"طبعاً أنا ليا الشرف إني أشتغل معاك يا دكتور." "آدم" قال ترحيباً، فقد كان كل ما يخشاه أن يرفض "فؤاد" لما تناقلت مسامعه عن علاقته بـ "آيات" وما حدث بينهما. "آدم" قال بحماس: "تمام، أنا متشكر جداً يا أستاذ فؤاد." "فؤاد" قال بجدية: "طبعاً أنا يشرفني إن راجل زيك عنده خبرة أكاديمية وعملية إنه يشتغل معايا في قريتي. بس أنا مش فاهم تحديداً حضرتك عايز شراكة ولا إيه بالظبط؟ لأنك قولت شغل، ما قولتش شراكة." "آدم" تنحنح قليلاً
ثم قال: "بصراحة حالياً مفيش عندي إمكانيات للشراكة. ولو هشارك هيكون بمجهودي فقط. وأنا شايف إن حضرتك مش محتاج حد يشاركك بالمجهود لأن باله فعل عندك الأستاذ كريم مدير القرية. عشان كده أنا متكلمتش في شراكة، أنا اتكلمت في شغل. وأنا مش هشترط منصب محدد، أنا كل اللي يهمني إني أشتغل في القرية."
صمت قليلاً ثم تنهد قائلاً: "أنا سبت قرية جولدن بيتش بعد ما اتخنقت من اللي بيحصل فيها. وكنت لغيت من دماغي تماماً فكرة الشغل في السياحة رغم إن الماجستير بتاعي كان عن الموضوع ده وكمان أنا بحب الشغل في السياحة جداً وعندي خبرة كويسة فيه. فعشان كده لما شفت القرية بتاعت حضرتك والقوانين اللي حاططها مع أستاذ كريم، بصراحة اتشجعت جداً. وفعلاً لو كان معايا رأس مال حالياً أنا مكنتش اترددت لحظة في إني أشاركك."
ثم زفر بضيق وقال: "بس للأسف أنا مفيش إمكانية للشراكة إلا بالمجهود، وطبعاً حضرتك مش محتاج. فأي مكان هتقولي امسكه في القرية أنا مش هعترض إن شاء الله. وزي ما قولت لحضرتك عايز 'زياد' كمان معايا. هو خبرته العملية أكتر مني. 'زياد' بيشتغل في السياحة من سنين وكان مدير قرية في شرم."
صمت "فؤاد" يفكر فيما قاله "آدم". ثم التفت إليه وابتسم قائلاً: "أبشر يا دكتور، أنت والأستاذ 'زياد' أكيد هتكونوا مكسب كبير لقريتنا. 'كريم' راجل محترم وشريكي وممشّي القرية بطريقة ممتازة بس دي أول مرة يشتغل فيها في السياحة. لكن أنت و'زياد' عندكم خبرة. وكفاية إنه مجالك يا دكتور." ثم هتف بحماس: "على خيره الله، إن شاء الله اعتبر نفسك أنت و'زياد' من النهاردة من فريق قرية الماسة." اتسعت ابتسامة "آدم"
وقال بسعادة: "بجد متشكر جداً يا أستاذ فؤاد. وإن شاء الله هنكون عند حسن ظنك."
خرج "آدم" من الفندق الذي التقى فيه بـ "فؤاد"، وهو يشعر بسعادة بالغة. توجه إلى المسجد القريب وأدى فريضة المغرب وهو يشعر بالراحة والسعادة في قلبه. طوال الطريق إلى العين السخنة كانت الابتسامة ترتسم على شفتيه من حين لآخر. استنشق الهواء وكأن اليوم ذراته تحمل عبقاً جديداً لم يستنشقه من قبل، عبق الأمل والسعادة وتحقيق الذات. والأهم، أنه اقترب خطوة من "آيات". ***
جلست "آيات" في غرفتها منذ أن عادت إلى العين السخنة. لم تشعر في نفسها الرغبة للتحدث مع أحد أو لرؤية أحد. ظلت تفكر فيما دار اليوم بينها وبين "آدم"، وتلك الكلمات القاسية التي ألقاها على مسامعها. لماذا ذكر مساؤه بتلك الطريقة التي جعلتها تكاد تختنق؟ أيظن أنها ستسامحه؟ كيف، كيف تستطيع أن تغفر كل ما قال؟ سمعت صوت المفتاح يدور في الباب، فمسحت وجهها بيديها ونهضت تستقبل الفتيات. نظرت إليها "إيمان" قائلة: "إيه ده، رجعتي امتى؟
قالت "آيات" بصوت مبحوح قليلاً: "من كم ساعة كده." قالت "أسماء" وهي توجه إلى غرفتهما: "عملتي إيه في موضوع الشهادة؟ قالت "آيات" وهي تستند على الجدار بظهرها: "خلاص تقريباً كده الموضوع اتحل. لسه إجراءات بسيطة هيعملها المحامي، بس مش هروح تاني القاهرة." أومأت "أسماء" برأسها وقالت: "كويس." قالت "إيمان" وهي تتجه إلى الباب: "أنا طالعة أشوف ماما."
فتحت الباب وشهقت بقوة عندما وجدت "كريم" أمامها، والذي كان يهم بالطرق على الباب. وضعت يدها على صدرها وقد شعرت بالفزع لهذه المفاجأة. فقال بخفوت: "معلش، أنا آسف خضيتك. أنا كنت لسه هضرب الجرس." أومأت برأسها دون أن تنطق بكلمة وتوجهت إلى الداخل. قالت لـ "آيات" بصوت مضطرب: "أخوكي بره يا 'آيات'." توجهت "آيات" إلى "كريم" الذي نظر إليها باهتمام قائلاً: "كويسة دلوقتي؟ ارتبكت قائلة: "أيوه الحمد لله." "إيه بقى اللي كان مضايقك؟
دكتور 'آدم' اتكلم معاكي؟ أطرق "آيات" برأسها قليلاً ثم نظرت إليه قائلة بصوت خافت: "أيوه." "قالك إيه؟ لاحت العبرات في عينيها وقالت: "قالي إنه اتغير وتاب، وإن ربنا بيقبل التوبة، وإنه عايزني أسمحه على كل اللي عمله." أطرق "كريم" برأسه شارداً ثم نظر إليه وقال: "وقولتي له إيه؟ هزت كتفيها وقالت: "قولته مش هقدر أسامحه." تنهد "كريم" قائلاً بضيق: "هتكلم معاه. أنا لا عايزاه يتكلم معاكي ولا يقرب منك." قالت "آيات"
بتوتر: "هو اتكلم معايا باحترام، يعني مضايقنيش. أقصد يعني متتخانقش معاه." نظر إليها "كريم" متأملاً وهو يقول: "أنا مقولتش هتخانق معاه. أنا قولت هتكلم معاه." ربت على كتفها قائلاً: "متضايقيش نفسك انتي. ماشي." أومأت برأسها وابتسامة صغيرة على شفتيها. تنحنح "كريم" وبدا عليه التردد. نظرت إليه قائلة: "في حاجة؟ ابتسم بخجل قائلاً: "يعني كنت عايز أسألك عن حاجة كده." عقدت ذراعيها أمام صدرها قائلة: "اسأل."
أخفض من صوته وهو يقول: "انتي و'إيمان' صحاب من زمان؟ قالت "آيات" باستغراب: "'إيمان'، أيوه من 4 سنين تقريباً. بتسأل ليه؟ قالت بنفس النبرة الخافتة: "ورأيك فيها إيه؟ ضاقت عيناها وهي تجيب بحيرة: "رأيي فيها إزاي يعني؟ "يعني رأيك فيها يا 'آيات'. انتي مش صحبتها يبقى أكيد في رأي محدد مكوناه عنها." قالت "آيات" مبتسمة بخبث: "آه. بصراحة هي بنت محترمة أوي وطيبة أوي وحنينة أوي. ودمها خفيف. عايز تعرف إيه تاني؟
ابتسم "كريم" قائلاً: "لا خلاص كفاية كده." اتسعت ابتسامتها وهي تقول بخبث: "بس مقولتيليش يعني بتسأل ليه." ضحك قائلاً: "هتشتغليني يا بنت. يلا على شقتك." ضحكت قائلة بعتاب: "آه ما أنا في البتاع مدعية، وفي البتاع التاني منسية." "لا متقلقيش، هتبقي مدعية إن شاء الله." هتفت بسعادة كالأطفال: "بجد يا 'كريم'؟ يعني...
كمم فمها بكفه وقال: "ششششش. متخلينيش أندم إني قولتك. اسكتي خالص لحد ما اتكلم مع باباها الأول. ميصحش هي تعرف قبلهم." هتفت بسعادة: "طيب خلاص، ماشي. مش هقول حاجة. بس كلم بسرعة عشان مش هقدر أتكلم في نفسي كتير." أطلق "كريم" ضحكة عالية وهو يقول: "هتقوليلي ده انتوا الستات مبتحطش في بوقكوا فول. تعرفي المثل اللي بيقول لو عايزة تنشري خبر قوليه لواحدة ست وقوليلها إنه سر. تلاقيه انتشر زي النار في الهشيم." ضربته
في كتفه بقبضتها وهي تقول: "بس أحسن لما تيجي تسألني عنك أطلع فيك القطط الفطسانة." ابتسم قائلاً: "وأهون عليكي يا 'آيات'. خلاص، أنا هسيبك لضميرك." قالت "آيات" وهي تنظر إليه والفرحة في عينيها لا تستطيع إخفاءها: "بجد أنا فرحانة أوي. ربنا يتمملك بخير يا 'كريم'. أنت تستاهل كل خير. و'إيمان' والله بنت محترمة أوي، مش هتلاقي أحسن منها." أومأ برأسه وابتسم قائلاً: "هستخير الأول ونشوف ربنا هيختار لنا إيه." ***
عاد "آدم" إلى الشاليه قائلاً لأمه وهو يقبل يديها ورأسها في سعادة: "بارك لي يا ماما، بركة دعاكِ لقيت شغل تاني." ابتسمت أمه في سعادة قائلة: "بسم الله ما شاء الله. ربنا يرزقك يا ابني وينولك كل اللي في بالك." اتسعت ابتسامته وهو يقول: "كلمت أستاذ 'فؤاد' صاحب قرية الماسة اللي جنبنا، والحمد لله وافق إني أشتغل في القرية. ووافق كمان على شغل 'زياد'." تلاشت ابتسامة أمه وهي تقول بعتاب: "قرية سياحية تاني يا ابني؟
ده أنا مبقتش أحب أطلع بره الشاليه من المناظر اللي بشوفها." قال "آدم" وهو يجذبها من ذراعها ليجلسها بجواره: "لا متقلقيش، القرية دي حاجة تانية خالص. مش هتلاقي فيها أي حاجة من اللي كنتي بتشوفيها هنا. بجد قرية محترمة جداً ومديرها راجل محترم أوي." ابتسمت بخبث وقالت: "آه طبعاً، مين يشهد لمدير القرية غيرك." اختفت ابتسامة "آدم" وظهر الحزن على ملامحه. نظرت إليه أمه باهتمام وقالت: "في حاجة يا ابني؟
تنهد "آدم" بأسى وقال وهو مطرق برأسه وقد شبك أصابعه في بعضها بتوتر: "اتكلمت مع 'آيات' النهاردة واحنا في القاهرة." "وقالتلك إيه؟ هز رأيه بأسى وهو يقول: "قالتلي مش ممكن أسامحك." ربتت أمه على ظهره وقد ظهر الحزن في عينيها. وقالت: "معلش يا ابني، مفيش حاجة بتيجي بالساهل. لازم الواحد يتعب ويشقى عشان يوصل للي هو عايزه." أومأ "آدم" برأسه صامتاً. فقالت بحماس: "متقلقش، أنا هتصرف." التفت إليها قائلاً باستغراب: "هتتصرفي إزاي يعني؟
"مش انت بتقول إنك هتشتغل في القرية بتاعتهم؟ يعني أكيد هتمشي من هنا ونروح نعد في القرية التانية. يعني أكيد هنقابل أنا وهي. أنا بقى هعد معاها وهتكلم معاها، يمكن أعرف أحنن قلبها عليك." نظر إليها "آدم" بلهفة وقال: "بجد يا ماما؟ ربنا يكرمك يا رب." ربتت على ظهره وقالت مبتسمة: "متشيلش هم، أنا هتصرف." ***
وقفت "أسماء" غير منتبهة لذلك الشاب الذي يقف على بعد خطوات منها ويلقي عليها بنظرات متفحصّة من رأسها إلى أخمص قدميها. كانت تمسك في يدها إحدى الأوراق تتفحصها بعناية. بدأ الشاب في الاقتراب منها قائلاً: "لو سمحتي، هو الأتوبيس بيعدي من هنا؟ نظرت إليه ببرود وقالت: "خفّه." ابتسم بينما يقترب منها أكثر وقال: "طيب قوللي، انتي حلوة على طول كده ولا بالنهار بس؟ فجأة استمع صوت من خلفهما يصيح: "لم نفسك يله."
التفت كلاهما. خفق قلبها عندما وجدت "علي" قادماً خلفها يرمق الشاب بنظرات غاضبة. التفت إليه الشاب ببرود وقال: "حد كلمك يا كابتن؟ أشار إليه "علي" برأسه قائلاً: "اتفضل من هنا." عقد الشاب ذراعيه أمام صدره وهو يقول بعناد: "ولو متفضلتش؟ هتفت "أسماء" بحدة: "على فكرة ده نائب مدير القرية، يعني لو متحركتش من هنا بنفسك هيجيب السيكيوريتي يحركوك." نظر الشاب إليهما شزراً ثم غادر بصمت. التفتت "أسماء" تنظر إلى "علي"
مبتسمة وهي تقول: "متشكرة أوي." لم يجبها. بل رماها بنظرة غاضبة ثم التفت ليغادر. اختفت ابتسامة "أسماء" ثم سارت خلفه وهي تقول: "في إيه؟ بتبصلي كده ليه؟ التفت إليها وقال دون أن ينظر إليها: "مفيش." عاد يكمل سيره فأوقفته مرة أخرى بقولها: "طبعاً هتقولي إن أنا اللي غلطانة عشان لابسة ضيق وحاطة ميك أب."
التفت إليها وقال: "طالما انتي شايفة كده، يبقى مش محتاجة تسمعي نفس الكلام مني. ده غير إن الموضوع ده ميخصنيش، انتي حرة في لبسك." بلعت ريقها بصعوبة وعقد جبينها وهي تقول بتوتر: "على فكرة أي واحدة دلوقتي بتتعاكس سواء لابسة محترم أو لأ. كده كده بتتعاكس."
نظر إلى الأرض وقال بحزم: "آه، بس في فرق بين واحدة بتتعاكس، واحد بيرمي عليها كلمة وهو معدي من جمبها. وبين إنه يتجرأ ويقرب منها بالشكل ده ويتكلم معاها كأنه واثق من إنها هتستجيب لكلامه." قالت بحدة: "قصدك إيه باستجيب لكلامه؟ أنا مكنتش هستجيب لكلامه طبعاً، ولو مكنتش انت جيت أنا كنت هزأته بنفسي."
قال بنفس الحزم: "أنا مقولتش إنك كنتي هتستجيبي. أنا قولت هو كان واثق إنك هتستجيبي، لأن لبسك عنوان ليكي. اللي بتلبس ضيق وهي ماشية في الشارع أكيد بتعمل كده عشان تلفت الانتباه ليها. ما هي لو بتعمل كده لنفسها، عندها بيتها تلبس فيه اللي هي عايزاه." صمتت وقد عقدت حاجبيها وهي تنظر إليه. فأكمل "علي" بهدوء: "أظن الكلام ده انتي عارفاه كويس أوي. وأظن إنه اتقالك قبل كده، لأن صحابك كلهم مـ... قطع كلمته.
فقال بصوت مرتعش: "كمل. صحابك كلهم محترمين مش كده؟ كنت هتقول كده مش كده؟ صمت "علي" وهو يعض على شفتيه كأنما ندم على كلمته. لمعت عيناه بالدموع وقالت بصوت كمن أوشك على البكاء: "مش معنى إني بلبس كده إني مش محترمة." غادرت مسرعة قبل أن يرى تلك العبرة التي تساقطت فوق وجنتها. وقف "علي" مكانه وهو يزفر بضيق شديد. ***
صعدت "إيمان" الدرج إلى شقة والدتها. لكنها فوجئت بـ "كريم" في وجهها ينزل السلم. شعرت بالدهشة فأخفضت رأسها ووقفت في مكانها حتى ينزل. لكنه توقف وأشار إليها قائلاً: "اتفضلي."
ارتبكت بشدة وأكملت صعودها. شعرت بأنه ينظر تجاهها. حانت منها التفاتة إليه، لتتأكد بالفعل من أنه يركز أنظاره عليها. استغربت ذلك بشدة وأشاحت بوجهها على الفور. نزل الدرج وهي تصعد مسرعة مندهشة كيف ينظر إليها هكذا. هذه هي المرة الأولى التي تراه ينظر إليها دون أن يغض بصره! فتحت والدتها الباب وجذبتها من يدها و... أطلقت زغرودة خافتة. نظرت إليها "إيمان" بدهشة وهي تقول: "إيه؟ في إيه؟ جذبتها أمها من ذراعها
تبتعد عن الباب وهي تقول: "ارقصي يا 'إيمان'. افرحي يا 'إيمان'. زغردي يا 'إيمان'." نظرت إليها "إيمان" وقد اتسعت عيناها دهشة وهي تقول: "إيه اللي حصل يا ماما؟ قالت والدتها وهي لا تستطيع تملك نفسها من الفرحة: "أستاذ 'كريم' طلب إيدك من أبوكي." اتسعت عينا "إيمان" وفغر فاها في دهشة وتعالت خفقات قلبها وهي تقول: "إيه؟ قالت
أمها بحماس ممزوج بالفرح: "والله زي ما بقولك. مش قولتلِك. المحشي والبط جابوه على ملا وشه. ابقي اسمعي كلام أمك بعد كده." صاحت "إيمان": "محشي وبط إيه يا ماما! طيب قوللي كلمة عدلة. قوللي إنه معجب بيكي يا 'إيمان'. مش محشي وبط." اختفت ابتسامة "إيمان" وهي تنظر إلى أمها بشك وقالت: "ماما، أوعي تكوني بتضحكي عليا. والله العظيم أروح فيها. ماما، مفيهناش هزار في الحاجات دي." أطلقت
أمها ضحكة عالية وهي تقول: "يا بت والله حصل. حتى اسألي أبوكي أهو قاعد جوه في البلكونة." في تلك اللحظة خرج والدها وابتسم لها قائلاً برزانة: "مبروك يا 'إيمان' يا بنتي. والله الجدع شكله طيب وابن حلال. جهزي نفسك النهاردة إن شاء الله عشان هييجي يقعد معاكي." قالت وقلبها يقفز في فرح: "النهاردة؟ قالت أمها: "أيوه يا بت عشان تتكلموا مع بعض قبل ما يتكلم مع أبوكي في تفاصيل الجوازة."
اتسعت ابتسامة "إيمان" ومشاعر كثيرة بداخلها. فرح... سعادة... تفاؤل... راحة... خوف... اضطراب... حب! *** -سمّر! " "هستناكي ولو مجتيش بجد هزعل منك." هتفت "إيمانا" بهذه العبارة وهي تتحدث إلى "سمر" التي قالت: "بتهزري؟ لا طبعاً لازم هاجي. ألف مليون مبروك يا 'إيمان'. ربنا يتمملك على خير." قالت "إيمان"
بحماس: "اعملي حسابك إنك هتقعدي معانا شوية انتي وطنط. الشقة اللي إحنا قاعدين فيها، فيها 3 أوض و'أسماء' بتبات مع 'آيات' ففي أوضة فاضية. طنط تاخدها وأنتي تباتي معايا." "خلاص اتفقنا. هقول لماما وآهي فرصة الواحد يغير جو كام يوم ده. أنا مطحونة في الشغل يا بنتي." "خلاص اتفقنا بجد. متتصوريش أنا فرحانة أد إيه إني هشوفك." "أنا اللي فرحانة جداً إني هشوفك انتي و'آيات' و'أسماء'." ***
في اليوم الموعود، كان نفس اليوم الذي تسلم فيه "آدم" و"زياد" عملهما في القرية. شعر "كريم" ببعض القلق من وجود "آدم"، خاصة بعدما عرف من "آيات" أنه تحدث معها يوم أن كانوا في القاهرة. لذلك قال له بحزم: "وجودك في القرية أكيد هيفيدنا كتير يا دكتور. بس ياريت تبقى وجودك هنا للشغل وبس." نظر إليه "آدم" وأدرك ما يقصده. فأكمل "كريم" بنفس الحزم: "ماشي يا دكتور؟ قال "آدم" بهدوء: "أنا مستحيل أضايق 'آيات' أو أؤذيها. متقلقش مني."
أقبل "زياد" وهو يربت على كتف "كريم" قائلاً بمرح: "مبروك يا عريس." ابتسم "كريم" قائلاً: "الله يبارك فيك يا 'زياد'. عقبالك إن شاء الله." قال "آدم" مبتسماً: "يلا روح أنت. ربنا يعينك أكيد وراك حاجة كتير. متقلقش أنا و'زياد' هنا." أومأ "كريم" برأسه والتفت إلى "زياد" وقال: "مستنيِك إن شاء الله متتأخرش." "طبعاً، ودي تيجي." ثم نظر إلى "آدم" قائلاً بحرج: "وانت كمان يا دكتور ياريت تنورنا."
كان "آدم" يعلم أنها ما دعته إلا مضطراً ومجاملة ليس إلا. لكن "آدم" ما كان ليترك فرصة تقربه فيها من "كريم"، لعله يغير الفكرة التي كونها من كلام "آيات" عنه. تعالت الزغاريد. ارتدت "إيمان" فستاناً وردي اللون، ووضعت القليل من مساحيق التجميل والتي أبرزت جمالها. صففت لها "آيات" شعرها بعناية بشكل جميل. كانت سعيدة وهي تنظر إلى نفسها في المرآة وقد بدت بشكل لم تتوقع أن تراه في مرآتها يوماً.
جاءها اتصال من "سمر" تخبرها بأنهم على مشارف القرية. خرجت "إيمان" وقالت لـ "علي" بلهفة: "علي، ربنا يكرمك. 'سمر' ومامتها أدم البوابة. ممكن تروح تجيبهم؟ توجه "علي" إلى البوابة فوجد سيارة تقودها سيدة كبيرة وبجوارها "سمر". هز رأسه واقترب من المرأة قائلاً: "أهلاً وسهلاً." ابتسمت قائلة: "أهلاً بيك." أشار لها "علي" بالطريق الذي يجب أن تسير فيه. فقالت له: "طيب اركب معانا." قال بحرج: "لا اتفضلوا."
رمقته "سمر" بطرف عينها قبل أن تنطلق أمها بالسيارة. كان لقاء الفتاتين حاراً: "وحشتيني أوي أوي أوي." "انتي كمان يا 'سمر'، وحشتيني أوي." كادت الدموع أن تفر من عيني "إيمان" فصاحت "آيات": "لا أبوس إيدك، أنا مصدقتش إني ظبطته." تعانقت "آيات" و"سمر" في اشتياق وكل منهما سعيدة برؤية الأخرى. التفتت "سمر" قائلة: "أما إيه فين 'أسماء'؟ قالت "آيات" بحزن: "تحت. تعالي ننزلها." *** حضر المأذون و...
تم زواج "كريم" و"إيمان" وسط فرحة الأهل والأصدقاء. لم تتوقف والدة "إيمان" عن الزغاريد، كانت سعادتها لا توصف بالكلمات ولا بالعبارات. بكت أكثر من مرة وهي تتطلع إلى ابنتها التي قالت بمرح: "ماما، محسساني إني اتجوزت خلاص. ده كتب كتاب يعني قاعدة لكِ مش راحة في حتة." استأذن "كريم" ليدخل للعروستُلبسها شبكتها. صاحت "إيمان" في لوعة: "لازم يعني؟ ضحكت "آيات" قائلة: "لا مش لازم خالص. ربنا معاك يا أخويا يا حبيبي."
دخل "كريم" متوجهاً إليها. وقفت وهي تنظر أرضاً وهي تسمع صوت خفقات قلبها المضطرب داخل صدرها. مد يده إليها، فتسمرت مكانها وهي تفرك يديها بتوتر. ضحك ضحكة خافتة وهو يقول: "مش هاكلها متخفيش. أنا هلبسك الشبكة بس." أطلقت "آيات" ضحكة عالية. بينما أطلقت "سمر" وأمها ضحكات خافتة. نظرت إليها والدتها قائلة: "بت يا 'إيمان'، اخلصي." كادت أن تبكي وهي تتمتم بصوت مضطرب: "هلبسها أنا."
ابتسم "كريم" قائلاً: "طيب، ممكن ألبسك الدبلة على الأقل." أومأت برأسها وهي مازالت تنظر أرضاً. وبعد عناء ومجاهدة للنفس، مدت يدها لترسى الكهرباء فيها بعدما التقطها "كريم" في راحته. ألبسها دبلته وهي لم تستطع منع تلك البسمة التي قفزت إلى شفتيها. أعطاها دبلته الفضية لتلبسه إياها. اختفت ابتسامتها وهي تقول بصوت خافت: "لازم؟ ضحك بخفوت قائلاً وهو يرتديها بنفسه: "لا مش لازم دلوقتي، نأجلها بعدين."
أطلقت والدة "إيمان" زغرودة عالية. خرج "كريم" يستقبل التهاني بالخارج. بينما جلست "إيمان" مع صديقتيها وهي تشعر بسعادة لم تشعر بها من قبل. انحنت "آيات" على "سمر" قائلة: "هنزل أشوف 'أسماء' وآجي." أومأت "سمر" برأسها. خرجت "آيات" من الشقة. لكن فجأة تجمدت في مكانها وهي ترى "آدم" الواقف أمام الباب يتحدث في الهاتف. أغلق سريعاً بمجرد أن رآها. نظرت أرضاً، وبدأت في نزول الدرج. هتف قائلاً: "'آيات'، ممكن بس أقولك حاجة؟
قالت وهي تستمر في النزول دون أن تلتفت إليه: "لا، مش ممكن." نزل مسرعاً ووقف أمامها يعترض طريقها. نظرت إليه بغضب وصاحت: "ابعد لو سمحت." وقف أمامها بعناد قائلاً: "اسمعيني الأول." صاحت بحدة: "مش عايزة أسمعك. ابعد من قدامي." "'آيات'، أنا عارف إني غلطت، بس أنا كنت مضطر. ليه مش عايزة تفهمي؟
نظرت إليه باحتقار قائلة: "وأنا كنت في الشارع من غير بيت ومن غير فلوس، لكن معملتش زيك. رغم إني بنت وضعيفة. وكان ممكن أضيع نفسي. بس أنا حافظت على نفسي لأني مش دي أخلاقي ولا دي تربيتي." أطرق "آدم" برأسه وقد آلمه كلامها بقدر ما آلمه نظرة الاحتقار في عينيها. ابتعد وأفسح لها الطريق. نزلت مسرعة وهي تحاول منع الدموع من التجمع داخل عينيها. توجهت إلى غرفة "أسماء" فوجدتها تقف في الشباك.
اقتربت منها قائلة: "'أسماء'، قاعدة هنا لوحدك ليه؟ يا بنتي اطلعي اقعدي معانا." التفتت إليها "أسماء" وقالت بوجوم: "لا، مش عايزة. اطلعي انتي." وقفت "آيات" بجوارها وهي تقول بحنان: "طيب، قوللي مالك؟ سقط ضوء القمر على عينيها فلمعت فيهما الدموع. ثم نظرت إلى "آيات" قائلة بصوت باكي: "حاسة إن ماليش مكان بينكم." قالت "آيات" وهي تربت على ظهرها: "ليه بتقولي ده؟ صاحت "أسماء"
وهي تبكي: "عشان هي دي الحقيقة. أنا فعلاً مليش مكان هنا. بس أنا مش عارفة أروح فين. أنا لو فكرت أمشي من هنا مش هعرف أروح في حتة." قالت لها "آيات" بحنان: "وليه عايزة تمشي من هنا يا 'أسماء'؟ في حد ضايقك؟ أطرق برأسها وهي تهزها نفياً وتقول بصوت خافت: "لا، مفيش حد ضايقني." "لا، أنا حاسة إن في حد ضايقك. انتي كنتي كويسة، لكن بقالك كام يوم مش مظبوطة خالص. أكيد في حاجة حصلت." مسحت "أسماء"
عبراتها وهي تقول: "لا، متشتغليش بالك. يلا اطلعي عشان 'إيمان'." قالت "آيات" بإصرار: "مش هطلع إلا إذا طلعتي معايا." نظرت إليها "أسماء" بحزم وهي تقول: "أنا مش هطلع. اطلعي انتي لو سمحت. أنا بجد حابة أفضل لوحدي شوية. معلش يا 'آيات'، بس فعلاً مش حابة أتكلم في أي حاجة." قالت "آيات" باستسلام وهي ترمقها بنظرات حزينة: "طيب خلاص، زي ما تحبي. بس أتمنى فعلاً تفتحيلي قلبك وتقوليلي إيه؟
أنا مبخبيش عنك حاجة. أي حاجة بحكيها لكِ. بس انتي على طول كده بتشيلي جواكي ومبتتكلميش." لمعت العبرات في عينيها مرة أخرى وهي تقول: "أنا كويسة، متقلقيش." عادت "أسماء" تتطلع من الشباك وتغرق في شرودها من جديد.
استأذن "كريم" من والد "إيمان" في الخروج برفقته. بدلت "إيمان" ملابسها وأزالت المكياج، واستعدت للخروج برفقة "كريم". انصرفا معاً وهي تشعر بالتوتر الشديد لخروجها لأول مرة بصحبة رجل. حاولت أن تقنع نفسها بأن هذا الرجل أصبح زوجها، لكنها لم تستطع على الرغم من ذلك إخفاء توترها واضطرابها وشعورها بشيء غريب ليست معتادة عليه من قبل. قبل أن تنصرف "آيات" برفقة "سمر" ووالدتها، أقبلت عليها والدة "إيمان"
قائلة: "خدي يا 'آيات' الطبق ده بتاع 'أسماء'. أنا مش عارفة مطلعتهوش ليه وفضلت قاعدة لوحدها تحت كده." توقف "علي" عن جمع الأطباق بعدما استمع إلى ما قالته أمه. سمع "آيات" تجيب: "والله ما عارفة يا طنط. اترجيتها كتير بس مرضيتش خالص وشكلها مضايقة ومش راضية تقولي إيه اللي مضايقها. أكيد حاجة في الشغل ضايقتها." "طيب يا حبيبتي، اديها الطبق ده والحاجة الساقعة. عقبال ما أفرح بيكم كلكم إن شاء الله."
تنهد "علي" بضيق وهو يشعر بأنه السبب في ذلك، بعدما تحدث معها بهذا الحديث الذي ضايقها وجرحها. *** جلست "إيمان" أمام "كريم" على الطاولة في ذلك المكان الهادئ. تنظر إلى يديها اللتان تعرقتا من كثرة فركها إياهما. رفعت نظرها لتتلاقى نظراتها بنظرات "كريم" فأخفضت عينيها على الفور. ابتسم لها قائلاً: "طيب، بلا بلاش تبصيلي. اتكلمي." لم تجب، فقال: "تعرفي إنك من يوم ما جيتي القرية دي وأنا مسمعتش صوتك."
ظلت مطرقة برأسها وتوترها يتزايد. فقال: "طيب، هسألك سؤال بسيط. انتي وافقتي عليا ليه؟ حاولت التحدث فلم تستطع. تنهد "كريم" قائلاً وهو يرجع ظهره للخلف: "شكلك هتتعبيني." رفعت عينيها تنظر إليه، تتبين هل هو غاضب منها أم لا. لكنه فاجأها بابتسامته العذبة ونظرات عينيه المرحة، فابتسمت وهي تبعد عينيها عنه. فقال بمرح: "طيب، على الأقل بتبتسمي. أحسن الناس لو بصت علينا هيفتكروكِ خاطفة." تمتمت بصوت خافت: "أنا بس متوترة شوية."
أسند مرفقيه على الطاولة وهو يقول مبتسماً: "لا، ما أنا شايف، مش محتاجة تقولي لي." ثم تمتم بعتاب: "كده، متلبسنيش الدبلة؟ قالت بصوت مضطرب: "معلش." "إيه معلش دي؟ أصرفها منين يعني؟ في عروسة ترفض تلبس عريسها الدبلة؟ نظرت إليه وقد عقدت جبينها وهي تقول: "معلش، مكنش قصدي أضايقك." نظر إليها بمرح قائلاً وهو يشير إلى الدبلة في إصبعه: "ماشي، بس خلي بالك، أنا لبستها لنفسي مؤقتاً بس." ابتسمت وقد أطرقت برأسها في خجل.
انتهت سهرتهما وعادا إلى البناية. شعرت "إيمان" بسعادة كبيرة، فقد استمتعت طيلة السهرة بشخصيته المرحة، ابتسامته العذبة، حتى وإن لم تتحدث معه إلا قليلاً. لكنها كانت سعيدة لأنه لم يظهر ضيقه منها لهذا السبب، بل أبدى تقديراً لموقفها ولمشاعرها. توقفا أمام بابيهما المتجاورين. التفت إليها "كريم" مبتسماً وهو يقول: "إيه رأيك نتغدى مع بعض بكرة؟ ابتسمت بخجل وقالت مطرقة برأسها: "إن شاء الله." نظر إليها قائلاً: "طيب، بصيلي طيب."
حاولت فلم تستطع. توترت قائلة: "أنا هدخل بأه." قال "كريم": "ماشي، اتفضلي." التفتت لفتح الباب، فوجئت به يمسك ذقنها ويدير وجهها إليه. نظرت إليه لتتلاقى عيناهما للحظات. قال مبتسماً: "تصبح على خير." صمتت لبرهة. ثم تمتمت بصوت خافت وهي مازالت تنظر إلى عينيه التي شعرت بوجود قوة مغناطيسية تجذبها إليهما: "تصبح على خير."
ألقت "إيمان" بنفسها فوق فراشها والابتسامة على محياها. لم تجد في نفسها الرغبة للنهوض وتبديل ملابسها، فقد جلست سابحة في فضاء خيالها تتذكر تلك الليلة بكل تفاصيلها. لا تدري إلى كم من الوقت ظلت هكذا في مكانها بلا حراك. سمعت رنين هاتفها فوجدت رقماً غريباً. خمنت أنه لـ "كريم"، فلم تعتد اتصال أرقام غريبة بها وفي هذا الوقت. ردت قائلة بصوت خافت: "السلام عليكم." أتاها صوته: "وعليكم السلام. صحيتِك؟
قالت بسرعة: "لا، أصلاً لسه منمتش." قال بحنان: "أنا بس اتصلت أقولك إني النهاردة مش عايز أظبط المنبه عشان يصحيني للفجر. عايزك انتي تصحيني. ممكن؟ اتسعت ابتسامتها وهي تقول: "ممكن." صمت قليلاً ثم قال بخفوت: "خلاص، هعتمد عليكي. تصبحي على خير." "وانت من أهل الخير." كان بينها وبين الفجر عدة ساعات، لكنها علمت أنها لن تستطيع النوم. أسندت رأسها إلى وسادتها والبسمة لا تفارق ثغرها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!