الفصل 13 | من 32 فصل

رواية جواد بلا فارس الفصل الثالث عشر 13 - بقلم بنوته اسمرة

المشاهدات
31
كلمة
7,347
وقت القراءة
37 د
التقدم في الرواية 41%
حجم الخط: 18

توجه "آدم" إلى القرية التي ستكون تحت تصرفه بعد أن استأجرها "شكرى". تذكر زيارته لها وللقريتين المجاورين عندما جاء مع "سراج" و"عاصى" لاختيار القرية المناسبة. تذكر بمرارة كيف كان متحمساً لبدء مشروعه وكيف سهر الليالي في التخطيط له ودراسته من كل جانب. تذكر بمرارة كيف أحب "شيرين" وكيف مات حبها داخل قلبه بعد أن تحولت من فتاة بريئة إلى فتاة سافرة. ظل يشجب تصرفاتها كثيراً ويبين لها خطأها، لكنها كانت مصرة على الطريق الذي اختارته ولم تعبأ بخسارته. ففسخ خطبتها بعد أن تشوهت صورتها أمامه وحادت عن صورة فتاة أحلامه.

أخذ يفكر في أخطائه وفي علاقاته النسائية. نعم، هو الآن وصل إلى درجة كبيرة من الانحدار الأخلاقي، لكن فتاة أحلامه ظلت بنفس صورتها لم تتغير تلك الصورة ولم تتبدل. شعر بأن "آيات" كان من الممكن أن تكون هي، فلديها استعداد فطري بأن تكون أفضل، ويسهل تشكيلها وتوجيهها، وتستجيب للنصيحة إذا ما لمست صدق صاحبها. فكر بأسى كيف خسرها وكيف أضاعها من يده.

نظر إلى أمواج البحر المتلاطمة، وهو يحاول أن يتناسى حزنه وألمه وقهره. أقنع نفسه بأنه سيجد غيرها، يجد وليفة تشاطره حياته وتعيد إليه نفسه التي فقدها. لكن عليه أولاً بناء ذاته واسترجاع أمجاده وتقليص أعدائه درساً لن ينسوه. ألقى بكل عواطفه ومشاعره في البحر قبل أن يولي ظهره ويتوجه إلى هدفه بحزم وإصرار وتصميم. *** كانت "آيات" نائمة في غرفتها، متمددة على فراشها وعقلها سابح في مكان آخر. علمت من والدها بسفر "آدم" وتركه للجامعة.

أخذت تفكر: تُرى أين ذهب؟ ولماذا ترك التدريس بالجامعة؟ أخذت تلوم نفسها بشدة على اهتمامها بأمره. قالت لنفسها: وما شأنك أنتِ يا "آيات" إن بقي أم ذهب؟

لم تعد أموره من شأنك ولا أمورك من شأنه. نزلت الستارة يا "آيات" وانتهت المسرحية السخيفة التي أعطاكِ فيها دور البطولة وأشرككِ فيها رغماً عنكِ. انتهت المسرحية وصفق الجمهور وربح "آدم" المركز الأول في الغش والخداع. وها أنتِ تنزلين من فوق المنصة لتعودين إلى مكانك المظلم الكئيب، لا تحملين في قلبك سوى الحزن والألم. لا يشعر بكِ مؤلف المسرحية وكاتبها وموزع أدوارها. لقد نسيكِ ورماكِ من خلف ظهره وواصل حياته وخططه كما يريد. لم تكوني سوى بطلة من إحدى بطلاته في مسرحية من إحدى مسرحياته. لا تظني أنكِ كنتِ تعنين له شيئاً. أنتِ الغبية يا "آيات" كان يجب أن تشعري بذلك. كان يجب أن ترشدكِ فطنتكِ لذلك. أتتذكرين يوم أن رأى الشاب يضايقك ويزعجك؟

لم يحرك ساكناً، لأنكِ لا تعنين له شيئاً. ولم تعني له شيئاً. أفيقي من وهمك، فلا يستحق دموعك وأحزانك. وفرّي دموعك لمن يستحقها يا "آيات" ولا تبكي بعد اليوم. سمعت طرقات على باب غرفتها فنهضت في تكاسل لتفتح الباب. وجدت "أسماء" واقفة بجوار والدها وكلاهما يبتسم في سعادة. نظرت إليها "آيات" تحاول معرفة سبب تلك السعادة البادية عليهما. صرخت "أسماء" فجأة وهي تعانقها وتلف بها في الغرفة: "نجحنا يا "آيات" نجحنا!

لم تصدق "آيات" نفسها. نزعت "آيات" نفسها من حضن "أسماء" ونظرت إليها غير مصدقة. قالت "أسماء" بفرح وهي تقفز في الهواء: "نجحنا احنا الاتنين خلاص خلصنا مذاكرة وجامعة وامتحانات. خلاص لا امتحانات بعد اليوم! اقترب منها والدها وعانقها بشدة قائلاً: "مبروك يا حبيبة قلبي."

ابتسمت "آيات" وهي تنظر إليه. لكن ابتسامتها لم تكن بتلك العذوبة التي كانت تبدو بها من قبل. شعر والدها وهو ينظر إليها بأن سعادتها ناقصة، وما زالت عيناها تشع حزناً. حتى ابتسامتها كانت تشي بشيء من الألم. تنهد في حسرة ثم أخفى شعوره بالأسى بداخله وقال بمرح: "لازم نسهر سهرة حلوة بالمناسبة دي. يلا أسيبكوا مع بعض وبالليل جهزوا نفسكوا انتوا الاتنين."

خرج "عبد العزيز" فجلست الفتاتان على الفراش. أعطت "أسماء" إحدى الأوراق لـ "آيات" قائلة: "خدي يا "يويو" دي درجاتنا في جميع المواد." نظرت "آيات" إلى الورقة ثم تجمدت نظراتها وفتحت فمها في دهشة وهي تنظر إلى مادة إدارة الأعمال. رفعت رأسها لتنظر إلى "أسماء" التي قالت لها:

"أنا برده استغربت. انتي لا حليتي نظرى ولا دخلتي الشفوى وضاع منك درجات أد كده في أعمال السنة. كنت حاطة ايدي على قلبي وأنا بشوف درجتك في المادة دي عشان مكنتش عايز اكي تشيليها وتمتحنيها تاني. كنت عارفة انها هتكون صعبة عليكي." ثم ابتسمت "أسماء" قائلة: "بس فرحت واستغرب في نفس الوقت لما لقيتك جايبة فيها امتياز." نظرت "آيات" إلى الورقة مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت تنظر إليها بغضب شديد. أخذت تتساءل في نفسها: ما هذا؟ تعويض؟

تعويض عن تلك الأيام التي قضتها معه؟ أم تعويض عن جرحها وإهانتها وتحطيم قلبها؟ أيظن أنه بهذه الطريقة سيريح ضميره؟ أيظن أنها ستسامحه لمجرد أن أعطاها تقديرًا لا تستحقه؟ ألقت الورقة بغضب ونهضت تفتح باب الشرفة بعصبية. وقفت في الشرفة وهي تقطب ما بين حاجبيها في ضيق شديد، وتلهث من فرط عصبيتها وتوترها. اقتربت منها "أسماء" وقالت:

"سيبك من اللي فات يا "آيات". انسيه بحلوه ومره. ولا كأنه حصل في يوم من الأيام. امسحي الأيام دي من ذاكرتك تمامًا." أومأت "آيات" برأسها، ونظرة تصميم في عينيها، فهذا ما قررته بالفعل. *** تلقى "آدم" اتصالاً من "شكرى" في المساء يطمئن فيه على سير الأوضاع بالقرية. فقال "آدم" بحماس: "لا متقلقش. كل حاجة تمام. الافتتاح هيكون في أقرب وقت إن شاء الله. الامتحانات خلصت وعايزين نلحق الموسم من أوله." قال "شكرى" مبتسماً:

"أنا واثق فيك يا دكتور." ابتسم "آدم" قائلاً: "وأنا متشكر لثقتك الكبيرة دي." ثم قال بجدية: "محتاج شوية حاجات ناقصة في الكافيتيريا والبار. لازم كل حاجة تبقى جاهزة قبل الافتتاح. هبعت الليستة بالفاكس. وكمان الإعلانات اللي عملناها عن الموظفين اللي طالبينهم ياريت توقفها لأنني خلاص اخترت كل الـ Staff اللي هيكون شغال في القرية." قال "شكرى" في سعادة: "شكلك مبضيعش وقت يا دكتور." قال "آدم" وفي عينيه نظرة تصميم:

"معنديش وقت عشان أضيعه. لازم نبتدي في أقرب وقت. إعلانات القرية. لازم كل بيت في مصر يعرف بقريتنا الجديدة." قال "شكرى" مفكراً: "لسه مخترناش اسمها يا دكتور." قال "آدم": "لا خلاص اخترت اسمها. اسمها هيكون 'قرية جولدن بيتش'." أخذ "شكرى" يلوك الاسم في فمه قائلاً: "جولدن بيتش. جولدنش بيتش. مممممم اسم جميل وقوي." ابتسم "آدم" قائلاً: "كنت واثق إنه هيعجبك." قال "شكرى" ممازحاً: "أما نشوف 'الفيروز' ولا 'جولدن بيتش'." قال "آدم"

بجدية بالغة: "متقلقش. قريب قوي هتتمحي قرية الفيروز من على خريطة القرى السياحية في العين السخنة." ضحك "شكرى" قائلاً: "أنا واثق من كده يا دكتور. منتظر الفاكس. ولو احتجت حاجة كلمني. سلام." أنهى "آدم" المكالمة وعكف مرة أخرى على مطالعة الأوراق التي أمامه وهو يدرس كل خطوة جيداً، ليضع خطة محكمة لنجاح قريته السياحية، قرية "جولدن بيتش". *** استيقظت "أسماء" على صوت زوجة أبيها وهي تقول: "إنتِ لسه نايمة لحد دلوقتي؟

قومي شوفي المطبخ يضرب يقلب! قالت "أسماء" وهي تنظر إليها بحدة: "حد قالك إني الشغالة الفلبينية اللي بابا جابها لكِ؟ صرخت فيها قائلة: "احترمي نفسك يا بنت انتي وإلا والله العظيم أقول لباباكي! نظرت "أسماء" بسخرية لتلك المرأة التي تكبرها ببضع سنوات فقط وقالت بتحدي: "اعملي اللي انتي عايزة تعمليه." خرجت وهي توعدها قائلة: "ماشي والله لأقول لباباكي لما ييجي. وشوفي بأه هيعمل فيكي إيه."

تنهدت "أسماء" بقوة وهي تغطي وجهها بوسادتها لتقلل من حدة أصوات الموسيقى التي انبعثت من غرفة زوجة أبيها. ما كاد والدها يعود من عمله حتى استقبلته زوجته الجديدة شاكية باكية، فما كان منه إلا أن صرخ على "أسماء" قائلاً: "أمك اللي قالتلك تعملي كده؟ مش كده؟ قالتك تهيني مراتى وتقرفيها في عيشتها عشان تطفشيها؟

أنا عارف تفكير أمك كويس. لو كنتي فاكرة إنك كده هتطفشيها تبقي غلطانة انتي وأمك. متلزمونيش ولو حد هيمشي من البيت ده هيبقى انتي. فاحترمي نفسك يا بنت انتي أحسنلك." شعرت "أسماء" بالقهر والظلم وقالت: "والله يا بابا معملتلها حاجة وماما ما قالتليش حاجة." صاحت زوجة أبيها قائلة: "يعني أنا بتبلى عليكي يعني؟ أما قليلة الأدب صحيح. يعني أنا كدابة؟ قال والدها بصرامة: "شوفي يا "أسماء" مراتي تعامليها زي ما بتعاملي ماما بالظبط فاهمة؟

ولو اشتكتلي منك تاني هزعلك يا "أسماء"." دخلت "أسماء" غرفتها ونظرت زوجة أبيها تتابعها في تشفٍّ. انفجرت "أسماء" باكية وهي تشعر بأنها وصلت إلى أعلى درجات التحمل، ولن تستطيع تحمل المزيد. ***

توقفت سيارة فارهة أمام بناية أنيقة. نزل السائق وفتح الباب لينزل من السيارة رجل في العقد السادس من العمر بدت عليه القوة والصلابة رغم سنوات عمره المتقدمة. سار بحزم إلى أن وصل إلى مكتبه بتلك الشركة الكبيرة. دخل "سراج اليماني" مكتبه لتلحق به مديرة مكتبه ومعها دفترها تذكره بمواعيده لهذا اليوم. لكنه قاطعها قائلاً: "فين "عاصي"؟ قبل أن تتمكن مديرة مكتبه من الرد، سمع صوتاً من خلفها يقول: "صباح الخير يا بابا."

نظر "سراج" إلى ابنه "عاصي" الشاب ذو الثلاثين من عمره والذي يتمتع بعينان تشعان مكراً ودهاءً تستطيع تبينه من أول وهلة. كانت تعابير وجهه القاسية تشكل مع ابتسامته الساخرة على ركن فمه صورة منفّرة تحذرك من الاقتراب من هذا الرجل. نظر "عاصي" إلى والده قائلاً بسخرية: "كالعادة يا بابا أول ما بتحتاجني بتلاقيني قدامك." أشار "سراج" إلى مديرة مكتبه بالانصراف. بدت الجدية على ملامحه وهو يقول:

"إنت عرفت إن القرية اللي جنب قرية الفيروز اتأجرت؟ قال "عاصي" وهو يجلس: "أيوة عرفت." سأل "سراج" باهتمام وهو يضيق عينيه: "مين اللي أجرها؟ ومين اللي ماسكها دلوقتي؟ قال "عاصي" وهو يمط شفتيه: "لسه ما عرفناش." قال "سراج" بصرامة: "عايز بكرة بالكتير تكون عندي كل المعلومات دي." قال "عاصي" بثقة: "مدير القرية بتاعتنا هناك كلفته إنه يشوفلنا الموضوع ده ومنتظر منه تليفون بالتفاصيل كلها. متقلقش يا بابا." ثم قال بسخرية:

"وبعدين مين الغبي ده اللي رايح يفتح قرية سياحية جمب قرية "سراج اليماني"؟ دي لوحدها تخليك تعرف أد إيه هو شخص غبي وفاشل ومحسبهاش كويس." ثم قال بثقة وغرور: "متقلقش يا بابا. العين السخنة مفيش فيها إلا قرية الفيروز، وهنفضل أكبر وأشهر قرية فيها. وأي حد هيفكر ينافسنا يبقى بينهي مشروعه بدري بدري. لأن مصيره هيبقى الخسارة. محدش يقدر يقف قدام "سراج اليماني" وابنه "عاصي"." ***

أتت الخادمة لتنبئ "آيات" الجالسة في حديقة الفيلا بزيارة آخر شخص توقعت رؤيته في منزلها في تلك اللحظة، "سمر". قامت "آيات" تستقبل صديقتها بلهفة وفرحة ظهرت في ابتسامتها وعينيها، وإن لم تستطع التعبير عن ذلك بالكلام. أجلستها "آيات" في حجرة الصالون. كانت تنظر إلى "سمر" بسعادة، فل طالما أحبت صحبتها واستمتعت بها. كانت تشعر معها دائمًا بالراحة ونفسها تهفو إلى الحديث معها. ابتسمت "سمر" وهي تقول: "إزيك يا "آيات" وحشتيني أوي."

أومأت "آيات" برأسها مبتسمة. فقالت "سمر" بحزن: "لسه برده مبتتكلميش." اختفت ابتسامة "آيات" ليحل محلها الحزن. قالت "سمر" بحزم: "آيات" اللي انتي فيه ده بإيدك انتي. "آيات" لحد امتى هتفضلي كده؟ فُوقي بأه من اللي انتي فيه." نظرت إليها "آيات" بعبوس. فقالت "سمر": "آيات" يا حبيبتي، إنتِ عارفة ليه بصاحبكِ رغم إن من الواضح إن في حاجات كتير مختلفة بيننا." نظرت إليها "آيات"، فأكملت "سمر" بجدية:

"لأنكِ بنت من جواكي عاملة زي قطعة القطن في بياضها ونقائها ورقتها." ابتسمت "آيات" بوهن. فأكملت "سمر" بحماس: "آيات" بجد إنتِ ممكن تكوني أحسن من كده بكتير، بكتير أوي. بجد أنا بحبك أوي ولو مكنتش بحبك ما كنتش جيت لحد عندك عشان أقولك الكلمتين دول. أنا كنت حابة أتكلم معاكي بعيد عن "أسماء"." ظهرت علامات الدهشة على وجه "آيات". فقالت "سمر":

"أسماء" كمان بنت كويسة من جواها بس عيبها إنها عنيدة شوية. لكن انتي يا "آيات" بحسك زي الورقة البيضا اللي سهل الواحد يرسم عليها اللي هو عايزه. وفي نفس الوقت مش ساذجة ولا عبيطة. لا انتي عاقلة وبتقدري تواجهي مشاكلك. عارفة يا "آيات" الإنسان القوي هو اللي يقدر يواجه مشاكله ويحلها." صمتت قليلاً ثم قالت بتردد: "فاكرة يوم ما جيتيلي المستشفى واتكلمنا عن الحاجة اللي حصلت وكانت مضايقاكي؟

نظرت "آيات" إلى الأرض بخجل وزفرت بضيق وهي تتذكر قلب "آدم" التي تشعرها ذكراها بالضيق والنفور. فأسرعت "سمر" قائلة: "مش بقولك كده عشان أضايقك. لا بقولك كده عشان أفكرك قد إيه انتي كنتي شجاعة. ولما عرفتي إن كده غلط واجهتيه وقتها رغم مشاعرك القوية نحيته ورغم خوفك من إنه يزعل. وفرحت أوي بجد بيكي وحسيت قد إيه انتي إنسانة قوية." نظرت إليها "آيات" بحزن. فقالت "سمر" بحنان:

"حبيبتي لازم تبتدي صفحة جديدة مع نفسك ومع ربنا يا "آيات". إنتِ كويسة من جوه بس ده مش كفاية. لازم يبقى من بره زي من جوه يا "آيات". مش اللي بيحب حد بيسمع كلامه؟ أومأت "آيات" برأسها. فقالت "سمر": "إنتِ بتحبي ربنا مش كده يا "آيات"؟ أومأت "آيات" برأسها مرة أخرى. فقالت "سمر" بحماس: "أهو ربنا بأه اللي انتي بتحبيه ده أمرك بشروط معينة للحجاب. ولو شرط واحد مش موجود فيه يبقى الحجاب مش صحيح. عارفة إيه هي الشروط دي؟

نظرت إليها "آيات" بحيرة ثم هزت رأسها نفيًا. فقالت "سمر" بهدوء: "إنه يكون ساتر للجسم. إنه يكون واسع فضفاض مش موضح تفاصيل الجسم. إنه ميكونش زينة في نفسه يعني ميكونش ملفت. أنه ميكونش شفاف. أنه ميكونش معطر ببرفيوم أو بخور. أنه ميكونش شبه لبس الرجال. أنه ميكونش شبه لبس الكافرات. أنه ميكونش لباس شهرة يعني عشان الناس تشاور عليكي وإنتِ لابساه. فهمتي يا "آيات"؟

أومأت "آيات" برأسها وهي تزن في عقلها ما قالته "سمر". فقالت لها "سمر" بحنان: "والله يا "آيات" أنا صعبان عليا أوي أشوفك كده. لأن حاسة إنك ممكن تكوني كويسة أوي أحسن مني كمان. بجد والله مش بجاملك أنا فعلاً ساعات بحس إنك أحسن مني وممكن تكوني أحسن. بس انتي خدي خطوة وهتلاقي بعدها ربنا ييسرلك كل حاجة." بدأ على "آيات" التفكير. فقالت "سمر" بحماس: "إيه رأيك يا "آيات" تيجي معايا المسجد اللي أنا بروح أحفظ فيه؟

والله المحفظة كويسة أوي وهتحبيها. تحسي إنها أختك الكبيرة بجد. كلامها جميل بتتعد تتكلم معانا بعد ما تسمعلنا تقرألنا اللي هنحفظه. إيه رأيك تيجي تجربي وإن شاء الله الصحبة هتعجبك أوي. ها إيه رأيك؟ فكرت "آيات" قليلاً ثم ابتسمت بوهن وهي تومئ برأسها. فاتسعت ابتسامة "سمر" قائلة:

"خلاص يبأه إن شاء الله معادنا زي النهاردة لأنني لسه راجعة من عندها النهاردة. إحنا بنتقابل في مسجد قريب من بيتي. إن شاء الله هاجي أخدك. ولو عايزة تسألي باباكي اسأليه وعرفيني هيقولك إيه. وكمان لو عايزة "أسماء" تيجي معانا قولي لها واقنعيها بطريقتك انتي أقرب لـ "أسماء" مني. قلتي إيه؟ ابتسمت "آيات" فربتت "سمر" على يدها قائلة بإبتسامة: "صدقيني هتبقى أحسن من دلوقتي مليون مرة. بكرة تشوفي. بس قولي يا رب. وخليكي معاه." ***

دخلت والدة "إيمان" عليها الغرفة لتجد أشياءها مبعثرة وعلى الكتب بعض الأطباق الفارغة وعلى الأرض كوب فارغ، فهتفت بحدة: "إيه ده يا بت يا "إيمان" أوضتك مالها عاملة زي الزريبة كده؟ كانت "إيمان" جالسة في منتصف فراشها تلعب في هاتفها وفي يدها علبة بسكويت تأكل منها. نظرت إليها "إيمان" ثم عادت تلعب في هاتفها دون أن ترد، فصاحت والدتها بغضب: "إنتي يا بت مش بكلمك؟ قومي يا معفنة نضفي أوضتك. ريحتها تغم النفس."

فتحت والدتها شباك الحجرة والتفتت إليها تقول في غضب: "قومي يا بت فزي." نهضت "إيمان" متثاقلة وهي تقول بضيق: "طيب حاضر هروقها." قالت والدتها متهكمة: "أكل ومرعى وقلة صنعة. ما إنتِ لو بتتحركي وتهزي لحمك ده هتخسي بدل ما إنتي عاملة زي البروطة كده." صاحت "إيمان" بحدة: "ماما خلاص مفيش داعي للكلام ده." قال والدتها بتهكم: "بأه ده منظر دكتورة؟ ييجوا زمايلك في المستشفى يشوفوا عفانتك عشان محدش فيهم يبص في خلقتك تاني."

خرجت "إيمان" من الغرفة توجهت إلى الحمام وأغلقت الباب عليها لتهرب من كلام أمها اللاذع. جلست على طرف البانيو وأخذت تبكي في صمت. طرقت والدتها الباب بعنف وقالت: "اخلصي عايزة أكمل غسيل." صاحت "إيمان" بحدة: "طيب طيب."

مسحت عبراتها وقامت لتغسل وجهها. نظرت في المرآة لترى وجهها المبلل وعينيها المنتفخة من السهر وكثرة البكاء وتلك الهالات التي ظهرت تحت عينيها فباتت واضحة على بشرتها ناصعة البياض. شعرت بالتقزز وهي تنظر إلى وجهها. أبعدت عينيها سريعًا حتى لا تستمر في النظر إلى وجهها الذي أشعرها كم هي قبيحة وغير مرغوبة. ***

لم تعد "أسماء" تتحمل معاملة زوجة أبيها، ولا انحياز أبيها لزوجته الجديدة. لم تعد تتحمل العيش مع امرأة اختارها والدها لتحل محل أمها ولتكون الخنجر الذي يطعن أمها في أنوثتها وكرامتها. وصلت إلى ذروة تحملها فقالت لوالدها بوهن: "أنا عايزة أروح أعيش عند ماما يا بابا."

لم يعترض والدها، بل بدا وكأنه كان ينتظر طلبها، ليخلو له البيت مع زوجته الجديدة. حزمت أمتعتها في أسى، وهي تبكي ألمًا وقهرًا. رأت نظرات الفرح والتشفى في عيني زوجة أبيها. لم تؤلمها تلك النظرات بقدر ما ألمها غياب أبيها، فلم يهتم حتى بوداعها أو بتوصيلها.

نزلت "أسماء" لتتوجه إلى بيت جدها حيث تعيش أمها، مع جدها ومع خالتها الأرملة وابنيها. كان الوضع بالنسبة لها يشعرها بالضيق لوجود الشابين معها في نفس البيت. لكنها أرغمت على ذلك، فقد قررت ألا تعود أبداً إلى بيت أبيها. كان البيت كبيرًا مكونًا من طابقين. حرصت "أسماء" على عدم إزعاج أحد بعدما قالت لها والدتها بحزم: "أنا مش عايزة مشاكل فاهمة؟

ملناش حتة تانية نروح فيها. خليكي عاقلة وراضي الكل يا إما هتلاقيني أنا وإنتي اترمينا في الشارع."

امتثلت "أسماء" لأوامر أمها. بل الأكثر أنها كانت تمضي معظم الوقت في غرفتها لئلا يتضايق أحد من وجودها. كانت تعيش في البيت بملابس البيت العادية وبشعرها المكشوف رغم وجود الشابين في البيت. كانت تشعر بأنه لأمر شاق عليها أن تتحجب طيلة الوقت، خاصة وأن أحد الشابين في الثانوية العامة وإن لم يكن في إحدى دروسه فهو في البيت قابع فيه دائمًا. أما الشاب الآخر أنهى كليته ولا يعمل فيقضي معظم الليل في الخارج ومعظم النهار في البيت نائمًا. لم يكن يضايقها سوى نظرات هذا الشاب التي لم تكن تريحها بأي حال من الأحوال. لذلك كانت تحاول دائمًا أن تتحاشى رؤيته أو المكث معه في مكان واحد.

*** هتف "سراج" في دهشة ممزوجة بالحيرة: "إيه؟ بتقول إيه يا "عاصي"؟ قال "عاصي" بحدة: "زي ما بقولك يا بابا. الكلب اللي اسمه "آدم" هو اللي ماسك القرية الجديدة واللي مأجرها رجل أعمال شغال في مجال السياحة بس أول مرة يأجر قرية في العين السخنة." قال "سراج" وقد عقد ما بين حاجبيه في غضب: "شكل اللي اسمه "آدم" ده مش ناوي يجيبها لبر." قال "عاصي" بغضب:

"ده أنا أولع فيه هو وأهله. وزي ما رميته في السجن هرجع أرميه تاني. أظاهر إنه اشتاق له أوي ونفسه يرجعه تاني." قال "سراج" بحزم: "متعملش أي حاجة من غير ما أعرف يا "عاصي"." ثم قال وهو شارد: "استنى شوية لحد ما الأمور تتضح أكتر ونعرف هو ناوي على إيه بالظبط." قال "عاصي" متهكمًا: "هيكون ناوي على إيه يعني يا بابا؟

أكيد عايز يفرد نفسه ويقول أنا أهو. بس واللّي خلقه ما هسيبه المرة دي إلا لما أطلع روحه في إيدي. لأنني حذرته إنه يبعد عن طريقي لكن شكله غاوي مشاكل وبيحبها أد عنيه." قال "سراج" بجدية: "عايز أعرف دبة النملة في القرية دي. الناس اللي شغالة معاه مرتاباهم؟ مين دراعه اليمين؟ البروجرام الترفيهي اللي عمله للسياح؟ حتى أنواع الأكل اللي في المنيو. عايز كل التفاصيل دي تكون عندي." قال "عاصي" بثقة وهو يرفع أحد حاجبيه:

"متخافش أنا ابتديت فعلاً أزرع ناس عنده في القرية." ثم قال بغل: "أما نشوف أنا ولا انت يا سي "آدم"." ***

دخل "آدم" غرفته وهو يشعر بإنهاك بالغ. ألقى بنفسه فوق فراشه يريح ظهره المتعب. طيلة الأيام الماضية لم يذق غمضاً ولا راحة. كان يعمل بهمة ونشاط حتى شعر بالإنهاك. أراد أن ينهي كل شيء في أقرب وقت ليستطيع افتتاح القرية وإعلان بدء الحرب. ساعده انهمكه في عمله على أن يتغلب ولو قليلاً على اشتياقه لـ "آيات". لكن عندما يعود إلى غرفته في المساء لا يملك سوى التفكير فيها. شعر برغبة قوية في مهاتفتها والإطمئنان عليها ومعرفة حالها وهل

تحسنت واستطاعت الكلام مرة أخرى أم لا. تنهد بقوة وهو يتذكر ما فعله بها وصدمتها حينما علمت بحقيقته فلم تتحمل مشاعرها الرقيقة الصادقة كل هذا الخداع والأكاذيب. تذكر آخر مرة رآها يوم امتحان مادته، كيف كانت عبراتها تتساقط فوق وجنتيها ومشاعر الألم محفورة على وجهها. لكم يريد الآن أن يتحدث معها ويخفف عنها. لكم أراد أن يخبرها بأنه لم يكن ليؤذيها ولم يكن ينوي تركها. أراد أن يخبرها بأن مشاعره تحركت تجاهها بالفعل، وأنه تمناها

بالفعل وأنه رغب بأن تصير زوجته بالفعل. لكن تُرى هل ستصدقه؟

بالطبع لن تصدقه. كيف تصدق من كذب عليها وخدعها؟ كيف تثق به مرة أخرى؟ شطح بخياله بعيداً. عندما يتمكن من هزيمة "سراج" وابنه، ويحقق ما حلم به ويبني نفسه مرة أخرى. تُرى أتقبل به إن عاد إليها؟

لم يحتج إلى تفكير طويل فالإجابة جاهزة. بالطبع لا. لم تهتم "آيات" لا بماله ولا بثرائه بل اهتمت بشخصه الذي صدمت فيه. فلا فائدة إذن إن ملك الدنيا ووضعها تحت أقدامها، مادامت نظرتها فيه قد تحطمت. تذكر نفورها منه ونظر عينيها الغاضبة المعاتبة. أصابه ذلك بالإحباط الشديد.

وقال في نفسه: انسى يا "آدم". انسى. لن تفكر فيك بعد الآن. لن تحترمك بعد الآن. لن تكون لك بعد الآن. شعر بالغيرة تتسرب إلى قلبه وهو يتذكر وقوفها مع "أحمد" الذي صرخ بأعلى صوته وسط الجامعة معلنًا عن حبه لها وعن رغبته في الزواج منها. تُرى أمازال يعرض عليها الزواج؟ أستوافق "آيات" على الزواج منه؟ أستصير فعلاً زوجة لغيره؟

امتلأ قلبه بالألم وأخذ نفساً عميقاً لعله يريح قلبه مما يعانيه. تناول هاتفه واتصل بـ "زياد" يتحدث معه قليلاً ليصرف ذهنه عن التفكير في "آيات". في وسط حواره قال: "آه صحيح كنت عايز أقولك حاجة مهمة." قال "زياد": "خير يا "آدم"؟ قال "آدم" بحزم: "أنا محتاجك معايا يا "زياد"." قال "زياد" باستغراب: "محتاجني معاك إزاي يعني؟ قال "آدم" بجدية:

"بص يا "زياد" أنا محتاج معايا حد أثق فيه. ومش هلاقِي أحسن منك. أنا عارف "سراج" و "عاصي" كويس جداً وعارف تفكيرهم. زمانهم دلوقتي عرفوا إني مدير القرية الجديدة وإني اخترت المكان ده بالذات عشان أحاربهم. وأكيد هيحاولوا يدمروني بكل الطرق. أنا محتاج معايا حد أثق فيه لأن كل اللي شغالين هنا لسه جداد ولسه محطوطين تحت الاختبار. عارف إن هيكون منهم جواسيس وناس هيقدر "عاصي" إنه يرشيها عشان يوصلها. عشان كده لازم يكون في حد جنبي لو أنا مش موجود يكون هو عيني اللي بشوف بيها. فاهمني يا "زياد"؟

قال "زياد" بعد تفكير: "طيب وشغلي يا "آدم"؟ قال "آدم" على الفور: "أصلاً القرية اللي انت ماسكها دلوقتي قرية تعبانة لشركة صغيرة. يعني الفرصة اللي أنا بعرضها عليك أحسن مليون مرة من إدارتك للقرية التعبانة دي. وكمان المرتب هيكون زي ما انت عايز. ده غير إن شغلك هيكون معايا أنا يعني لا صاحب القرية يقرفك ولا يطلع عينك لأنني أنا المسئول الأول والأخير عن كل حاجة في القرية لأنني شريك فيها بمجهودي."

صمت "زياد" يفكر في عرض "آدم" فحثه "آدم" قائلاً: "مش هقبل رفض يا "زياد". بجد محتاجك جنبي. وفعلاً دي فرصة بالنسبة لك. وإنت عارف كويس إن الشركة اللي إنت شغال معاها شوية وهتلاقيهم صفوا أعمالهم لأن الشركات الصغيرة اللي زي دي بتظهر بسرعة وتختفي بسرعة. قولت إيه؟ قال "زياد" مفكرًا: "هي فعلاً فرصة زي ما بتقول. خاصة فعلاً إن الشغل بأه زفت وأنا فعلاً متوقع إنهم هيقفلوا الشركة قريب." قال "آدم" بلهفة: "طب إيه؟ قال "زياد" مبتسمًا:

"شكلي مش هعرف أخلص منك أبداً." ضحك "آدم" قائلاً: "أهو هو ده الكلام. بجد فرحتيني يا "زياد"." ثم قال: "بص بأه يا باشا تلم عزالك كده وتجيلى في أقرب وقت. في بلاوي متلتلة لازم تخلص قبل الافتتاح. قشطة يا معلم." ضحك "زياد" قائلاً: "قشطة يا دكتور." *** ما كادت "ساندي" تعلم بأن افتتاح القرية السياحية الخاصة بشركة والدها سيكون خلال شهر حتى قالت لوالدها بلهفة: "بابا أنا عايزة أشتغل في القرية السياحية الجديدة."

قال والدها مستغربًا: "بس إحنا متفقين من زمان إن شغلك هيكون معايا في الشركة يا "ساندي"." قالت بدلال: "بس أنا حابة أشتغل في القرية يا بابا. عشان خاطري يا بابا واقف. وبعدين أكيد هستفاد كتير جدًا من خبرة دكتور "آدم"." فكر والدها قليلاً ثم قال: "طيب يا "ساندي" زي ما تحبي." عانقته "ساندي" قائلة بمرح: "ميرسي يا بابا." ابتسمت في سعادة وهي تشعر بالحماس واللهفة للعمل في القرية السياحية، بجوار "آدم". ***

-لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك.. لا شريك لك. أخذ والد "آيات" يلبي نداء العمرة بصوت مسموع وهو جالس بجوارها في الطائرة. قرر والدها القيام بأداء العمرة قبل الذهاب إلى رحلتهما. أراد أن يدعو الله عز وجل لابنته بالشفاء في هذه البقعة المباركة. وظن أن في ذهابها خير كثير لها. ود لو أدى معها مناسك الحج لولا أن الحج في أشهر معلومات كما قال رسول

الله صلى الله عليه وسلم: "الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ: شَوَّالٌ وَ ذُو الْقَعْدَةِ وَ ذُو الْحِجَّةِ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحُجُّ فِيمَا سِوَاهُنَّ". أخذ "عبد العزيز" يردد: لبيك اللهم لبيك.. دون كلل أو ملل. نظرت إليه "آيات" وهي تستمع إليه وتشعر بشعور غريب. ودت لو استطاعت النطق لتلبي مثله. فعلت بقلبها.

حطت الطائرة ونزلت منها في المدينة وهي تنظر إلى حولها برهبة. توجها إلى الفندق لوضع حاجياتهما، ثم توجها إلى القبر النبي صلى الله عليه وسلم لزيارته والسلام عليه ثم توجها إلى مكة. أمرها

والدها أن تقول بقلبها: "بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك". فعلت مثلما قال والدها. بمجرد دخولها المسجد الحرام شعرت بشعور لذيذ يغمرها وتنبهت كل حواسها. نظرت حولها إلى المعتمرين لتشعر بسكينة وصفاء. كانت تنظر حولها بدهشة ورهبة واستمتاع. شعور غريب لم تألفه من قبل. كان والدها مستمرًا في التلبية وهي كذلك، حتى وصلا إلى الكعبة فأمرها بقطع التلبية. يالله!

نظرت "آيات" إلى الكعبة لتشعر وكأن الزمن توقف بها. وكأن العالم كله ما هو إلا هذه البقعة المباركة ولا شيء سواه. لا تعرف "آيات" من أين أتتها تلك العبرات، ولا لماذا أتت، لكنها وجدتها تتساقط فوق وجنتيها بغزارة. لم يكن الحزن سبب بكاءها، بل كان التأثر الشديد. شعرت وكأنها أمام شيء عظيم، شيء لا تستحق الوقوف أمامه ولا التواجد حوله. شعرت بنفسها صغيرة للغاية، ضعيفة للغاية، مليئة بالذنوب والخطايا.

توجها إلى الحجر الأسود، فإضطبع "عبد العزيز" -أي كشف عن كتفه الأيمن

-. من حظهما كان الزحام قد خف نوعًا ما، فاستطاعا الاقتراب منه. أمرها والدها بلمسه بيدها اليمنى وتقبيله. تذكرت "آيات" كلام والدها قبل صعودهما إلى الطائرة. أخبرها أن في تقبيل الحجر الأسود اتباع سنة، ليس المقصود بها التبرك أو غير ذلك، بل المقصود هو فعل شيء فعله النبي صلى الله عليه وسلم. تذكرت والدها حينما قال لها أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال حين قبّل الحجر الأسود:

(إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك) . وقال لها أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن مسح الحجر الأسود والركن اليماني يحطان الخطايا حطًا". شعرت بقشعريرة تسري في جسدها وهي تتلمس الحجر الأسود بيدها. لم تتمالك نفسها مرة أخرى ففاضت عيناها بالبكاء. أمرها والدها قائلاً: "قولي 'بسم الله، والله أكبر' عشان نبدأ الطواف."

ففعلت "آيات". تذكرت كلام والدها أنهما سيطوفان 7 أشواط تبدأ من الحجر الأسود وتنتهي عنده. وخلال ذلك تستطيع قراءة القرآن أو الدعاء أو الاستغفار. مسحت بيدها هي ووالدها على الركن اليماني بدون تقبيل وسمعت "عبد العزيز" يقول: "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ." فعلت مثله.

طافت "آيات" وهي تستغفر الله عز وجل وتبكي بحرقة. ما زالت تجهل أسباب بكائها لكن كل ما حولها يجعلها تبكي. شعرت وكأن البكاء يطهرها ويزيل ما في قلبها وروحها من آثام. استشعرت بأن الله عز وجل يراها الآن، تفعل ما أمر به، وتستغفره. فازدادت حدة بكائها. كان "عبد العزيز" قد سبقها في أول ثلاث أشواط حيث الرمل -أي الإسراع في السير

-. أما باقي الأربع أشواط فمشى مشيًا عاديًا استطاع أن يكون قريبًا منها فيستمع إلى بكائها. نظر إليها في حنان وأكمل دعاءه واستغفاره وتضرعه إلى الله عز وجل لشفاء ابنته وحفظها من كل سوء. بعدما انتهيا من الطواف قام "عبد العزيز" بتغطية كتفه الأيمن واتجه إلى مقام إبراهيم، هو الحجر الذي كان إبراهيم عليه السلام يقف عليه عند بناء الكعبة، وفي هذا الحجر أثر قدمي إبراهيم عليه السلام. تذكرت كلام والدها

أن عمر رضي الله عنه قال: "وافقت ربي في ثلاث، فقلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت: 'وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى'". ذكرها والدها قائلاً: "آيات" يا بنتي، هتقري في الركعة الأولى بعد الفاتحة سورة (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) . وفي الركعة الثانية بعد الفاتحة سورة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)

أومأت برأسها إيجابًا وبدأت في الصلاة. بعدما انتهت من صلاتها أخذها والدها حيث ماء زمزم، ذلك الماء المبارك الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: "ماء زمزم لما شرب له". شربه "عبد العزيز" بنية أن يقيه من عطش يوم القيامة ثم التفت إلى "آيات" قائلاً: "اشربيه يا بنتي بنية إن ربنا يشفيكِ."

شربت "آيات" ذلك الماء المبارك وهي تدعو الله عز وجل أن يشفيها ويفرج كربها ويزيل همها وينير بصيرتها. شعرت بأن للماء مذاقًا خاصًا في فمها. لم تشعر من قبل بأن للماء طعمًا، لكن هذه شعرت وهي تشرب من زمزم بأن له طعمًا مميزًا تمنت أن يبقى في فمها للأبد. بعد ذلك عادا إلى استلام الحجر الأسود مرة أخرى بالتقبيل. ثم توجها إلى المسعى وعندما اقتربا من الصفا تلا "عبد العزيز" قول الله تعالى

(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) وكذلك فعلت "آيات". بعدما صعدا إلى الصفا نظرا إلى الكعبة واستقبلا القبلة وردد "عبد العزيز" ثلاث مرات ومعه "آيات":

"اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملكُ، وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنـجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده." بدأ هو و "آيات" في السعي وقراءة القرآن والدعاء والاستغفار حتى وصلا إلى المروة. رددوا ثلاث مرات مع النظر إلى الكعبة:

"اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، لا إله إلا الله، وحدهُ لا شريكَ له، لهُ الملكُ، ولهُ الحمدُ، وهو على كلِّ شيء قدير، لا إله إلا الله، وحده، أنـجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده."

ظلا يسعيان بين الصفا والمروة. وبعدما أتما الشوط السابع عند المروة قام "عبد العزيز" بحلق جميع شعر رأسه. وقص لـ "آيات" مقدار عقلة إصبع من شعرها. بدل "عبد العزيز" ملابس الإحرام بملابسه العادية. أما "آيات" فظلت في الملابس الفضفاضة التي ارتدتها لأداء العمرة.

مكثا في مكة بعض الوقت وحملا معهما الهدايا وماء زمزم. وتوجها إلى الكعبة وطافا بها طواف الوداع قبل أن يغادرا مكة. شعرت آيات وهي تطوف طواف الوداع وكأنها تودع شخصًا عزيزًا. شعرت بأنها ستفتقد هذا المكان بشدة. شعرت براحة وسكينة لم تألفهما من قبل. شعرت وكأن كل همومها وأحزانها قد زالت وكأنها ولدت في ذلك اليوم بقلب جديد، روح جديدة. شعرت بسعادة بداخلها لا تدري سببها. شعرت بأنها ستعود إلى هذا المكان مرة أخرى، بل مرات. فحنينها لهذا المكان بدأ ولن ينطفئ أبدًا.

نظرت من شباك الطائرة إلى المدينة قبل أن تغادرها. نظرت لها من السماء بملء عينيها وكأنها تحفر صورتها في قلبها وعقلها. أسندت رأسها إلى المقعد وهي تتنهد في راحة. وتتذكر ما فعلته في العمرة. ربت والدها على يدها وابتسم لها قائلاً بحنان: "مبسوطة يا "آيات"؟

نظرت إليه وابتسمت. اغرورقت عيناه وهو يراها لأول مرة منذ فترة تبتسم بسعادة. وتلمع عيناها بهجة. شعر بأنه يرى "آيات" التي افتقدها والتي اشتاق إلى رؤيا ابتسامتها العذبة. اتسعت ابتسامته وهو ينظر إليها بحنان. كان ينتظر منها إيماءة برأسها لتجيب بها عن سؤاله كما هي عادتها. لكن دموعه أخذت في التساقط على وجنتيه عندما ردت قائلة: "الحمد لله."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...