الفصل 12 | من 32 فصل

رواية جواد بلا فارس الفصل الثاني عشر 12 - بقلم بنوته اسمرة

المشاهدات
29
كلمة
7,277
وقت القراءة
37 د
التقدم في الرواية 38%
حجم الخط: 18

انتظر "آدم" فى توتر إلى أن سمحت له سكرتيرة "شكرى" والد "ساندى" بالدخول. دخل مكتبه بثقة وتبادلا عبارات السلام والمجاملة. ثم قال "شكرى" بإعجاب شديد: "الحقيقة المشروع إلى "ساندى" ورتنى الملف بتاعه مشروع هايل جداً. وكمان المنطقة نفسها شوفت الصور والسى دى اللى كانوا مع الملف. وبصراحة المنطقة تحفة." قال "آدم" بحماس: "وعلى الواقع شئ تانى. مكان بجد خيال." صمت "شكرى" قليلاً ثم قال: "بس فى نقطة مخوفانى شوية يا دكتور."

قال "آدم" وقد ضاقت عيناه: "نقطة إيه؟ قال "شكرى" بجدية: "المنافسة القوية اللى هنواجهها هناك." ابتسم "آدم" بثقة وهو يقول: "وهو ده بالظبط اللى أنا عايزه." قال "شكرى" بإستغراب: "إزاى يعنى؟ قال "آدم" شارحاً:

"المنطقة اللى اخترتها عشان أنفذ عليها مشروعى هى من أروع مناطق العين السخنة. المنطقة دى على شكل دايرة. متقسمة من النص لـ 3 مثلثات. كل مثلث بيمثل قرية سياحية. يعنى المنطقة عبارة عن 3 قرى سياحية على شكل دايره. بيشتركوا مع بعض فى نقطة واحدة فى النص ودى اسمها "المنطقة الخضراء" وهى مساحة كبيرة للـ 3 قرى حق الانتفاع بيها." قال شكرى: "تمام." فأكمل "آدم" بحماس:

"الـ 3 قرى ملك لمجموعة شركات كبيرة مصرية وأجنبية وبيأجروا القرى التلاته بالكامل للشركات السياحية. الـ 3 قرى دول قرية واحدة بس منهم هى اللى متأجرة حالياً وهى اللى شغاله والقريتين التانيين غير مؤجرين." قال "شكرى" وهو يفكر بإمعان: "بس يا دكتور القرية اللى متأجرة دى متأجرة لرجل أعمال كبير أوى وكمان القريه بتاعته ناجحة جداً وعليها إقبال كبير كل موسم." قال "آدم" بتهكم:

"القرية دى ناجحة بدراسة الجدوى بتاعتى وبالأسس اللى حطتها أنا لإدارة القرية السياحية." قال "شكرى" بإستغراب: "إزاى يعنى؟ قال "آدم" بصرامة: "أنا كنت داخل شريك فى المشروع ده مع "سراج اليمانى" صاحب القرية اللى شغاله دلوقتى واسمها "قرية الفيروز". بس حصل خلافات بيني وبينه وهو خد دراسة الجدوى و كل تفاصيل خطتى اللى حطتها عشان ادارة القرية ونفذها بالمللى. وده سر نجاح قريته." قال "شكرى" بحماس:

"يعنى حضرتك يا دكتور تقدر تحط خطة عمل وطريقة فى إدارة القرية تضرب بيها شغل "سراج اليمانى"؟ ابتسم "آدم" قائلاً: "بالظبط كده. لإننى عارف كل صغيرة وكبيرة فى "قرية الفيروز" وعارف كويس عيوبها ومميزاتها. وأقدر أخلى "سراج اليمانى" خلال فترة صغيرة يقفل القرية ويقعد فى بيتهم." ضحك "شكرى" قائلاً: "ممتاز يا دكتور. شكلنا هنعمل بيزنس كبير أوى مع بعض. لإننى زيك بعشق روح التحدى وطموحى ملوش حدود." ابتسم "آدم" قائلاً:

"أهم حاجة عندى إنى أبدأ تنفيذ فى أقرب وقت." قال "شكرى": "اللى فهمته من "ساندى" إنك معندكش استعداد حالياً تدخل شريك فى رأس المال." قال "آدم": "بالظبط كده. أنا هدخل شريك بالمجهود مقابل إدارتى للقرية كاملة من الألف للياء." قال "شكرى" مبتسماً: "اتفقنا يا دكتور وهكلم المحامى يجهز العقود والنسب ولينا قعدة تانية مع بعض." ثم قال: "بس قولى لو كل حاجة مشيت تمام. انت هيكون عندك استعداد تسافر العين السخنة إمتى؟ قال "آدم" بثقة:

"السنة الدراسية باقى عليها أقل من شهر. بمجرد ما الإمتحانات تخلص هطلب أجازة من الجامعة وأسافر فوراً." قال "شكرى" ضاحكاً: "أحب الناس اللى عندها حماس كبير زيك يا دكتور. اتفقنا." *** خرجت "أسماء" من المصعد فتناهى إلى مسامعها صراخ أبويها من داخل البيت. فتحت الباب بسرعة وتوجهت إليهما قائلة بحده: "حرام عليكوا صوتكوا جايب لآخر العمارة فضحتونا قدام الناس." أكمل والدها موجهاً حديثه لوالدتها دون أن يأبه لوجود "أسماء":

"أصل انتى أصلاً مش ست زى باقى الستات. لو كنتى فاكرة نفسك ست تبقي غلطانة. هو أنا إيه اللى بيخلينى أبص بره ما أنا لو لاقى ست جوه البيت مش هبص بره." صاحت أمها بتهكم: "ليه بأه إن شاء الله؟ أنا ست غصب عنك. بس الدور والباقى على اللى عامل نفسه راجل وهو تيييييييييت. أصلاً التيييييييييييت ميعرفش إلا التيييييييييت اللى زيه. عشان كده كل اللى بتعرفهم بنات صيع زيك بالظبط." قبل أن تكمل حديثها هوى زوجها على وجهها بصفعة.

صمتت آذان "أسماء" وهى تصيح باكية: "كفاية بأه حرام عليكوا." صاح والدها في والدتها: "أنا هوريكي يا بنت التيييييييييييييييت إذا كنت راجل ولا لأ." أفاقت والدتها من صدمة الصفعة سريعاً ودفعته بيديها قائلة: "امشى اطلع بره بيتي يا تييييييييييييييت." دفعها زوجها بيديه هاتفاً بغضب: "بيتي مين يا أم بيت ده بيتي أنا. انتى اللى تطلعي بره مش أنا." صاحت أمها بغضب:

"لأ بيتي أنا مشاركات فيه بفلوسي. وانت اللى هتطلع منه مش أنا. ما انت لو كنت راجل كنت عرفت تجبلى شقة بفلوسك لكن طول عمرك فاشل وصايع وبتاع نسوان ولولايا كان زمانك بتشحت انت وبنتك." هوى زوجها وجهها بصفعة أخرى وقال:

"أظاهر انتى عايزة تتربى. أنا بأه هسيبك كده زى البيت الوقف. لا انتى طايلة جواز ولا طايلة طلاق وابقى ورينى هتعملى إيه. أما علمتك الأدب وربيتك مبقاش أنا. وهتجوز عليكي بدل واحدة تلاتة وهجيبهم يعيشوا معاكى هنا وابقى ورينى هتعملى إيه. أعلى ما في خيلك اركبيه." لم تحتمل "أسماء" المزيد فخرجت من البيت لا ترى أمامها من فرط دموعها المنهمرة على وجهها. *** أنهت "سمر" الكشوفات وظلت جالسة في مكتبها شاردة تفكر في كلام والدة "على".

وجدت في داخلها مشاعر كثيرة متناقضة. فرح. خوف. لهفة. رغبة في الموافقة والرفض في نفس الوقت. لكم تكره هذا الشعور. الشعور بالعجز والحيرة. لا تستطيع أن تتحدى خوفها وتقدم على تلك التجربة. تذكرت كيف مضت عليها وعلى والدتها الأيام والليالي دون أن يجدوا ما يسدوا به رمقهم. تذكرت الشعور بالجوع. ليس جوع جسدي فحسب. بل جوع عاطفي. جوع عاطفي لأب يحتوي ويطمئن ويبتسم في وجهها فيعطيها الأمل ويخفف من أوجاعها.

أب يمسك بيدها الصغيرة ويقول لها لا تخشي شيئاً يا صغيريتي فأباكي موجود. أب تراه يحتضن والدتها ويمسح دمعها. لكنه اختار الرحيل. بل الهروب. وكأنهما حمل ثقيل على عاتقيه. أخذت تتساءل: ترى أين هو الآن؟ ماذا يفعل؟ أتزوج مرة أخرى؟ بالتأكيد تزوج. أله أبناء؟ ألها أشقاء وشقيقات؟ لماذا لم يعد؟ إذا تحسن به الحال لماذا لا يعود؟ لماذا حتى لا يخبرهم عن مكانه؟ لماذا لا يتصل كل فترة ليطمئن عليهم؟ ألهذه الدرجة نسييهم؟

نسي أن له زوجة وابنة؟ أخذت تتساءل في ألم: ألم يشتاق إليها وإلى والدتها؟ ألم يشتاق إلى ابنته الصغيرة التي تركها يرقة صغيرة؟ ألم يشتاق إلى أن يراها وهي فراشة يافعة؟ عادت بتفكيرها إلى "على". وإلى رغبته في الارتباط بها. أخذت تتساءل في نفسها: أي نوع من الرجال أنت يا "على"؟ أ تستطيع الصمود في مواجهة مصاعب الحياة أم ستهرب عند أول أزمة؟ إلى متى ستستطيع الصمود؟ أ تستطيع حقاً أن تواجه الحياة معي. بحلوها ومرها؟

أم ستترك يدي في منتصف الطريق؟ أريد أن أطمئن إليك يا "على" وأن أثق لك. لكن كيف السبيل إلى ذلك؟ *** استيقظ "آدم" من النوم فزعاً. استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ونهض يغسل وجهه. عاد إلى غرفته وهو يشعر بأن النوم فارق جفونه. جلس على فراشه في ظلام الغرفة. وشعور بالضياع يتملكه. نظر إلى فراشه وهو يتذكر "آيات" يوم أن كان مريضاً. تذكر خوفها وقلقلها عليه. تذكر رقتها وحنانها وهي تطعمه في فمه.

أغمض عينيه بألم وهو يعترف لنفسه بأنه يشعر بالحنين إليها. ويتمنى أن تعفو عنه وتسامحه وأن تغمره بحبها وحنانها من جديد. صرخ قلبه قائلاً: آه يا "آيات" لو تعلمين كم أحتاج إليكِ الآن. أحتاج إليكِ لتطيبي جراحي ولتساعديني على أن أخرج من هذا المستنقع الذي غمرت نفسي به. لست خائفاً على نفسي الآن بقدر خوفي عليكِ. من سيطيب جراحك؟ وهل ستطيب يوماً؟ كم أتمنى رؤيتكِ. والتمتع بابتسامتك العذبة التي تغمر قلبي بعذوبتها ورقتها وصدقها.

ماذا فعلت بكِ وبنفسي؟ توجه إلى حاسوبه وفتحه. تأمل صورتها بلهفة وحنين واشتياق. قرأ رسائلها. طبع كل حرف فيها داخل ذاكرته. كيف استطاع أن يفرط في حب بتلك القوة. وفي فتاة بهذا الصدق والبراءة. فتاة أعطته قلبها ومشاعرها واهتمامها ولم تبخل عليه حتى بذهبها. أعطته كل شيء. فماذا أعطاها هو؟

لم تثقل عليه بالطلبات طوال فترة الخطبة. بل لم تطلب أي شيء أصلاً. لم تسأل حتى عن مكان سكنهما. لم تسأل عن مرتبه. لم تتضايق من مكان سكنه وبيته المتواضع عندما زارته. لم تعلق حتى على هذا الأمر وتعاملت بشكل طبيعي. واندجت مع والدته وعاملتها بطيبة بلا غرور أو ترفع. أخذ يفكر بألم: لن أجد مثلها يوماً. فتاة لم ترد مني إلا قلبي. ولم أرد أنا سوى تحطيم قلبها. *** فوجئ "آدم" بـ "عبد العزيز" يقتحم مكتبه بالجامعة ويلقي أمامه

علبة الشبكة ويقول بصرامة: "تفضل شبكتك واوعى أشوفك بتقرب من بنتي تاني." لم يترك له فرصة الرد وتوجه "عبد العزيز" إلى الخارج وهو يصفق الباب خلفه بقوة. فتح "آدم" العلبة يتلمس القطع الذهبية التي اختارتها "آيات" بنفسها. تذكر فرحتها وسعادتها في هذا اليوم وهي تنتقي كل قطعة وتجربها. تذكر ابتسامتها العذبة وهي تقول له "مبروك علينا احنا الاتنين".

أغلق العلبة وألقاها فوق المكتب بلا مبالاة. تنهد في حسرة وهو يسند رأسه إلى قبضتي يده فوق المكتب. توجه "عبد العزيز" إلى عميد الكلية وقص عليه ما حدث من "آدم" تجاهه وتجاه ابنته. قال بحده: "الدكتور اللي زي ده لازم يُطرد من الجامعة. مينفعش واحد زي ده ويدرس لطلاب وطالبات. واحد بالأخلاق دي ميصحش إنه يدرس في جامعة محترمة ولا كلية محترمة. لازم يُطرد عشان يكون عبرة لغيره." قال العميد وهو يتصل بمكتب "آدم":

"هدى نفسك يا فندم وإن شاء الله هنشوف الموضوع ده. ألو.. دكتور "آدم" ياريت تشرفني شوية في مكتبي. طيب منتظرك." فوجئ "آدم" بوجود "عبد العزيز" في حجرة العميد. قال العميد: "تفضل اقعد يا دكتور "آدم"." جلس "آدم" وهو يتنهد بضيق. قال العميد: "الأستاذ "عبد العزيز" جاي يقدم فيك شكوى." قال "آدم" بضيق: "شكوى إيه يا فندم؟ صاح "عبد العزيز" قائلاً: "يعني مش عارف اللي عملته؟

ضحكت عليا وعلى بنتي وخطبتها وكنت عايز تكتب عليها وكل ده عشان تبتزني أنا وهي؟ مش عارف إزاي ضميرك وأخلاقك ماتوا للدرجة دي." قال العميد: "لو سمحت يا أستاذ "عبد العزيز" مفيش داعي للكلام ده." ثم التفت إلى "آدم" قائلاً: "ردك إيه يا دكتور "آدم" على اللي سمعته دلوقتي؟ قال "آدم" ببرود: "عنده دليل على اللي بيقوله ده؟ لو عنده دليل يقدمه." هتف "عبد العزيز" بغيظ: "أما بجح صحيح." قال "آدم" للعميد متجاهلاً "عبد العزيز":

"أنا يا فندم كنت هاجي لحضرتك عشان أقدم على إجازة بعد ما تنتهي السنة الدراسية دي." ثم نظر إلى "عبد العزيز" قائلاً: "هسيب القاهرة كلها." قال "عبد العزيز" بخنق: "يكون أحسن برضه." قال العميد: "ياريت نحل الموضوع ودي ومفيش داعي الموضوع يكبر. إيه رأيك يا أستاذ "عبد العزيز"؟ قال "عبد العزيز" بحزم قبل أن يغادر:

"أنا هشتكي للي خلقه. هو قادر ينتقم منه ويجيب لي حق بنتي. مش هقول إلا حسبي الله ونعم الوكيل. بنتي من يوم اللي حصل وهي مفتحتش بقها بكلمة. بس ربنا قادر ينصر المظلوم وينتقم من الظالم." غادر "عبد العزيز" ليترك "آدم" غارقاً في بحور الندم والألم. *** عادت "إيمان" من الخارج بصحبة والدتها وهي تهتف: "كان حتة يوم. رجلي خلاص مش قادرة أمشي عليها." قالت أمها: "هو انتي فاكرة شوار العروسة بالساهل ده؟ هم ما يتلم." ضحكت "إيمان" قائلة:

"لأ ده أنا لو فضلت كل يوم أخرج بالشكل ده على الفرح هكون اختفيت." قالت أمها: "أهو أحسن من شوربة الكرنب اللي قارفة نفسك بيها ليل نهار." قالت "إيمان" بمرح: "لأ خلاص كرنب إيه ده؟ المشي اللي مشيته النهاردة يعادل حلتين تلاتة أربعة. أنا هبطل كرنب وهركز في موضوع الشوار ده. دخل مزاجي." هتفت أمها قائلة: "آه ياختي هو انتي دافعة حاجة من جيبك." ضحكت "إيمان" وهي تعانقها قائلة:

"ربنا يخليكي لينا يا ست الكل يا منورة حياتنا وميحرمناش منك أبداً." توقفا عن الحديث بعدما خرج "على" من غرفته لينظر إليهما نظرة تردد وحيرة وأسى. قالت أمه: "انت مروحتش الشغل يا "على"؟ تنهد قائلاً: "لأ روحت وجيت يا مام." قالت "إيمان" بمرح: "إيه مالك شايل طاجن ستك كده ليه؟ قال "على" بضيق: "عريس "إيمان" اتصل بيا من شوية." قالت "إيمان" بلهفة: "خير قالك إيه؟ صمت "على" قليلاً وهو ينظر إلى أخته يشفق على ما ستسمعه.

ثم قال بصوت خافت: "قال كل شيء نصيب." اختفت ابتسامة "إيمان" وهي تنظر إلى أخيها في حيرة. ضربت أمها بيدها على صدرها قائلة: "إيه؟ يعني إيه؟ وهو كان لعب عيال؟ قال "على" يهدئ: "قال إنه مش مرتاح وكل شيء نصيب." تجمعت العبرات في عين "إيمان" وقالت بصوت مرتجف: "بس هو كان موافق. إيه اللي حصل؟ قال "على" وهو يرمقها بعطف: "معرفش يا "إيمان". مقالش غير كده." ثم قال: "بصي يا إيمان. مش انتي صليتي استخارة؟

يبأه ده نتيجة صلاتك وأكيد ربنا اختارلك الخير ليكي." هتفت "إيمان" بغضب وحرقة: "حرام والله العظيم حرام." لم تقف "إيمان" لتسمع المزيد من كلمات المواساة بل توجهت مسرعة إلى غرفتها وأغلقتها عليها وألقت بنفسها فوق فراشها لتعود وسادتها تتبلل بدموعها من جديد. *** بدأت الامتحانات سريعاً ودخل الطلاب في دوامتها التي تشقلب كيانهم رأساً على عقب. كان في ذلك أثر كبير في أن تنخرط "آيات" في شيء ينسيها ولو لبعض الوقت التفكير في حزنها.

كان امتحان مادة إدارة الأعمال هي المادة الأخيرة في الجدول. قامت "آيات" بقصها من الجدول قبل أن تعلقه على باب غرفتها. حتى كتاب المادة وأوراقها أخفتهم في مكان لا تقع عيناها عليهم. حاولت أن تتناسى حزنها وكربها وساعدها على ذلك والدها ووجود "أسماء" بالقرب منها. كل يوم تقترب فيه من آخر مادة كان يدب الخوف في أوصالها والألم في قلبها. حتى أتى اليوم الموعود. ليلة الامتحان.

كانت تضع الكتاب أمامها لا تجرؤ حتى على لمسه. كانت تنظر إليه بتقزز شديد وهي تشعر وكأن هذا الكتاب جزء منه. جزء من "آدم". حاولت التركيز في مذاكرة هذه المادة التي كانت تحفظها عن ظهر قلب لكنها وجدت أن عقلها صفحة بيضاء وكأنها تقرأ هذه المادة للمرة الأولى. في صبيحة يوم الامتحان. ارتدت "آيات" أول ما وقع تحت يدها من دولابها. ودون أي زينة كمان هي عادتها في الأيام الماضية. نزلت إلى الأسفل ليستقبلها والدها مبتسماً مشجعاً.

كان "عبد العزيز" يقوم بتوصيلها إلى الكلية في كل امتحان ويجلس في كافيتيريا الكلية حتى تنتهي من أداء امتحانها ويرجعها إلى البيت. كان يخشى عليها بشدة أن تقابل "آدم". أو يحاول مضايقتها. دعا الله كثيراً في هذا اليوم أن يمر الامتحان الأخير دون مشاكل. وقف ونظر إليها بحنان قائلاً: "جاهزة يا حبيبتي؟ أومأت برأسها. سارا معاً إلى السيارة وانطلق بهما السائق إلى الجامعة.

جلست "آيات" في المدرج تنتظر ورقة الأسئلة وقلبها يخفق بعنف. تمنت ألا تراه. تمنت أن يمضي اليوم بسلام حتى تغادر هذه الجامعة بغير رجعة. التفتت حولها لتنظر إلى "أسماء" التي ابتسمت لها فبادلتها "آيات" بابتسامة هشة ضعيفة. حانت اللحظة وتم توزيع ورقة الأسئلة. فتحت "آيات" ورقة الإجابة وكتبت السؤال الأول. نعم هذا السؤال تعرفه جيداً. رأته كثيراً وحفظته عن ظهر قلب في بداية العام الدراسي.

لكن الآن. شعرت بأن الكلمات تهرب منها. وكأنها ترى السؤال لأول مرة. تعرف السؤال. وتعرف الإجابة. لكن أصابعها تأبى أن تكتبها. حاولت إرغام عقلها على التركيز دون جدوى.

ذكرها هذا السؤال بيوم ألقى "آدم" تلك المحاضرة. تذكرت كيف كانت تنظر إليه وقتها بحب ولهفة. تذكرت الامتحان المفاجئ الذي كانت تعلم بأمره. تذكرت يوم أن علمت بأنه يرغب في التقدم لها وخطبتها. تذكرت يوم خطبتها. تذكرت يوم مرضه وقلقها وخوفها عليه. تذكرت يوم شراء الشبكة. تذكرت يوم كتب كتابها ومدى سعادتها وهي تنظر إلى المرآة. حاولت إرغام عقلها عن التوقف في الاسترسال في تلك الذكريات التي أصبحت تؤلمها أشد إيلام. لكن عقلها أبى.

أسندت رأسها بيديها تحاول أن تصب تركيزها على ورقة الأسئلة دون سواها. لكن قلبها خفق بقوة حتى كاد أن ينخلع من مكانه عندما دخل "آدم" المدرج وقال: "أخبار الامتحان إيه يا شباب؟ لم ترفع رأسها. لم تحاول النظر إليه. صوته جعلها تشعر بالخوف. بالرعب. بالفزع. لا تدري مما هي خائفة. فقط تشعر بقلبها يخفق بجنون. ولا تتمنى سوى رحيله عن المدرج. وتركها بسلام.

بحث عن عيناه عنها. إلى أن رآها. كانت تدفن وجهها في ورقتها دون أن ترفعه لتنظر إليه. اقترب من أحد الطلبة وهو مازال ينظر إليها. قال للطالب: "أخبار الامتحان إيه؟ قال الطلاب بحماس: "سهل جداً يا دكتور. ده أسهل امتحان مر علينا." قال طالب آخر: "أول مرة تحط امتحان سهل كده يا دكتور. أكيد كلنا هننجح فيه." تقدم "آدم" تجاهها وتظاهر بفحص ورقة إحدى الطالبات التي ابتسمت وهي تقول: "شكل الدفعة كلها هتجيب امتياز يا دكتور."

لم يعبأ "آدم" بكلامها. فتركيزه كله ينصب على "آيات" التي لم ترفع عينيها إليه حتى الآن. ترك الطالبة وتقدم أكثر باتجاه "آيات". شعرت بأن الدماء هربت من وجهها. رأته بطرف عينها واقفاً بجوارها. شعرت بالاختناق وكأنه يسحب الأكسجين الذي تتنفسه. اقترب أكثر فأحاطت جسدها بذراعيها وكأنها تحمي نفسها منه. امتقع وجه "آدم" وهو ينظر إليها ويقول:

"يالله كم ذبلت. تلك الوردة اليافعة ذبلت للغاية. أين تلك الابتسامة العذبة التي كانت تزين محياها؟ أين تلك العينان اللتان كانتا تلمعان في مرح؟ أين هي تلك الفتاة التي تشع بهجة وسرور؟ أتته الإجابة من داخله: لقد قتلتها يا "آدم". قتلتها. شعر بألم حاد في قلبه. وبأسى ظهر جلياً على وجهه. امتدت يده ليتفحص ورقة إجابتها. لا شيء. لم تكتب أي شيء. شعرت بأن قربه منها يعذبها. يجدد آلامها وأحزانها التي لم تشفى منها بعد.

أخذت تصرخ بكل كيانها: ارحل. ارحل عني لا تقترب مني. لا أريد أن أراك. لا أريد أن أسمعك. لا أريد أن أشعر بك. وجودك يمزقني ويذكرني كم كنت ساذجة. كم كنت أضحوكة. كم كنت لعبة بين يديك. تجمعت العبرات في عينيها مهددة بالسقوط. مهددة بفضحها أمام عينيه. حاولت منعها بقوة من السقوط لكنها فشلت. وانهمرت عبراتها أمام عينيه. نظر إليها "آدم" يراقب تعبيرات وجهها المتألم. وتلك اللآلئ التي تتساقط من عينيها وتحاول محوها بسرعة. قال هامساً:

"أخبار الامتحان إيه؟ لم تشعر بنفسها إلا وهي ترفع يديها لتغطي أذنها. يالله لكم أصبحت تكره صوته. أصبحت تشعر بصوته وكأنه خناجر تمزق أذنيها. أحكمت وضع يديها على أذنيها حتى لا تسمعه أبداً. نظر إليها "آدم" بألم. ثم. ولدهشته وجدته يأخذ قلمها من بين أصابعها. تركته فوراً حتى لا تتلامس أيديهما. أخذ القلم وفتح ورقة إجابتها ودون أن ينتبه أحد وضع علامة مميزة بداخل الورقة. نظرت إلى العلامة التي صنعها بدهشة. ماذا يفعل؟

أيحاول الانتقام منها؟ أيحاول إيهام المراقبين بأنها من صنع تلك العلامة؟ أيحاول أن يضعها في مأزق؟ رفعت رأسها تنظر إليه. فتلاقت نظراتهما. تلك العينان الزرقاوان كم عشقتهما من قبل. كم تمنت ألا تفارقهما أبداً. كم سبحت في بحارهما. أما الآن فلا تشعرانها تلك العينان إلا بالألم. والنفور. والغضب.

نظر "آدم" إليها. كم تبدو بريئة. ضعيفة. حزينة. تمنى أن يزيل تلك النظرة عن عينيها. وتلك العبرات من وجهها. ليرى "آيات" التي يعرفها. التي تنظر إليه بحب وشوق. أخذ يهتف بداخله: ماذا أفعل لتسامحيني؟ ماذا أفعل لأنال ثقتك من جديد؟ ماذا أفعل حتى تتوقفي عن طعني بتلك النظرات المعاتبة الغاضبة. التي تشعرني بمدى سُوئي وحقارتي. أبعدت عينيها عنه. وقد اكتفت بما حصلت عليه من ألم. من عينيه التي أصبحت مصدر ألمها وشقائها.

آلمه بعدها ونفورها. لكنه يعلم جيداً بأنه يستحق ذلك. التفت ليغادر في صمت. انتهت "آيات" من أداء الامتحان الذي لم تكتب فيه إلا بضع كلمات لن تعطيها درجة النجاح بأي حال من الأحوال. وقفت خارج المدرج تبكي في إحدى الزوايا. خرجت "أسماء" وقالت لها بلهفة: "فيه إيه يا "آيات"؟ كتبت "آيات" في دفترها: "محلتش حاجة." عانقتها "أسماء" تحاول تهدئتها وهي تقول: "خلاص يا حبيبتي ولا يهمك. مش مهم." ثم نظرت إليها قائلة:

"طيب تعالى نشوف امتحان الشفوي." كتبت "آيات" في دفترها: "محلتش نظري كويس. الشفوي هيفيدني بإيه؟ قالت "أسماء": "يا ستي متعرفيش ما فيه ناس مبتبقاش حلة حاجة وبتلاقيهم بينجحوا. وإن شاء الله تنجحي." سارت "آيات" مع "أسماء" للبحث عن لجنة الشفوي. انتظرتا قليلاً مع الطلبة في الخارج حتى استطاعتا الدخول للدكتور الذي سيقوم بإمتحانهما شفهياً. جلستا أمامه. قال الدكتور: "أسماؤكم إيه؟

قالت "أسماء" اسمها. أما "آيات" فكتبته على ورقة وأعطتها له. نظر إليها في دهشة فقالت "أسماء": "معلش يا دكتور عندها مشاكل في زورها فعشان كده هتكتب الإجابات في ورقة." قال لها: "ربنا يشفيكي يا بنتي." نظر إلى اسمها ثم قال: "لأ انتي لجنتك مع دكتور "آدم خطاب"." تسارعت خفقات قلبها وهي تنظر إلى "أسماء" بدهشة. قالت "أسماء": "بس يا دكتور. دكتور "آدم" بيمتحن الدبلوم. و"آيات" دي أول سنة ليها في رابعة يعني دفعتنا." قال الدكتور:

"والله ده اللي دكتور "آدم" قالهولي. الطالبة دي تمتحن شفوي عنده." نظرت الفتاتان إلى بعضهما البعض ثم تمتمت "أسماء": "استنيني بره هخلص امتحان وأطلعلك." خرجت "آيات" ووقفت في الخارج وعلامات الأسى على وجهها. فجأة وجدت "أحمد" يقترب منها. ووقف أمامها. نظرت إليه "آيات" لترى نظرات الحزن في عينيه. بدأ حديثه قائلاً: "إزيك يا "آيات" عاملة إيه؟ أومأت برأسها. فشعر بالألم. وقال لها:

"أنا عرفت اللي حصل. محبتش أكلمك الفترة اللي فاتت. حسيت إني مش هقدر أعملك حاجة ولا أخفف عنك. بس النهاردة آخر يوم ومكنش ينفع يمر كده من غير ما أتكلم معاكي." توترت "آيات" فأكمل بأسى: "أنتي متستاهليش كده. متستاهليش كده أبداً." خانها عبراتها لتتساقط فوق وجنتيها. ظهرت علامات الألم على وجهه وهو يراها متألمة هكذا دون أن يجد في نفسه القدرة على التخفيف عنها.

على بعد خطوات وقف "آدم" ينظر إليهما. ينظر إلى "آيات" الباكية و "أحمد" الواقف أمامها يواسيها بكلماته ونظراته. شعر بغصة في حلقه. كان يجب أن يكون هو مكان "أحمد" الآن. واقف مع "آيات" يتحدث معها. سمع "أحمد" يقول لها: "أنا لسه بحبك يا "آيات". عارف إنك مش مستعدة أبداً تسمعي كلام زي ده دلوقتي. بس أنا فعلاً بحبك." ثم كتب في ورقة قائلاً: "دي أرقامي كلها. لو احتجتي أي حاجة كلميني في أي وقت."

أعطاها الورقة وهو ينظر إليها بحنان قائلاً: "ماشي يا "آيات"؟ كانت تشعر بالاضطراب. أخذت الورقة وأومأت برأسها. شعر "آدم" بالغضب تجاه هذا الـ "أحمد". ود لو ذهب إليه وصرخ في وجهه. ابتعد عنها. ود لو صرخ في وجه "آيات". ألقى بتلك الورقة في وجهه. لكنه يعلم جيداً أن كلا الأمرين لن يجني منهما إلا إحراج نفسه فحسب. انتبه "أحمد" لوجود "آدم" فنظر إليه بتحدي. ثم التفت إلى "آيات" قائلاً وهو يرفع صوته:

"حبيبتي مش عايزك تشيلي هم طول ما أنا جنبك." نظرت إليه "آيات" بعتاب. دخل "آدم" مكتبه وصفق الباب خلفه بقوة. انتبهت "آيات" على صوت غلق الباب فالتفتت لترى مصدره. في تلك اللحظة خرجت "أسماء" وسلمت على "أحمد" ثم قالت: "خلصت شفوي؟ قال "أحمد": "لأ لسه. هروح أمتحن وأرجعلك." واجذبت "أسماء" "آيات" في اتجاه مكتب "آدم". نظرت إليها "آيات" بحزن. فقالت "أسماء" بحده:

"آيات ضيعتي منك الـ 10 درجات بتوع المحاضرة ده غير الامتحان اللي اتعمل في آخر محاضرة واللي برضه محضرتيهوش والنظري محلتيش فيه كويس. إيه ناوية تضيعي الشفوي كمان؟ ظهر الألم على محياها فقالت "أسماء" بحنان: "عارفة إنه صعب بس حاولي تضغطي على نفسك. عايزين نخلص من الكلية دي بأه." ظهرت العبرات في عيني "آيات" ثم كتبت في دفترها: "مش قادرة يا "أسماء". لو شفته هيعيط تاني. مش عايزاه يشوفني ضعيفة وبعيط."

كانت في عينها نظرة تصميم ألا تحضر الامتحان. ألا تراه. امتثلت "أسماء" لرغبتها مرغمة وقالت: "طيب تعالي يلا ننزل زمان عمو مستنينا في الكافيتيريا." انتظرها "آدم". دخل كل طلاب لجنته إلا هي. أرسل إحدى الطالبات للبحث عنها فعادت تقول: "البنات قالولي إنها مشيت يا دكتور. شكلها مش هتحضر الامتحان." ظهرت علامات الحزن على وجهه. لقد أغلقت "آيات" كل الأبواب في وجهه. وها هي تغلق آخر باب. وآخر أمل. في أن يراها ويتحدث معها ويشرح لها.

شعر بالغضب وبالضيق. لماذا لا تعطيه فرصة الدفاع عن نفسه؟ لماذا لا تستمع إليه؟ لماذا تطرده خارج عالمها بلا شفقة أو رحمة؟ لماذا لا تريد أن تفهم أنه ليس بهذا السوء؟ ولكن ما الفائدة؟ لن يفيد أي كلام ولا أي سؤال. أيقن "آدم" في تلك اللحظة أنه بالفعل خسر "آيات". خســرها للأبـــد. *** -أنا آسفة يا طنط. قالت "سمر" ذلك بصوت مرتجف. حائر. مضطرب.

نعم تتمنى الموافقة. تتمنى أن تكون من نصيب "على". لن تنكر أنها انجذبت إليه. إلى أخلاقه وتدينه وغيرته وطيبته. لكنها خائفة. مازالت خائفة. مازالت لا تستطيع التغلب على خوفها. استخارت ربها. مرات ومرات. وقفت تناجيه في جوف الليل. لكنها مازالت خائفة. مازال الخوف يسيطر عليها ويشل تفكيرها. لن تستطيع الإقدام على هذه الخطوة. لا تشعر بأنها مستعدة لها بعد. نعم رفضته. رفضته وهي تتمنى الموافقة.

علم "على". حزن. وصدم. تحدث مع صديق طفولته قائلاً بتهكم ممزوج بالألم: "أكيد رفضتني عشان مش قد المقام." ثم قال: "أنا قولت لماما تقولها إني هدّور على شغل تاني. وإني لسه في بداية الطريق." ثم تنهد بحسرة قائلاً: "أعمل إيه؟

مش ذنبي إن حال البلد زي الزفت. مش ذنبي إن مفيش فرص شغل. مش ذنبي إني من أول ما اتخرجت مش عارف أشتغل شغلانة عدلة أكون بيها نفسي. أنا مش واحد صايع أنا اتعلمت وخدت شهادة بس للأسف مش عارف أشتغل بالشهادة اللي طفحت الدم عشان آخدها." قال صديقه مواسياً: "إن شاء الله تلاقي شغلانة أحسن يا "على"." نهض "على" وهتف بغضب قائلاً: "إمتى؟ هلاقيها إمتى؟ بعد ما "سمر" تضيع من إيدي وتتجوز أول واحد جاهز يخبط على باب بيتها؟ ولا إمتى؟

قول إمتى هعيش زي الناس وأبقى قادر أفتح بيت؟ لما يبقى عندي 40 سنة؟ التفت "على" ليغادر في عصبية جذبه صديقه قائلاً: "على استنى بس رايح فين؟ صاح "على" بحدة: "رايح في ستين داهية سيبني. بقولك سيبني." سار "على" بأقصى سرعة وهو لا يدري إلى أين تأخذه قدماه. كان يشعر ببركان ثائر بداخله. بركان غاضب ناقم يريد أن يخرجه ليرتاح. توقف بعدما تعب من المشي. أخذ يلهث وهو ينظر حوله. وجد مسجداً صغيراً فدخل وتوضأ وصلى.

بكت عيناه قبل قلبه وهو يتضرع إلى الله أن يفرج كربه وأن يفتح له أبواب الرزق. *** استيقظت "أسماء" من نومها على أصوات الصراخ مرة أخرى. جلست في فراشها للحظات ثم ما لبثت أن نهضت وخرجت لتجد النقاش قد احتد بين أبويها كالعادة. قالت "أسماء" بضعف: "حرام عليكوا بأه." هتفت والدتها بغضب: "تعالي يا "أسماء". تعالي شوفي أبوكي المحترم عمل إيه." ثم نظرت إليها أمها قائلة: "أبوكي اتجوز يا "أسماء"."

شهقت "أسماء" بقوة وهي تضع يديها على فمها وتنقل نظرها بين والدها ووالدتها في عدم تصديق. فصاح والدها متهكماً متشفياً: "أيوه اتجوزت. وهجيبها تعيش معاكي هنا في البيت عشان أذلك وأقهرك." صاحت زوجته بغضب: "ومين قالك إني هقعد لك هنا؟ أنا ماشية رايحة أعد في بيت بابا ولو مطلقتنيش هرفع عليك قضية خلع وهبهدلك في المحاكم." صاحت "أسماء" باكية وهي تنظر إلى والدتها برجاء:

"لأ أرجوكي متقوليش كده عشان خاطري متقوليش كده. مش هقدر أتحمل يا ماما. متسبوش بعض." قالت أمها: "إحنا أصلاً كان لازم ناخد الخطوة دي من زمان." ثم نظرت إلى زوجها بتحدي قائلة: "لو مطلقتنيش هرفع عليك قضية خلع فاهم." ثم توجهت إلى غرفتها تحضر حقيبة ملابسها. صاح زوجها بسخرية: "أعلى ما في خيلك اركبها. مش هطلق وهسيبك كده لحد ما ترجعي تبوسي جزمتي عشان أفتحلك باب الشقة."

شعرت "أسماء" وكأن الأرض تميد بها. نعم إنها تميد بالفعل. جلست على أحد المقاعد ودفنت وجهها بين كفيها لتنفجر في بكاء حار. *** نظر "آدم" حوله ليتأكد بأنه جمع كل أغراضه. أخرج الحقائب أمام باب البيت. ثم دخل وطرق باب غرفة والدته. فتحها ليجدها جالسة على فراشها تبكي بحرقة. اقترب منها وهو ينظر إليها بأسى. جلس بجوارها. صمت قليلاً ثم قال دون أن ينظر إليها: "أنا مضطر يا ماما. مضطر عشان أقدر أقف على رجلي تاني."

قالت له بصوتها الباكي: "اعمل اللي يريحك يا "آدم"." التفت إليها قائلاً: "ماما أنا فعلاً مضطر أسافر. بس متقلقيش. هظبط وضعي هناك وبعدين هاجي آخدك." قالت أمه باكية: "اعمل اللي فيه صالحك يا "آدم" ومتشلش همي يا ابني." تنهد "آدم" بألم وهو يشعر بالتمزق بين مشاعره ورغباته وطموحاته. نهض متثاقلاً. التفتت أمه تنظر إليه بأعين دامعة. انحنى وقبل رأسها ثم غادر سريعاً. حمل حقائبه وألقى نظرة أخيرة على البيت ثم خرج وأغلق الباب خلفه.

انخرطت والدته في بكاء مرير وتعالت شهقات بكائها وهي تضم إحدى صوره إلى صدرها. *** تعانق الصديقان طويلاً. ثم نظر "زياد" إلى "آدم" قائلاً: "فكرت كويس." قال "آدم": "أيوه يا "زياد" فكرت كويس." ثم سأله قائلاً: "هترجع شرم إمتى؟ قال "زياد": "بكرة إن شاء الله." تعانقا مرة أخرى وقال "زياد" قبل أن ينصرف: "خلي بالك من نفسك يا "آدم"." ربت "آدم" على كتفه قائلاً: "وانت كمان يا "زياد"."

ركب "آدم" سيارته. لكنه شعر بأنه يرغب في توديع شخص ما قبل ذهابه. أوقف سيارته أمام الفيلا. وهو ينظر إليها. يأمل أن يرى "آيات". يأمل أن يلقي عليها نظرة أخيرة. يأمل أن يخبرها بأنه راحل. سيترك القاهرة ويرحل يبني نفسه في مكان آخر. يأمل أن يعتذر إليها. ويطلب صفحها. يأمل أن يطمئن عليها. وأن يرى ابتسامتها على وجهها ليخف شعوره بالذنب تجاهها. وقف طويلاً دون أن يظهر لها أي أثر.

أدار سيارته وانطلق في طريقه إلى العين السخنة. لتحقيق أحلامه وطموحاته. ليعود "آدم خطاب" كما كان. ليبني كل شيء من العدم. ليعود قوياً ذا سلطة ومال. خسر "آيات" ويتألم لخسارتها. لكنه سيحاول تحقيق أحلامه. ليخفف شعوره بالخسارة. سيحارب "سراج" وابنه في عقر دارهم. سيذيقهم كأس الخسارة. ويجعلهم يتجرعون مرارة الندم. نظر بحزم إلى الطريق وسيارته تسير عليها بتصميم وإصرار. ***

على إحدى الطاولات في النادي. جلست الأربع فتيات. كل منهن شاردة في عالمها الخاص ومشاكلها الخاصة وأحزانها الخاصة. تنهدت "إيمان" في أسى وهي تتذكر الإهانة التي تعرضت لها. هذه المرة وقع الإهانة كان أقوى وأشد من سابقاتها. هذه المرة شعرت بمرارة الرفض في حلقها وفي قلبها وفي روحها. هذه المرة علمت وتأكدت بأن الفرح لن يطرق بابها أبداً فمثلها لن تحب ولن تُحب. لن تكون كصديقاتها لن تتزوج مثلهن. ستعيش وحيدة لأن مثلها لن يرغبها أحد.

فكرت بسخرية: لماذا يترك رجل تلك الفتيات الرشيقات النحيلات ليتزوج ممن هي مثلها؟ لن يحدث ذلك إلا في عالم أحلامها. أحلامها التي يجب أن تفيق منها وتعلم جيداً أنها مجرد أحلام وأوهام. يجب أن ترضى بواقعها وتقنع به حتى لا تتعب مرة أخرى. حتى لا تُهان مرة أخرى.

من الآن هي من سترفض. سترفض أن يراها أي رجل ليجلس واضعاً ساقاً فوق ساق ويقرر إن كانت تصلح له أم لا. لن تضع نفسها في هذا الموقف مرة أخرى. لن تسمح لأحد بإهانتها مرة أخرى أو التقليل من شأنها. سترفض قبل أن تُرفَض. تعلم أن في ذلك هروب. لكن المواجهة أصبحت مؤلمة. مؤلمة للغاية. أمسكت "سمر" إحدى الزهرات على الطاولة تتلمسها بيدها وقلبها يتساءل. تُرى أتعرف الحب يوماً؟ أ تستطيع الوثوق في رجل يوماً؟

ترى أستجد من يملأ ذلك الفراغ الذي تشعر به بداخلها؟ أحياناً تشعر بالندم لرفضها "على". كانت بالفعل تشعر بانجذاب تجاهه. لكنها ليست بحاجة إلى رجل يتقدم لخطبتها وتصير زوجته. بل هي بحاجة إلى أب. تشعر بأنها في كنفه وتحت حمايته. تشعر أمامه بأنها طفلة صغيرة وهو مسؤول عنها. تشعر معه بأنها ابنته وليس فقط زوجته. تُرى أمن الممكن أن يكون "على" ذلك الرجل حقاً؟ أتسرعت برفضها إياه؟

أمن الممكن أن يكون "على" هو الأب والزوج الذي تحلم به؟ مسحت "أسماء" دمعة كانت أن تفلت من عينيها وهي تتذكر شجارات والديها. ما هذا الكم من عدم الاحترام؟ لماذا تشعر دائماً بأن الاحترام مفقود بينهما؟ تذكرت إحدى الجمل التي قرأتها يوماً. أن أساس الزواج الناجح هو الاحترام القائم بين الزوجين وإن فُقد فهذا معناه أن حياة الزوجين معاً قد انتهت.

فكرت بمرارة في سطوة الرجل والذي يحق له أن يتزوج واحدة واثنان وثلاث وأربع. لماذا لا تكون للمرأة نفس السلطة فيحق لها الزواج من أكثر من رجل. لماذا يكون للرجل فقط حق قهر المرأة وإذلالها بالزواج من أخرى. لماذا التهديد دائماً بالزواج الثاني لارهاب الزوجة الأولى. شعرت بالاختناق وهي تضع نفسها مكان أمها. تُرى أمن الممكن أن تكون مكانها يوماً؟

أمن الممكن أن تتزوج رجلاً يلعب بورقة الزواج الآخر ليرهبها ويخضعها له. لن تتحمل. لن تحترمه. لن تستطع أن تعيش مع رجل لا يستخدم معها سوى أسلوب الارهاب لتحقيق ما يريد. لن تسمح لرجل أبداً بأن يهينها ويضربها ويسبها ويجرحها ويفرض سيطرته عليها. لن تكون تحت رحمة رجل لا تتمنى في الدنيا سوى رضاه. ولا يتمنى هو سوى قهرها. نظرت "آيات" إلى السماء الزرقاء. شعرت بأنها تذكرها بشيء ما. ظلت تحاول تذكره. إلى أن تذكرت. لون عيناه.

نفضت رأسها بألم وكأنها تريد إخراج أي ذكرى له من رأسها. تنهدت بقوة وهي تتذكر كيف أحبته وكيف وثقت به. وكيف ظنته فارسها. كيف خدعت فيه. كيف رفعها إلى فوق السحاب ليهوي بها فجأة إلى الأرض. لترتطم بها. لماذا لا توافق على الزواج من "أحمد"؟ الذي ينتظر إشارة منها. لماذا لا تفعل وتسكت قلبها عن التحدث من اليوم. وتترك لعقلها حرية التصرف. لماذا لا تأخذ بالمثل القائل. خد اللي يحبك. لماذا لا تفعل. "أحمد" ش.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...