الفصل 18 | من 32 فصل

رواية جواد بلا فارس الفصل الثامن عشر 18 - بقلم بنوته اسمرة

المشاهدات
31
كلمة
6,296
وقت القراءة
32 د
التقدم في الرواية 56%
حجم الخط: 18

جلس "سراج" في بار قريته السياحية وقد علا وجهه علامات الاستغراق في التفكير. اقترب منه أحد الرجال قائلاً: "عاصي" بيه. التفت إليه "عاصي"، فقال الرجل: مدير القرية اللي حضرتك طردته بعد ما البلطجية اتهجموا علينا. قال "عاصي" بغلظة: ماله سي زفت ده؟ تردد الرجل قليلاً ثم قال: سمعنا إنه اشتغل في قرية جولدن بيتش. التفت "عاصي" إليه بحدة وترك كأس الخمر من يده وقال باستغراب: يعني إيه اشتغل في جولدن بيتش؟ قال الرجل

وقد بدا عليه الارتباك: ده اللي عرفناه يا "عاصي" بيه. "آدم" مدير القرية لما عرف إن حضرتك طردته، عرض عليه مرتب كبير وشغله في القرية. قال "عاصي" وعيناه تشعان شرراً: شغله إيه؟ قال الرجل: مسكة إدارة المطعم. كمَّه "عاصي" الكأس الموضوع على البار بقبضته فوقع على الأرض وقد أصدر صوتًا عاليًا أثناء تهشمه. انتفض الرجل وهو ينظر إلى "عاصي" الذي بدا وكأنه تحول إلى وحش كاسر. زمجر قائلاً:

وطبعًا التيييييييييييييت ده قالوا على كل أسرارنا في إدارة القرية. زمانه عرف كل كبيرة وصغيرة في قريتنا. صاح في الرجل قائلاً: روح أنت. وأي حاجة جديدة تحصل بلّغني بيها فورًا. أومأ الرجل برأسه وانصرف من أمام "عاصي" وهو يتنهد بارتياح. عض "عاصي" شفتيه بقوة وهو يتوعد "آدم" قائلاً: ماشي يا تيييييييييييييت. مبقاش أنا "عاصي" إن ما خليتك تلف حوالين نفسك. *** دخلت "آيات" المطبخ تساعد "حليمة" التي قالت:

روحي أنتِ يا بنتي، دول شوية فول وشوية طعمية مش هياخدوا مني حاجة. قالت "آيات" وهي تسخن الخبز: مفيش مشكلة يا دادة، هساعدك. استيقظت "أسماء" ومرت على المطبخ في طريقها إلى الحمام وقالت بصوت ناعس: صباح الخير. صباح النور. صباح النور يا بنتي. قالت "آيات" وقد عزمت أمرها على الذهاب إلى عمها: على فكرة يا "أسماء"، أنا استخرت ربنا وهروح النهاردة إن شاء الله لعمي. ابتسمت "أسماء" قائلة: كويس، وإن شاء الله خير.

كانت "آيات" متوترة للغاية من تلك المقابلة. مضت سنوات طوال لم ترَ فيها عمها "سراج" ولا أولاده. تُرى أما زال يتذكر شكلها؟ أيتذكر اسمها؟ ماذا ستكون ردة فعله عندما يراها أمامه؟

تطلب منه وظيفة تكسب منها لقمة عيشها. تنهدت "آيات" بحسرة ولاحت في عينيها العبرات وهي تتذكر والدها وفقدانها له. ترك فقدانه شرخًا كبيرًا في نفسها. شعرت بأنها كشجرة اللبلاب التي فقدت دعامتها وأخذت في التمايل. لكنها أبدًا لن تسمح لنفسها بالسقوط. ستواجه الحياة وسلاحها هو قربها من الله عز وجل. كانت "آيات" تحاول التقرب إليه بقدر ما تستطيع. أبدلت ملابسها بأخرى أوسع منذ أن عادت من العمرة. وإن كانت ملابسها لم تتصف بعد باللباس الشرعي، إلا أنها شعرت براحة كبيرة عن تلك الملابس الضيقة التي اعتادت الخروج بها. ومنذ أن عادت من العمرة لم تضع أي زينة على وجهها، فأصبح أكثر إشراقًا ونعومة. تنهدت "آيات" وشعور بالقلق يتسرب إليها. كانت تخشى لقاء عمها، تخشاه بشدة.

*** قامت والدة "آدم" بتحضير الفطور على الطاولة، ثم ذهبت لإيقاظ ابنها. طرقت طرقة خفيفة ثم فتحت الباب، لكنها تسمرت في مكانها وبدأت العبرات تبلل عينيها وهي تنظر إلى "آدم" الساجد على الأرض. وضعت كفها على فمها لتكتم شهقات بكائها وأغلقت باب الغرفة ببطء. جلست على أحد المقاعد وهي تبكي وتناجي ربها: يارب اهديه يارب. يارب اصرف عنه كل سوء. يارب أعنه على نفسه وعلى شيطانه. يارب اهديه، أنا قلبي راضٍ عنه، فارضَ عنه يارب.

سمعت باب غرفته يُفتح فمسحت عبراتها بسرعة وقالت تقول له: يلا يا "آدم" عشان تفطر. التف الاثنان حول الطاولة. كانت أمه تنظر إليه من حين لآخر بنظرات فرحة ممزوجة بالحنان والرضا. تقابلت نظراتهما فابتسم "آدم" ثم قال: ادعي لي يا ماما. قالت أمه بنبرة صادقة: والله يا ابني بدعي لك دائمًا. ربنا ينور لك طريقك ويهديك يا "آدم".

اتسعت ابتسامته وهو يغادر الشاليه متوجهًا إلى مكتبه في القرية. لأول مرة منذ شهور طويلة جدًا يشعر براحة في صدره. كان شعور الضيق ما زال يلازمه، إلا أنه هذا اليوم كان أخف وطأة. استمتع بهذا الشعور من الراحة الذي افتقده طويلًا. دخل مكتبه وشرع في ممارسة عمله بحماس. دخل "زياد" المكتب ليقول: صباح الخير يا "آدم". ابتسم له "آدم" قائلاً: صباح النور يا "زياد". إيه الأخبار؟ مدير قرية الفيروز اللي اتطرد أخباره إيه معانا؟ قال "زياد"

وهو يجلس أمامه على المكتب: مبسوط على الآخر. ضحك "آدم" قائلاً: زمان "عاصي" هيموت من الغيظ. قال "زياد" بتوتر: يا خوفى المرة دي متجيش سليمة زي المرة اللي فاتت. قالت "آدم" بحزم: ما يقدرش يعمل حاجة. أنا زودت الحراسة على القرية ومدى أوامر للبودي جاردز لو شافوا حد بيبلطج في القرية يموتوه ضرب لحد ما يبان له صاحب. قال "زياد" فجأة: إيه أخبار بنت أخو "سراج" اللي أنت كنت خاطبها؟ قال "آدم" باستغراب: اشمعنى يعني؟ ليه بتسألني؟

قال "زياد": أصل أبوها مات. شعر "آدم" بالصدمة وهو يستمع لخبر موت "عبد العزيز" وهتف قائلاً: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم نظر إليه قائلاً: انت عرفت منين؟ قال "زياد": قريته في الجرنال من فترة. شعر "آدم" بالقلق على "آيات" فهو يعلم أنها ليس لها أقارب، وليس لها أحد في هذه الدنيا إلا والدها. أسرع "آدم" يخرج هاتفه ويتصل بـ "آيات".

جلست "آيات" مع "سمر" و "إيمان" و "أسماء" في غرفتها ببيت "حليمة" عندما رن الهاتف. نظرت إلى الرقم وشعرت باضطراب بالغ عندما علمت أن "آدم" هو المتصل. أخذت تتساءل في نفسها عن سبب اتصاله، ماذا يريد منها. نظر إليها الثلاث فتيات وهي تمسك هاتفها وتنظر إليه بتوتر. سألتها "أسماء" باهتمام: إيه؟ مين يا "آيات"؟ قالت "آيات" بتوتر: "آدم". أسرعت "سمر" قائلة: متعبريهوش. انقطع الاتصال فقالت وهي ما زالت تحاول تخمين سبب اتصاله:

أصلًا مكنتش هرد. عاود الاتصال مرة أخرى فقالت "إيمان": طيب شوفي عايز إيه. قالت "سمر" بحزم: لأ، هيكون عايز منها إيه يعني؟ خلاص الموضوع انتهى، وده واحد نصاب وكداب. المفروض متتكلميش معاه تاني ولا تثقي فيه أبدًا. قالت "أسماء" في حيرة: بس ليه بيتصل؟ تفتكري عايز إيه يا "آيات"؟ تنهدت "آيات" بضيق ثم أغلقت هاتفها تمامًا حتى لا يعاود الاتصال بها وهي تقول بضيق: معرفش ومش عايزة أعرف.

شعر "آدم" بالتوتر عندما حاول الاتصال بها مرة أخرى ليجد هاتفه مغلقًا. زفر بضيق فسأله "زياد" قائلاً باهتمام: إيه؟ مبتردش؟ قال "آدم" بحنق وهو يكتب رسالة على هاتفه: كان بيرن وفجأة لقيته مقفول. أكيد مش عايزة تكلمني. نظر إليه "زياد" قائلاً: هتبعت لها رسالة؟ قال "آدم" وهو يكتب رسالته: أيوه.

أرسل "آدم" رسالته وقلبه وعقله مشغولان بـ "آيات" وحالها بعد وفاة والدها. شعر بالأسف لفقدانها والدها لعلمه بمدى تعلقها به، وبمدى حبها له واعتزازها به. رق قلبه لحالها وأخذ يتخيل شعورها بمرارة الفقد التي ذاق مثلها بعد وفاة والده. حاول الاتصال بها مرة أخرى لكن الهاتف ظل مغلقًا. انصرف "زياد" دون أن يشعر به "آدم". دخل فيسبوك وتوجه إلى حسابها. أخذ يبحث عن اسمها دون جدوى. طردته من عالمها تمامًا. حاول الاتصال بها مرة أخرى دون جدوى. زفر بضيق وقد أخذ القلق منه مبلغه.

*** في المساء، ألقت "آيات" نظرة على "أسماء" النائمة بجوارها. ثم أسندت ظهرها إلى وسادتها وهي تفكر في لقاء الغد. قررت الذهاب إلى عمها غدًا. امتدت يدها إلى هاتفها تفتحه. اندهشت عندما وجدت رسالة من "آدم". فتحتها بأيدٍ متوترة وقرأت ما فيها: "آيات، البقاء لله. عرفت أن والدك توفى. أنا عايز أطمئن عليك". نظرت "آيات" إلى الرسالة بسخرية ممزوجة بمرارة شعرت بها في قلبها. هتفت بداخلها: تريد أن تطمئن عليَّ؟ ما أرق قلبك؟!

تنهدت في ضيق وتركت هاتفها على الأرض بجوار السرير وحاولت النوم. استلم "آدم" تقريرًا بوصول رسالته فأسرع بالنهوض من فوق فراشه وأمسك هاتفه الموضوع على المكتب واتصل بها. نظرت "آيات" إلى الهاتف وهي تشعر بالاضطراب. ثم ما لبث أن اختفى اضطرابها وظهرت علامات الألم على وجهها وهي تتذكر كيف خدعها وكيف لعب بعواطفها ومشاعرها وكيف استغل حبها له ليصل إلى ما يريد. وكيف خانها مع تلك المرأة. وكيف تجرأ وفعل هذا الذنب الكبير.

هتفت بصمت: ماذا تريد مني؟ لم أعد أملك شيئًا تريده. لم أعد أملك أي مال. لم أعد أملك أحدًا تستطيع ابتزازه. لم أعد أملك أي شيء في هذه الدنيا. ابحث عن غيري لتستغلها وتلعب بها. لن أسمح بأن أكون لعبة في يدك مرة أخرى. أغلقت "آيات" هاتفها تمامًا، ووضعت رأسها على وسادتها وقد فاضت عيناها بالعبرات، تنظر إلى هاتفها على الأرض بحزن وألم. شعر "آدم" بالحزن عندما وجد هاتفها مغلقًا مرة أخرى. قال في نفسه: لماذا يا "آيات"؟

ما أردت سوى الاطمئنان عليكِ. لماذا تبعديني عنكِ هكذا بلا رحمة؟ لماذا لا تستمعين إلى أعذاري ومبرراتي لما فعلت؟ لست شخصًا بغيضًا كما تظنين، بل أنا شخص مريض يا "آيات"، مريض بذوبي وآثامي وأخطائي. أنا أولى بشفقتك من نفورك، وأولى بعطفك وحنانك من بغضك. جلس على فراشه وهو يتنهد بحسرة وهو يتذكر كيف أضاعها من بين يديه. ***

تقدمت "آيات" تعبر أروقة الشركة بارتباك ظاهر. شعرت بتوتر معدتها وكأنها ذاهبة إلى امتحان مصيري. كادت أن تعود أدراجها لكنها تذكرت الضيقة التي وقعت فيها، وكيف أنها بلا مال وبلا عمل. ويجب أن تتصرف بسرعة قبل أن ينفذ مالها ومال "أسماء". دخلت غرفة مديرة أعمال "سراج" وهي تقدم رجلاً وتؤخر أخرى. وقفت أمامها بارتباك وهي تقول: لو سمحتِ، عايزة أقابل الأستاذ "سراج اليماني". نظرت إليها السكرتيرة وقالت بروتينية: في معاد معاه؟

قالت "آيات" بتوتر: لأ، بس ياريت حضرتك تقوليله بنت أخوه "عبد العزيز" عايزة تقابله. نظرت إليها المرأة نظرة متفحصة، ثم قامت من فوق مكتبها وتوجهت إلى مكتب "سراج" قائلة: في واحدة بتقول إنها بنت أخو حضرتك وعايزة تقابلك. نظر إليها "سراج" بدهشة ثم ما لبثت أن ظهرت تعبيرات التعالي الممزوج بالغضب على وجهه، ثم قال بحنق: قوليلها مش فاضي. التفتت السكرتيرة لتغادر فأوقفها قائلاً:

ولا أقولك استنى. دخليها، بس ادخلي معاها ولما أشاور لكِ تقولي إن فيه اجتماع. قالت المرأة بطاعة: حاضر يا فندم.

جلس "سراج" وقد أسند ظهره إلى الخلف ورفع رأسه بتعالٍ مستعدًا لرؤية ابنة أخيه، ابنة أخيه الذي تبرى منه أمام الناس لعدم رضاه عن طرقه الملتوية في تسيير أعماله. دخلت "آيات" تتقدمها مديرة أعماله. نظر إليها نظرة متفحصة. بدت متوترة وهي تتطلع إلى عمها الذي لم تره منذ سنوات طويلة. ظل كلاهما ينظر إلى الآخر بصمت بترقب. ابتسمت "آيات" بصعوبة وهي تقول: إزيك يا عمو. صمت "سراج" لبرهة ثم قال بدون ترحيب حقيقي: أهلًا أهلًا، إزيك.

قالت "آيات" بتوتر: الحمد لله. أشار لها بالجلوس قائلاً: اتفضلي اعدي. جلست "آيات" تضع حقيبتها أمامها وهي تفرك يديها بقلق. نظرت إليه قائلة: حضرتك عرفت إن بابا اتوفى؟ عقد "سراج" ما بين حاجبيه للحظات ثم قال: آه عرفت. نظرت إليه "آيات" بمزيج من الدهشة والحزن. وهي تقول في نفسها: وما دمت قد علمت فلماذا لم تسأل إذن عن ابنة أخيك؟! صمتت قليلاً ثم قالت بتوتر وخجل:

حضرتك عرفت إن بابا الله يرحمه كان عليه ديون وإننا بعنا كل حاجة عشان نسدد الديون دي. قال "سراج" بلامبالاة: أيوه عرفت دي كمان. صمتت "آيات" لا تدري ما تقول. كان اللقاء أبرد مما توقعت. كادت أن تغير رأيها وترحل دون أن تخبره بالسبب الحقيقي الذي دفعها إلى المجيء إليه. لكنها تذكرت محنتها فأرغمت نفسها على البقاء. نظرت إليه باستغراب فهو لم يسأل حتى أين تقيم ولا من أين تعيش. تنهدت بعمق ثم قالت بألم:

أنا اضطريت أبيع الفيلا وأبيع الشركة والعربية وكل حاجة عشان الديون تتسدد. أنا بس كنت عايزة من حضرتك... توترت وشعرت بالخجل فلم تستطع أن تنظر إلى وجهه. خفضت رأسها وقالت: يعني... أنا محتاجة وظيفة. رجع "سراج" ظهره إلى الخلف. ران الصمت للحظات ثم قال بصوته الأجش: طيب تعالي بعد كام يوم أكون حاولت أشوف لكِ شغلانة. ثم قال: أنتي خريجة إيه؟ قالت "آيات" بلهفة: بكالوريوس تجارة. قال "سراج": اشتغلتي فين قبل كده؟ قالت "آيات" بتوتر:

لأ، أنا مشتغلتش قبل كده، دي أول مرة. ابتسم "سراج" بسخرية ثم ما لبث أن قال: طيب هحاول أتصرف. في تلك اللحظة دخل "عاصي" المكتب. نظر إليه والده بدهشة. قال "عاصي" وهو يلقي نظرة على "آيات": مساء الخير. معلش مكنتش أعرف إن عندك حد. قال "سراج" وهو يشير إلى "آيات": دي بنت عمك "عبد العزيز". نظر إليها "عاصي" وقد رفع حاجبيه يرمقها بنظرة متفحصة أذهلته. ثم قال: "آيات"؟ مش ممكن. كبرتي واحلويتي.

شعرت بسخونة في وجهها وقد توردت وجنتاها بحمرة الخجل وأخفضت رأسها. ابتسم قائلاً: إزيك؟ إيه أخبارك؟ قالت بخفوت وهي تتحاشى النظر إليه: الحمد لله. أشار "سراج" إلى مديرة أعماله بطرف خفي فقالت على الفور: بفكرك باجتماع حضرتك اللي هيبدأ دلوقتي يا "سراج" بيه. نهضت "آيات" على الفور وقالت بجرح: شكرًا يا عمو. أنا همشي دلوقتي وهاجي لحضرتك مرة تانية إن شاء الله تكون شفت لي موضوع الشغل. أومأ "سراج" برأسه وقال بنبرة متعالية:

إن شاء الله. التفت "عاصي" إلى والده بعد خروج "آيات" قائلاً باستغراب: شغل إيه اللي بتتكلم عنه؟ قال "سراج" بتهكم: أبوها مات مديون وسابها على الحديدة ومش لاقية وظيفة تعيش منها وجايلى أشوف لها شغل. قال "عاصي": وقولتلها إيه؟ قال "سراج" بنفاذ صبر: قولتلها هبقى أتصرف. المهم قول لي، هو انت إيه اللي نزلك القاهرة؟ مش قلت هتفضل في العين السخنة؟ قال "عاصي" بصرامة:

جاي أنخور ورا التيييييييييييت اللي اسمه "آدم" ده، وأشوف أي حاجة أقدر أمسكها عليه وألوي دراعه بيها. ثم هتف بغضب: تصور التييييييييت ده شغل عنده مدير القرية بتاعتنا اللي طردته. قال وكأنه يتحدث إلى نفسه: بس وربنا ما أنا عاتقه. هخليه يندم على اليوم اللي فكر فيه إنه يقف قصادي ويتحداني.

بمجرد خروج "آيات" من مكتب "سراج" أسرعت مديرة أعماله بمهاتفة "آدم" الذي كان في منتصف اجتماع هام، لكنه استأذن منهم ليرد عليها لظنه بأنها تحمل له أخبارًا هامة عن "سراج" و "عاصي". قال بلهفة: أيوه. قالت مديرة أعمال "سراج" وهي تتلفت حولها لتتأكد من عدم وجود من يسمعها: أيوه يا دكتور "آدم". قال باهتمام: في حاجة جديدة؟ أنا في اجتماع دلوقتي. قالت بسرعة: أيوه، من شوية جت واحدة وقالت إنها بنت أخو "سراج" بيه. اتسعت عينا "آدم"

دهشة وقال: "آيات"؟ انتبه "زياد" الذي كان جالسًا على طاولة الاجتماعات إلى اسم "آيات" فنظر إلى "آدم" باهتمام. قالت مديرة أعماله: مش عارفة اسمها. قال "آدم" بلهفة واهتمام: متعرفيش جت له ليه؟ قالت المرأة: كانت جاية طالبة منه شغل. قال بدهشة: شغل؟ قالت: أيوه. قالت إن باباها كان مديون وباعوا كل حاجة، الفيلا والشركة. وإنها عايزة شغل عشان تصرف منه على نفسها. خفق قلب "آدم" في لوعة وصمت قليلاً وهو يقول:

يعني هي دلوقتي بتدور على شغل، وباعت كل حاجة ورثتها؟ قالت المرأة: ده اللي فهمته من كلامها. قال "آدم" بحزم: طيب لو جت له تاني بلغيني. ضروري جدًا. فاهمة؟ تمتمت المرأة بطاعة: أيوه فاهمة. سلام دلوقتي. خرجت "آيات" وهي تشعر بالتوتر الشديد. هربت دمعة من عينيها وهي تخرج من الشركة. كانت تعلم بوجود مشاكل بين أبيها وعمها لكنها لم تتوقع أن يقابلها بمثل هذا البرود. ما ذنبها هي في خلافاته مع والدها؟ كيف يعاملها بمثل هذه القسوة؟

كادت "آيات" أن توقف سيارة أجرة للعودة إلى منزلها، لكنها تذكرت بأنها يجب أن تقتصد في نفقاتها حتى تجد وظيفة تضمن لها مرتبًا في آخر كل شهر. فهي لا تثق في أن "سراج" سيجد لها عملاً، رغم قدرته على ذلك بمجرد إشارة من إصبعه. لكنها شعرت كما لو كان يريد الانتقام من والدها فيها، ورد ما فعله به. وقفت "آيات" في محطة الأتوبيس تنتظره مع من ينتظرونه. مر بعض الوقت حتى جاء الأتوبيس. تزاحم الناس من حولها وهي تشعر بالضيق. دخلت إلى

الأتوبيس بقوة الدفع. شعرت بالراحة عندما وجدت مقعدًا بجوار الشباك ما زال فارغًا. جلست في مكانها وانطلق الأتوبيس. كانت تلك هي المرة الأولى التي تركب فيها المواصلات العامة. نظرت من الشباك وهي تريح ظهرها إلى الخلف وتستند برأسها على الزجاج تفكر في حالها وفي مستقبلها المجهول. شعرت وكأن شيئًا ما يلمسها فانتفضت ونظرت إلى الرجل بجوارها والذي كان يبدو عليه علامات الهدوء. كان ينظر أمامه وقد عقد ذراعيه فوق صدره. عادت للنظر إلى

الشباك تتابع المارة بجوار الأتوبيس وقد شردت مرة أخرى. مرة أخرى شعرت بنفس الشيء. نظرت بجوارها بطرف عينيها فوجدت الرجل يتشبث بظهر المقعد الذي أمامه، فقالت في نفسها لعله تحرك من اهتزاز الأتوبيس. فانزاحت حتى التصقت في الشباك تمامًا لتتحاشى ملامسة الرجل لها. بعد عدة دقائق شعرت بنفس الشيء. التفتت تنظر إليه بحدة وقد تأكدت بأنه يتعمد لمسها بيده القريبة منها وهو عاقد ذراعيه فوق صدره. شعرت بالغضب والضيق. نظرت حولها فلم تجد

أحدًا منتبهًا لما يحدث. انزوت أكثر بعيدًا عنه. لكنه اقترب بجسده منها ولمسها مرة أخرى. تجمعت العبرات في عينيها. أرادت الصراخ في وجهه لكنها خافت من فضح نفسها أمام ركاب الأتوبيس. تذكرت "أسماء" عندما كانت في وضع مشابه لوضعها وخشت هي أيضًا التحدث وعنفتها "آيات". أما الآن فهي تشعر بما كانت تشعر به "أسماء". شعور بالنفور والخوف والغضب والمهانة والتقزز. نظرت

إليه وهتفت بصوت منخفض: لو سمحت ابعد شوية. تظاهر الرجل بأنه لم يسمعها ومال يمينًا ويسارًا وكأن حركة الأتوبيس هي التي تهزه هكذا. لم تعد "آيات" تحتمل اقترابه وملامسته إياها. نهضت فجأة وطلبت من السائق التوقف. نزلت "آيات" من الأتوبيس ودموعها في عينيها. أوقفت أول سيارة أجرة قابلتها وأملته العنوان حيث انطلق بها إلى بيت "حليمة".

دخلت "آيات" البيت ولم تجد أحدًا به. دخلت غرفتها وجلست على فراشها باكية. كانت تشعر بالغضب والمهانة. أخذت تمسح بيدها المواضع التي لمسها الرجل بيده وكتفه وكأنها تريد إزالة آثاره منها. شعرت وكأن تلك الأماكن اتسخت بلمسه إياها. كانت ترتعش بالبكاء فأحاطت جسدها بذراعيها وانحنت إلى الأمام وهي تغمض عينيها دون أن تستطيع السيطرة على عبراتها التي تنساب على وجهها. سمعت صوت هاتفها. فنظرت إلى حقيبتها الموضوعة بجوارها على الفراش ثم فتحتها لتجد رقمًا غريبًا. كفكت دمعها وكادت أن تتجاهل الاتصال لولا أن تذكرت "سراج" فلعله وجد لها عملاً وأراد إبلاغها. ثم فكرت بدهشة كيف علم برقمها. لم تنتظر لتعرف الإجابة بل

ردت مسرعة وهي تقول بلهفة: ألو. لم تسمع صوتًا فقالت مرة أخرى: ألو. أتاها صوت "آدم" قائلاً: أنا "آدم" يا "آيات". انتفض قلبها بشدة. وحبست أنفاسها المضطربة. ثم قالت بصوت حاولت أن يبدو طبيعيًا: أيوه حضرتك عايز إيه؟ على الرغم من محاولتها إلا أن صوتها خرج متحشرجًا مضطربًا، باكيًا. فقال "آدم" بقلق: أنتي كويسة؟ بدا وكأنها استعادت تماسكها فقالت بحزم: أفندم. حضرتك عايز إيه؟ قال "آدم" وقد ازداد قلقه: أنتي كنتِ بتعيطي؟

صمتت وقد انسابت العبرات من عينيها مرة أخرى. فقال "آدم" بلهفة: "آيات" أنتي كويسة؟ اتكلمي معايا. مالك في إيه؟ بتعيطي ليه؟ صاحت بصوتها الباكي: ملكش دعوة بيا. دي حاجة متخصكش ولو سمحت متتصلش بيا تاني. شعر "آدم" بقلبه وقد كاد ينخلع من مكانه قلقًا وخوفًا وألمًا من أجلها. فقال بصوت حانٍ: "آيات" أنتي فين؟ اديني عنوانك. صاحت بغضب: عنوان إيه اللي أنت عايزه؟ أنت ابعد عني خالص. فاهم؟

أنا لا عايزة أشوفك ولا عايزة أسمع صوتك ولا عايزة أعرفك أبدًا. قال "آدم" بألم وندم: عارف. عارف إنك مش طايقاني. بس لو سمحتي عرفيني أنتي فين وعنوانك إيه. قالت بصرامة قبل أن تنهي المكالمة: أنا هريحك خالص ومش هفتح الخط ده تاني. ويا ريت تنسى إنك عرفتني في يوم من الأيام لأني خلاص نسيتك ومبقتش أطيق أفتكرك. فتحت هاتفها وأخرجت شريحتها لتقسمها إلى نصفين وتلقيها أمامها على الأرض. ***

اندمج "علي" في عمله وتابع العمال الذين يعملون تحت أمره. بعد استراحة الغداء دخل المخازن ليجد بعض العمال قد شرعوا في طبع تواريخ صلاحية على العلب. فأقبل عليهم قائلاً: انتوا بتعملوا إيه؟ قال أحدهم: المشرف نده لنا وقالنا نطبع الكلام ده على كل العلب دي. وأشار بيده على العديد من الكراتين والتي غطت الحائط والتي كانت تحتوي على عبوات الأغذية المحفوظة. نظر "علي" بدهشة إلى الكراتين قائلاً: جت إمتى الشحنة دي؟ قال أحد العمال:

علمي علمك. فتح "علي" إحدى الكراتين وأخذ يتفحص العبوات علبة علبة ليجد بأن التواريخ في الأسفل قد تم إزالتها بالكامل. ظل يتفحص إلى أن وصل إلى إحدى العلب والتي لم يتم حذف التاريخ منها بدقة فبدا واضحًا للعيان أن العبوات منتهية الصلاحية من شهرين. هتف قائلاً: يا ولاد التييييييييييييييت. أخذ العبوات وتوجه إلى مدير الشركة يطلب مقابلته. لكن السكرتيرة منعته إلى أن أخذ في الصراخ وقد تعالى صوته قائلاً:

أنا عايز مدير الشركة دي دلوقتي حالًا. بتغيروا في تاريخ الصلاحية وتبيعوا للناس أكل فاسد. أنا عايز أعرف دلوقتي المدير عارف اللي بيحصل ده ولا نايم على ودانه، ولا كلكم طابخينها سوا. أقبل أحد المسؤولين بالشركة وحاول تهدئة "علي" لكن "علي" أصر على مقابلة مدير الشركة والذي صدمه بقرار فصله! فصاح بدهشة وألم: ليه؟ ليه؟ قال مدير الشركة بغضب:

أنت مالكش دعوة إلا بشغلك وطالما حطيت مناخيرك في حاجة متخصكش يبقى متلزمنيش. مين قال إن العبوات منتهية الصلاحية؟ أنا راجل شريف وعندي ضمير. صاح "علي" بغضب وهو يشير إلى إحدى العلب في يده: العلبة دي التاريخ واضح عليها إنه منتهي من شهرين. قال مدير الشركة: دي علبة وسط ملايين العلب السليمة. قال "علي" بحدة: لأ العلب مش سليمة، العلب كلها متشال من عليها الصلاحية. العمال تحت في المخزن عمالين بيطبعوا تواريخ جديدة على العلب.

ثم صاح: حرام عليكم! هي الناس ناقصة؟ اتقوا ربنا. دول ناس غلابة. ده مفيش بيت في مصر إلا وفيه حد مريض. حسبي الله ونعم الوكيل فيكم. ده انتوا ربنا هينتقم منكم شر انتقام.

خرج "علي" من الشركة وهو يحمل العلبة في يده وأوقف سيارة أجرة لكي يتوجه إلى قسم الشرطة. لكن لم يكد يبتعد بالسيارة عدة أمتار حتى أقبل بعض الرجال الذين أوقفوا السيارة وجذبوه من ملابسه وأوسعوه ضربًا وركلًا. هرب سائق السيارة الأجرة وترك "علي" فريسة لهؤلاء الوحوش. *** صاحت "أسماء" بحنق: أنتي إزاي سكتي؟ إزاي سمحتيله يتحرش بيكي كده؟ قالت "آيات" بأعين دامعة وهي تجلس بجوارها على الفراش: كنت خايفة.

نظرت إليها "أسماء" بعطف فقالت "آيات" بصوت مرتجف: فاكرة لما زعقتلك وقولت لك ليه متكلمتيش؟ ليه مصرختيش؟ قولتي لي إنك خوفتي من اللي ممكن يتقال عليكي. أنا حسيت بإحساسك ساعتها. حسيت إني خايفة إن الناس تبص لي وحش. وكنت مخضوضة ومش عارفة أعمل إيه. فضلت أقوله يبعد بس هو مكنش بيبعد ومكنش حد واخد باله من اللي بيعمله. يعني لو زعقت بصوت عالي كان ممكن يقول إنني بتبلى عليه. عشان كده وقفت العربية ونزلت.

دمعت عينا "أسماء" وهي تتذكر "هاني" وتحرشاته ثم هتفت قائلة بغضب: حسبي الله ونعم الوكيل فيهم كلهم ولاد ستين تيييييييييييييييييييت. قالت "آيات" بحزم: بلاش تشتمي. خسارة فيهم الحسنات اللي ياخدوها مننا. قولي منهم لله وخلاص. قالت "أسماء" بحنق: منهم لله بس؟ ده أنا نفسي أجمع كل الرجالة اللي بيعملوا كده وأحطهم في ميدان عام ويدلق عليهم بنزين وكل بنت حصلها كده تمسك عود كبريت وترميه عليهم. قالت "آيات" بيقين:

سبيهم. نار الآخرة أشد حرارة من نار الدنيا. المحاضرة اللي كنت بروحها المسجد قالت لنا إن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ناركم التي توقدون جزء من سبعين جزءًا من جهنم". قالت "أسماء" بتشفي: يارب يولعوا فيها كلهم. ثم قالت لـ "آيات": عمك ده بارد قوي. قالت "آيات" بحزن: متوقعتش تكون مقابلته كده خالص. ثم دمعت عيناها قائلة بصوت باكي وقد عزت عليها نفسها:

كان نفسي قوي يقوم من على المكتب وياخدني في حضنه ويقول لي متخافيش طول ما أنا موجود. أنا عمك ومن الممكن أسيبك وهخلي بالي منك. تنهدت "أسماء" بحسرة وقالت بتهكم: إذا كان الأم والأب اللي بيخلفوا وبيربوا مبيبقاش في قلوبهم رحمة عايزة العم هو اللي يهتم. سيبك بلا هم أنا قرفت من الناس كلها. ثم التفتت إليها قائلة: والمحروس "آدم" ده كمان عايز إيه بعد ما خربها وأعد على تلها؟ قالت "آيات" بحنق:

متفكرنيش. أصلًا كلمني في وقت مكنتش طايقة أسمع فيه صوت أي راجل. اديته كلمتين معرفش طلعوا مني إزاي وكسرت الشريحة. قالت "أسماء" بحماس: أحسن في داهية هو كمان. خلاص أنتِ فلستي عايز منك إيه بقى؟ يسيبك في حالك. قالت "آيات" بسخرية: قال بيقول لي عايز يطمن عليا. ضحكت "أسماء" بسخرية قائلة: لا والله فيه الخير. مش قولتك كلهم ولاد... قاطعتها "آيات" قائلة: يا بنت انتي امسكي لسانك شوية. بياخدوا حسناتك يا هبلة. زفرت "أسماء" بضيق

وقالت وهي تخرج من الغرفة: طيب خليني ساكتة أحسن لأني لو فتحت بقى مش هطلع شتيمة بس، ده أنا هطلع مجاري. ضحكت "آيات" وهي تتابعها بعينيها إلى أن خرجت. *** هرولت أم "علي" بلوعة وهي تبحث عن ابنها في المستشفى. سألت عنه إحدى الممرضات فأشارت إلى الغرفة التي تضم عدة أسرة متجاورة. على أحدها يرقد "علي" وقد ضمد رأسه ووضع ذراعه في الجبيرة. بكت "إيمان" وهي ترى أخيها والكدمات الواضحة على وجهه. هتفت أمه بلوعة:

"علي". إيه اللي جرالك يا ابني؟ نظر إليها "علي" بأسى قائلاً: زي ما أنتِ شايفة. طردوني من الشغل وضربوني. ضربت أمه بيدها على صدرها وهي تجلس بجواره على الفراش قائلة: ليه؟ ليه عملوا كده؟ قال "علي" بمرارة: عشان إحنا بلد تيييييييييييت. كل حاجة فيها غلط واللي يفكر يقف قصاد الناس دي بياخد على دماغه زي ما أنتِ شايفة. بكت أمه بحسرة قائلة: حسبي الله ونعم الوكيل فيهم. كنت عملتلهم إيه عشان يعملوا فيك كده؟

ده أنت يا كبد أمك لا بتأذي حد ولا بتضايق حد وماشي جمب الحيط. ابتسم "علي" قائلاً بمرارة: أيوه أنا في حالي وماشي جمب الحيط. بس أنا مستحيل أشوف غلط وأقبل وأسكت وأقول مليش دعوة. لأني لو عملت كده هبقى بشاركهم في جريمتهم دي وعقابي عند ربنا زيهم بالظبط. تصوروا إنهم بيعدلوا تاريخ الصلاحية على عبوات أكل محفوظ فاسد وبيخلوها تاريخ جديد. عايزين يسمموا الناس. قالت "إيمان" بغضب: منهم لله. خلاص مبقاش فيه ضمير للدرجة دي. حتى الأكل؟

قال "علي" بمرارة: قولي حتى الهوا. دول لو طالوا يسمموا الهوا هيسمموه. أغمض "علي" عينيه بألم، وهو يقول في نفسه: يارب أحلامي بسيطة للغاية. لست كغيري أحلم بالسيارة الفارهة والفيلا الأنيقة وعمل يدر عليَّ الملايين. بل حلمي هو وظيفة حلال وبيت مؤجر وأثاث متواضع وزوجة تشاركني حياتي. يكن لي منها أبناء أعلمهم وأربيهم وأجعلهم يسيرون في درب الهدى والصلاح. لست أبغي سوى حفظ كرامتي وماء وجهي. لست أرغب سوى في العيش. العيش فقط. ***

جلس "آدم" أمام حاسوبه في غرفته بالشاليه يتطلع إلى صورة "آيات". ظلت عيناه تمر فوق تلك الكلمات التي سطرتها بيديها والتي تبثه فيها حبها وشوقها. نظر إلى الكلمات بمزيج من الحسرة والألم. وأخذ يفكر كيف تحول هذا الحب بداخلها إلى كره ونفور. ما زال لا يصدق. ما زال لا يصدق أن حبه بداخلها قد مات وانتهى.

أخذ يقول لنفسه: انساها يا "آدم". أمامك مئات البنات اختر من شئت. لكن شيئًا ما بداخله تمسك بها. هي وحدها. شعر بأنه لا يريد غيرها. يريدها وحدها، بصفائها ونقائها وبرائتها وطيبة قلبها. تذكر اللحظات التي جمعتهما في الماضي وكيف كانت معه صادقة المشاعر، واضحة كالشمس، رقيقة كرقة الندى على ورقات الشجر. كم تهفو نفسه إليها، إلى النهل من بحر حنانها وعذوبة صوتها. تذكر أنه لم يصلِّ العشاء بعد. فوقف يصلي بين يدي الله. وجد نفسه يدعو

الله في سجوده أن يغفر له، وأن يجمع بينه وبين "آيات". ظل يردد دعاءه كثيرًا دون ملل أو كلل. لا يعلم كيف سيتحقق ذلك. كيف يمكن أن يتطهر من ذنوبه وهو ما زال يعمل في تلك القرية. لن يستطيع ترك عمله. عمله الذي بناه وكبره ويدر عليها مبالغ طائلة. وفي الوقت ذاته يتمنى رضا ربه عليه. يتمنى "آيات" بقربه، تشاركه حياته وأحلامه وطموحاته. يريد مغفرة ربه ثم مغفرة "آيات". لكن كيف السبيل؟

كيف يحقق تلك المعادلة الصعبة؟ كيف ينجح في الجمع بينهم؟ لديه مثلث من ثلاث زوايا: الله، "آيات"، عمله. كيف يمكن أن يجمع الثلاث زوايا في خط مستقيم؟ كيف؟ ليس أمامه سوى حل واحد: أن يخترق أحد أضلاع المثلث ويثنيه إلى أن يصبح خطًا مستقيمًا. لكنه وقف حائرًا. أي الأضلاع يكسر؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...