غمرته السعادة والفرحة، ودق قلبه معلنًا شغفه ولهفته لبدء حياته الجديدة مع تلك الزوجة التي اختارها من بين ملايين النساء. كانت مواصفاته لزوجته المستقبلية معروفة ومحددة، فهو رجل يعرف جيدًا ما يريد. عمل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "فاظفر بذات الدين تربت يداك". فاختارها تعرف ربها، وتمتثل لأوامره وتجتنب نواهيه، فرأى فيها الزوجة الصالحة التي تعينه في أمور دينه ودنياه.
قذف الله بحبها في قلبه، ذلك القلب الذي حماه طيلة عمره من أن يخفق لامرأة لا تحل له. حماه كما حمى بصره من رؤية الحرام والتذذ به، كغيره من الشباب في سنه. ولذلك كافأه الله الآن بزوجة لا يرى في الوجود سواها. أحبها بأكثر مما كان يتمنى، فكان حبها في قلبه وحبه في قلبها هو بركة تعففهما عن الحرام.
هي أيضًا صانت مشاعرها وعواطفها، لم تسمح لأحد بأن يدخل قلبها. حفظته لزوجها الذي لم تكن تعلم عنه شيئًا، حفظته من أجله لتهبه إياه وهو غاية في النقاء، دون أن يلوثه حب محرم يدخل قلبها فيُنشر به سوادًا يطفئ بريقه اللامع. فكافأها الله برجل من خيرة الرجال. رأت فيه الزوج الصالح، والحبيب الوفي. خفق قلبها له كما لم يخفق من قبل، واستعدت ليلة زفافها بفستانها الأبيض ناصع البياض كقلبها وقلبه.
وفي جو من البهجة والسرور أعلنا للدنيا بأسرها أنهما زوج وزوجة يجمعهما ذاك الرابط المقدس. وهاهما يدخلان عشهما السعيد وسط فرحة الأهل والصحب. أمسك كريم برأس إيمان بين راحتيه وقبل جبينها قائلًا: "اللهم اجعلني خير زوج لخير زوجة." رفعت إيمان كفيها لتضعهما على كفي كريم الممسكتين بوجهها، وهمست له: "اللهم اجعلني خير زوجة لخير زوج." ***
ترأس آدم إدارة القرية في غياب كريم الذي استغرق أسبوعين. استقبله الجميع بالتهاني والدعاء بالبركة في زواجهما. ترأس كريم اجتماعًا هامًا حضره آدم وعلي وزياد. أرادت آيات حضور ذلك الاجتماع، لكن آدم قال لها بحزم: "إزاي يعني تحضريه؟ أكيد مرات كريم مش هتحضر. تبقي البنت الوحيدة اللي أعد وسطنا. إزاي يعني؟ قالت باستنكار: "ما انت وكريم موجودين." قال آدم بحزم: "لأ يا آيات، برضه مينفعش. هبقى أقولك على اللي حصل في الاجتماع."
رغم ضيقها لعدم سماحه لها بالحضور، إلا أنها لا تنكر السعادة التي شعرت بها وهي تستشعر غيرته عليها. قال كريم باستغراب: "آخر حاجة كنت متوقع إن شكري يعملها." قال آدم بثقة: "لأ، على فكرة أنا مستغربتش. شكري أولًا وأخيرًا رجل أعمال، يعني اللي عمله ده متوقع جدًا." قال زياد باستنكار:
"أيوه يا آدم، بس بصراحة أنا متوقعتش أنا كمان. يعني لما قل معدل الشغل عنده والحجوزات، توقعت إنه يعمل زي ما كان عاصي بيعمل ويغوط أوي في السكة اللي هو عارفها. لكن يقفل الملهى ويقلبه صالة ألعاب، وكمان يمنع الخمرة من القرية، ويفصل بين الرجالة والستات في حمامات السباحة. دي آخر حاجة توقعت إن شكري يعملها." نظر إليه آدم قائلًا:
"زي ما قولتلك يا زياد، شكري رجل أعمال. أهم حاجة عنده المكسب والخسارة. لما لقى إن فكرة القرية الحلال هي اللي بتكسب وبتجيب دخل ممتاز، قرر إنه يمشي على النظام اللي احنا ماشيين عليه." قال علي ساخرًا: "بس لسه سامح للستات إنهم يلبسوا بيكيني على البلاج." قال آدم:
"وده أكبر دليل إنه بيحاول يعمل أي حاجة عشان يزود دخل مش أكتر. يعني مش فكرة حاجات حرام بيمنعها خوف من ربنا. لأ، هو حاول يعمل حاجة وسط بين القرية الحلال والقرية بتاعته. يعني من الآخر حب يرضي جميع الأذواق." قال كريم وهو يخط خربشات على الأوراق أمامه: "أهو ده معنى حديث
النبي صلى الله عليه وسلم: 'إنما الأعمال بالنيات'. احنا نيتنا إننا نبعد عن الحرام عشان ما نغضبش ربنا علينا، فبجانب الكسب المادي لينا ثواب عند ربنا. لكن هو نيته إنه يكسب أكتر ويرضي الناس وأذواق الناس، وكده ملوش أي أجر عند ربنا." قال علي وهو يومئ برأسه: "فعلاً معاك حق يا كريم. يا ريت يا شباب نجدد نيتنا دايمًا، إنها تكون خالصة لوجه الله، عشان ما يفتناش الأجر ده." قال زياد ضاحكًا:
"ألذ حاجة في الموضوع إننا خلصنا من التهمة اللي اسمه 'عاصي' ده هو وأبوه. من يوم ما اتحبسوا والقرية حالها كرب، خاصة بعد ما جيت مراته وبنته يديروا القرية. زودوا الطينة بلة." ثم صاح بمرح: "أنا من الأول بقول الحريم دول يحطوا بس إيديهم في أي حاجة تخرب على طول. أهو اللي فشل أعداء سراج وعاصي إنهم يعملوه في سنين، جت مراته وبنته وعملوه في أربع شهور." نظر إليه علي قائلًا:
"أنا سمعت إنهم هيلغوا العقد مع الشركة اللي مأجرين منها القرية." هتف زياد: "يكون أحسن برضه. يلا سكة اللي يروح ميرجعش." *** في مطعم القرية، نظرت آيات إلى آدم لتجده شاردًا مقطب الجبين يتناول طعامه بروتينية. سألته باهتمام: "سرحان في إيه؟ أفاق من شروده قائلًا: "لأ أبدًا." أكمل تناول طعامه، فقالت آيات بحنان: "هو أنا مش عارفاك يعني؟ في حاجة شاغلاك ومضايقاك كمان؟ قطب جبينه مرة أخرى وقال وهو يلعب بالطعام أمامه بطرف شوكته:
"كان نفسي ظروفي تكون أحسن من كده. كان زمانا متجوزين دلوقتي وعايشين في بيت واحد." وضعت كفها على كفه الموضوع فوق الطاولة وهي تنظر إلى آدم بحنان قائلة: "الحمد لله احنا أحسن من ناس كتير يا آدم. وإن شاء الله الوضع يتحسن." تنهد آدم بضيق ثم نظر إليها قائلاً: "أنا الفلوس اللي حوشتها متكفيش أي حاجة يا آيات. أنا محتاج سنين عشان أقدر أشتري شقة وأفرشها." ابتسمت قائلة بمرح: "يعني هو لازم يعني يا دكتور آدم نعيش في شقة ملك؟
ما نأجر شقة، إيه المشكلة يعني. ولما ربنا يفتحها علينا نبقى نشتري شقة." قال آدم بضيق: "وفرش الشقة. ده لوحده محتاج مش أقل من سنة سنة ونص تحويش." قالت له آيات على الفور: "مش لازم كل حاجة تبقى على سنجه عشرة يا آدم. يعني مش لازم نختار أغلى حاجة وأقيم حاجة. لو فكرنا بالطريقة دي يبقى هنستنى سنين زي ما بنقول." نظر إليها بأسى وقال: "نفسي يا آيات أجيبلك كل اللي نفسك فيه." ابتسمت له بحب ونظرت إليه بعينين شغوفتين وهي تقول:
"وأنا نفسي في شقة صغيرة حتى لو إيجار، وعفش على قدنا لحد ما ربنا يرزقنا نبقى نغير كل حاجة يا آدم." أحاطها كفها بين كفيه واقترب منها ينظر إليها بشغف قائلاً: "بحبك." ابتسمت بعذوبة وهمست: "وأنا بموت فيك." ابتسم لها بحنان وقال: "متقلقيش يا حبيبتي، إن شاء الله ظروفنا هتكون أحسن." اتسعت ابتسامتها وهي تقول: "مش قلقانة. أنا واثقة إن ربنا هيكرمنا أوي يا حبيبي." ***
عادت آيات إلى الشقة لتجد زياد جالسًا مع سمر ووالدتها. دخلت غرفتها، بدلت ملابسها ووقفت في الشرفة قليلًا. ثم ما لبثت أن اندفعت سمر تفتح باب الغرفة ناعتها قائلة: "آيات! خرجت آيات من الشرفة لتنظر إلى وجه سمر الذي ينطق فرحًا. اقتربت منها سمر وقالت بحماس الأطفال وهي تضم كفيها معًا: "خلاص حددنا ميعاد الفرح." نظرت إليه آيات بدهشة وهتفت: "بتهزري؟ أطلقت سمر صيحة سعادة وهي تقول: "لأ والله بتكلم بجد." اتسعت ابتسامة آيات
وعانقتها قائلة بسعادة: "مبروك يا حبيبتي مبروك، فرحتلك أوي أوي يا سمر. أنا مش مصدقة." نظرت إليها سمر وقالت بابتسامة واسعة: "أنا اللي مش مصدقة. أنا اشترطت على زياد خطوبة طويلة، بس بجد أنا طول الشهور اللي فاتت وكل ما أعرف أكتر كل ما بحس براحة أكبر. ولما كلمني دلوقتي في الفرح كان متوقع جدًا إني هرفض. فوجئ إني بقوله إني موافقة بس هستخير الأول. حسيت إنه طاير من الفرحة." ضحكت آيات قائلة: "بركاتك يا زياد."
ابتسمت سمر بتأثر وقالت: "عارفة يا آيات، ساعات كنت بتخيل إني مش ممكن هتجوز أبدًا. مش ممكن هقدر أثق في حد أبدًا. بس زياد معرفش إزاي قدر يخليني أطمنله أوي كده. يمكن عشان هو فعلًا إنسان طيب أوي، وبسيط أوي، وواضح أوي. من النوع اللي تقدري تفهميه من أول مقابلة. لأ، هو غامض ولا هو كتم. بالعكس شخصيته واضحة وصريحة، وده اللي خلاني أثق فيه وأطمنله." قالت آيات بسعادة: "ربنا يتمملك على خير يا سمر." ثم قالت:
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير." ***
تم تحديد موعد كتب كتاب علي وأسماء قبل موعد زفاف زياد وسمر. كان يومًا بهيجًا. أصر علي على كتب الكتاب في قاعتين للأفراح، فلعلّه أراد أن يدخل السرور على قلب أسماء التي يعلم أنها لاقت الكثير من المآسي طوال حياتها. وبالفعل كانت أسماء في ذاك اليوم من أسعد ما يكون. أحاطتها مديحة بذراعيها بأعين دامعة وهي تبتسم بسعادة. التف حولها صديقاتها آيات وإيمان وسمر، اللاتي كن يدَلِلُنها ويمرحن معها، فأضفَيْنَ جوًا من البهجة زادها سعادة فوق سعادتها. كذلك أم علي دمعت عيناها وهي تقبل عروس ابنها. أحبتها أسماء بشخصيتها الطيبة البسيطة، كذلك أحبتها أم علي، فهي صارت الآن زوجة فلذة كبدها.
عادت مديحة إلى البيت مع مدحت والعروس السعيدة أسماء، التي قضت ليلها ساهرة تتحدث في الهاتف لأول مرة مع زوجها وحبيبها علي. جلست مديحة فوق فراشها تلمع عيناها بالدموع. اقترب منها مدحت قائلًا: "الحمد لله اليوم عدى على خير. عقبال ما نوصلها بيتها إن شاء الله." ذرفت مديحة العبرات وهي تقول: "هتوحشني أوي يا مدحت." ابتسم وهو يربت على ظهرها قائلًا:
"دي سنة الحياة يا مديحة. وبعدين العين السخنة مش بعيد، دي كلها 3 ساعات ونكون عندها." تنهدت مديحة وهي تقول: "لولا إني حبيت خطيبها فعلًا وشايفاه راجل بجد، ما كنتش خليتها تسافر. من يوم ما رجعتلي تاني وأنا حسيت إني ضيعت سنين وأنا عاملة فجوة بيني وبينها. كان لازم أقرب منها أكتر. هي بنتي وملهاش حد غيري. يا ريت كنت خدتها في حضني من زمان. أكيد ماكنش حصلها ده كله ولا كانت نفسيتها تعبت كده." قال مدحت بوجوم:
"أنا كمان قصرت معاها. بس أدينا بنتعلم من أخطائنا. وربنا ادانا فرصة تانية نقرب من بنتنا ونحسسها إننا أهلها بجد. سبحان الله الواحد ميعرفش قيمة الحاجة اللي ربنا كرمه بيها إلا لما بتضيع من إيده." نظرت إليه مديحة وقالت: "تفتكري ممكن نكمل حياتنا مع بعض يا مدحت وتبقى حياة هادية؟ ولا الشهور اللي فاتت دي حلم هنصحى منه ونرجع تاني زي ما كنا؟ نظر إليها مدحت قائلًا بحزم:
"بصي يا مديحة، الحوار ده شركة بين اتنين. وعشان الشركة دي تنجح لازم الاتنين تكون إيديهم في إيدين بعض. مينفعش واحد يبني والتاني يهدم. مينفعش واحد يحاول إنه يصلح والتاني واقف محلك سر. لو حطيتي إيدك في إيدك وعاهدتيني إننا نراعي الشركة دي على قد ما نقدر، أكيد مش هنرجع لمشاكلنا القديمة اللي كانت كلها بسبب إن كل واحد شايف نفسه صح وبيرمي على الغلط على التاني." قالت مديحة وهي تمسك بيده:
"أوعدك إني هحاول على قد ما أقدر الشركة دي تنجح. بس انت كمان اوعدني إنك متعملش الحاجات اللي بتضايقني منك." ضحك قائلًا: "انتي عايزة الحياة كلها بمبي ولأ إيه؟ أكيد هضايقك وتضايقيني. أهم حاجة إننا نحط خطوط حمرا في التعامل بينا محدش منا يتخطاها. لازم نحترم بعض يا مديحة، حتى في خلافاتنا مع بعض." أومأت برأسها وابتسمت قائلة: "وأنا موافقة على كل اللي قلته يا مدحت." *** جلس آدم شاردًا في مكتبه،
لا يفتر لسانه عن ترديد: "أستغفر الله". يعلم جيدًا أنها مفتاح الرزق. تمنى لو تمر الأيام سريعًا ليستطيع توفير عش الزوجية ويتم زفافه على عروسه التي اشتاق لقربها. أخذ يفكر في حلول عديدة يستطيع بها زيادة دخله ليسبق الزمن ويقلل من تلك الأيام التي تفصله عن حلمه. سمع طرقات على الباب فاعتدل في جلسته وأذن للطارق بالدخول. دخل كريم بابتسامته العذبة قائلًا: "فاضي شوية؟ أومأ آدم برأسه. جلس كريم قبالته ونظر إليه قائلًا:
"بص يا عم آدم، انت بتعتبرني أخ ليك ولأ؟ قال آدم على الفور: "طبعًا يا كريم. ده انت أكتر من أخ. وبصرف النظر عن إنك أخ آيات، فربنا يعلم أنا بحبك إزاي وبحترمك إزاي. وبجد بعتبرك مثل أعلى ليا." ابتسم كريم قائلًا: "ربنا يكرمك يا آدم. لو اللي بتقوله ده مظبوط فعلًا يبقى هتوافقني على طلبي." نظر إليه آدم باهتمام وقال: "أمر يا كريم." قال كريم بخفة:
"الأمر لله. بص بقى، قبل ما تكون انت أخويا، فآيات أختي الملزومة مني. أنا عارف إننا متكلمناش في أي تفاصيل مين عليه إيه وقسمنا الجهاز بينا زي ما الناس بتعمل. انت متكلمتش في الموضوع ده ولا حددت أي حاجة." قال آدم بحرج:
"عارف إني متكلمتش في الموضوع ده بس مش زي ما انت فاهم. أنا نفسي أنا اللي أجيب لآيات كل حاجة. وبعدين يا كريم، انت أكتر واحد عارف إن المفروض كل حاجة تبقى على الراجل مش الست. زمان لما كان الصحابة بيتجوزوا مكنش حد بيطلب من مراته إنها تشاركه في الجهاز. كان بيجهز بيته على قد مقدرته. وبصراحة أنا شايف إني حابب أعمل كده مع آيات. إن جابت هي حاجات في البيت، أهو بيتها. تجيب اللي هي عايزاه. لكن محبش إلزمها بحاجة وأقولها عليكي كذا وعليا كذا."
اتسعت ابتسامة كريم قائلًا: "على فكرة أنا فاهم كلامك ده كويس. وعارف إنك متكلمتش في حاجة عشان كده. بس اللي عايز أقولهولك إني حابب أهادي آيات." نظر إليه آدم وقد عقد جبينه، فأكمل كريم: "الشقة اللي جنبي فاضية. وأنا هاخدها لآيات." قال آدم بحزم وتقطيب جبينه في تزايد: "مفيش مشكلة ها هديهالك زي ما انت عايز. بس الشقة دي مستحيل نعيش فيها أنا وهي. أنا اللي هجيب الشقة لآيات حتى لو إيجار." تنهد كريم قائلًا: "انت بتعمل فرق ليه؟
قال آدم بحزم شديد: "مش بعمل فرق بس معلش يا كريم. الموضوع ده منتهي بالنسبة لي." قال كريم بعد تفكير: "طيب المبلغ اللي كنت هحطه في الشقة أنا ههديه بيها. وتجيبوا كل اللي ناقصكم." قال آدم بضيق: "وده برضه مرفوضة. مش هخليها تفرش هي الشقة وأنا يبقى ماليش لازمة خالص كده." هتف كريم: "حيرتني معاك. طيب إيه يرضيك؟ قال آدم: "كريم، اقفل الموضوع ده أحسن لأنه منتهي بالنسبة لي." نظر إليه كريم قائلًا:
"طيب عندي فكرة. خد انت المبلغ على سبيل السلف وابقى ردهولي في الوقت اللي يريحك." فكر آدم قليلًا وهو مقطب الجبين، ثم هز رأسه نفيًا وقال: "لأ برضه." هتف كريم: "يا آدم، متبقاش عنيد. أقولك، امضلي وصل أمانة." نظر إليه آدم باهتمام، فقال كريم: "أظن كده مناسب. امضلي وصل أمانة أثبت حقي بيه. وابقى ادفع في المعاد اللي يريحك." تنهد آدم وبعد تفكير لفترة قال وهو يرفع حاجبيه بحزم:
"أنا ممكن آخد الفلوس بشرط واحد. هكتبلك وصلات أمانة مش وصل واحد. كل وصل بميعاد محدد للدفع وبمبلغ محدد. يناسبك كده؟ أومأ كريم برأسه مبتسمًا وهو يقول: "أيوه مناسبني." أخرج كريم دفتر شيكاته ودوّن بياناته، ثم أعطاه إلى آدم الذي مزقه فورًا وهو يقول: "ده لأ، المبلغ ده كبير."
تنهد كريم وهو ينظر إليه بغيظ. ثم دوّن بيانات أخرى وأعطاه لآدم، الذي نظر إليه بعين الرضا. ثم أخرج عدة أوراق وكتب وصلات الأمانة وسلمها إلى كريم. ثم نهض والتف حول المكتب معانقًا إياه قائلًا بامتنان: "تسلم يا كريم. انت فعلًا راجل جدع أوي." ابتسم له كريم وقال: "يا عم متقولش كده. ربنا يوفقكم ويتملكم بخير."
خرج كريم من مكتب آدم، الذي اتسعت ابتسامته وظل يحمد الله بلسانه وقلبه وكل جوارحه. خرج كريم ينظر إلى وصلات الأمانة. ثم.. مزقها إلى قطع صغيرة وألقاها مبتسمًا في أول سلة قمامة قابلته! ***
جلست سمر ليلة عرسها تنظر إلى فستان زفافها الأبيض الطويل وعيناها تلمع بعبرات خفيفة وابتسامة صغيرة على ثغرها. علقته في مكان مرتفع حتى لا يتكرش، ثم دخلت إلى فراشها بعدما شربت كوبًا من اللبن الدافئ. نظرت إلى فستانها بفرح. ثم ما لبثت أن اختفت ابتسامته تدريجيًا ولمعت العبرات في عينيها أكثر، حتى كانت عيناها كبئر فاض بماؤه على ما حوله. مسحت عبراتها بأصابعها وهي تحاول تماسك نفسها دون جدوى. فتحت أمها الباب
فجأة مبتسمة وهي تقول بمرح: "سمر.. أنا... تجمدت ابتسامتها على ثغرها وهي تنظر إلى سمر الباكية. اقتربت منها بِلُوعة وقالت: "سمر مالك؟ اتخانقتي انتِ وزياد؟ هزت رأسها نفيًا، وهي تحاول أن تهدئ من روعها. جلست أمها بجوارها وقالت وهي تمسح عبراتها بيدها: "أما لمالك يا حبيبتي؟ قالت سمر بصوت مرتعش وهي تضم قدميها إلى صدرها:
"كان نفسي بابا هو اللي يكون وليّ. ويكون موجود يوم فرحي. أحسه إني مليش حد. كان نفسي هو اللي يسلمني لزياد ويقوله خلي بالك من بنتي. متزعليهاش. متضايقهاش. كان نفسي أشوف الفرحة في عينيه. ويعيط ويقولي هتوحشيني يا سمر." أنهت كلامها لتجهش في بكاء حار وهي تهتف: "بس أنا مش فارقة معاه أصلًا. مش فارقة حتى إنه يشوفني ولا يطمن عليا. خلفني ليه طيب؟ خلفني ليه؟
لم تتمالك أمها نفسها هي الأخرى ووضعت كفها على فمها لتجهش هي الأخرى في البكاء. قالت سمر بصوت باكي يئن ألمًا: "عارفة رغم كل السنين اللي فاتت دي، أنا لسه عندي أمل إنه في يوم قلبه يحن ويسأل عليا. عارفة لو جالي وقال سامحيني أنا هعمل إيه؟ نظرت إليها أمها لترى ذاك الألم الذي ينطق به وجه سمر ودموعها المتساقطة وهي تقول بمرارة:
"هسامحه. والله هسامحه. وهنسى كل حاجة. بس هو ييجي بس. أو حتى يسأل عليا. ده مايعرفش حتى إذا كنت عايشة ولا ميتة." تنهدت أمها بقوة عليها تطفئ من تلك النيران التي شعرت بها داخل صدرها. ثم نظرت إلى سمر بتردد، بخوف، بألم، بخجل، بضيق، بحنان، بأسف. وقالت: "لأ عارف." توقفت سمر عن البكاء لتنظر إليها دون فهم. فأكملت أمها بصوت مرتعش: "عارف إنك عايشة، وإنك كبرتي ودخلتي المدرسة. ومش ناقصك حاجة."
اتسعت عينا سمر في محجريهما بشدة، وفغر فاها في دهشة وقد شلت الصدمة لسانها. لحظات وبلعت ريقها وهي تقول بلهفة: "يعني إيه؟ وهيعرف منين؟ مش فاهمة. وانتي عرفيني منين؟ انتي بتقولي إيه؟ قالت أمها وهي تغالب عبراتها: "أبوكي اتصل بيا يطمن عليكي يا سمر." أمسكتها سمر من ذراعها بقوة وهي تهتف بلهفة: "ماما انتي بتقولي إيه؟ إزاي يعني؟ بابا بيكلمك وانتي بتكلميه؟ إزاي يعني؟ ماما فهميني أبوس إيدك." هتفت أمها بألم وهي تعاود بكائها:
"أبوكي المحترم بعد ما سابني وسابك وسافر معرفش عنه حاجة رجع افتكر بعد 15 سنة غياب إن عنده زوجة وبنت. اتصل على تليفون البيت القديم اللي كنا عايشين فيه. حاول يعتذر ويتأسف. كان ممكن أسامحه بس... ثم هتفت بغضب ومرارة: "لقيته بيقولي إنه اتجوز واحدة من البلد اللي كان عايش فيها. وخلف منها كمان. وقاللي وقتها إنه رجع مصر هو ومراته وأولاده وعايز يشوفني ويشوفك." اتسعت عينا سمر وهي تسمع مصدومة إلى اعتراف والدتها التي أكملت بحدة:
"طبعًا رفضت وقلتله مستحيل أخليك تشوفني ولا تشوف بنتك. حاول كتير واترجاني كتير. بس احنا كنا خلاص ظبطنا حياتنا من غيره. ومعادلوش وجود بينا." هتفت سمر بحدة: "ليه مقولتيش يا ماما؟ ليه لما اتصل بيكي مقولتيش؟ قالت والدتها بغضب هادر: "أقولك ليه؟ ده واحد باعني وباعك وراح عاش في بلد تانية وكون أسرة تانية. ووقت ما حب ينزل مصر افتكر إن عنده بنت مخلفها. ده واحد ميستحقش إنه يكون أب." قالت سمر باكية:
"وأنا قولتلك إني مستعدة أسامحه. انتي متعرفيش إحساسي وأنا عايشة وعارفة إن ليا أب وناسيني ومبيسألش عليا. ليه مقولتيش. ولما اتصل بيكي مقولتيش؟ ليه؟ كان من حقي أعرف." ثم قالت كأنها تحدث نفسها: "يعني لما اتصل بيكي كنت أنا عندي 15 سنة ولأ 16 سنة. كان ممكن تريحيني وتقوليلي على الأقل إنه اتصل بيا. إنه سأل عني. بدل ما تسيبني أتعذب كده." ثم نظرت إليه وهتفت: "حرام عليكي. ليه تحرميني منه؟ قالت أمها بغضب:
"هو اللي حرمك منه مش أنا." قالت سمر بعتاب:
"انتي بصيتي لكرامتك يا ماما ولزعلك منه. لكن مبصتيش إذا كنت أنا محتاجه في حياتي ولأ. مش من حقك تحرميني منه طالما طلب يشوفني. أي زوج وزوجة لما بينفصلوا عن بعض المفروض مدخلوش ولادهم في خلافاتهم. هما ملهومش ذنب. حتى لو الأم كرهت الأب والأب كره الأم، ولادهم هيفضلوا يحبونهم هما الاتنين. وهيفضلوا محتاجين لهم هما الاتنين. وحرام واحد فيهم يحرم التاني من ولاده. حرام. كان لازم تبصيلي أنا وتهتمي بمشاعري أنا مش مشاعرك انتي. كان لازم تشوفي أنا محتاجة بابا ولأ. عايزة أشوفه ويشوفني ولأ. حتى لو انتي كرهتيه أنا مش هقدر أكرهه. أنا بحبه حتى من غير ما أشوفه. حرام عليكي اللي عملتيه فيا."
ثم قالت باكية: "انتي كده قاطعة للرحم يا ماما. بعدتيني عن بابا طول السنين دي. عارفة ربنا بيقول إيه عن قاطع الرحم؟ 'والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار'." ثم قالت: "عارفة النبي صلى الله عليه وسلم بيقول إيه؟ 'إن أعمال بني آدم تعرض على الله تبارك وتعالى عشية كل خميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل قاطع رحم'."
تنهدت أمها بأسى وهي مطرقة برأسها مغمضة العينين تشعر بالوهن. ربتت سمر على ظهرها قائلة بقلق: "ماما انتي كويسة؟ أومأت برأسها دون أن تفتح عينيها. لحظات وهضت وخرجت من الغرفة. أسندت سمر برأسها الذي أصابه الصداع إلى وسادتها وهي تفكر بأسى في اعترافات والدتها التي لم تكن تتوقعها قط. عادت والدتها حاملة هاتفها، أعطتها لها قائلة:
"ده رقمه. احتفظت برقمه. معرفش ليه احتفظت بيه. بس وقتها كان التليفون فيه إظهار. ولقيت نفسي بحتفظ بالرقم وبكتبه عندي في ورقة." ثم قالت: "معرفش لو اتصلتي هتلاقي حد يرد عليكي ولأ. أنا مجربتش أتصل بيه أبدًا." تركتها أمها وأغلقت الباب خلفها. نظرت سمر إلى رقم الهاتف المدون في هاتف والدتها. هذا هو الخيط الوحيد الذي قد يصلها بوالدها مرة أخرى. تُرى، أَتأخذ تلك الخطوة وتهاتفه؟
لم تحتاج وقتًا للتفكير. اتصلت بيدين مرتعشتين وبقلب وجل ومشاعر مضطربة. سمعت الرنين كطنين في أذنها. ممل، رتيب. ثم: "ألو." صوت رجولي. لم تستطع أن تتبين إن كان صغيرًا أم كبيرًا. رد الصوت مرة أخرى: "ألو.. ألو." صوته أجش. ما زالت لا تستطيع تحديد سنه. أغلق الخط! حاولت الاتصال مرة أخرى: "أيوه، مين بيتصل؟ الخط مفتوح." ردت. نححنت وقالت بصوت خافت جدًا: "ألو." "أيوه، مين؟ لا تعرف ماذا تقول. لا تعرف إن كان والدها أم لا.
قالت بصوت مرتعش مضطرب: "أنا.. أنا سمر.. ممكن أكلم.... أرادت أن تقول "بابا" لكنها لم تستطع. اغرورقت عيناها بالعبَرات. لم تنطق تلك الكلمة قط. لم توجهها لرجل قط. كيف تنطقها الآن؟ قال بصوت يبدو عليه آثار البكاء: "أنا كنت عايزة أتكلم مع الأستاذ.... لم تكمل حديثها. قاطعها الرجل قائلًا: "سمر! حاولت السيطرة على ارتجافة صوتها وهي تقول: "أنا.. أيوه اسمي سمر.. أنا لو سمحت كنت عايزة أتكلم مع الأستاذ.. هو موجود؟
لم تجد ردًا. فقط تستمع إلى صوت تنفسه المضطرب. فقالت بتوتر: "أنا معرفش إذا كان ده رقمه ولأ. الرقم قديم يعني... قاطعت حديثها عندما سمعت الرجل يجهش في البكاء وهو يهتف باسمها قائلًا: "سمر! انتي سمر.. بنتي؟ تساقطت عبراتها وعلامات الألم على وجهها. أغمضت عينيها بشدة وصوته يسري في أذنيها لأول مرة. قال بلهفة: "سمر.. اتكلمي.. انتي سمر بنتي مش كده؟ قالت من بين شهقاتها: "أيوه." قال بصوت حمل كل معاني الشوق واللهفة والحنين:
"يا حبيبتي.. وحشتيني أوي أوي.. سمر اتكلمي عايز أسمع صوتك." ثم أجهش في البكاء مرة أخرى. قالت: "أنا مكنتش أعرف إنك اتصلت بيا. أنا كنت فاكرة.... قاطعه بلهفة: "انتي فين يا سمر؟ عايز أشوفك. أرجوكي يا بنتي. نفسي أشوفك. قولولي مكانك يا سمر. عشان خاطري قولولي مكانك." قالت بسعادة من بين بكائها ودموعها وهي لا تصدق لهفته على رؤياها وعلى الحديث معها وعلى القدوم إليها: "أنا في العين السخنة. في قرية اسمها الماسة. أنا....
صمتت لبرهة ثم قالت: "أنا فرحي بكرة." ثم أجهشت في البكاء قائلة: "ونفسي أشوفك أوي." قال بصوت مرتعش: "وأنا كمان نفسي أشوفك. أنا هجيلك النهاردة. ينفع يا بنتي؟ ينفع أجلك دلوقتي؟ قالت بلهفة: "أيوه. أيوه ينفع. تعالي. هستناك." قال وضحكاته تختلط ببكائه: "طيب اديني رقمك. لو معاكي موبايل اديني رقمه." أملته سمر هاتفها، فوجدت رقمًا يتصل بها. فقال بلهفة:
"ده رقمي. ماشي. عشان لو معرفتش أوصل هكلمك. أنا جايلك حالا يا سمر. ماشي يا بنتي. حالا هجيلك." ابتسمت قائلة وهي تمسح العبرات التي تغرق وجهها: "ماشي. مستنياك." أنهت المكالمة والتفتت لتجد والدتها واقفة أمام الباب وقد استمعت للمكالمة وعبَراتها في عينيها. نظرت إليها سمر بأسى ثم قامت لترتمي في أحضانها وهي تقول:
"مش قادرة أستنى لبكرة. قولته ييجي دلوقتي. عشان خاطري متزعليش بس. أنا بحبك وبحبه بردوا. ومش عايزة أبعد عن حد فيكم. متزعليش مني." ربتت أمها على شعرها وقبلت رأسها قائلة: "مش زعلانة منك. انتي اللي متزعليش مني." قبلتها مرة أخرى، فنظرت إليها سمر بفرح وهي تقول بلهفة: "أنا مش مصدقة إني خلاص هشوفه. ألبس إيه؟ تعالي قوليلى ألبس إيه. طيب هو كان بيحب إيه عشان أعملهوله على ما ييجي."
ابتسمت أمها من بين دموعها وهي تنظر إلى ابنتها ولهفتها على ملاقاة أبيها. شعرت وقتها بالندم الشديد لحرمانهما من بعضهما طيلة الأعوام الماضية. من أجل الثأر لكرامتها الجريحة. كان يجب أن تبدي مصلحة بنتها ومشاعرها على مصلحتها هي ومشاعرها هي. تنهدت بأسى وهي تستغفر ربها على ما فعلت في حق ابنتها الوحيدة. ***
وقفت سمر في الشرفة تنتظره. اتصلت به ما لا يقل عن 7 مرات. كانت تطمئن عليه على الطريق في هذا الوقت من الليل، وكانت تتخذها ذريعة لسماع صوته. لم تفارقها ابتسامتها ونظرات عينيها الملهوفة. قفز قلبها من مكانه حتى كاد أن يصم أذنيها لقوة ضرباته عندما علمت بأن على مشارف القرية. ارتجفت يداها وشفتاها وهي تتطلع إلى الطريق أسفل البناية. لمحّت سيارة تعبر الممر أمام البناية لتتوقف عندها. خفق لبها بقوة وهي تنظر إلى الأسفل إلى ذلك
الرأس الذي خطه الشيب الذي نزل من تلك السيارة. قبل أن يدخل البناية رفع رأسه عاليًا. تلاقت نظراتهما الملهوفة. تأملت وجه أبيها من ذاك الارتفاع وهي لا تتحمل تلك اللحظات التي تفصلها عن إلقاء نفسها بين أحضانه. دخل البناية فاتجهت إلى الباب تهرول مسرعة. دخلت والدتها غرفتها وأغلقت الباب. بقيت خلفه تستمع إلى ما يحدث. فتحت سمر الباب وعيناها معلقتان على المصعد تنتظر خروجه. انفتح باب المصعد. ظهر أمامها رجل وقور قد بلغ من الكبر
عتيا. خطت سنوات العمر بيديه فوق جبينه وعلى جانبي رقبته. يبدو على وجهه آثار الإجهاد، لكن عينيه تعلقتا بها بلهفة. شعر لوهلة بالخجل، فذاك الرجل والدها لكنها لم تراه أبدًا. لا تذكره أبدًا. شعرت بشيء من الغربة، لكن ذاك الإحساس تلاشى بعدما رأته يجهش في البكاء وهو يتطلع إلى وجهها بلهفة. دمعت عيناها هي الأخرى. لم ينظر أكثر ليأخذها بين ذراعيه ضامًا إياها بقوة إلى صدره. شعرت بقوة ضمته إليها فأغمضت عينيها تتساقط العبرات منهما.
تُلَف يديها حول عنقه بقوة وكأنها تخشى أن يفارقها مرة أخرى. كان تنفسها يتقطع من قوة ضمته. بدا وكأنه لا يستطيع السيطرة على مشاعره التي فاضت حتى أغرقته وأغرقتها. أبعدها عنه أخيرًا لينظر إلى وجهها الذي يراه لأول مرة منذ أن تركها رضيعة في مهدها.
ارتجفت شفتاه وهو يقول: "سمر.. كبرتي.. كبرتي وبقيتي وعروسة جميلة." أجهشت في البكاء مرة أخرى. قال بألم ومرارة: "سامحيني أنا آسف. والله أنا ندمان فوق ما تتصوري. ندمان إني سبتك ومشيت. ندمان إني دورت على نفسي وبس. ندمان إني كان قلبي قاسي وجاحد. حققت كل اللي سافرت عشانه. بس مرتحتش. مرتحتش أبدًا. كنت طايش لأبعد حد. هربت من المسؤولية. بس للأسف فقت متأخر. ولما حبيت أرجعك لحضني معرفتش. سامحيني يا بنتي."
عانقته سمر مرة أخرى مغمضة عينيها. لم تكن تبغي العتاب. لم تكن تبغي في الحديث عما مضى. لم تكن تبغي سوى ذاك الحضن والإحساس بالأمان الذي افتقدته طيلة عمرها. لم تشعر سوى بشيء واحد. الآن هي في أحضان والدها، فلا شيء يهم سوى ذلك! ***
ارتدت سمر فستان زفافها ونظرت إلى نفسها في المرآة. كانت تحلم بذلك اليوم منذ أن كانت صبية. كانت تعلم بأنها ستكون سعيدة في يوم عرسها كملايين البنات. لكنها لم تتوقع أن فرحتها يتكون بهذا الشكل. فرحتها بزواجها ممزوجة فرحتها لوجود أبيها بجوارها، وليًا لأمرها، يضع يده في يد زياد ليزوجها له. حاول كثيرًا تبرير ما فعل، والحديث فيما مضى. لكنها رفضت الحديث عن أي شيء فات أوانه. طوت هذه الصفحة تمامًا. لم تطويها فقط بل مزقتها
وألقتها خلف ظهرها. لا يهمها ما فات. المهم أنه معها وبجوارها. وعدها بأن يعرفها على إخوتها من زوجته. أخبرها بأن لها أخًا وأختين. سعدت بذلك بشدة. لطالما حلمت بأن يكون لها أشقاء وشقيقات. أرادت التعرف عليهم بشدة. أرادت أن تندمج في حياة أبيها. دون أن يؤثر ذلك على مشاعرها تجاه أمها. فتلك نُقرة وتلك نقرة أخرى. هذه أمها وهذا أبوها. ليس شرطًا أن تخسر واحدًا منهما لتكسب الآخر. بل ترى أن تكسب كليهما. فكل منهما تحمل نصف جيناته.
وكل منهما أعطاها سببًا للوجود في هذه الحياة.
سعد زياد بشدة من أجلها. لم يرها سعيدة بهذا الشكل. توجه بها إلى عشهما السعيد. نظرت إليه سمر بحب وثقة وحنان كما لم تنظر إليه من قبل. بدت مرتاحة بشكل كبير وكأنها كانت تحمل عبئًا ثقيلًا أزاحته أخيرًا من فوق كتفيها. عانقها زياد طويلًا يبثها حنانه، يشعرها بأنه معها الآن وغدًا وللأبد، وبأنها شريكة حياته ونصفه الآخر الذي لا يستطيع أن ينفصل عنه قط. فبدآ حياتهما الزوجية بفرح وسعادة وكل منهما يعد الآخر بأن يكون الحضن الدافئ له، ومصدر أمنه وأمانه!
*** فتحت مديحة الباب وابتسمت في وجه علي قائلة: "إزيك يا علي.. اتفضل يا حبيبي." دخل علي قائلًا: "إزي حضرتك أخبارك إيه؟ قالت وهي تغلق الباب خلفه: "كويسة يا حبيبي الحمد لله. إزي ماما وإيمان؟ ابتسم قائلًا: "بخير الحمد لله." أشارت إلى حجرة الصالون فجلس واضعًا ما يحمله بيده فوق الطاولة. دخلت مديحة غرفة أسماء قائلة: "أسماء علي جاهز ومستنيكي بره." هبت من فراشها قائلة بدهشة: "علي! بس مقالش إنه جاي." ضحكت مديحة وقالت:
"عادي يعني هو غريب؟ يلا البسي واطلعي له." ارتدت أسماء ملابسها. استقبلها علي ببشاشة. ضحكت قائلة: "إيه المفاجأة الحلوة دي؟ جلست بجواره فقال: "كنت قريب من هنا قولت أعدي عليكي وكمان أعملهالك مفاجأة." اتسعت ابتسامتها. أخرج علي من جيبه علبة من القطيفة وأعطاها إياها قائلًا بابتسامة عذبة: "شوفي كده ذوقي هيعجبك ولأ." نظرت إلى العلبة بدهشة ثم فتحتها لتجد خاتمًا ذهبيًا. اتسعت ابتسامتها وهي تقول بسعادة: "الله.. حلو أوي يا علي."
اتسعت ابتسامته هو الآخر وهو يرقب تلك السعادة على وجهها وقال: "طيب الحمد لله إن ذوقي عجبك." نظرت إليه بحب قائلة: "أصلًا ذوقك بيعجبني على طول." ثم قالت بمرح: "مش اخترتني يبقى لازم يكون ذوقك حلو. هو فيه أحلى مني؟ اختفت ابتسامته وتحدث بجدية قائلًا: "انتي فعلًا يا أسماء جميلة. مش بس بشكلك. لأ كمان بروحك وطيبة قلبك. عارفة؟
أنا كنت ببعد عن أي علاقة حرام أو أي حاجة تغضب ربنا وكنت دايما بدعي ربنا إنه يرزقني بزوجة طيبة أحبها في الحلال وتدخل قلبي. والحمد لله ربنا رزقني بيكي." اختفت ابتسامة أسماء وشردت وفي عينها نظرة أسى. قام علي وجلس بجوارها ينظر باهتمام إلى لمعة عينيها قائلًا: "مالك يا حبيبتي. أنا قولت حاجة ضايقتك؟ هزت رأسها نفيًا وتلك اللمعة تتزايد في عينيها. وضع يده على ظهرها وهو يقول: "لأ، في حاجة مضايقاكي. كده تخبي عني؟
مش اتفقنا نكون صرحا مع بعض؟ نظرت إليه بأسى، فقال متظاهرًا بالغضب: "على فكرة لو مقولتليش مالك هزعل منك بجد. لإنك كده بتعملي فرق بينا. مش قولنا إننا خلاص بقينا واحد يا أسماء. ولأ نسيتي كلامنا؟ قالت وعبراتها تتساقط: "لأ منستش." ربت على ظهرها بحنان وهو يقول: "طيب قوليلى مالك. إيه اللي ضايقك؟ مسحت عبراتها وهي تنظر إلى يديها قائلة: "افتكرت حاجة ضايقتني." "إيه هي؟ تساقطت عبراتها وجسدها ينتفض بخفوت. أحاطها علي بذراعه
وهمس في أذنها بحنان: "حبيبتي اتكلمي معايا. قوليلى مالك." نظرت إليه بأعين دامعة قائلة: "كان في حاجة نفسي أقولهالك من زمان يا علي. بس آيات قالتلي ما أقولش. وإنه دي حاجة مش ذنبي. وإني أستر على نفسي. بس أنا مش قادرة أخبي عليك. مش بحب أخبي حاجة عنك." تجمدت الدماء في عروقه وهو ينظر إليها وقد غارت عيناه. اضطرب تنفسه وهو يسألها بخفوت: "فيه إيه يا أسماء؟ إيه اللي كنتي مخبياه عليا؟ أجهشت في البكاء وهي تنظر إليه قائلة:
"فاكر لما قولتلي إنك مبتعملش حاجة غلط مع أي بنت عشان ربنا يحافظلك على البنت اللي هتكون مراتك؟ نظر إليها دون أن يرد، فأكملت باكية: "من يوميها وأنا عايزة أقولك. بس شوية أخاف وشوية أتردد. خايفة من رد فعلك. بس بجد مش قادرة أخبي عليك. حاسة إني محتاجالك أوي تساعدني إني أنسى. محتاجالك تقولي كلام يخفف عني." جف حلقه، ولكنه تحدث بهدوء حازم قائلًا: "اتكلمي يا أسماء."
أطرقت برأسها وأغمضت عينيها للحظات. ثم.. قصت عليه ما صدر من هاني من تحرشات. وما قاسَته وعانت منه في بيت جدها من خالتها واتهاماتها وطعنها في عرضها. انتهت من حديثها. صمتت. لا تجرؤ على النظر إلى وجهه. أخذت تفرك كفيها بعصبية. وهي تنظر أرضًا. تعلم أنها ربما أخطأت بالحديث معه. وأخباره بكل شيء. لكنها لم تستطع أن تخفي عنه. وأن تكتم بداخلها تلك الذكرى التي تؤرق مضجعها. طال صمته. بدأت في بكاء مكتوم. ارتجفت يداها وهي تخشى أن
تسمع منه الآن كلمة تنهي كل أحلامها. وتحطم قلبها. استغفرت الله في سرها. إلى أن وجدته فجأة يجذبها إلى صدره لافًا ذراعيه حولها. أجهشت في البكاء بصوت مرتفع وكأنها تخرج شيئًا حبس بداخلها لم تعد تقوى على بقائه. كانت أمها تستمع إلى حديثها دون أن تظهر واضحة للعيان. أخذت تبكي بخفوت وهي تستشعر الجرم الذي شاركت فيه. ومدى ما أوقعت على ابنتها من ظلم ومعاناة. همس علي قائلًا:
"عيطي. خرجي كل اللي جواكي لحد ما تحسي إنك مرتاحة خالص." لم تتوقف عن البكاء إلا حينما شعرت بأنها أفرغت كل ما بداخلها من ألم وقهر. رفعت رأسها تنظر إليه. مسح عبراتها بحنان وهو يقول: "قومي اتوضي وصلي ركعتين، هتحسي إنك أحسن." تأملت تعبيرات وجهه الحانية وهي تقول بصوت مبحوح: "يعني مش زعلان مني؟ هز رأسه نفيًا. قالت بأسى: "بس انت كده ربنا محافطش على مراتك زي ما كنت عايز. انت كان المفروض تتجوز واحدة أحسن مني."
رأت الحزن في عينيه وهو يقول هامسًا: "مش يمكن دي غلطة ربنا عاقبني عليها؟ نظرت إليه بعدم فهم قائلة: "مش فاهمة تقصد إيه؟ غير الموضوع على الفور. وتنهد قائلًا: "قومي اتوضي وصلي زي ما قولتلك. هستناكي." أومأت برأسها وتوجهت إلى الحمام. قام علي ونادى مديحة، التي كفكت دمعها بسرعة وتوجهت إليه تحاول رسم البسمة على شفتيها. سألها علي بحزم قائلًا: "ممكن أعرف عنوان أخت حضرتك؟ اضطربت والدة أسماء وقالت: "علي هتعمل إيه؟ قال بحزم:
"عايز أعرفه." قالت برجاء: "علي اهدى بس. أصل باباها لما عرف بهدل الدنيا وراح ضربه." قال بنفس الحزم: "عايز العنوان لو سمحت." بلعت ريقها بصعوبة وقالت: "لأ مش هديهولك يا علي. بلا مشاكل. الموضوع خلاص انتهى." لم يتوقف علي لسماع المزيد. بل فتح الباب وغادر. جرت أمها خلفه تنادي عليه. دون جدوى. اتصل بـ مدحت وطلب منه العنوان. يبدو أن مدحت كان له رأي آخر غير مديحة. أعطاه العنوان ثم قال:
"متأذيش نفسك. أدبه بس من غير ما تأذي نفسك يا علي. عيل تييييييت زي ده ميستهلش إنك تضيع نفسك عشانه." توجه علي إلى العنوان. صعد وسأل عن هاني ليخبره أخوه الأصغر بأنه غير موجود. لكنه على وصول. جلس علي أمام البوابة ينتظر قدومه. رأى شابًا قادمًا في اتجاه البناية. صفف شعره بطريقة غريبة وارتدى في صدره سلسلة فضية. وفي يديه بعض الإكسسوارات الغريبة. أراد الشاب المرور لكن علي كان يسد البوابة بجسده. سأله قائلًا: "انت هاني؟
قال هاني بلا مبالاة: "أيوه." لم يكد ينتهي من لفظ الكلمة حتى قام علي من مكانه ليلكمه في أنفه تمامًا. تقهقر هاني عدة خطوات إلى الخلف حتى كاد أن يسقط من قوة اللكمة. وضع يده على أنفه ليجدها قد تلونت باللون الأحمر. صاح من الألم ثم نظر إلى علي بدهشة وقال: "انت اتجننت يا واد انت؟
وقبل أن يفيق من دهشته توجه إليه علي وهو يزمجر بغضب ليعقبه بلكمة أخرى في وجهه. ثم يجذبه من ملابسه ليسدد ركلة في منتصف بطنه. شهق هاني من قوتها ومن الألم الذي صرخت به بطنه. لم يكن علي مفتول العضلات لكن الغضب منحه قوة خارقة. تجمع بعض الناس. اقترب رجل في محاولة لفض الشباك. لكن إحدى النساء صاحت باحتقار:
"سيبه خليه يربيه. ده عيل تيت. مسبش بنت في الحتة إلا لما ضايقها ولقح عليها بكلامه. أحسن خليه يتربى مادام أهله معرفوش يربوه." لم يشعر علي بنفسه وهو يضربه بقوة ويركله بقدمه غيظًا وغضبًا. إلى أن تدخل أحد الرجال وأبعد علي عنه قائلًا: "خلاص يا ابني سيبه هيموت في إيدك. ده كلب ميساويش."
أخذ علي يلهث بشدة. عدّل من وضع ملابسه. ثم توجه إلى هاني الملقى على الأرض ووجهه غارق في دمائه. جذبه من ملابسه وأوقفه. ثم صعد به إلى البناية تحت نظرات الجيران الشامتة. شهقت أمه بقوة وضربت على صدرها وهي ترى ملابسه الممزقة والدماء المنفجرة من وجهه. صاحت قائلة: "هاني مين عمل فيك كده؟ قبل أن يتمكن من الرد. صاح به علي بغضب: "قول لأمك على اللي عملته في بنت خالتك يا تيت."
نظرت أمه بدهشة إلى علي ثم إلى هاني الذي أخذ يبكي من الألم ومن الوضع الذي وصل إليه. صاح به علي وهو يدفعه ليلصقه بالجدار: "اتكلم يلله. قولها على اللي حصل." شهقت أمه وهي تهتف بعلي: "اوعى سيب ابني. امشي اطلع بره." جذبه علي من ملابسه وهم بأن يسدد إحدى اللكمات إلى وجهه. لكن هاني صاح بألم: "خلاص متضربش. كفاية. خلاص هقولها." هتف علي بصرامة وعيناه تشعّان غضبًا: "انطق. قولها على اللي حصل."
نظر إلى أمه بخجل وأخبرها عن أفعاله المشينة. أخبرها بأن أسماء لم تكذب عندما اتهمته بمضايقتها وبالتسلل إلى غرفتها. نظر إليه والدته بمزيج من الدهشة والحسرة والغضب. نظر إليه علي وهو يلهث ثم قال: "آدي ابنك اللي نصبتيه على بنت أختك. طلع عيل تيت." ثم التفت وغادر البيت. ظلت أمه تنظر إليه إلى أن تحولت نظراتها إلى الغضب والاحتقار وهتفت به:
"بأه بعد آخرة صبري فيك تعمل كده في بنت أختي. مش كفاية أرفك اللي بسمعه وكل شوية تطلعلي واحدة تشتكي منك ومن عمايلك السوداء. هي حصلت تعمل كده في بنت أختي يا تيت." نظر إليه هاني بخجل إلى والدته وإلى أخيه الذي ينظر إليه باحتقار وتقزز. انقلب أخيرًا السحر على الساحر وظهرت حقيقته واضحة للعيان. هدد أسماء وأراد فضحها. فكانت الفضيحة من نصيبه هو. ***
بعد أقل من شهرين على تلك الأحداث. تم زفاف علي وأسماء. في حضور أهلهما وأصدقائهما. فكانت تلك هي الزيجة الثالثة في محيط تلك الأسر التي اقتربت من بعضها حتى صارت كالأسرة الواحدة الكبيرة. فتبادلت فيها الأنساب وتوطدت العلاقات وصاروا كالبنيان الواحد.
في نفس الفترة تم تحديد موعد زفاف آدم وآيات بعدما وجدا شقة مناسبة لاستئجارها وانتهيا من فرشها فرشًا متواضعًا. اختاراها قريبة من القرية حتى يستطيعا بسهولة الذهاب والعودة من عملهما.
تم الزفاف في قرية الماسة. ذلك المكان الذي جمعهما من جديد بعدما ظن كل منهما أنه لن يرى الآخر مرة أخرى. كانت آيات في أبهى صورها، لا تفارقها بسمتها. دخل آدم الغرفة التي تزينت فيها ليتأمل عروسه الجميلة. اقترب منها وأهداها باقة ورد صغيرة. أخذتها منه وعيناها لا تفارق تلك العينين اللتين سرقتا قلبها. اقترب منها مقبلًا جبينها. نظر إلى فستانها عاري الأكمام مبتسمًا وهو يقول: "وناية حضرتك تعملي إيه في الحاجات اللي باينة دي؟
ضحكت بخفوت ثم ساعدتها إيمان على ارتداء كاب أبيض حريري واسع، أغلقت به من الأمام لتخفي ما أظهره فستان عرسها من مفاتن. أسدل آدم جزءًا من طرحة فستانها ليغطي به وجهها الذي زينته برقة، ليخفي جمالها وسحرها عن الأعين المتلصصة. فذاك الجمال وتلك المفاتن من حقه هو فقط. ذهبا إلى قاعة الفرح، فساعتها سمر على خلع الكاب وعلى ضبط الطرحة، ليبدأ الاحتفال بالعروس السعيد.
دخلت آيات بيتها الجديد مع زوجها الحبيب وهي تدعو الله أن يديم فرحها ويبارك في زواجها. وقف آدم أمامها مبتسمًا. ابتسمت له برقة ونعومة. وضع يده على جبينها ودعا قائلًا: "اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبَلَتْها عليه، وأعوذ بك من شرها ومن شر ما جبلتها عليه." عملًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا تزوج أحدكم امرأة أو اشترى خادمًا فليقل: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها ومن شر ما جبلتها عليه."
اتسعت ابتسامته وهو ينظر إليها بحب قائلًا: "مبروك يا حبيبتي. أخيرًا بقيتي في بيتي."
بدلا ملابسهما واستعدا لصلاة ركعتين يؤمها آدم فيهما. اتسعت ابتسامتها وهي تبادله نظراته المحبة الشغوفة. حمد الله في نفسه أن يسر له أمر زواجه. وأن سخر له كريم الذي ساعده وقدم له تلك السلفة التي أعانته على إتمام تجهيز بيتهما. شعر بكرم الله عليه، فحمده كثيرًا. نظر إلى زوجته بسعادة. تهيأت له وأقبل عليها. لكن.. وعلى الرغم من نسيانها لذلك الأمر لفترة طويلة. قذف الشيطان في نفسها تلك الذكريات المريرة والأفعال القبيحة التي آتاها آدم قبل توبته. انزوت مبتعدة عنه. والأسى على محياها والألم في عينيها. لم تستطع النظر إليه. أو التبرير. نظر إليها متأملًا، متخوفًا، قلقًا.
إلى أن تمتم بخفوت: "أنا كنت شاكك.. ودلوقتي اتأكدت.. انتي لسه مسامحتنيش يا آيات." أغمضت عينيها دون أن تجد كلمات تقولها، وكأن الكلمات هربت منها. نهض عنها وخرج من الغرفة. جلست تبكي وتستغفر. إلى أن أفاقت لنفسها. حدثت نفسها: ماذا تفعلين يا آيات؟ كيف تسمحين لوساوس الشيطان أن تتلاعب بكِ؟
ألا تعلمين أن إبليس يضع عرشه على الماء ويقدم كل شيطان تقريرًا عما عمله في يومه من شر وأذى. وأكثر تلك الشياطين قربًا لإبليس هو ذاك الذي يستطيع أن يفرق بين الرجل وزوجته. هذا الشيطان يحبه إبليس كثيرًا ويمجده ويعظمه على صنيعه. فلا شيء من الأفعال الشنيعة والمريعة أحب إلى إبليس من أن يتخاصم زوجان ويفترقا، ويسمحان للشيطان بأن ينفث سمومه في أذنيهما وقلبيهما، فيستسلمان لوساوسه، ويهدمان بيتهما بأيديهما. لامت نفسها بشدة.
استغفري ربك يا آيات. واستعيذي به من الشيطان الرجيم. ذاك الشيطان الذي بدأ عمله سريعًا في الإيقاع بينك وبين زوجك ومن أول ليلة في زواجكما. واعلمي يا آيات أن تلك لن تكون الأخيرة. بل هي البداية. فعليكِ دائمًا أن تحصني نفسك حتى تصدي ذاك الماكر عن الوسوسة في أذنيكِ. ستصديه بإيمانك وباستعانتك بالله عز وجل. لن تسمحي لوساوسه بأن تؤثر على حياتك الزوجية. كلما ذكرك بمساوئ زوجك ستتذكرين أنتِ محاسنه. كلما ذكرك بتلك اللحظة التي
أغضبتكِ فيها زوجك ستتذكرين أنتِ اللحظات الكثيرة التي رسم فيها البسمة على شفتيكِ. كلما ذكرك بذنوبه ستتذكرين أنتِ توبته. كلما ذكرك بجفائه ستتذكرين أنتِ حبه وحنانه.
نهضت آيات ودخلت إلى الحمام تغسل وجهها. ثم عادت إلى غرفة النوم وتزينت ببعض المساحيق الخفيفة. خرجت تبحث عن آدم. وجدته في غرفة المعيشة واقفًا يصلي. وقفت خلفه. تنظر إليه. رأته وهو يهوي ساجدًا. لحظات وبدأ جسده في الانتفاض. بكى آدم في سجوده وهو يسأل الله أن يغفر له ذنبه. دعاه ألا يكون نفور زوجته منه الآن من شؤم المعصية التي ارتكبها. علم في قراره نفسه أن من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. لكنه أحسن الظن بالله أن يرفع عنه
تلك العقوبة. وأن يصرف النفور من نفسه زوجته وحبيبته. انتهى من صلاته وشعر بسكينة بداخله. مسح وجهه بكفيه. ثم نهض والتفت ليجد آيات واقفة خلفه وهي تنظر إليه بحزن. اقترب منها وحاول رسم بسمة على ثغره. يعلم ما تشعر به. هو المخطئ. هو السبب. لذلك لا يستطيع لومها. ابتسمت له. بعذوبة. ورقة. ونظرت إليه بحب. اختفى الحزن من عينيها. وأقبلت نحوه تلقي بنفسها بين ذراعيه. سكن للحظة ثم لفها بذراعيه يضمها إليه بشدة وهو يستنشق عبير شعرها
الذي يلامس وجهه. رفعت
رأسها ونظرت إليه وقالت: "مش عايزين الشيطان يدخل بينا. ماشي." نظر إليها متأملًا. ابتسم وهو ينظر إليها بحنان جارِف. يحتويها بنظراته قائلًا: "ماشي." قالت بحزم وهي تنظر في عمق عينيه: "أنا سامحتك يا آدم. خلاص هنقفل الصفحة دي ونرميها ورا ضهرنا. مش هنتكلم فيها تاني. متخليش الشيطان يشكك في إني سامحتك. ماشي؟ اتسعت ابتسامته ومسح على شعرها بحنان قائلًا: "ماشي." همست: "بحبك." همس: "بحبك."
لأول مرة يردد كلاهما "بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا". عملًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإذا قدر بينهما ولد لم يضره الشيطان أبدًا." أشعره الحلال بقبح ونجاسة الحرام. واستقذار الفعل والمفعول به. مر على ذهنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "وفي بضع أحدكم صدقة".
قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟
فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر". فهذه الطاهرة زوجته وحلاله وكلما أتاها أخذ أجرًا. ابتسم يقبل جبينها. الآن فقط. شعر بأن الله راضٍ عنه. لأن من علامات رضا الله عن العبد أن يوفقه لفعل الخيرات. واجتناب المحرمات. "رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه". نامت ملء جفونها في أحضان زوجها الذي أحاطها بذراعيه بحنان. *** في أحد الأيام، شعر آدم بشيء ناعم يلامس وجنته وبهسهسات رقيقة: "آدم.. آدم."
فتح عينيه ببطء ليطالع وجه آيات المبتسم. همست بعذوبة: "حبيبي قوم اتأخرت على الشغل." تمطى في فراشه ثم نظر إليها مبتسمًا وهو يفتح عينيه بصعوبة. نهض من فراشه وتوجه إلى الحمام بينما توجهت آيات إلى المطبخ لتعد مائدة الفطور. خرج يجفف شعره ونظر إليها مقبلًا إياها قائلًا: "صباح الخير." ابتسمت في وجهه: "صباح النور." التفًا حول مائدة الطعام، فتمتم كلاهما: "بسم الله." قالت آيات وهي تضع إحدى اللقيمات في فمها:
"بفكر ما أروحش الشغل النهاردة." نظر إليها آدم قائلًا: "براحتك. أصلًا الفترة دي مفيش ضغط كبير في الشغل." أومأت برأسها وقالت بمرح: "أها. ما أنا عارفة عشان كده قولت أدلع ومروحش الشغل." ضحك قائلًا: "ماشي يا ستي ادلعي براحتك." انتهيا من طعامهما فردد كل منهما: "الحمد لله الذي أطعمنا هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة." انتهى آدم من ارتداء ملابسه بينما كانت آيات تنظف حذاءه. توجه إلى الباب وارتدى حذاءه فقبلته مودعًا وابتسامة
حانية على ثغرها وقالت: "خلي بالك من نفسك."
توجهت آيات إلى المطبخ لتنظيف الأواني المتكدسة من تحضير الفطور. انتهت من عملها في جلي الصحون وبدأ في إعداد طعام الغداء. بينما كانت ترتب المنزل وتنظفه. قبل قدوم آدم بنصف ساعة توجهت إلى غرفتها لتنتقي شيئًا آخر ترتديه. زينت وجهها بنعومة وأسدلت شعرها فوق كتفيها. أعدت المائدة ونظمتها وأضافت بعض اللمسات الرقيقة. عاد آدم من عمله لتستقبله ببشاشة. بدا عليه الإرهاق فعاونته على تبديل ملابسه وهي تسمعه كلماتها الرقيقة الحانية التي تخفف عنه تعب النهار من أجلها. التف معًا حول مائدة الطعام. أشاد آدم بطعامها فاتسعت ابتسامتها.
قال آدم: "على فكرة في حاجة أنا عملتها وواثق إنها هتفرحك." تركت ملعقتها ونظرت إليه قائلة بلهفة: "إيه هي؟ أسند مرفقيه فوق الطاولة ونظر إليها بمرح قائلًا: "أنا وعدتك لما الظروف تتحسن نطلع رحلة شهر عسل مش كده؟ قالت على الفور: "يا حبيبي أنا مش عايزة حاجة. وبعدين مش محتاجين رحلة شهر عسل ولا حاجة. ده احنا عايشين في العين السخنة. الناس بتيجي هنا لشهر العسل." اتسعت ابتسامته وهو يقول بتحدي:
"بس المكان اللي احنا هنروحه لو عرفتيه مستحيل تقولي كده." نظرت إليه باستغراب قائلة: "إيه هو طيب؟ تأملها قائلًا: "هنعمر سوا." اتسعت عيناها وهتفت بسعادة: "بتتكلم بجد.. بجد يا آدم؟ أومأ برأسه فهبت واقفة تحتضنه وهي تقول: "ياه، كان نفسي أوي أعمل عمرة تاني. بجد ربنا يباركلك يا آدم. أنا فرحانة أوي. دي أحلى رحلة بجد." جلست مرة أخرى على مقعدها فقال آدم ببشاشة:
"إن شاء الله هقولك المعاد. بس عامة حضري نفسك من دلوقتي. وإن شاء الله ماما طالعة معانا هي كمان. كان نفسها تعمل عمرة من زمان."
أخذت تتذكر المرة الأولى والوحيدة التي ذهبت فيها إلى العمرة مع والدها الحبيب رحمه الله. وكيف كانت سعادتها لزيارة تلك البقعة المباركة. وكم تمنت من يومها العودة إلى ذاك المكان مرة أخرى. انتهيا من تناول طعامها. همت بأن تنهض لتحمل الأطباق إلى المطبخ، لكن آدم أوقفها وأمسك بيدها. وأخذ ينظر إلى أصابعها والتي علق بها بعض الطعام. ثم.. قربها إلى فمه وهو ينظر إليها وأخذ يلعق صابعًا تلو الآخر تحت أنظارها وقد اتسعت ابتسامتها وضحكت بخفوت. عملًا بقول
النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أكل أحدكم طعامًا فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يُلعقها." انتهت من جلي الأواني لتجلس مع زوجها في حجرة المعيشة يقرآن في أحد التفاسير. فمنذ زواجهما اتفقا على أن يقرأ كل يوم آية واحدة بتفسيرها. سيأخذان وقتًا طويلًا لنهاية سورة واحدة. لكنهما اتفقا على أن قليل متصل خير من كثير منقطع. كانت آيات تستمع في استكانة إلى قراءة آدم من كتاب التفسير وشرحه للمعنى. تدبرًا
الآية ولسان حالها يقول: سبحان الله. سُمع المنادي في المسجد القريب يؤذن للصلاة، فنهض آدم وتوضأ وشيعته بابتسامتها. ثم ارتدت أسدالها لتؤدي فريضتها. تعالت ضحكاتهما وهما جالسان معًا على الأريكة يشاهدان أحد المقاطع المضحكة. نظر آدم إليها يتأمل ضحكته وابتسامتها التي لا تفارق محياها كلما كان في البيت. قربها منه وقبل جبينها. نظرت إليه، لتروي لها عيناه الشوفتان ما يحدثه به قلبه من أحاديث خاصة!
أنهت آيات عملها المنزلي وتوجهت إلى غرفة النوم لتجد آدم جالسًا في الفراش يجمع كفيه إلى بعضهما البعض ويقرأ فيهما كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم. فعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما قل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات. جلست على الفراش بجواره وهي تعدل من وضع الغطاء. انتهى آدم من القراءة في كفيه وأخذ يمسح على رأسه ووجهه وجسده. ثم التفت إلى آيات يمسح بيديه رأسها ووجهها وجسدها.
ابتسمت له وقبلته قائلة: "تصبح على خير يا حبيبي." "تصبحين على خير يا حبيبي. متنسيش تقولي الأذكار." وضعت آيات رأسها على الوسادة وأخذت تتمتم بشفتيها وتردد أذكار النوم. ضبط آدم هاتفه على ميعاد صلاة الفجر ثم وضع رأسه على وسادته ونام ملء جفونه. تركت والد
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!