الفصل 28 | من 32 فصل

رواية جواد بلا فارس الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم بنوته اسمرة

المشاهدات
31
كلمة
23,267
وقت القراءة
117 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

في صباح اليوم التالي، استيقظت كل فتاة بمشاعر مختلفة عن الأخرى. استيقظت "إيمان" بابتسامة على ثغرها وخفقات قلبها التي تشي بسعادتها وهنائها، ولمعة عينيها التي تراها لأول مرة وهي تنظر في مرآتها. نظرت إلى تلك الدبلة التي تزين أصابعها وأخذت تتحسسها في سعادة. "أسماء" استيقظت مثقلة القلب بالهموم، كسيرة الفؤاد، حزينة العينين. تحاول التغلب على ما بداخلها والتظاهر بأنها أفضل.

"سمر" استيقظت وهي ترى بشائر الصباح من الشرفة، تتطلع إلى البحر أمامها وهي تفتح لهوائه رئتيها لتعبيئها برائحته الذكية المنعشة. شعرت كطائر حر يسبح في الفضاء الشاسع، لكن قلب هذا الطائر يتمنى بشدة أن يجد وليفه الذي يركن إليه، ويسكن إليه، ويطمئن لقربه. "آيات" استيقظت على مشاعر: غضب، ألم، جراح، أحزان، ذكريات مريرة. لكن تتخلل كل تلك المشاعر القاسية لمسة من حنين. ابتدأ اليوم بتلك المشاعر المتباينة على الفتيات الأربعة.

دخلت "آيات" المطبخ لتسمع ضحكات ومزاح "إيمان" و"سمر" اللتان تعدان طعام الإفطار، فحَيَّتْهُما مبتسمة: -صباح الخير. التفتت الفتاتان إليها: -صباح النور. -صباح النور. خرجت "أسماء" من الحمام وحاولت رسم بسمة على شفتيها وهي تقبل "إيمان" قائلة: -ألف مبروك يا "إيمان". قالت "إيمان" وهي تتظاهر بالغضب: -لأ أنا زعلانة منك بجد. -والله عارفة إنك أكيد زعلانة، بس فعلاً أنا كنت تعبانة. معلش، ملحوقة، تتُعَوَّض في فرحك إن شاء الله.

التفت الأربع فتيات حول طاولة الطعام. قالت "سمر": -طبعاً هتسيبوني وتروحوا شغلكم؟ ابتسمت "آيات" قائلة وهي تلوك الطعام في فمها: -أيوه طبعاً، أمال عايزينانا نعد جنبك ولا إيه؟ قالت "سمر" بحزن: -طيب، هعمل أنا إيه لوحدي؟ هحس بملل فظيع. قالت "إيمان" ملتفتة إلى "آيات": -متخلي "سمر" يا "آيات" تروح العيادة بدل الدكتورة اللي واخدة إجازة النهاردة. هتفت "آيات": -والله فكرة. قالت "سمر" باستغراب: -عيادة إيه؟ قالت "آيات" شارحة:

-افتتحنا عيادة أطفال هنا في القرية. عيادة صغيرة بس ما شاء الله الإقبال عليها حلو أوي. بس الدكتورة اعتذرت لمدة أسبوع. إيه رأيك لو حسيتي إنك هتملي، تعالي اقعدي فيها شوية. قالت "سمر" بحماس: -أكيد طبعاً، أنا أصلاً رغم إرهاقي في الشغل إلا إني بعشقه. بجد بعشق الأطفال أوي ونفسي أفضل حوالي طول الوقت. بحس فيهم بالبراءة وبحاجات كتير لسه موجودة جوايا. ثم شردت قائلة وسحابة حزن في عينها: -عارفين...

ساعات بحس إني طفلة. ولما بشوف أب حنين على ابنه الصغير بقول في نفسي: يا ريتني رجعت صغيرة تاني ولقيت حد يتعامل معايا بحنية كده ويحسسني إنه بابا وإنه مسؤول عني. عمركم شفتوا واحدة بتتمنى راجل يحسسها إنه باباها؟ أهو أنا بتمنى كده. -نفسي في راجل أغْمِض عيني وأنا واثقة إنه مش هيضيعني. أرمي كل همومي وخوفي وحمولي عليه وأنا واثقة إنه هيكون قد المسؤولية. نهضت "أسماء" فجأة قائلة: -أنا همشي. نظرت إليها "آيات" قائلة:

-طيب استني، هخلص أهو ونمشي سوا. لم تترك لها فرصة للحديث، بل قالت وهي تحمل حقيبتها وتغادر: -لأ، هسيبكم عشان ورايا حاجات كتير. *** جلس "آدم" و"زياد" بصحبة "علي" و"كريم" في مكتب هذا الأخير. قال "كريم": -زي ما اتفقنا وقسمنا الشغل بينا يا شباب. أهم حاجة عندي إن يكون في تنسيق بينا. وأنا مش ديكتاتور، يعني اللي يكون عنده اقتراحات أفضل أو أساليب أفضل لسير العمل يبلغني بيها. ابتسم "آدم" قائلاً:

-تمام يا "كريم". إنت كده سهلت علينا كتير. وكمان ميزتك إنك بتحسس اللي بيشتغلوا عندك إنهم بيشتغلوا معاك مش عندك. قال "زياد" بحماس: -أنا بجد اتحمست أوي للشغل هنا. نظر "كريم" إلى ساعته وقال: -مفيش إلا ساعة على صلاة الجمعة. نتقابل في مسجد القرية إن شاء الله. أثناء انصراف الرجال من مكتب "كريم"، توجهت "آيات" إلى المكتب. وقف "آدم" أثناء خروجه ينظر إليها وحياها قائلاً: -صباح الخير.

تجاهلته تماماً ودخلت المكتب. ربت "زياد" على كتف "آدم" وساقه بعيداً. قالت "آيات" مبتسمة: -"كريم" عايزة منك خدمة. -خير يا "آيات"، أؤمري. قالت وهي تجلس أمامه: -هما خدمتين مش خدمة واحدة. الخدمة الأولى... صحبتي "سمر" اللي هي صاحبة "إيمان" اللي جت امبارح من القاهرة عشان تحضر كتب الكتاب. -آها، مالها؟

-هي دكتورة أطفال، وما شاء الله عليها ممتازة أوي وبتحب شغلها. وبما إن الدكتورة اللي في عيادة الأطفال في إجازة، إيه رأيك "سمر" تشتغل في العيادة بدالها؟ -بس يا "آيات"، البنت جاية عشان تحضر كتب كتاب صاحبتها وتريح لها يومين في القرية، نقوم نقولها تعالي اشتغلي عندنا؟ قالت "آيات" بحماس: -لأ، بالعكس دي مرحبة جداً. أصلاً زي ما قُلتلك هي بتحب شغلها أوي وكانت مضايقة إننا كلنا هنكون في الشغل وهنسيبها لوحدها.

-طيب خلاص، طالما كده مفيش مشكلة. -تسلم يا "كريم". الطلب التاني بقى... عايزة أخرج النهاردة أشتري شوية لبس. نظر إلى ملابسها قائلاً: -ماشي، مفيش مشكلة. نفس الستايل كده؟ ابتسمت قائلة: -لأ، ستايل تاني. بصراحة عايزة ألبس لبس يرضي ربنا بقى، مش عايزة أحس إني مقصرة في الموضوع ده. يعني مش عايزة أحس إن ربنا غضبان مني عشان لبسي. -هو لبسي أحسن من الأول بكتير، بس برضه حاسة إن لسه...

نفسي أكون زي "إيمان" و"سمر" كده، لبسهم محترم ومش ملفت. ابتسم "كريم" قائلاً: -والله فرحتيني يا "آيات". طيب إيه رأيك بقى إني هاجي معاكي ونختار اللبس سوا، وأي حاجة إنتي عايزاها هتكون هدية مني ليكي. -لأ، أنا اللي عايزة أشتريهم. أنا معايا فلوس، متقلقش. قال بحزم: -خلاص، اتنهت. وبعدين سيبيني آخد الثواب ده. كل ما تبقي لابسة حاجة واسعة أنا جايباها لي، هاخد أنا الثواب عليها. متحرمنيش بقى من الثواب ده لو سمحت.

ابتسمت باستسلام قائلة: -بس أنا عايزة أروح النهاردة. قال بمرح: -أمرك يا باشا. أصل الجمعة، هاخدك ونروح نجيب اللبس على طول. بس كده، دي "آيات هانم" تؤمر والعبد لله ينفذ. ضحكت قائلة: -ماشي يا سيدي، واضح إن مزاجك عالي النهاردة. طبعاً مش كتب كتابك كان امبارح. لاحت ابتسامة واسعة على شفتيه وهو يقول:

-عارفة، بمجرد ما كتبنا الكتاب وأنا حسيت إن قلبي ده عمال يرفرف بجناحاته. رغم إني مش كده خالص، يعني بحس إني مركز ومش خفيف، بس حسيت امبارح إني أخف من الريشة. أطلقت ضحكة عالية وقالت: -فين يا "إيمان" تسمعي الكلمتين دول عشان تعرفي تأثيرك في أخويا. -هي على فكرة بنت حلال أوي، وأكتر حاجة عجبتني فيها حياؤها. متتصوريش الصفة دي لما بتكون في البنت بتخليها جميلة في عين الراجل إزاي. ابتسمت "آيات" وهي تنظر إليه بسعادة قائلة:

-ربنا يباركلكوا في بعض. إنتوا الاتنين طيبين وتستاهلوا كل خير. *** توجهت إليه بعدما أخذت نفسًا عميقًا. حاولت ألا تنظر إليه وهي تقول: -لو سمحت يا أستاذ "علي"، عايزة إمضاء حضرتك على الطلب ده. التفت "علي" إليها وتناول الملف من يدها. قرأه بدقة ثم زيله بتوقيعه. استعادت منه الملف وهمت بالانصراف. باغتتها قائلاً: -آنسة "أسماء". توقفت دون أن تنظر إليه. بدا عليه التوتر والاضطراب. قال: -أنا آسف، أنا مكنش قصدي إني أجرحك بكلامي.

ظهر الحزن في عينيها، لكنها قالت بصعوبة: -عادي، محصلش حاجة. همت بالانصراف، لكنه أوقفها مرة أخرى وقال: -أنا كل اللي كان قصدي أقوله إن صحابك أكيد اتكلموا معاكي في الموضوع اللي كنا بنتكلم فيه وقتها. يعني مش محتاجة تسمعي أكتر من اللي سمعتيه عشان تنفذي وتختاري صح. أطرقت "أسماء" برأسها قليلاً، ثم نظرت إليه قائلة بألم:

-أنا للأسف غيرهم. مكنش ليا أب وأم يقولولي الصح من الغلط. كانوا مديني حرية في حاجات كتير منها لبسي. صعب أوي حد عاش كده تيجي فجأة وتقوله إنت غلط وإن الصح كذا. غصب عني مش عارفة أتقبل ده. تنهد "علي" ثم قال وهو ينظر أمامه:

-مش صعب لو الإنسان ده عرف إن ربنا هو اللي أمره بكده. ربنا هو اللي قال إن ده صح، وإن ده غلط. وعلى فكرة، طالما الإنسان ده مكنش يعرف الصح من الغلط ومحدش نبهه، ده يُعذَر لجهله. وربنا يغفر له إن شاء الله على اللي فات من حياته. لكن طالما عرف، يبقى كده أُقيمت عليه الحجة، ويبتدي يتحاسب. أيوه، كان جاهل، بس دلوقتي مَعَدِّش جاهل، وعرف الصح من الغلط. مينفعش

يفضل مستمر في الغلط ويقول: أصلي مكنتش أعرف. لأ، إنت دلوقتي عرفت، يبقى تلتزم بكلام ربنا وتنفذ. شعرت براحة غريبة وهي تتحدث إليه. قالت وهي تنظر إليه: -بس أنا أحسن من بنات كتير. حتى لو لبسي ضيق، بس أنا محترمة في تعاملاتي ومش بسمح لحد إنه يتجاوز معايا. إنت من ساعة ما أنا اشتغلت هنا سمعت عني كلمة وحشة أو شفت مني حاجة وحشة؟ قال "علي" بهدوء: -لأ، مشفتش منك حاجة وحشة ولا سمعت عنك حاجة وحشة. قالت "أسماء" بحماس:

-ربنا رب قلوب. يعني هو مطلع على تصرفاتي وعلى اللي في قلبي. وده أهم كتير من المظاهر. أهم كتير من إني ألبس محترم بس أبقى بنت مش كويسة وأتعامل مع الشباب بطريقة وحشة. في بنات كتير أوي محترمة أوي في لبسها بس مش محترمة في تصرفاتها. صمت "علي" للحظات ثم قال: -وإنتي ليه تبصي للي محترمة في لبسها ومش محترمة في تصرفاتها؟ ما تبصي للي محترمة في الاتنين. لازم الواحد يبص للي أعلى منه مش اللي أقل منه. اللي

بيبص للي أقل منه ويقول: أنا أحسن، ده بيفضل طول عمره تحت ومبيطلعش أبداً ولا بيتقدم. لكن اللي بيبص للي أعلى منه بيحب يقلده وبيحب يوصله وأكيد هيوصله. وبعدين، أيوه ربنا عارف اللي في قلبك ومطلع عليه، مختلف ناس في دي. بس برضه ربنا أمرك بحاجات لازم تنفذيها. يعني مينفعش متبقيش بتصلي وتقولي: ربنا رب قلوب، ربنا عالم باللي في قلبي وإني بنت كويسة. طيب ما تصلي، مش هو أمرك تصلي؟

صلي، إيه اللي منعك. لو إنتي فعلاً كويسة ومسلمة أمرك لله ومستسلمة لله ولأوامره ولنواهيه، هتصلي لأنه أمرك تصلي. أهو ربنا أمرك تتحجبي، وبمواصفات معينة. مينفعش تتحجبي على مزاجك أو بالطريقة اللي إنتي شايفاها صح. لازم تتحجبي بالطريقة اللي هو شايفها، واللي هو عايزها، واللي هو أمرك بيها. صمتت "أسماء" تحاول استيعاب كلماته وتمريرها على عقلها وقلبها. سألته بخفوت: -وإيه هي الطريقة دي؟ قال "علي" بحماس:

-أولاً، ميكونش ضيق يكون واسع. ثانياً، ميكونش شفاف ويبين الجسم. ثالثاً، ميكونش مبرفن ببرفان أو بخور أو أي حاجة يقدر اللي واقف جنبك يشمها. رابعاً، ميكونش ملفت. خامساً، ميكونش شبه لبس الكافرات. سادساً، ميكونش شبه لبس الرجال. سابعاً، ميكونش ثوب شهرة. نظرت إليه "أسماء" باستغراب وقالت: -معلش يعني، إيه "ميكونش ثوب شهرة" دي؟ مش فاهمة. قال "علي" بهدوء شارحاً:

-يعني متكونيش لابساه عشان الناس تشاور عليكي وإنتي ماشية في الشارع. الرسول نهانا عن اللبس المزيف أوي، الفخم أوي، اللي الواحد بيلبسه عشان الناس تشاور عليه وهو ماشي في الشارع، وده بيبقى خيلاء. ماشي، يعني يقول: يا أرض اتحدي ما عليكي قد. وبرضه نهانا عن اللبس الرث أوي، المبهدل أوي، اللي الواحد يلبسه عشان

الناس تشاور عليه وتقول: ده الراجل ده زاهد وعابد. يعني الرجال والنساء محرم عليهم لبس الشهرة. يعني متلبسيش حاجة ملفتة عشان الناس تشاور عليكي وتعرفك. تمتمت قائلة: -أيوه، فهمت. قال وهو ينظر إلى ساعته: -بعد إذنك عشان ألحق الصلاة. قالت بخفوت: -اتفضل.

التفتت تنظر إليه لتتابعه بنظراتها أثناء مغادرته. نعم، تعلم بأنه لن يفكر فيها يومًا، وأنها بالتأكيد ليست الفتاة التي سيختارها زوجًا وحبيبة، وأنها بالنسبة له فتاة متبرجة، وأنه ليس كأي رجل قابلته في حياتها. وعلى الرغم من ذلك، خفق قلبها بقوة ونعومة، وحب، وهي تتابعه بعينيها! ***

توافد الرجال في القرية على مسجد القرية الذي جهزه "كريم" بكل ما يلزم. ابتسم "آدم" الجالس على الأرض في انتظار بدء الخطبة وهو يميل على "زياد" قائلاً: -ما شاء الله، حلوة أوي فكرة المسجد في القرية. عشان الناس متكسلش تطلع بره القرية يدوروا على مسجد يصلوا فيه. أهو كده مفيش راجل في القرية له حجة. ابتسم "زياد" وهو يتأمل المسجد قائلاً: -فعلاً فكرة حلوة أوي. ثم التفت إلى "آدم" قائلاً:

-والله الواحد حاسس براحة كبيرة هنا. غير ما كنا بنحس في قرية النحس "شكري". أعوذ بالله، الواحد هناك كان بيبقى قلبه مقبوض على طول. لكن هنا سبحان الله، كفاية إن الواحد ضميره مرتاح. ابتسم "آدم" قائلاً: -ده غير معدلات الشغل هنا. أنا صعقت من الأرقام. قال "زياد" بمرح: -قال إيه، إحنا اللي كنا فاكرين إن قرية "شكري" عليها إقبال. لو جه شاف معدلات الحجز في القرية هنا هيقفل قريته ويقعد في بيتهم.

ساد الهدوء فجأة عندما اعتلى الإمام المنبر. نظر "آدم" و"زياد" إلى بعضهما في دهشة، فلم يكن الإمام سوى "كريم". ألقى نظرة على الموجودين وتلاقت أنظاره بأنظار "آدم" و"زياد". ثم... بدأ خطبته: -الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله الله عليه وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه. أما بعد:

يقول الله عز وجل: "وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ". فمن رحمة الله عز وجل بعباده أن باب التوبة مفتوح في كل زمان ومكان حتى تشرق الشمس من مغربها. رخصة لكل إنسان وقع في معصية أو ذنب صغيرًا كان أم كبيرًا، يستطيع بتلك الرخصة أن يتوب إلى الله عز وجل فيغفر له ذنبه ويمحيه تمامًا من صحيفة أعماله كأن لم يفعله في حياته قط. فلنتحدث عن أنواع البشر وأنفسهم. هناك شخص يملك بين جنباته

نفس أمارة بالسوء. وصاحب هذه النفس، والعياذ بالله، يقبل على المعصية ويميل إليها دائمًا دون أدنى شعور بالذنب. يقترف المعصية سرًا وجهارًا، ليلاً ونهارًا، دون أن يطرف له جفن. ونسي الملك المطلع عليه من فوق سبع سماوات. وهذه النفس استحوذ عليها الشيطان تمامًا فسار يحركها كيف يشاء، وهي مأوى للشر في جسم الإنسان ومنبع للشر.

وإذا قيل له: لماذا تفعل ذلك يا عبد الله؟ تعلل بعلل واهية ويضع أخطاءه على شماعة "إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا". كان "آدم" يستمع إلى الخطبة دون أن يرف له جفن. تعلقت عيناه بكريم وتعلقت أذناه بكلماته. أكمل "كريم" قائلاً: -النوع الثاني هي النفس اللوامة، والتي أقسم

الله بها في سورة القيامة: "لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ". وهي نفس في صراع دائم بين الخير والشر. إذا ارتكب صاحبها ذنبًا، ظل يلوم نفسه، ويؤنبها، ويستشعر ذنبه وتقصيره في حق الله. يتذكر يوم القيامة والآخرة فيتحسر على ما اقترف من ذنوب، ويندم على ما فات من حياته.

أما النوع الثالث فهو النفس المطمئنة. وهي منبع الإيمان في صاحبها. فهي نفس خاشعة، متوكلة على ربها، واثقة بالله، محبة لله، خاضعة لله، تشتاق إلى الله، والتي قال الله عنها: "يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي". فأسأل الله أن يرزقنا جميعًا تلك النفس المطمئنة.

انتهت خطبته، وأقام الصلاة. بعد الانتهاء من الصلاة، التفت "زياد" إلى "آدم" قائلاً: -يلا. قال "آدم" وهو يجلس مستندًا إلى أحد العواميد في المسجد: -لأ، سيبني شوية. أومأ "زياد" برأسه وخرج من المسجد. أسند "آدم" رأسه إلى العمود خلفه، وشرد وهو ينظر إلى سقف المسجد. وجد فجأة يدًا تربت على كتفه، فالتفت ليجد وجه "كريم" الباش. جلس بجواره قائلاً: -إيه يا دكتور، مش هتمشي؟ أومأ برأسه قائلاً: -شوية كده.

جلس "كريم" بجواره مفترشًا الأرض. نظر إليه قائلاً: -ربنا كبير أوي على فكرة. لمعت العبرات في عيني "آدم" وأخذ ينظر إلى "كريم" صامتًا. فربت على قدمي "آدم" قائلاً: -متخليش الشيطان يحبطك ويوهمك إن ملكش توبة. لأن ربنا اسمه الغفور، بيغفر التوبة للعبد التائب الصادق في توبته. أهم حاجة إن التوبة تكون صادقة، مش توبة باللسان فقط. أومأ "آدم" برأسه، ثم قال باهتمام: -والواحد يعرف منين إذا كان ربنا قبل توبته ولا لأ؟

-الأهم هو إنك تطبق شروط التوبة صح. قال "آدم" باستغراب: -وهي إيه شروط التوبة؟ قال "كريم" بهدوء: -شروط التوبة أربع، لازم يجتمعوا مع بعض عشان تبقى توبة صادقة وربنا يتقبلها. أول حاجة، إن توبتك تكون مخلصة لله. يعني مش تائب عشان خايف من الشرطة مثلاً، أو عشان خايف من الناس، أو عشان خايف من الفضيحة. أو مثلاً تائب من شرب الخمرة عشان خايف على صحتك منها. أو تائب من الزنا عشان خايف على نفسك من الأمراض. صمت قليلاً ثم قال:

-أو تائب عشان حبيبتك ترضى عنك. تلاقت أنظارهما، وبلع "آدم" ريقه بصعوبة وقد فهم ما يقصده "كريم". فأكمل "كريم": -أول شرط من شروط التوبة إنك تتوب لله عشان خايف منه وعشان ندمان على ذنبك في حق ربك. ثم أكمل: -تاني شرط، إنك تتوب بقلبك وتكره المعصية بقلبك مش بس بلسانك. تالت شرط، إنك تسيب المعصية دي فوراً،

مش تقول: هسيبها بكرة ولا بعد بكرة ولا من الشهر الجاي. لأ، سيبها فوراً وابعد عنها فوراً. الشرط الرابع، إنك تنوي وتعقد عزمك إنك مترجعش للذنب ده تاني أبداً. الشرط الخامس، وده شرط مهم جداً وللأسف ناس كتير بتغفل عنه، وهو رد المظالم لأهلها. يعني لو كنت نهبت حد، أو سرقت حد، أو أكلت مال، أو شهدت زور على حد، أو قتلت حد. لازم المظالم دي تترد. لازم الشروط الخمسة عشان تبقى توبتك كاملة وربنا يتقبلها إن شاء الله.

قام "كريم" وغادر المسجد، وتردد "آدم" خلفه يعيد ما قاله في عقله مرات ومرات ومرات. *** انطلق "كريم" في طريقه بصحبة "آيات" إلى المول التجاري. وأثناء تجربة "آيات" لإحدى القطع، اتصل بـ "إيمان" التي ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيها بمجرد أن رأت اسمه وردت قائلة: -السلام عليكم. قال بصوته الرخيم: -وعليكم السلام. ازيك يا "إيمان"؟ تمتمت بخفوت: -الحمد لله.

-أنا في المول مع "آيات" بنشتري شوية حاجات. إن شاء الله كلها ساعة وأرجع القرية. هتكوني جاهزة؟ -أيوه إن شاء الله. هرجع بس الشقة أغير هدومي. -خلاص، ماشي. على تليفون إن شاء الله. وأنا راجع هتصل بيكي. -خلاص اتفقنا. باقي الحلقة 28. بعد نصف ساعة، توجهت "إيمان" إلى عيادة الأطفال حيث تعمل "سمر" وابتسمت لها قائلة: -إيه الأخبار؟ قامت "سمر" من فوق مكتبها وعقدت ذراعيها وهي تستند بظهرها إلى المكتب وقالت:

-بصراحة، العيادة روعة والجو هنا جميل أوي. حاسة إن نفسي هنا مفتوحة للشغل أوي. في تلك اللحظة، أتت "أسماء" وهي تقول: -بنات، مشفتوش "آيات"؟ دايرة عليها ورق مهم لازم تمضيه. وبتكلم موبايلها غير متاح. قالت "إيمان": -آه، "آيات" مع "كريم" في المول بيقولوا بتشتري حاجات. ثم نظرت إلى ساعتها قائلة: -كلها نص ساعة أو أقل ويرجعوا إن شاء الله. ابتسمت "أسماء" وهي تنظر إلى "سمر" قائلة: -إيه رأيك يا "سمر" في القرية؟ قالت "سمر" بحماس:

-كنت لسه بقول لـ "إيمان"، المكان ممتاز بجد، حاسة براحة نفسية عجيبة. آه لو أفضل هنا ومارجعش القاهرة تاني. نظرت إليها "إيمان" بخبث وقالت: -والله في إيدك تفضلي هنا ومترجعيش القاهرة تاني. نظرت إليها "سمر" مستفهمة. فقالت "إيمان" بمرح: -يا بنتي، حني على الراجل الغلبان بقى وهو يبقى بابا وماما وأنور وجدي. توترت "سمر" وقالت بعتاب: -بس يا "إيمان". نظرت إليهما "أسماء" مستفهمة: -راجل مين؟ قالت "إيمان" وهي تتنهد:

-الراجل اللي عايز يتجوزها وهي رافضة حتى إنه يدخل بيتهم. نظرت إليها "سمر" قائلة: -يا "إيمان"، خلاص انسى الموضوع ده بقى. قالت "إيمان" بمزاح: -لأ، مش هنسى. نفسي أفرح بيكي إنتي و"علي". هوى قلب "أسماء" بين قدميها. قالت بصعوبة: -"علي" أخوكي؟ أومأت "إيمان" برأسها وهي تقول: -آه، "علي" أخويا يا ستي. بدا الاضطراب على "أسماء" وقالت بصوت مرتعش: -أنا همشي.

خرجت "أسماء" من العيادة تحث السير وهي تشعر بأن الرؤية غير واضحة. ثم اكتشفت بأن ما كان يحجب عنها الرؤية بوضوح هو تلك الدموع التي أخذت بالتجمع داخل عينيها! التفتت "إيمان" إلى "سمر" قائلة بجدية: -"سمر"، إنتي بجد رافضة "علي"؟ نظرت إليها "سمر" بحيرة وقالت: -"علي" إنسان محترم جداً، وبجد ساعات بحس إننا مناسبين لبعض أوي. بس مش عارفة... مش عارفة ليه مش قادرة أقول أيوه. قالت "إيمان" بحزم:

-لو إنتي فعلاً شايفاه مناسب هتوافقي. لو رافضاه عشان موضوع الشغل، هو خلاص اشتغل دلوقتي يا "سمر" وفي مركز كبير ومرتب كبير ما شاء الله. قالت "سمر" بحيرة: -صدقيني مش دي المشكلة. أنا فعلاً بحترم "علي"، وحاسة إنه مناسب أوي ليا، وإنا هنكون زوجين ناجحين. بس مش عارفة، جوايا تردد كبير أوي، وخوف. مش عارفة... حاسة بحيرة كبيرة أوي. عشان كده قلت لمامتك لما كلمتني متخليش حد يستناني، لأني حاسة إن الحيرة اللي جوايا دي مش هتخلص أبداً.

تنهدت "إيمان" قائلة: -كان نفسي أوي تكونوا لبعض. قالت "سمر" بحزن: -وأنا نفسي أكتر منك. نفسي بجد... بس حاسة إني مكتفة، ومش قادرة آخد الخطوة دي. أنا من يوم ما مامـتك كلمتني وأنا بستخير، ولحد دلوقتي بستخير. بس لسه... لا شايفة حاجة، ولا حاسة بحاجة. *** عادت "آيات" بصحبة "كريم" وبمجرد أن دخلا القرية قالت "آيات" بمرح: -"كريم"، وديني الشقة الأول. عايزة أغير هدومي وألبس حاجة من اللي اشتريناها. ابتسم لها قائلاً: -ماشي يا ستي.

نظرت إليه بتأثر قائلة: -بجد يا "كريم"، ربنا ما يحرمني منك. إنت دلوقتي كل عيلتي، مش أخويا وبس. عارف أنا بجد محظوظة أوي إن ليا أخ زيك. رغم إنك مش أخويا شقيق، بس بجد أنا بنسى النقطة دي تماماً. بحس فعلاً كأننا أخوات من أم واحدة وأب واحد. ابتسم وهو يربت على رأسها قائلاً:

-أنا كمان بعتبرك أختي بجد. يعني إنتي أختي يا "آيات". متقلقيش، حتى لما أتجوز هفضل آخد بالي منك وهفضل معاكي، مش هسيبك. وحتى لما تتجوزي وتروحي بيت جوزك، برضه هفضل جنبك، وقت ما تحتاجييني هتلاقيني. لمعت الدموع في عينيها تأثرًا بكلماته، فصاح بمرح: -أوف، ده إنتوا الستات حاجة بشعة. تزعلوا تعيطوا، تفرحوا تعيطوا. حاجة بؤس. ضحكت "آيات" بملء فمها وهي تقول: -عشان إحنا كائنات رقيقة حساسة.

تعلقت أنظاره بـ "إيمان" التي كانت تسير في اتجاه البناية. كانت تبعد عنها بضع خطوات فقط. عندما اقترب منها "كريم" وأطلق زمور سيارته فانتبهت. أوقف سيارته أمام البناية فقالت "آيات" بخبث: -افتحلي الشنطة، هاخد حاجتي وأطلع. قال "كريم" وهو يحمل الحقائب: -سيبيها وأنا هطلعهالك. ألقت نظرة على "إيمان" التي اقتربت وقالت وهي تأخذهم من يده: -لأ، هاتهم مش تقال. توجهت "آيات" إلى داخل البناية، بينما ابتسم "كريم" وهو يقول لـ "إيمان":

-ازيك يا "إيمان"؟ ابتسمت بخجل قائلة: -الحمد لله. نظر إلى ملابسها وقال: -غيرتي هدومك ولا لسه؟ -لأ، لسه. طالعة دلوقتي. مش هتأخر عشر دقايق بس وأنزل. ابتسم قائلاً: -براحتك. كادت أن تنصرف، لكنه أوقفها قائلاً: -استني. فتح باب السيارة الخلفي وأخرج منه باقة كبيرة تحوي ورودًا حمراء زاهية معدة بطريقة رائعة. قدمها إليها وعلى شفتيه ابتسامة واسعة وهو يقول: -اتفضلي.

اتسعت ابتسامة "إيمان" ونظرت إلى الورد بسعادة وهي تحمله بين يديها كالطفل الصغير. ثم نظرت إليه قائلة: -متشكّرة أوي. تمتم مبتسمًا: -العفو. يلا، مستنيكي. أومأت برأسها ودخلت البناية وهي تكاد تقفز في الهواء فرحًا.

دخلت "آيات" البيت ليتنامى إلى مسامعها صوت شهقات بكاء قادمة من غرفتها. تركت ما بيدها أمام الباب وأغلقتـه وتوجهت مسرعة لتجد "أسماء" جالسة على فراشها تدفن وجهها بين يديها وتبكي بحرقة. اقتربت منها "آيات" وقالت بـ"ـلـ"ـوعة": -"أسماء"، مالك؟ إيه؟ قالت "أسماء" وهي تحاول أن توقف بكاءها دون جدوى: -مفيش حاجة. جلست "آيات" بجوارها وهي تقول بحدة: -إزاي يعني مفيش حاجة؟ قالت "أسماء" بنفاذ صبر وهي تكفّكف دمعها:

-قُلتلك مفيش حاجة يا "آيات". شوية وهبقى كويسة. هتفت "آيات" بحدة وقد غاظها كتمان "أسماء" لمشاعرها وأحزانها دائمًا: -إنتي على طول كده. عمرك ما جيتي قولتيلي: يا "آيات"، أنا مضايقة من كذا. على طول بتشيلي في قلبك وتسكتي. بجد يا "أسماء"، أنا مكنتش مصدقة إن أنا ولا حاجة بالنسبة لك. نظرت إليها "أسماء" قائلة: -إزاي يعني ولا حاجة؟ أنا مليش غيرك أصلاً وإنتي عارفة كده.

-لو كان فعلاً مليكيش غيري كنتي حكيتيلي على اللي جواكي مش قفلتي على نفسك كده. تنهدت "أسماء" بحزن وقالت:

-لما بتكون المشكلة ملهاش حل،

مبـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"

"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ" " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " "

" " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " "

" " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " "

" " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " "

" " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " "

" " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " "

" " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " "

" " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " "

" " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " "

" " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " "

" " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " "

" " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " "

" " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " "

" " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " "

" " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " "

" " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " "

" " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " "

" " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " "

" " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " "

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...