيش اللي حصل ولا تعرفي إحنا سبنا بعض ليه وإزاي.
نظرت إليه أمه نظرة مشجعة على الحديث. فأخذ نفساً عميقاً ثم قص عليها كل شيء. بدأ من الخطة التي وضعها لخطبة "آيات" وابتزاز "عبد العزيز" بورقة زواجها لاسترجاع حقه الذي سلبه "سراج" و"عاصي".. إلى علاقته بـ"بوسي" وفضحها إياه عند "آيات" والفيديو الذي صورته لهما معاً. انتهى من كلامه الذي شعر بالضيق الشديد وهو يقصه على مسامع والدته. كان ينظر إلى أمامه أثناء حديثه وهو لا يجرؤ على النظر إليها. شعر بالحزن والندم الشديد وهو يتذكر
ما فعله بـ"آيات".. ومن قبلها نفسه. ران الصمت طويلاً. كانت أمه تحاول استيعاب ما قال، تحاول استيعاب أن ابنها زانٍ ومخادع، تحاول استيعاب مدى السوء الذي وصل إليه "آدم". لكنه فلذة كبدها، وسيبقى كذلك. مهما فعل ستسامحه وتحاول أن تقومه وتدعو له بالهداية. وضعت يدها على كتفه وهي تنظر إلى تعبيرات وجهه.. وإلى عينيه التي بدأت في اللمعان بما فيهما من عبرات.
ثم قالت بحنان: -ربنا غفور رحيم يا ابني.. وزي ما قال سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم "كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون". ومن رحمة ربنا إن باب التوبة مفتوح في كل وقت وكل زمان وكل مكان. بس أنت ارفع إيدك وقول يا رب. ده مفيش أكرم منه ولا أرحم منه. بيغفر ويسامح ويمحي كل ذنوبك في ثانية. بس أنت توب واستغفر يا حبيبي ومتخليش الشيطان يوسوسلك إن مالكش توبة أو إن ربنا مش هيغفرلك.
نظر إليها "آدم" بلهفة وعيناه ترجوها الاستزادة من هذا الكلام الذي يبعث في نفسه الأمل. فأكملت بحماس: -في قصة للنبي صلى الله عليه وسلم حكاها، أنا مش حافظة الكلام بالظبط بس هحكيهالك كأنها قصة. كان زمان أوي قبل ما ربنا يرسلنا النبي صلى الله عليه وسلم.. كان فيه راجل قتل 99 روح. والراجل ده حس في يوم إنه عايز يتوب وعايز يبقى بني آدم كويس. راح لراهب وقاله إنه عايز يتوب وإنه قتل 99 واحد.
الراهب قاله: أنت مالكش توبة. فراح الراجل ده موت الراهب وكمل عدد اللي قتلهم لـ 100. بعد كده الناس قالوا له: في عالم كبير روح له وقول له إنك عايز تتوب. راح للعالم ده وقاله إنه قتل 100 إنسان وعايز يتوب. العالم قاله: وإيه اللي مانعك إنك تتوب؟
توب بس لازم تسيب المكان اللي أنت فيه، لأن المكان ده مكان مش كويس وهيجرك تاني للمعاصي والذنوب لو أنت فضلت فيه. وروح البلد الفلانية دي فيها ناس كويسة هياخدوا بـإيدك. الراجل ما كدبش خبر، بس وهو في الطريق مات. وعشان هو كان فعلاً عايز يتوب وهو واقع بيحتضر، اتجه بصدره ناحية البلد الطيبة اللي كان رايح لها. بعد ما مات نزلت ملائكة الرحمة عايزين يقبضوا روحه.. ونزلت ملائكة العذاب عايزين يقبضوا روحه.. والملائكة اتخاصموا عليه.
ملائكة الرحمة قالوا: ده تاب وكان عايز يقرب من ربنا واستغفر لذنوبه ورايح للبلد اللي فيها صحبة كويسة عشان يساعدوه على التوبة. وملائكة العذاب قالوا: ده راجل ما عملش أي حاجة خير في حياته ولا حتى حسنة واحدة. ساعتها ربنا أرسل ملاك في صورة إنسان، خلوه حكم بينهم.
قال لهم: قيسوا المسافة بين البلد اللي عاش فيها الراجل ده وبين المكان اللي مات فيه. وكمان قيسوا المسافة بين البلد الطيبة اللي كان رايح لها وبين المكان اللي مات فيه. وإذا طلعت المسافة الأولى أكبر من الثانية، يبقى تقبضه ملائكة العذاب. وإذا كانت المسافة الثانية أكبر من الأولى، يبقى تقبضه ملائكة الرحمة. قاسوا المسافة ولقوا إن المسافة الأكبر هي اللي بين المكان اللي مات فيه وبين البلد الطيبة اللي كان رايح لها، فقبضته ملائكة الرحمة وربنا غفر له ذنوبه كلها. رغم إنه ما عملش أي حسنة في حياته لحد ما مات، بس مات على توبة وعلى نية صادقة في التوبة وعلى عمل يدل على إنه فعلاً تاب.
شعر "آدم" بقشعريرة تسري في جسده وهو يستشعر رحمة الله عز وجل. تذكر بالفعل الحديث الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم والذي شرحته أمه الطيبة دون أن تتذكر نصه: "كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا، فهل له من توبة؟ فقال: لا. فقتله فكمَّل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟
فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة، انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإنّ بها أناسًا يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء. فانطلق حتى إذا نصَفَ الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلاً بقلبه إلى الله. وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط. فأتاهم ملَكٌ في صورة آدمي، فجعلوه بينهم،
فقال: قيسوا ما بين الأرضَيْن، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له. فقاسوه، فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة". تأملت أمه انفراجة أساريره فابتسمت قائلة: -"إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" يا ابني.. وربنا سبحانه وتعالى بيقول " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ".
تنهد "آدم" في راحة وقد بدأ الأمل يدب في أوصاله. الأمل في الكثير والكثير.. الأمل في التوبة.. الأمل في التطهير من ذنوبه وآثامه.. الأمل في أن يصبح إنسانًا أفضل.. الأمل في استرجاع "آيات".. من المؤكد أنها لن ترفض العودة إليه إذا ما لمست صدق توبته. التفت إلى أمه قائلاً بحماس: -تفتكري ممكن "آيات" ترجع لي لو حست فعلاً إني اتغيرت وإني ندمت على كل اللي عملته؟ أشارت أمه إلى السماء بإصبعها وقالت:
-اسأله وهو يديك. مفيش حاجة بعيدة عليه. وربك بيقول " وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ". أخذ "آدم" نفساً عميقاً وزفره في راحة وقد شعر بصدره قد اتسع وشرح. اتسعت ابتسامته وهو ينظر إلى أمه ثم قبل رأسها ويديها وهو يقول بتأثر: -ربنا يخليكي لي يا ماما وميحرمنيش منك أبداً. نظرت إليه بحنان قائلة:
-ويبارك لي فيك يا ابني وميحرمنيش منك أبداً. ************************************
استيقظت "آيات" من نومها وجلست على فراشها تفكر في وضعها وإلى الطريق المسدود الذي وصلت إليه. تنهدت في يأس وهي تتذكر مقابلة عمها التي أشعرتها كم هي وحيدة في هذه الدنيا دون سند أو دعامة ترتكز عليها. اغرورقت عيناها بالدموع وهي تتذكر دعامتها التي فقدتها.. أبيها الحبيب.. الذي تشعر الآن بدونه بالضياع. أغمضت عينيها وهي تتخيله أمامها تلقي بنفسها بين ذراعيه وتريح رأسها على كتفه وتترك له همومها ليزيحها بيديه من فوق كتفيها، ثم يعانقها بشدة يخفيها بين ذراعيه ويحميها من شرور الناس وأذاهم. فتحت عينيها لتعود مرة أخرى إلى واقعها
المرير وهي تقول لنفسها: همومك لن يزيحها غيرك يا "آيات".. ولن يحميكِ أحد غيرك.. يجب أن تعتادي ذلك.. يجب أن تكوني أقوى.. فالضربة التي لا تقسمك يجب أن تجعلكِ أقوى. توجه "عاصي" إلى كلية التجارة بجامعة القاهرة يحاول أن يتقصى أي معلومات تقع تحت يديه عن "آدم". قابل هناك إحدى الطالبات التي قالت له: -أيوه عارفاه بس هو السنة دي واخد إجازة بس كان بيدي سنة رابعة السنة اللي فاتت. قال "عاصي" باهتمام:
-أصل أنا قريبه وكنت مسافر ومش عارف أوصله لأنه غير رقمه وكمان غير مكان سكنه. متعرفيش أقدر ألاقيه فين.. أو مين هنا من الدكاترة قريب منه ويعرفه عن قرب. قالت الفتاة بحماس: -ممكن تسأل العميد. بدا على "عاصي" التردد قليلاً، فالعميد لن يأتيه إلا برقمه وعنوانه وهو لا يريد تلك المعلومات.. بل يبحث عما يستطيع به أن يلوى ذراع "آدم". فقال للفتاة:
-أنا فعلاً هسأل العميد. طيب إنتي متعرفيش الطلبة هنا بيقولوا عليه إيه.. أكيد أنتوا بينكم وبين بعض بتبقوا عارفين الدكتور الكويس من الوحش وبتكون عارفين حاجات ممكن العميد ما يعرفهاش. قالت الفتاة وقد شعرت بالاستغراب من أسئلته: -لأ أنا معرفش عنه حاجة غير إنه كان خاطب واحدة من الكلية السنة اللي فاتت وسابوا بعض. غير كده معرفش حاجة عن دكتور "آدم".. وهو معاملته مع الطلبة كويسة. قال "عاصي" باهتمام:
-قولتيلي كان خاطب واحدة من الكلية.. طيب متعرفيش سابوا بعض ليه.. وهو اللي سابها ولا هي اللي سابته. بدأت الفتاة تشعر بعدم الراحة من أسئلته الغريبة فقالت بنفاذ صبر وهي تهم بالانصراف: -لا معرفش سابوا بعض ليه.. عن إذنك. أوقفها "عاصي" وقال بلهفة: -طيب اسمها إيه البنت دي؟ قالت الفتاة بحنق: -اسمها "آيات اليماني".. ممكن تعديني؟ نظر "عاصي" إلى الفتاة بدهشة وقال: -"آيات اليماني"؟ .. تقصدي "آيات عبد العزيز حسان اليماني"؟
قالت وهي تغادر مسرعة: -معرفش. لكن "عاصي" لم ييأس. سأل حتى تأكد من أن "آيات" هي الفتاة التي خطبها "آدم" ثم انفصلا. شعر بمزيج من الدهشة والانتصار. فها هو يعرف معلومة جديدة قد يتوصل من خلالها إلى نقطة الضعف التي سيخترقها للوصول إلى "آدم".. ومن ثم تحطيمه. *********************************** أثناء تناول طعام الغداء قالت "أسماء": -متتصلي بعمك كده يا "آيات" يمكن يكون شاف لك الشغل اللي قالك عليه. قالت "آيات"
وهي تتناول طعامها: -مش معايا رقمه.. وبعدين قال لي أروح له بعد يومين. قالت "أسماء": -اليومين فاتوا خلاص. توقفت "آيات" عن تناول الطعام وقالت بيأس: -تفتكري فعلاً هيشغلني؟ قالت "حليمة" بحماس: -طبعاً يا بنتي الضفر ما يطلعش من اللحم، ومهما كان انتي بنت أخوه. قالت "آيات" بتهكم: -يا دادة انتي مش شفتي قابلني إزاي.. أكنى واحدة غريبة ما يعرفنيش. قالت "حليمة" وهي ما تزال تصر على أن كل الناس طيبين مثلها:
-معلش دي ساعة شيطان.. لما يشوفك تاني النفوس هتصفى ويخدك تحت جناحه. قالت "آيات" بشرود: -ياريت فعلاً النفوس تصفى.. أنا مليش غيره دلوقتي. نظرت إليها "أسماء" بعتاب قائلة: -وأنا ودادة "حليمة" روحنا فين يعني؟ نظرت إليهما "آيات" بامتنان وقالت: -انتوا دلوقتي كل أهلي وكل صحابي. ابتسمت حليمة وهي تربت على كتفها وكتف "أسماء" قائلة:
-وانتوا الاتنين بناتي اللي ما خلفتهمش.. أنا لا اتجوزت ولا خلفت بس ربنا رزقني بيكوا انتوا الاتنين تونسوا وحدتي. ابتسمت الفتاتان لطيبة "حليمة" وحنانها. قامت "حليمة" بعدما أنهت طعامها فنظرت "أسماء" إلى "آيات" قائلة: -هو لسه فيه ناس بالطيبة دي؟ ابتسمت "آيات" وهي تقول:
-عارفه.. لما كنت في المسجد كنت بحفظ سورة الفرقان ولما قرأت الآية اللي بتقول "وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا".. افتكرت دادة "حليمة" على طول. قالت "أسماء" بتأثر: -فعلاً ست طيبة أوي وبيتمر فيها العشرة.. على الأقل هي أحن عليا من أمي اللي ولدتني. اغرورقت عيناها بالدموع فجلست "آيات" على المقعد المجاور لها وأحاطت كتفيها بذراعها وهي تقول:
-خلاص بقى مش بحب أشوفك زعلانة. مسحت "أسماء" دمعة كادت أن تفر من عينها وهي تقول: -خلاص مش زعلانة. ابتسمت الفتاتان كلاهما في وجه الأخرى لتدب كل منهما الأمل في نفس صاحبتها. *******************************
توجهت "آيات" مرة أخرى إلى شركة عمها.. فليس لها ملجأ سواه. جلست في مكتب مديرة مكتبه تنتظر أن يسمح لها بالدخول. طلب "سراج" من مديرة مكتبه أن تبقى معها حتى لا تطيل المكث. دخلت "آيات" بحرج أكبر من الحرج الذي لازمها في أول زيارة لها. ابتسمت له باضطراب فأشار لها بالجلوس بتكبر. جلست "آيات" بتوتر وهي تقول: -حضرتك قولت لي أجي كمان يومين عشان موضوع الشغل. قال "سراج" وهو ينشغل بالتطلع إلى الملفات الموضوعة على المكتب أمامه:
-لا لسه ملقتش حاجة مناسبة. شعرت "آيات" بالإحباط وقالت: -أنا مستعدة أشتغل أي حاجة مش شرط حاجة محددة. قال "سراج" وهو ما يزال منهكًا فيما يفعل: -انتي حديثة التخرج وما فيش خبرة في أي حاجة. عيازانى أشغلك إيه في شركة كبيرة زي شركتي اللي أقل واحد فيها معاه خبرة 3 سنين. شعرت "آيات" بالحزن والضيق. أشار "سراج" لمديرة مكتبه بطرف خفي ففعلت كما فعلت المرة السابقة: -"سراج" بيه حضرتك عندك اجتماع كمان خمس دقايق.
قامت "آيات" بتثاقل وعلامات الحيرة والاضطراب على وجهها فقال لها "سراج" وهو ينظر إليها: -سيبي بياناتك ولو لقيت حاجة مناسبة هبقى أبلغك. خرجت "آيات" من مكتبه وهي تملي مديرة مكتبه بمرارة رقمها وعنوانها فسألتها المرأة باهتمام: -ده عنوان بيتك مش كده؟ قالت "آيات" بشرود: -لا ده عنوان ست كانت بتشتغل عندنا أنا قاعدة معاها في بيتها.
غادرت الشركة كما في المرة السابقة.. عيناها ممتلئتان بالدموع. دونت المرأة بيانات "آيات" في ورقة ووضعتها في أحد الأدراج وعادت إلى الانهماك في عملها عازمة على الاتصال بـ"آدم" في نهاية اليوم بعد الانتهاء من عملها لإبلاغه بعودة "آيات" مرة أخرى. عادت "آيات" إلى البيت وقصت على "أسماء" ما حدث فقالت لها: -ده راجل تيييييييييت صحيح. قالت "آيات" بألم:
-حسسني إني رايحة أشحت منه. أنا خلاص مستحيل أروح له تاني.. مستحيل أطلب منه أي حاجة تاني. ثم قالت: -وأصلاً مكنتش مركزة ساعتها ومليت مديرة مكتبه رقمي القديم.. نسيت إني كسرت الشريحة وغيرت الرقم. قالت "أسماء" وهي تتنهد بتحسر: -وهنعمل إيه دلوقتي يا "آيات"؟ ******************************* -يعني "آيات" بنت عمي كانت خطيبة "آدم"؟ ألقى "عاصي" تلك العبارة على مسامع "سراج" الذي اتسعت عيناه دهشة وهو يقول:
-معقولة.. أنت متأكد يا "عاصي"؟ قال "عاصي" بثقة: -أيوه متأكد.. واللي عرفته إن حصل مشكلة بينها وبينه يوم كتب الكتاب بعد ما المأذون جه.. بس محدش يعرف إيه هي المشكلة دي بالظبط. أخذ "سراج" يفكر وقد استحوذت الدهشة على ملامحه.. فقال "عاصي" بحزم: -لازم أعرف من "آيات" كل حاجة.. أكيد تعرف معلومات عن "آدم" ممكن تفيدنا ونقدر نستخدمها ضده. قال "سراج" وكأنه يتذكر أمرًا: -آه على فكرة كانت هنا النهاردة. قال "عاصي" باهتمام: -وبعدين؟
قال "سراج" بلامبالاة: -قولتلها لسه ملقتلهاش شغل وإني هبقى أتصل بيها لو لقيت حاجة مناسبة. قال "عاصي" بحنق: -يا بابا.. طيب وبعدين هنوصلها إزاي دلوقتي؟ قال "سراج" وهو يضغط الزر لينادي مديرة مكتبه: -أنا قولتلها تسيب رقمها وعنوانها. دخلت المرأة وقالت: -أيوه يا فندم. قال لها "عاصي" بلهفة: -"آيات" بنت عمي سابت بياناتها قبل ما تمشي؟ أومأت المرأة برأسها وقالت: -أيوه سابت رقمها وعنوانها. قال "عاصي" بعجالة: -طيب هاتيه بسرعة.
توجهت إلى مكتبها وأخرجت الورقة التي احتفظت بها وسلمتها إلى "عاصي" الذي نظر إليها وعلى شفتيه ابتسامة انتصار. ما كادت تعود إلى مكتبها حتى ضربت جبينها بكفها وهي تتمتم بغيظ: -أووووف.. غبية. أمسكت هاتفها واتصلت بـ "آدم" الذي أجابها بلهفة قائلاً: -ألو.. ها في جديد؟ قالت المرأة بضيق: -أيوه البنت جت تاني. قال "آدم" بلهفة وهو يهب واقفاً: -ها وبعدين؟ قالت المرأة بصوت خافت وهي تتلفت حولها:
-"سراج" بيه قالي آخد منها بياناتها قبل ما تمشي.. وكتبت لي رقمها وعنوانها. قال "آدم" بسعادة وقد اتسعت ابتسامته وأمسك قلمه من فوق المكتب بلهفة: -طيب مليني الرقم والعنوان. قالت المرأة بحرج: -مش معايا. اختفت ابتسامة "آدم" وهو يقول باستغراب: -مش قولتي إنها أدتك رقمها وعنوانها؟ قالت المرأة: -أيوه بس "عاصي" بيه طلبهم وأديت له الورقة ونسيت أكتبها عندي. قال "آدم" بغيظ: -أعمل فيكي إيه دلوقتي؟ قالت المرأة بسرعة:
-متقلقش هحاول أتصرف. قال "آدم" بحزم: -الرقم والعنوان عايز أعرفهم في أقرب وقت.. النهاردة قبل بكرة. قالت المرأة بثقة: -متقلقش هحاول أوصلهم. خرج "عاصي" من مكتب "سراج" فأسرعت بإنهاء المكالمة.. وتابعته بعينيها إلى أن انصرف وهي تفكر في طريقة تحصل بها على الورقة التي سلمتها إلى "عاصي" بيدها. ************************************
عاد "علي" إلى بيته مستندًا إلى والده ووالدتها. جهزت "إيمان" غرفته وفراشه. مدَّد عليه جسده المتعب من آثار الضرب والكدمات. أسرعت والدته بالذهاب إلى المطبخ لإعداد ما يتقوى به ابنها. نظرت إليه "إيمان" بإشفاق وقالت: -أنت كويس يا "علي"؟ قال "علي" مبتسمًا بضعف: -الحمد لله يا "إيمان". جلست على المقعد أمامه وقالت بحماس مصطنع: -إن شاء الله الظروف هتبقى أحسن وهتلاقي الشغلانة اللي بتحلم بيها. قال "علي" بتهكم: -طبعًا طبعًا.
علمت "إيمان" بأن كلماتها لن تصلح لمواساته فنهضت وهي ترمقه بنظرات حانية. أخرج "علي" مصحفه من درج الكومودينو بجوار فراشه الصغير وأخذ يقرأ في كتاب الله إلى أن وصل إلى الآية في سورة الإسراء التي تقول " مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا * كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ".. تنهد "علي" بضيق من نفسه وهو يشعر بأن انكبابه في طلب الدنيا خف شيئًا فشيئًا عن سعيه وعمله لدار البقاء.
تمتم في خفوت: -استغفر الله العظيم. وما زال يستغفر حتى أذن المغرب. فتحامل على نفسه متثاقلاً وذهب إلى الحمام ليتوضأ. رأته والدته فساعدته في الوضوء. ثم نظرت إليه بدهشة عندما وجدته متوجهًا إلى الباب وقالت له: -رايح فين يا "علي"؟ قال وهو يرتدي حذاءه: -اشتقت للصلاة في المسجد.
جلس "علي" على أحد المقاعد يصلي. أخذ ينظر إلى الأرض بحسرة وقد اشتاق لوضع جبهته عليها خضوعًا لله عز وجل. انتهى من صلاته وقد شعر بسكينة في قلبه. اقترب منه أحد الرجال ذوي السمت الإسلامي والذي كان يعرفه شكلاً دون أن يتحدث معه. قال له الرجل: -شفاك الله وعافاك يا أخي. ابتسم له "علي" قائلاً: -جزاك الله خيرًا. ابتسم له الرجل ببشاشة وقال: -افتقدتك اليومين اللي فاتوا.. لأني متعود أشوفك دايماً في المسجد ما شاء الله عليك.
قال "علي" بأسى: -مفيش.. كنت تعبان شوية. نظر الرجل إلى ذراع "علي" الموضوعة في الجبيرة وقال: -حادثة؟ صمت "علي" قليلاً ثم قال: -يعني حاجة زي كده. ربت الرجل على كتف "علي" وقد انتبه إلى تعبيرات الحزن والأسى على وجهه وقال: -أبشر إن شاء الله. نظر إليه "علي" قائلاً: -تفتكر فيه أمل؟ ابتسم الرجل وقال:
-النبي صلى الله عليه وسلم علمنا إن " مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ : إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهَا ، قَالُوا : إِذًا نُكْثِرُ ؟ قَالَ : اللَّهُ أَكْثَرُ ". تمتم "علي": -عليه الصلاة والسلام. أكمل الرجل قائلاً:
-وكمان النبي صلى الله عليه وسلم قالنا "ادعوا الله تعالى وأنتم موقنون بالإجابة".. أحسن الظن بالله يكن كما ظننت إن شاء الله. قال "علي" للرجل: -فعلاً.. أنا كان ناقصني اليقين في إجابة دعائي. جزاك الله خيرًا إنك ذكرتني.
ربت الرجل على كتفه. ظل "علي" جالسًا في المسجد يقرأ من كتاب الله حتى حان موعد العشاء فأداها في جماعة. ظل يدعو الله كثيرًا في سجوده وهو يعلم أن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.. فظل يدعوه بيقين في إجابة دعائه وبالرضا والتسليم لقضائه. *********************************** سمعت "آيات" صوت الجرس وهي جالسة في غرفتها تقرأ في مصحفها. فالتفتت إلى "أسماء" الواقفة في الشرفة وقالت: -مين اللي بيخبط علينا؟ نظرت إليها "أسماء"
قائلة: -معرفش تلاقي حد من جيران دادة "حليمة". ثم قالت: -في عربية شيك أوي وقفت تحت البيت ونزل منها راجل شكله مش من المنطقة.. تفتكري هو اللي بيخبط؟ قالت "آيات" باستغراب: -هيكون مين يعني؟ قالت "أسماء" وهي تمط شفتيها: -معرفش بس أول ما الراجل دخل من المدخل سمعت بعدها شوية صوت الجرس. لم تكد تنتهي من جملتها حتى طرقت "حليمة" باب الغرفة ونظرت إلى "آيات" وهي تقول بحماس: -"آيات" يا بنتي.. ابن عمك بره. انتفضت "آيات"
وهبت واقفة وهي تقول: -ابن عمي مين؟ نظرت "أسماء" بدهشة تتابع ما يحدث فقالت "حليمة" مبتسمة: -"عاصي" ابن عمك قاعد بره في الصالون مستنيكي. تبادلت الفتاتان نظرة دهشة. قالت "أسماء" بلهفة: -قومي البسي بسرعة أكيد جاي يتكلم معاكي عن الشغل اللي طلبتيه من عمك. ارتدت "آيات" ملابسها في عجالة وقلبها يخفق بشدة من فرط توترها. خرجت فوقف "عاصي" يستقبلها مبتسمًا وهو يمد يده إليها قائلاً: -إزيك يا "آيات"؟
شعرت بالحرج فمدت يدها تسلم عليه.. ثم نزعتها من يده سريعًا وهي تقول: -الحمد لله.. اتفضل. أشارت إلى المقعد فجلس. دخلت "حليمة" وقدمت له الشاي بينما كانت "أسماء" تستمع إلى حديثهما وهي واقفة بالقرب من الصالون. بدأ "عاصي" حديثه قائلاً: -أولاً بعتذر إني كنت مقصر في حقك الفترة اللي فاتت بس أنا مكنتش هنا.. أنا كنت في العين السخنة ولسه راجع من كام يوم وراجع تاني على هناك. قالت "آيات" بابتسامة مجاملة:
-لا أبداً لا تقصير ولا حاجة. قال "عاصي" بابتسامة مشجعة: -طيب بما إن مفيش زعل يبقى نخرج نتعشى مع بعض. شعرت "آيات" بالحرج فأسرع قائلاً: -عشان نتكلم في تفاصيل الشغل. قالت "آيات" بلهفة: -شغلي؟ قال "عاصي" بحماس: -أيوه هتشتغلي معايا.. بس عايزن نتكلم في التفاصيل مع بعض وفرصة ندردش شوية وأعرف أخبار بنت عمي. صمتت "آيات" قليلاً ثم قالت: -طيب ممكن صحبتي تيجي معايا؟ قال بدهشة: -صحبتك؟ قالت "آيات" شارحة: -أيوه هي عايشة معايا هنا.
شعر "عاصي" بالضيق لأنه أراد التحدث معها بمفردها لكنه خشي أن ترفض فقال: -طبعًا طبعًا دي تنورنا. ابتسمت "أسماء" التي كانت تستمع إلى الحوار فاستأذنت "آيات" لترتدي ملابسها. دخلت "أسماء" الغرفة تنتظرها وبمجرد أن أغلقت "آيات" الباب قالت "أسماء" بسعادة: -الحمد لله أخيرًا الدنيا هتبتدي تتظبط معانا. قالت "آيات" بضيق: -كان إيه لازمه موضوع العشا ده.. ما كان قالي التفاصيل هنا وخلصنا. قالت "أسماء" بحماس:
-يا بنتي وفيها إيه ما نتعشى معاه وبعدين ما أنا هكون معاكي مش هتكوني لوحدك. كانت "آيات" تشعر بعدم اقتناع لكنها أرغمت نفسها على إمرار هذا الأمر من أجل حل مشكلتها الحالية. مضى بهما "عاصي" إلى أحد المطاعم الراقية. تذكرت "آيات" زيارتها السابقة لذلك المطعم مع والدها. مرت سحابة حزن أمام عينيها لتلك الذكرى. ثم ما لبثت أن نفضت تلك الذكريات من رأسها ورسمت على شفتيها ابتسامة مجاملة عندما نظر إليها "عاصي" مبتسمًا. قالت "أسماء"
بمرح: -حلو أوي المكان ده. ابتسم لها "عاصي" قائلاً: -كويس إنه عجبك. ثم التفت إلى "آيات" قائلاً: -وبنت عمي.. عاجبها المكان ولا لأ؟ ابتسمت "آيات" قائلة: -أيوه.. جميل. شرع في طلب الطعام لثلاثتهم. نظر إليهما "عاصي" مستفهماً: -إنتوا صحاب من زمان؟ قالت "أسماء" بمرح: -بقالنا أكتر من 4 سنين مع بعض. التفت إليها "عاصي" قائلاً: -وإنتي خريجة إيه يا آنسة "أسماء"؟ قالت "أسماء" مبتسمة:
-أنا زي "آيات" ما إحنا كنا زمايل في الجامعة ومن هناك اتعرفنا على بعض وبقينا صحاب وأكتر من الإخوات. رفع "عاصي" حاجبيه قائلاً: -واضح فعلاً إنكوا قريبين من بعض أوي بدليل إنكوا عايشين مع بعض. توترت "أسماء" فلم ترد مناقشة أسباب تركها لبيتها. التفت "عاصي" إلى "آيات" قائلاً: -شكلك من النوع الهادي يا "آيات".. قاعدة ساكتة ومبتتكلميش. قالت وقد بدأت تضيق ذرعًا من جلوسها معه: -لأ عادي. ثم قالت بجدية:
-ياريت نتكلم في الشغل.. إيه التفاصيل اللي قولت إننا هنناقشها مع بعض. في تلك اللحظة حضر النادل ووضع أمامهم أصناف الطعام. بدأ "عاصي" في تناول طعامه وهو يقول: -أنا عندي قرية سياحية في العين السخنة.. وحابب إنك تشتغلي معايا هناك. قالت "آيات" بحذر: -هشتغل إيه بالظبط؟ قال "عاصي" وهو يلوك الطعام في فمه: -الشغلانة اللي تختاريها.. ممكن تشتغلي في العلاقات العامة أو في الاستقبال أو في أي مكان تختاري فيه في القرية.. زي ما تحبي.
صمتت "آيات" وهي تفكر في كلامه. فانتهزت "أسماء" الفرصة لتقول في مرح: -ويا ترى الشغل ده لـ "آيات" لوحدها.. مفيش حاجة تنفع صحبتها؟ التفت إليها "عاصي" وقال مبتسمًا بلؤم: -لا طبعًا.. أكيد فيه لـ صحبتها. ابتسمت "أسماء" بسعادة وهي تقول: -اتفقنا. التفت "عاصي" إلى "آيات" ورفع حاجبيه وهو ينظر إلى ملابسها متفحصًا وهو يقول: -بس طبعًا محتاجة لوك تاني خالص. نظرت إليه "آيات" بدهشة وهي تقول: -إزاي يعني؟ قال "عاصي"
وهو يشير إلى ملابسها: -مينفعش ده يكون لبس واحدة شغالة في قرية سياحية وخاصة لو في العلاقات العامة أو بتتعامل تعامل مباشر مع زوار القرية والسياح.. لازم يبقى لبسك أشيك من كده وكمان مينفعش يبقى وشك كده من غير ميك آب. ثم نظر إلى "أسماء" وابتسم بخبث قائلاً: -يعني خليكي حلوة زي صحبتك. ابتسمت "أسماء" فقال "عاصي" وهو يتفحصها هي الأخرى: -برده انتي كمان محتاجة شوية تعديلات. ثم قال بحماس:
-عامة متقلقوش هنديكوا سلفة من مرتبكوا تشتروا بيها لبس مناسب.. لازم قبل ما تروحوا القرية تكونوا على سنجة عشرة.. عشان أي حد بيشتغل في القرية بيكون عنوان ليها. شعرت "آيات" بالضيق الشديد من كلامه. نظر إليها "عاصي" متفحصًا وهو يقول: -مالك يا "آيات" مبتأكليش ليه؟ قالت "آيات" بوجوم: -شبعانة. قال "عاصي" بخبث: -إلا قولي لي يا "آيات" انتي مخطوبة؟ قالت "آيات" وعقلها منشغل في طريقة للهرب من تلك السهرة التي أصبحت ثقيلة عليها:
-لأ. فسألها قائلاً: -ولا اتخطبتي قبل كده؟ نظرت إليه بحدة وهي تتساءل في نفسها.. هل يعلم بأمر خطبتها من "آدم" أم لا.. قالت فجأة: -معلش أنا تعبانة ممكن نروح؟ نظرت إليها "أسماء" باستغراب ممزوج بالحنق. أما "عاصي" فنظر إليها متفرسًا محاولًا تخمين ما تفكر وما تشعر به. استجاب لمطلبها دون إلحاح حتى لا يضايقها. أوقف سيارته تحت البيت وهو يقول بمرح:
-طبعًا لما تبتدوا الشغل معانا في العين السخنة هيكون ليكوا شاليه مخصوص.. يعني موضوع السكن مش عايزكوا تقلقوا منه خالص. ثم ابتسم وهو ينظر إلى "آيات" قائلاً: -مش عايزك تقلقي أبداً يا "آيات" طول ما أنا جنبك. ارتبكت "آيات" من نظراته ونزلت من السيارة هي و"أسماء" فلوح لهما مودعًا. صعدت "آيات" إلى البيت تتبعها "أسماء" بمجرد أن دخلت "أسماء" الغرفة أغلقتها عليهما وهي تقول: -ليه قومتي بسرعة يا "آيات"؟ أنا حسيت إنه اتضايق من كده.
قالت "آيات" بضيق شديد: -يضايق ولا يتفلق. سألتها "أسماء" قائلة: -إيه في إيه؟ من ساعة ما قعدنا معاه وإنتي مش مظبوطة ولاوية بوزك. نظرت إليها "آيات" بحدة قائلة: -إنتي مسمعتيش الكلام اللي قاله.. عايز يلبسنا على مزاجه وكمان يخليني أحط ميك آب عشان أبقى عنوان يشرف قريته.. أهو أنا بقى ميلزمنيش الشغل في قريته دي. هتفت "أسماء" بضيق: -محسساني إنه قالنا البسوا بيكيني. قالت "آيات" بغضب وقد احمر وجهها بشدة:
-ده بيقول إن لبسك إنتي مش عاجبه.. لبسك اللي أنا شايفة إنه ضيق ومينفعش تخرجي بيه أصلاً. قالت "أسماء" وقد بدأ غضبها يتصاعد هي الأخرى: -وماله لما نلبس لبس شيك وراقي زي ما هو عايز.. أنا مستعدة أوافق على أي حاجة.. أي حاجة مقابل إني أشتغل وأصرف على نفسي ومرجعش بيت خالتي تاني.. لو هو ده شرطه أنا موافقة. قالت "آيات" بحزم وهي تقف في مواجهتها: -بس أنا مش موافقة ومش ممكن أوافق. قالت "أسماء" بحدة:
-لو موافقتيش هنموت من الجوع.. مستحيل يشغلني من غيرك. قالت "آيات" وهي تتوجه إلى ملابس البيت لتستبدلها بملابسها التي ترتديها: -مفيش حد بيموت من الجوع. التفتت "أسماء" بغيظ وهي تلقي بحقيبة يدها فوق الفراش: -إنتي ليه عنيدة كده؟ التفتت إليها "آيات" وهي تقول بصرامة: -أنا مش هلبس حاجة تغضب ربنا يا "أسماء".. وأظن إنتي كنتي بتلبسي ضيق قدام ابن خالتك وشوفي وصلتيه بلبسك إنه يعمل إيه. اتسعت عينا "أسماء" من الغضب فهتفت بغضب هادر:
-طيب أنا ابن خالتي اتحرش بيا عشان كنت بلبس ضيق.. إنتي بقى الراجل اللي في الأتوبيس اتحرش بيكي ليه.. ها.. ما إنتي بتلبسي واسع وبرضه اتحرش بيكي.. يعني مش باللبس.. أي واحدة دلوقتي بيحصلها تحرش مهما كانت لابسة حتى لو ماشية لابسة شوال.. وده مش عيب في البنت ده عيب في ولاد التيييييييييييييييت اللي ماشيين في الشارع. قالت "آيات" بحزم:
-أولاً أنا لبسي مش واسع للدرجة.. أيوه أوسع منك وأطول منك بس عارفة إني برضه لبسي لسه مش صح. ثانياً بقى العيب من البنت وعليها ذنب كبير لما تلبس لبس يثير الرجالة اللي ماشية في الشارع ويستفزهم.. مش بقول إن اللي بيتحرش ده صح.. لا ده أصلاً مش راجل وما فيش فيه ريحة الرجولة وبكرة هيحصل في أخته وأمه وبنته ومراته اللي هو بيعمله في بنات الناس لإن كما تدين تدان.. بس البنت لما تبقى نازلة من بيتها ولابسة لبس مبين كل تفاصيل جسمها
وواحد يمد إيده ولا يتحرش بالكلام يبقى هي مشتركة معاه في اللي حصل ومشتركة معاه في الذنب لأنها عرضت جسمها زي ما بتتعرض الجارية في سوق العبيد.. ما ينفعش تحطي قدام كلب حتة لحمة وتلوميه إنه كلها.. لو مش عايزاه ياكلها خلاص خبيها مش تسبيها مكشوفة قدامه. لكن لما تبقى واحدة محترمة خارجة من بيتها ولابسة لبس محترم وواحد يقل أدبه عليها فهي معليهاش أي ذنب ومش بتاخد أي سيئات والسيئات بتكون من نصه هو لوحده لأنها لبست محترم ومعملتش
أي حاجة تستفزه أو تثيره. يعني البنت اللي بتلبس وحش دي شريكة في جريمة التحرش عشان كده مقدرش أقول عليها ضحية. أما البنت اللي بتلبس محترم هي دي فعلاً الضحية. وكفاية إن ربنا يكون غضبان على الأولى.. وراضي عن الثانية.
التزمت "أسماء" الصمت وهي تفكر في كلام "آيات" التي قالت كتقرير لما انتهى عليه نقاشهما: -أنا مش هلبس حاجة تغضب ربنا عشان أرضي "عاصي" أو عشان أرضي أي حد. قالت بحنق:
-أنا حاسة بذنب فظيع عشان سلمت عليه بإيدي رغم إن "سمر" نبهتني كتير للموضوع ده وقالت لي مينفعش أسلم على راجل بإيدي.. أنا اتحرجت لما مد لي إيده.. بس مكنش لازم أعمل كده مهما كان هو مين ومهما كنت هتكسف.. لأن مفيش راجل ولا بنت ولا أي مخلوق في الدنيا يستاهل إني أغضب ربنا عشانه. خرجت من غرفتها وتركت "أسماء" شاردة فيما سمعت. ***********************************
سمعت والدة "آدم" عدة طرقات على باب غرفتها في الصباح الباكر. فنهضت من فراشها بعجالة وفتحت الباب لتجد "آدم" واقفًا أمامها فقالت بقلق: -خير يا ابني. قال "آدم": -أنا مسافر القاهرة يا ماما. قالت أمه وهي تنظر إليه بتفحص: -خير يا ابني حصل حاجة؟ تنهد "آدم" بضيق قائلاً: -"آيات" لسه قافلة تليفونها وهموت وأطمن عليها.. مش قادر أستنى أكتر من كده. ابتسمت أمه بحنان وربتت على كتفه قائلة: -متقلقش إن شاء الله تلاقيها وتجيبها معاك.
قبل "آدم" رأسها قائلاً: -ادعي لي يا ماما. انصرف آدم فرفعت أمه كفها إلى السماء وقالت: -يارب يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه اجمع عليه ضالته.
انطلق "آدم" بسيارته إلى القاهرة وهو عازم على إصلاح أموره مع "آيات" فلم يعد يطيق بعدها عنه ولو للحظة. أرادها معه.. بجواره.. في حياته.. تشاركه إياها. لن يتركها وحدها وهو أدرى الناس بمدى طيبتها وبراءتها. لن يتركها وسط الغابة لتلتهمها الضباع والكلاب. سيكون زوجها وحاميها. يحتاج منها فقط أن تسامحه.. ولن يتوانى عن إسعادها. توجه في بادئ الأمر إلى الفيلا. خرج من سيارته وألقى عليها نظرة من الخارج. لفت نظره أحد الحراس. نعم لقد رأى هذا الحارس من قبل. أقبل عليه قائلاً:
-مساء الخير. نظر إليه الحارس وقد تذكره فقال: -مساء النور يا دكتور "آدم". ألقى "آدم" نظرة على الفيلا ثم نظر إليه قائلاً: -محدش موجود في الفيلا مش كده؟ قال الحارس: -لو تقصد حد من طرف عيلة "اليماني" فلأ مفيش.. اللي هنا ناس جديدة سكنت بعد ما باعوا الفيلا. سأله "آدم" باهتمام: -متعرفش "آيات" بنته راحت فين؟ قال الحارس: -لا معرفش. ثم قال وكأنه تذكر شيئًا: -بس هي يوميها مشيت مع دادة "حليمة" اللي كان
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!