الفصل 31 | من 32 فصل

رواية جواد بلا فارس الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم بنوته اسمرة

المشاهدات
34
كلمة
20,672
وقت القراءة
104 د
التقدم في الرواية 97%
حجم الخط: 18

في صباح اليوم التالي للخطبة، استيقظت "آيات" وهي لا تزال لا تصدق ما حدث خلال اليومين الماضيين. أصبحت الآن خطيبة لـ "آدم" مرة أخرى. وافقت على الخطبة كفترة اختبار له، فهي لا تزال ثقتها به غير مكتملة بعد. لكنها لم تعد تستطيع أن تنكر التغيير الذي لمسته في تصرفاته وشخصيته. ولعل آخرها رؤيتها إياه وهو يصلي بخشوع، ظاناً أنها اللحظات الأخيرة قبل موته. فبدلاً من أن يفقد أعصابه أو يبكي أو ينوح، وقف يصلي في خشوع ليتقبل الموت وهو على طاعة.

خرجت من غرفتها لترى الجميع جالساً في غرفة المعيشة، باستثناء والد "أسماء" والذي أصر "كريم" على إقامته معه هو و"علي"، حتى تكون الفتيات على راحتهن. تعالت أصواتهن بالضحك والمزاح وهن يقدمن إليها التهاني والدعاء لها بالتوفيق. كعادتها، ارتدت ملابسها وتوجهت إلى عملها. دخلت مكتبها لتتفاجأ بباقة زهور على مكتبها وبها كارت أنيق كتب فيه: "ألف مبروك يا عروستي، آدم".

ابتسمت بسعادة وهي تنظر إلى الكارت والزهور التي أخذتها وأفرغت لها إحدى الفازات ووضعتها أمامها فوق المكتب. تنظر إليها بين الحين والآخر مبتسمة. ***

في ذاك الصباح، رحل "أحمد" عن القرية بعدما تيقن من ضياع "آيات" منه مرة أخرى. فهذه المرة ربح "آدم" أيضاً. رحل وفي داخله غضب كبير. لم يكن ذاك الغضب خالصاً من أجل خسارته لـ "آيات"، بل كان منبعه أيضاً خسارته للتحدي أمام "آدم". لكنه على الرغم من ذلك تمنى لها الخير، مع من اختاره قلبها. فهو يعلم علم اليقين أنه لم يدخل قلبها يوماً، ولم يستطع أن يحرك مشاعرها تجاهه قيد أنملة.

تذكر أخبارها إياه بأن مساعدته لها وقت محنتها ستكون بدون مقابل. لن تضطر إلى تقديم مقابل لتلك المساعدة. لعل هذا ما يجذبه إليها، نقاؤها وصراحتها المفرطة مع نفسها ومع غيرها. فلو كانت فتاة أخرى في محلها، لعلها استغلت الفرصة للاقتراب من "أحمد" بعدما خسرت كل مالها وأملاكها. لكنها لم تفعل. لم تستغله، ولم تخدعه. لذلك لم يستطع أن يتمنى لها غير السعادة. كانت دهشة "سمر" كبيرة عندما دخلت عليها أمها الغرفة لتقول:

"سمر، انتي تعرفي واحد اسمه زياد؟ نظرت إليها "سمر" بدهشة قائلة: "زياد مين؟ أشارت والدتها إلى الخارج وهي تقول بصوت منخفض: "معرفش. قاعد بره. وبيقول إنه جاي يتقدم لك." قفزت "سمر" من فراشها وقد اتسعت عيناها بشدة. فحثتها أمها قائلة: "البسي بسرعة، مستنيـاكي بره." ارتدت "سمر" ملابسها وهي تفكر. من زياد هذا الذي جاء لطلب يدها؟

صُدمت عندما خرجت لتجد زياد أمامها. ذاك الرجل الذي كان يأتي العيادة وفي يده أحد الأطفال فقط من أجل أن يتحدث معها. والذي أنقذها يوم الحريق. نظرت إلى ذراعه المجبر بإشفاق. نهض مرحباً وابتسامة على ثغره: "أهلاً وسهلاً." تمتمت وهي تخفض رأسها: "أهلاً بحضرتك." جلست على أحد المقاعد. وقدمت والدتها مشروباً إليه، تناوله منها قائلاً: "تسلم إيدك." ساد الصمت للحظات، قبل أن يتنحنح زياد ليقول بشيء من الحرج:

"أنا آسف إني جيت فجأة كده. بس أنا معرفش رقم الآنسة سمر، وكمان من ساعة ما العيادة اتحرقت وأنا مبشوفهاش في القرية." قالت والدتها بحزن: "ربنا يجازي اللي كان السبب ده. أنا كنت هموت من خوفي عليها." قال زياد: "الحمد لله إنها جت على قد كده." نظرت "سمر" إلى والدتها قائلة: "على فكرة يا ماما، أستاذ زياد هو اللي خرجني من العيادة وقت ما كانت بتتحرق." نظرت إليه أمها بإعجاب قائلة:

"ربنا يبارك فيك يا ابني. والله فضلت أدعيلك كتير. ربنا صرف عنك كل سوء." ثم نظرت إلى ذراعه المجبر وقالت بأسى: "معلش يا ابني على اللي حصل. ربنا يشفيك ويعافيك يا رب." "تسلمي. الحمد لله جت بسيطة. المهم إن الآنسة سمر الحمد لله محصلهاش حاجة." ساد الصمت مرة أخرى، ليقطعه زياد قائلاً وهو ينظر إلى سمر: "أنا زي ما قولت لولدتك يا دكتورة، أنا يسعدني ويشرفني إني أتقدم لك."

أخذت "سمر" تفرك يديها وتنظر إليهما في حرج، دون أن تتفوه بكلمة. فأكمل زياد وهو يترك كوبه من يده فوق الطاولة: "أنا اسمي زياد، عندي 33 سنة. بشتغل هنا في القرية. مرتبـي... عندي شقة في القاهرة بس مش ناوي أرجع على الأقل دلوقتي، لأني حابب أكمل شغل هنا في القرية. والدي ووالدتي متوفيين من زمان. تقدري تقولي مقطوع من شجرة. مليش غير صاحبي آدم اللي طبعت بيه من الدنيا وأمه ربنا يبارك فيها اللي بعتبرها أمي التانية."

صمتت تستمع إليه بانتباه، وهو لا يزال ينظر إلى يديها. فأكمل: "لو في أي سؤال أو أي حاجة تحبي تعرفيها عني اسأليني عنها." خرجت من صمتها قائلة: "ممكن أعرف ليه حضرتك اخترتني بالذات؟ يعني حضرتك متعرفنيش، وأظن إنك متعرفش أي حاجة عني." ابتسم زياد قائلاً: "مين قالك كده؟ أنا عارف كل حاجة عنك." رفعت رأسها تنظر إليه باستغراب. فاتسعت ابتسامته وهو يقول:

"بصراحة، سألت كريم وقال لي إنك صاحبة أخته من زمان، وإنك عايشة مع والدتك. وكمان إنك صاحبة مراته وبتشكر فيكي جداً." شعرت "سمر" بالغيظ من "إيمان" التي لم تذكر لها شيئاً عن الموضوع. أكمل زياد: "مش عايزة تسأليني عن حاجة؟ قالت "سمر" باقتضاب: "لأ." "طيب، أنا هجاوبك على سؤالك اللي سألتيه واللي أنا لسه مجاوبتش عليه. سألتيني ليه اخترتك انتي بالذات؟

صحيح أنا مشفتكيش إلا كام مرة، بس عجبني فيكي إنك جد، يعني مبتديش فرصة لحد إنه يستظرف ولا يرخم عليكي. وحسيتك بنت مؤدبة ومحترمة، وواضح إنك بتحبي شغلك أوي وعندك ضمير. وحسيت إنك هتكوني زوجة مناسبة ليا. أنا من زمان وأنا نفسي ألاقي نصي التاني، واحدة أحس بالراحة لما أشوفها وأقول هي دي يا واد يا زياد اللي تشاركك حياتك بحلوها ومرها." صمتت لا تدري ما تقول. فأكمل:

"أنا يمكن ظروفي قريبة شوية من ظروفي، بس أنا ظروفي أصعب. يعني اللي عرفته عنك إن باباكِ من زمان وهو منفصل عنكم." شعرت "سمر" بتوتر بالغ واضطربت ملامحها لذكر والدها الغائب. فأكمل زياد:

"أنا كمان فقدت والدي الله يرحمه من زمان أوي. يمكن مفتكرش شكله. وحتى أمي الله يرحمها اتحرمت منها بدري. طبعاً ربنا يبارك لك في والدتك ويديها طول العمر. وكان لازم أعتمد على نفسي بدري وأشتغل وأصرف على نفسي وأكون نفسي عشان أعرف أفتح بيت. حسيت إننا ظروفنا إلى حد كبير متشابهة، فهنقدر نفهم بعض كويس."

شعرت "سمر" باضطراب بداخلها. أثرت بها كلماته وظروفه التي مر بها. كان من الصعب عليها وبشدة العيش مع أب مفقود. فكيف شعور من فقد أمه أيضاً! بالتأكيد كان شعوره قاسياً. بالتأكيد عانى من وحدة شديدة، ولا يزال. سمعته يقول ليخرجها من شردها: "أنا بجد ارتحت لك جداً. ونفسي فعلاً إن ربنا يجمعنا مع بعض. وأي سؤال تحبي تسأليه أنا تحت أمرك." حاولت "سمر" مقاومة شعور الارتياح الذي شعرت به من خلال حديثه. وقالت بشيء من الحدة:

"حضرتك كنت صاحب دكتور آدم؟ طيب كنت شغال معاه في القرية اللي جنب القرية دي؟ قال زياد مطرقاً برأسه: "قصدك جولدن بيتس؟ أيوه كنت شغال فيها." قالت بحدة وقد شعرت أنها وجدت درعاً تتحامى خلفه: "حضرتك كنت بتشتغل في قرية كلها محرمات وحاجات تغضب ربنا، ومكنش فارق معاك تغضب ربنا ولا لأ." نظر إليها زياد قائلاً: "مين قال إن مكنش فارق معايا؟

أنا مكنتش مرتاح أبداً للشغل هناك. بس يمكن كنت محتاج اللي يعيني ويشجعني إني آخد الخطوة دي وأسيب الشغل. والحمد لله آدم فاق قبلي، ولما قرر إنه يسيب القرية اتشجعت وسيبتها." قالت "سمر" وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها: "مش مبرر." قال زياد بحماس:

"طبعاً مش مبرر. كان لازم أسيب القرية بمجرد ما عرفت اللي بيحصل فيها. بس تقدري تقولي الشيطان كان أشطر مني، وكَتفني خلاني مش عارف آخد الخطوة دي. بس الحمد لله فوقت. وأنا مرتاح جداً في شغلي هنا، على الأقل ضميري مرتاح وبستغفر ربنا على إني استهنت بشغلي في جولدن بيتس." ثم قال:

"بصي يا دكتورة، أنا اللي حبه فيكي أكتر هو إني حاسس إنك إنسانة محترمة وملتزمة. وأنا محتاج واحدة كده تعيني. أنا على فكرة حتى لو كنت بعمل حاجة غلط بس مش من النوع العنيد المتكبر اللي بيرفض النصيحة. ولا اللي بيقاوم في الغلط. لأ، الحمد لله من فضل ربنا عليا إني مش كده." ثم قال:

"والحمد لله كمان صحبة كريم وعلي فادتني كتير، وبدأت أنتظم في الصلاة في المسجد. أنا عمري الحمد لله ما فوّت فرض، بس مكنتش بصلي في المسجد. بس دلوقتي الصلاة كلها بصليها في المسجد. يعني الصحبة الصالحة بتأثر فيا وبتغير فيا. ما بالك لو زوجة صالحة وعايش معاها في بيت واحد." قاتلت "سمر" وهي مطرقة برأسها: "بس أنا مش صالحة أوي كده. أكيد ليا أخطاء وعيوب." قال زياد على الفور:

"يبقى نِعين بعض. انتي تكملي اللي ناقص فيا وأنا أكمل اللي ناقص فيكي." صمتت "سمر" وهي لا تستطيع إنكار الراحة التي شعرت بها من الحديث معه. لكنها قالت فجأة وبحزم شديد: "أنا آسفة يا أستاذ زياد. كل شيء نصيب."

صُدم زياد لهذا الرفض القاطع والمفاجئ في سياق الحديث. بينما ظهر الحزن في عين والدتها. هي نفسها شعرت بالأسى بداخلها. لا تعلم لماذا تفوهت بهذه الكلمات لإنهاء تلك المقابلة التي كلما طالت كلما شعرت بالارتياح أكثر وبالميل إليه. كانت تفتقد شعور الأمان في حياتها، إلى درجة أنها حينما شعرت بهذا الأمان في حديثه، خافت منه!

لعلها خافت من أن يكون هذا الشعور سراباً سرعان ما تكتشف زيفه. أو لعلها خافت أن تسير خلف أحاسيسها التي شعرت بالميل إلى كلامه وشخصيته. أو لعلها تعودت الوحدة وأطبقت على أنفاسها حتى لم تعد تجرؤ على الخلاص منها. قامت بهدوء لتدخل غرفتها معتذرة منهما. ساد الصمت للحظات يحاول فيها زياد فهم سبب ذاك الرفض الذي لم يتوقعه، وبتلك الطريقة. حتى أنها لم تأخذ وقتاً للتفكير. استأذن لينصرف. فتح الباب، وقبل أن يخرج، أوقفته أمها قائلة:

"أستاذ زياد." التفت إليها وفي عينيه حيرة ممزوجة بالضيق. فنظرت إليه بحنان قائلة: "اللي عايزة حضرتك تعرفه.. إن سمر تعبت كتير لما والدها بعد عنها وهي صغيرة. يمكن ده اللي بيخليها مش قادرة تثق في حد. ومش قادرة تعتمد على نفسها. لأنها شالت المسؤلية معايا قبل أوانها." ثم قالت فيما يشبه الرجاء: "لو شاريهـا بجد، اتمسك بيها." نظر إليها زياد صامتاً لبرهة. ثم قال: "لو حضرتك واثقة إن هو ده سبب الرفض، يبقى أكيد هتمسك بيها."

قالت أمها بحماس: "أيوه أنا واثقة. سمر بنتي وأنا عارفاها كويس. لو مكنتش عجبتها مكنتش فضلت تجادل معاك وتسألك عن حاجة خاصة بيك. كانت فضلت ساكتة ومفتحتش بقها. وده اللي خلاني بقول الكلام ده دلوقتي. حسسها إنك شاريهـا وإنك متمسك بيها." نظر إليها زياد قائلاً بحماس: "أنا فعلاً متمسك بيها." اتسعت ابتسامة والدتها وفي عينيها دموع محبوسة وهي تقول: "خلاص اتفقنا يا ابني."

لوح لها زياد مودعاً. خرج من البوابة وهو يفكر فيما دار في المقابلة. وفي كلمات والدتها. نعم، لا يعرفها إلا منذ أيام قلائل، لكنه يشعر بأنها نصفه الآخر. إذا كانت رفضته لذلك السبب، فسيتماسك بها. إلى أن يتمكن من كسب ثقتها. ***

جلست "سمر" في غرفة "آيات" تحاول بصعوبة منع تلك العبرات من التساقط. شعرت بأنها تفتقد للشجاعة التي تجعلها تقدم على تلك الخطوة وتبدأ في بناء حياة طبيعية مع شريك آخر يقف بجوارها ويواجهان الحياة جنباً إلى جنب. تذكرت كيف تخلى والدها عن الوقوف بجوار والدتها في تلك المحنة التي ذاقت مرارتها حتى وصلت لما هي فيه الآن.

تنهدت بحسرة وهي تحاول مقاومة تلك المخاوف التي تمنعها من أن تسعد كأي فتاة عادية. التي تجعلها تصد كل من يتقدم لها. والتي تجعلها الآن تزرف تلك العبرات لما شعرت به من رغبة في الموافقة كبتتها بداخلها لتعلن بدلاً منها رفضاً قاطعاً. أرادت حقاً إعطاءه وإعطاء نفسها فرصة. فلعلّه يستطيع أن يكون ذاك الرجل الذي تبغيه. تسرب إليها شعور بالندم لسرعتها في الرفض. فلعلها لو أعطت نفسها فرصة للتفكير لكانت وافقت.

قامت بضيق وتوضأت ووقفت تستخير الله في ذاك الأمر الذي أنهته بجملة واحدة منذ لحظات. أنهت صلاتها وهي تفكر بحزم. إن كان نصيبها فسيعود. وإن لم يكن، فقد حماها الله من شر كانت ستقع فيه. ظل "آدم" محتفظاً بابتسامته العذبة طيلة اليوم وهو يلقي نظرة على دبلته من حين لآخر. ما زال إلى الآن لا يصدق ما حدث. لا يصدق أنه ارتبط بحبيبته أخيراً. لا يصدق أنها أعطته فرصة أخرى ليثبت أنه جديراً بها. لم يفتر لسانه عن ترديد: "الحمد لله".

فالله من يسر له واستجاب له ورزقه بمن أحب. لكم كان يتمنى أن تمر تلك الخطبة سريعاً ليستطيع رؤيتها والتحدث معها كيفما شاء ووقتما شاء. شعر بأن تلك الخطبة تكتفه عن التعبير عما يجوش به صدره. لكنه عزم على ألا يغضب الله عز وجل هذه المرة. لن يتجاوز معها كما فعل في خطبتهما الأولى والتي كانت منزوعة البركة. عزم على أن يرضي الله ويطيعه حتى ينال ما يريد. ساعده على ذلك "آيات" نفسها والتي أرادت ما أراده هو. قارن بين حالهما في خطبتهما الأولى وحالهما الآن، فاتسعت ابتسامته وهو يحمد الله أن منّ عليه وعليها بالتوبة. فلعل كل ما حدث كان من أجل تطهيرهما من ذنوبهما.

شرد "آدم" يفكر. لعلّهما لو كان تزوجها وقتها لكانت حياتهما الآن لا تطاق. فبالتأكيد الحياة في البعد عن الله لا تطاق. شعر بكم كان الله رحيماً بهما أن فرقهما وهما على المعصية ليعيد جمعهما في الطاعة!

أخذ "آدم" يفكر. لو علم الإنسان ما حماه الله منه لحمده على حاضره ولاستبشر بمستقبله. أحياناً يكون الخير مغلف بغلاف من الأسى حتى نتوهم بأنه شراً. لكنه الخير وليس سواه. كلما اقترب الإنسان من الله فهم معنى الابتلاء جيداً. فالابتلاء أحياناً يكون للتطهير وللتكفير عن الخطايا للرجوع إلى الحق.

بعد انتهاء العمل، قابل "آدم" "كريم" وأخبره برغبته في زيارة "آيات" والتحدث معها. بعد عدة ساعات، حضر "آدم" إلى منزل "كريم" الذي رحب به ببشاشة. بعد قليل، حضرت "آيات" تبتسم بخجل وهي مطرقة برأسها. أخذ "آدم" نفساً عميقاً وهو يشعر بسعادة تغمر قلبه. ها هي حبيبته أمامه. حبيبته وخطيبته. غض بصره وإن كان ذلك شاقاً عليه. تحدث قائلاً: "إزيك يا آيات؟ ردت بخجل: "الحمد لله. إزيك أنت؟ "الحمد لله. لقيتي حاجة على مكتبك الصبح؟

ابتسم قائلاً: "أيوه. فرحت بيها." اتسعت ابتسامته قائلاً: "طيب الحمد لله إني قدرت أفرحك." صمت لبرهة ثم قال: "كريم قالك على ظروفي؟ إني دلوقتي يعتبر إني ببدأ حياتي من أول وجديد." أومأت برأسها قائلة: "أيوه، كريم قالي كل حاجة." سألها باهتمام: "طيب ورأيك إيه؟ يعني إحساسك إيه؟ قالت بخفوت: "أعتقد رأيي عرفته لما وافقت على الخطوبة. أنا مش مهم عندي كل ده. يعني أنا معنديش مشكلة إني أستناك لحد ما تقف على رجلك تاني."

ابتسم بارتياح وهو يقول: "ريحتِ قلبي بكلامك. وعلى فكرة، أنا أوعدك إن شاء الله إني أعمل كل اللي أقدر عليه عشان أعيشك أحسن مما كنتي عايشة." قالت "آيات" بصدق:

"صدقني أنا مش ببص لكده. أهم حاجة إننا نكون ماشيين صح. وحياتنا صح. لو ده حصل أكيد هيكون فيها بركة. في ناس كتير عايشة كويس ومرتاحة مادياً لكنها تعبانة نفسياً ومليش في حياتها بركة، ومش حاسة بطعم الحياة أصلاً. مش بالفلووس على فكرة. المهم إن الواحد يكون راضي. وأنا راضية طول ما إحنا نتقي ربنا ومش بنغضبه." تنهد "آدم" قائلاً بتأثر:

"إنتي نعمة كبيرة أوي ربنا رزقني بيها. وأنا عاهدت ربنا إني أحافظ عليكي يا آيات. مش عايزك تخافي مني. أنا فعلاً اتغيرت كتير. مش بس رجعت زي الأول. أنا رجعت أحسن مليون مرة من الأول. نفسي تنسي كل اللي حصل قبل ده. وتفتكري بس حياتنا من لحظة ما اتخطبنا." ابتسمت تقول: "فعلاً، أنا حاسة بكده. يعني معدتش بفكر في حاجة فاتت. خلاص مش هفكر فيه تاني. إنت غلطت وأنا غلطت. خلاص ربنا يغفر لنا احنا الاتنين."

اتسعت ابتسامة "كريم" الذي كان جالساً على بعد خطوات منهما يحمل اللاب توب على قدميه منشغلاً فيه. دعا الله لهما أن يوفقهما وأن يجعل كل منهما قرة عين الآخر. *** شعرت "سمر" بالدهشة عندما عادت من عملها لتجد "زياد" جالساً بصحبة والدتها. دخلت الغرفة على الفور لتقول لها "آيات" بلهفة: "زياد قاعد مستنيـاكي بقاله ساعة." قالت "سمر" باضطراب: "عايز إيه ده؟ مش خلاص رفضته؟ دخلت والدتها وهي تقول: "سمر، تعالي شوية لو سمحتي."

خرجت "سمر" وهي تشعر بالاضطراب. ألقت عليه نظرة لتجده مبتسماً. وقف مرحباً بها. جلست وهي لا تعلم سر تلك الزيارة بعد رفضها إياه. قامت والدتها وهي تقول: "تحب تشرب شاي ولا قهوة يا أستاذ زياد؟ "قهوة لو سمحتي." دخلت أمها المطبخ، فشعرت "سمر" بالضيق. قالت بشيء من الحدة: "خير يا أستاذ زياد؟ ابتسم وهو يضع ساقاً فوق ساق قائلاً بمرح: "لا أبداً، جاي أتكلم في تفاصيل الخطوبة." نظرت إليه بحدة وقالت بدهشة: "خطوبة إيه؟ ابتسم لها قائلاً:

"خطوبتنا." قالت بجدية: "حضرتك بتهزر. خطوبة إيه؟ حضرتك خدت ردي المرة اللي فاتت ولا نسيته؟ مال بجسده ونظر إليها قائلاً بمرح: "هو انتي فاكرة لما تقوليلي إنك مش موافقة، خلاص بقى همشي وأنسى الموضوع وأقول كرامتي وكده يعني. لأ، ابسلوتلي. مش أنا خالص." نظرت إليه بدهشة وقد ألجم لسانها. فأكمل بنفس المرح:

"هفهمك. لما كنت صغير كان عندي عربية نص نقل. لأ، دماغك متروحش لبعيد. مش عربية حقيقية. عربية لعبة. في يوم العربية دي وقعت من البلكونة. أنا اللي حدفتها. وبعدين وقعت على راس عم فاروق جارنا. كان راجل غلبان أوي. المهم فضل يزعق ويقول مين اللي رمى العربية دي على دماغي. أنا طبعاً مفتحتش بوقي. خفت يطلع يضربني. ولا يقول لأمي وهي تضربني. سكت. والعربية ضاعت مني. عم فاروق الله يرحمه ويغفر له بقى من غيظه كسر العربية تحت رجله."

كانت "سمر" تستمع إليه وهي تنظر إليه بدهشة وحيرة وقد فغر فاها. بعدما انتهى، انتظرت أن يكمل فلم يتحدث. فقالت بجدية: "آه وبعدين. إيه علاقة ده بموضوعنا؟ أطلق زياد ضحكة عالية وهو يقول: "لأ، ملوش علاقة. أنا كنت بدردش معاكي." نظرت إليه "سمر" بغيظ. ثم أشاحت بوجهها. بينما عادت والدتها من المطبخ حاملة صينية القهوة. فنهض زياد مسرعاً وأخذها منها قائلاً: "تسلمي يا أمي، متحرمش منك أبداً."

نظرت إليه بدهشة وهو يقول لأمها "أمي". جلس زياد يرتشف من فنجانه وهو يقول: "تسلم إيدك يا أمي، قهوة ممتازة." ثم التفت إلى "سمر" يقول: "وانت يا دكتورة، بتعرفي تعملي قهوة ولا ملكيش في الطبخ؟ ضحكت والدتها قائلة: "لأ، سمر ما شاء الله عليها بتعرف تعمل كل حاجة." ابتسم زياد قائلاً: "أنا كمان بعرف أعمل كل حاجة. من أول الطبخ لحد الغسيل." رفعت والدة "سمر" حاجبيها قائلة بدهشة: "معقولة؟ أخذ رشفة من فنجانه وقال:

"طبيعي لما راجل يعيش لوحده لازم يتعلم يعمل حاجة حاجة بنفسه. اتعلمت كل حاجة. أنا أصلاً عايش لوحدي على طول. حتى لما سافرت شرم، ولما جيت هنا برده كنت عايش لوحدي." ثم قال بشيء من الأسى:

"أحياناً الواحد من كتر ما بيعيش لوحده بتعود على الوحدة ويحس إنها زي الصاحب اللي صعب يسيبه أو يفترق عنه. بس بييجي عليه وقت يحس إنه خلاص مش طايقها. ونفسه في حد يتكلم معاه زي ما بيتكلم مع نفسه. نفسه يحس إن له لزمة في الدنيا دي وإن في حياته بيت وأسرة وزوجة وأولاد ومسؤولية. مش عايش كده لنفسه وخلاص." كانت "سمر" تستمع إليه باهتمام بالغ. فأكمل:

"أنا يمكن عشان كمان كنت طفل وحيد، فكانت الوحدة ملازمة ني من كل اتجاه. عشان كده نفسي أكون أسرة كبيرة أوي. يعني بتاع 7 ولا 9 عيال كده." ثم التفت إلى "سمر" قائلاً بمرح: "إيه رأيك؟ لو عايزة أكتر أنا معنديش مانع." لاحت الابتسامة على شفتيها وهي تقول: "أكتر من كده؟ انت مش عايز زوجة، ده انت عايز دادة لولادك." أطلق زياد ضحكة عالية سرت كالنغمات في أذنيها وهو يقول بمرح:

"لأ، مش لدرجة دادة. ما أنا هساعدك برده. لسه بقول بعرف أطبخ وأغسل وممكن كمان أحمّلك العيال. يلا يا ستي، هتلاقي فين راجل زيي يحمّلك العيال. ده أنا عريس لقطة والله."

أطلقت "سمر" ضحكة مكتومة وهي تضع أصابعها على فمها. شعرت بمرح بداخلها لم تشعر به منذ زمن. وكأنها عادت طفلة مرة أخرى. نظرت إليه بطرف عينها لتتأمل ملامحه التي كانت على قدر من الوسامة، وابتسامته التي لا تفارقه، ومرحه الذي يغدق به على من حوله. شعرت بإستكانة وهي تستمع باهتمام إلى حديثه الشيق، وذكريات طفولته وصِباه. *** جلس "كريم" في مكتبه يزاول عمله كالمعتاد عندما اقتحم عليه المكتب فجأة بعض الرجال. نهض قائلاً: "أفندم."

قال أحدهم: "أنا النقيب '.... '. معانا أمر بتفتيش المكتب." شعر "كريم" بالدهشة وقبل أن يستوعب ما يحدث، تجول المخبرون في المكتب وقلبوه رأساً على عقب وهو يحاول تنظيم ما تم بعثرته من أوراق هامة. ثم... صاح أحد المخبرين: "تمام يا فندم." التفت ليجد المخبر قد أعطى للضابط مجموعة أكياس وفي داخلها مسحوق أبيض. ففتح الضابط أحد الأكياس وغمس فيها إصبعه ثم قربها منه ليشمها ويتفحصها عن قرب. ثم التفت إلى "كريم" قائلاً: "مخدرات!

اتفضل معانا." صاح "كريم" باستنكار: "مخدرات! لم يتركوا له فرصة للحديث. سااقه المخبرون إلى الخارج وهو يشعر بالصدمة مما يحدث. لقيه "آدم" و"زياد" فصاحوا: "إيه؟ في إيه؟ "مين دول يا كريم؟ قال "كريم" وهو يسير معهم دون أن يسمحوا له بالتوقف: "بيقولوا لقوا في مكتبي مخدرات." صاح "زياد" بحدة: "إيه؟ مخدرات! سار "آدم" خلفه وهو يهتف قبل أن يجلسوه في السيارة: "متقلقش يا كريم، هجيب المحامي وهجيلك على القسم."

انطلقت السيارة حاملة "كريم" الذي أخذ يتمتم مصدوماً: "اللهم اكفنيهم بما شئت وكيفما شئت." علمت "آيات" بخبر القبض على أخيها، فأسرت تجري في اتجاه البوابة. لقيت "آدم" واقفاً يتحدث في هاتفه باهتمام. أشار إليها فأقبلت نحوه. أنهى اتصاله فقالت بلهفة: "إيه اللي حصل ده؟ فين كريم؟ زفر "آدم" بحنق قائلاً: "البوليس لقي في مكتب كريم مخدرات." شهقت بقوة وهي تضع يدها على فمها. ثم ما لبثت أن هتفت: "مش ممكن كريم يعمل كده! قال "آدم"

على الفور: "طبعاً مش ممكن يعمل كده. ده أكيد الكلب عاصي." قفزت الدموع إلى عينيها وقد أصابها الفزع والخوف على أخيها. فهدأها "آدم" قائلاً: "متخفيش يا آيات، أنا رايحله القسم دلوقتي وإن شاء الله خير. روحي انتي دلوقتي." أسرع "آدم" في اتجاه مكتب "كريم" ليجده مبعثراً عن آخره. وضع "كرسي" -أسف الكاميرا المثبتة في الجدار -واستخرج منها الشريط الموضوع بها. ثم توجه إلى قسم الشرطة حيث تم أخذ "كريم".

بعد عدة ساعات من التحقيقات والإتيان بشريط الفيديو الذي صورته الكاميرا التي وضعها ووزعها "كريم" في أماكن متفرقة من القرية بعد حادثة الجراج. تبين أن أحد العاملين بالقرية قد دخل مكتبه ودس تلك الأكياس في ذلك المكان الذي وجده رجال الشرطة. أثبت الفيديو بما لا يدع مجالاً للشك بأن تلك مؤامرة قد حيكت للإيقاع بـ "كريم". وعندما سألهم الضابط عمن يشكون فيه، أسرع "آدم" على الفور قائلاً:

"عاصي اليماني.. مفيش غيره. هو وأبوه شغلهم قذر. ومستبعدش أبداً إنهم يكونوا تجار مخدرات فعلاً." حضر القيادات الكبرى إلى القسم وجلس بصحبة "كريم" و"آدم" ومحاميه. أفشى لهم عن علمهم منذ زمن بتجارة "سراج" و"عاصي" المشبوهة. وأنهم ينتظرون اللحظة المناسبة للإيقاع بهم. بالأدلة التي لن تجعلهم ينفدون من عقابهم.

طلب ذاك الضابط الكبير من "كريم" أن يساعدهم عن طريق المكث في القسم وكأنه بالفعل قد قبض عليه. وذلك حتى يطمئن "عاصي" لسير خطته بنجاح. وبعدم انكشاف تلك المؤامرة. ووعده بأنه خلال يومين سيتم مداهمة المكان الذي تظن الشرطة بأنه مخزناً محملاً بذاك السم الأبيض. فقط ينتظرون اللحظة المناسبة حتى لا ينفد "عاصي" و"سراج" منهما.

وافق "كريم" على الفور على مساعدة الشرطة في القبض على أولئك المجرمين. كان المطلوب منه أن يظل في القسم وألا يفشي أمر إطلاق سراحه بين العاملين في القرية، خاصة بعدما اكتشفوا بوجود جواسيس في القرية تعمل لصالح "عاصي". وأولها ذاك العامل الذي دس المخدرات في مكتب "كريم". وكان.

انهارت "إيمان" بعدما سمعت خبر القبض على "كريم". وأصرت على الذهاب إلى القسم لرؤيته. استسلم "علي" لإصرارها وتوجه بها بصحبة والده إلى قسم الشرطة. سمحوا فقط بدخول "إيمان" إلى غرفة المكتب حيث يجلس "كريم" منتظراً أوامر أخرى من الضابط. بمجرد أن رأته شهقت باكية بشدة. اقترب منها ولفها بذراعيه وعانقها طويلاً وهو يقول:

"خلاص يا إيمان، متعيطيش. قل قدر الله وما شاء فعل. وبعدين مش علي فهمك. أنا مش مقبوض عليا. أنا هنا بس عشان عاصي يفتكر إنهم قبضوا عليا، وإن محدش بيشك فيه." أبعد رأسها لتقول له بأعين دامعة: "كنت خايفة عليك أوي." أجهشت في البكاء مرة أخرى. فابتسم "كريم" بعذوبة وهو يقول: "ده حب بقى." نظرت إليه قائلة وهي تجفف دموعها بمنديلها: "لأ، متجوزاك شَفَقَة." أطلق ضحكة خافتة وهو يقول بعتاب مصطنع:

"وأنا اللي كنت فاكرة إنك بتحبيني. طلعتي متجوزاني شَفَقَة. وأنا مقبلش إنك تتجوزيني شَفَقَة." ابتسمت وهي تنظر إليه بحب قائلة: "لأ، مش شَفَقَة." رفع إحدى حاجبيه وهو يبتسم بلؤم قائلاً: "أما لَـه، عايزة أعرف دلوقتي." اختفت ابتسامتها وهي تقول: "ده وقتُه يا كريم. مش لما نشوف المصيبة اللي إحنا فيها دي الأول." قال بحزم: "متغيريش الموضوع. متجوزاني ليه بقى؟ اتسعت ابتسامتها ولم تجب. فقال بحنان: "طيب، أنا هطلع أكرم منك."

ثم نظر إلى عينيها قائلاً: "بحبك يا إيمان." احمرت وجنتاها وأطلقت ضحكة سعادة خافتة ونظرت أرضاً. أمسك بذقنها ورفع وجهها ونظر في عينيها قائلاً: "انتي لما عرفتيني وقربتي مني.. حبيبتيني ولا لسه؟ قالت بخجل: "أيوه.. حبيتك." اتسعت ابتسامته وهو يشعر بأن قلبه يقفز فرحاً. ثم قال بمرح: "والله إحنا اتنين مجانين. ملقتيش إلا القسم عشان كل واحد يقول مشاعره للتاني. يعني أقول لأولادنا إيه؟ أول مرة أقول لأمك إني بحبها، قولتها في القسم."

ضحكت بشدة. فمسح بعض العبرات التي لا تزال عالقة على وجهها وهو يقول: "أيوه عايزك تضحكي على طول كده. مش عايزك تعيطي تاني." أومأت برأسها وهي تقول: "خلي بالك من نفسك. ماشي؟ وأنا هاجيك تاني." قال "كريم" بحزم: "لأ. متجيش هنا تاني يا إيمان. أنا مرضتش أضايقك المرة دي عشان مقدر قلقك عليا. بس لو سمحتي متجيش هنا تاني. وأنا هبقى أكلمك. اتفقنا؟ أومأت برأسها قائلة: "خلاص ماشي يا كريم." ***

في مطعم القرية، جلست "أسماء" بصحبة أبويها. التفوا حول الطاولة يتناولون طعام العشاء. ابتسمت "مديحة" وهي تنظر إلى ملابس ابنتها الواسعة وحجابها الطويل. فلم تكن معتادة على رؤية ابنتها بهذا النوع من الثياب. فنظرت إليها ثم قالت: "إنتي غيرتي ستايل لبسك ولا إيه يا أسماء؟ قالت "أسماء" وهي تلعب في طبقها بملعقتها: "أيوه." نظر إليها "مدحت" قائلاً: "اشمعنى يعني؟ عشان آيات غيرت ستايلها هي كمان؟ نظرت إليه قائلة:

"لأ، مش عشان أقلد آيات. عشان أنا حبيت كده." عادت تنظر إلى طبقها قائلة: "عرفت إن لبسي مكنش صح. وآيات اتكلمت معايا كتير. وإمبارح خلتني أجرب لبسها. وحسيت إني مرتاحة فيه." ثم قالت وهي شاردة: "آيات قالت لي إني لو لبست زي ما ربنا أمرني. ولو حطيت في نيتي وأنا خارجة من البيت إني بلبس كده عشان ربنا وعشان أسمع كلامه. باخد ثواب طول ما أنا بره البيت. أكني بعمل عبادة بالظبط." ابتسمت والدتها وهي تقول بحنان:

"أنا فرحانة أوي بكلامك ده يا أسماء. أول مرة أسمعك تتكلمي كده. وكمان آيات حاسة إن البنت دي اتغيرت كتير." ابتسمت "أسماء" قائلة: "هي فعلاً اتغيرت. بس فضلنا نحب بعض زي الأول. ولسه صحاب زي الأول، ويمكن أكتر كمان من الأول." نظر إليها والدها وتنحنح قائلاً: "إنتي ناويـة على إيه يا أسماء؟ هتكملي شغلك هنا في القرية ولا هترجعي معانا القاهرة؟ تنهدت "أسماء" ثم قالت: "من ساعة ما جيتوا وأنا بفكر في الموضوع ده." ثم قالت بحزم:

"أنا عايزة أرجع معاكم القاهرة." ابتسمت أمها وهي تربت على ظهرها قائلة: "يا حبيبتي، أنا كمان كنت حابة إنك ترجعي معانا." اتسعت ابتسامة "مدحت" وهو يقول: "خلاص يبقى بكرة إن شاء الله، نتوكل على الله ونرجع القاهرة." شردت "أسماء" وهي تنظر من نافذة المطعم بجوارها. أخذت تتساءل في نفسها. تُرى هل ما تفعله صواب؟ أت رحل أم تبقى؟ ظل السؤال يتردد بداخلها وقد منعتها حيرتها من إيجاد الجواب المناسب! ***

كم كانت صدمة "أسماء" كبيرة عندما أخبرها والدها بحديث "علي" معه. استمعت إليه بلهفة وهو يقول: "الشاب ده باين عليه محترم. المهم، هو قالي إنه حابب يتكلم معاكي الأول في شوية حاجات. لو ارتحتوا انتوا الاتنين، هيتوكل على الله ويجيب أهله. ولو مفيش راحة، خلاص كل شيء نصيب. قولتي إيه يا أسماء؟ كادت "أسماء" أن تسقط مغشياً عليها من فرط حماسها. قالت بحماس: "ماشي يا بابا."

"طيب يا بنتي، هو حابب نعد بره في أي مكان. يعني مش حابب إن حد يعرف الموضوع دلوقتي قبل ما تتكلموا مع بعض. حتى أمك أنا مقولتلهاش." "ماشي يا بابا، مفيش مشكلة." شعرت بدقات قلبها عالية معلنة عن سعادتها. سألت نفسها. أحقاً طلب علي من والدها الحديث معها؟ لماذا لم يطلب منها هي؟ بالتأكيد لم يرد أن يتخطى والدها. هكذا هو.. يعرف الأصول جيداً. يخشى أن يخطئ في أفعاله وتصرفاته. ارتسمت ابتسامة حالمة على شفتيها، وهي تستعد لذاك اللقاء.

لم تخبر "أسماء" "آيات" التي قالت بابتهاج: "طيب كويس. بشرة خير. يارب تتمم الموضوع على خير يا رب." قالت "أسماء" بلهفة: "يارب." ثم سألت "آيات": "إيه أخبار أخوكي دلوقتي؟ قالت "آيات" الحمد لله: "لأ، الحمد لله زي ما قولتلك مفيش قضية أصلاً. بس هما مخليينه عندهم في المكتب. حتى مش مدخلينه الحجز. عشان عاصي يفتكر إنه نجح في خطته وإن محدش بيشك فيه." قالت "أسماء" بعنف: "حسبي الله ونعم الوكيل فيه. ده كتلة شر متحركة." قالت "آيات"

بأسى: "أنا عرفت دلوقتي ليه بابا بعد عنهم. وليه منعني من إني أعرفهم أو أكون على صلة بيهم." "طبعاً يا بنتي، كان معاه حق إنه يتبرّى من أخوه وابن أخوه. دي عالم أستغفر الله العظيم." ابتسمت "آيات" قائلة بمرح: "سيبك من السيرة الغم دي وخلينا في علي." ابتسمت "أسماء" بسمة حالمة وهي تقول: "علي! ضحكت "آيات" قائلة: "هنبدأ ولا إيه؟ لأ، امسكي نفسك. أما نشوف بس الموضوع هيرسى على إيه." ***

شعرت "أسماء" بالحرج وهي ترى "علي" مقبلاً عليهما. نهض والدها مرحباً به وتبادلا عبارات المجاملة. ثم جلس معهم على الطاولة في ذلك المطعم الهادئ. قام "مدحت" قائلاً: "طيب، هعد أنا على الترابيزة اللي جنبكم عشان أسيبكم تتكلموا براحتكم." ظلت "أسماء" تنظر أرضاً تنتظر أن يبدأ حديثه. قال: "إزيك يا آنسة أسماء؟ تمتمت مبتسمة: "الحمد لله." بدا عليه الحرج والاضطراب. تناول رشفة من كوب الماء الموضوع أمامه ليقلل من جفاف حلقه. ثم قال:

"أنا حبيت أتكلم معاكي بالطريقة دي. عشان تبقي كل حاجة ماشية صح. يعني محبتش إن ده يكون بدون علم أهلك. بس نتيجة المقابلة دي متوقفة عليكي انتي." نظرت إليه تنتظر ما سيقول. فأكمل: "ليا شروط لازم تكون موجودة في الإنسانة اللي هرتبط بيها. لو مكنتش مناسبـاكي خلاص، يبقى مفيش نصيب." أومأت "أسماء" برأسها. نظر "علي" إليها للحظات متأملاً. ثم أخفض رأسه قائلاً: "إنتي ليه غيرتي لبسك؟ صمتت ولم تجب. فحضر قائلاً:

"عشان كلامي معاكي قبل كده؟ ولا عشان عارفة إنك جايه تقابليني؟ قالت بحدة: "لأ، ده ولا ده. أنا غيرت لبسي لما اقتنعت. ولما آيات اتكلمت معايا وفضلت ورايا لحد ما اتجرأت إني آخد الخطوة دي. مش عشانك ولا حاجة. ده لبسي اللي بلبسه بقالي كام يوم. مش لابساه كده عشان هشوفك يعني." قال "علي" بصوت هادئ: "إنتي على طول منفعلة كده؟ تنهدت بحزن وقالت: "لأ، مش دايماً. ساعات بتنرفز أيوه. دي حاجة وحشة صح؟ ابتسم "علي" وقال:

"أكيد يعني مش هقولك دي حاجة حلوة." قالت "أسماء" مبتسمة: "إيه بقى المواصفات؟ مقلتليش." اختفت ابتسامته وقال بجدية:

"اللي هو أنا عايزها زوجة تكون عارفة كويس يعني إيه زواج ومسؤولية. زوجة عارفة حقوقها الزوجية وعارفة كمان واجباتها. زوجة تبقي مستعدة إنها تعيش معايا على قد إمكانياتي. الحمد لله أنا دلوقتي بقبض مرتب محترم. بس مهما كان، لسه في بداية حياتي. عايز واحدة تلتزم بكلام ربنا اللي أمرها بيه. متعندش في الغلط وتتمسك بيه. واحدة بنت حلال وطيبة." أخذ نفساً عميقاً وقال: "وبخصوص الشغل.. أنا مش حابب أبداً إن مراتي تشتغل." نظرت إليه صامتة.

فأكمل: "هتقوليلي أختك إيمان بتشتغل؟ هقولك أختي إيمان مسؤولة من بابا وحالياً من زوجها. هما حرين مع بعض. لكن أنا محبش إن مراتي تشتغل. كل راجل له طباع غير التاني. ودي طباعي. دلوقتي أنا حابب أسمع منك. هل اللي قولته ده مناسب ليكي ولا لأ؟ لم تحتاج "أسماء" وقتاً للتفكير. بل اتسعت ابتسامتها وهي تقول:

"أنا أصلاً عارفة، بكره الشغل. أنا اشتغلت بس لإني مضطرة عشان أصرف على نفسي. لكن أنا نفسي زي ما انت نفسك. إني أعد في البيت، ويبقي مهمتي بيتي وجوزي وأولادي وبس، ومفيش حاجة تشغلني عنهم. وبخصوص إمكانياتك فأنا موافقة. ومش هعترض على إمكانياتك. لأني نفسي في راجل بجد أحس إنه بياخد بإيدي وبيعرفني الطريق الصح. وبعدين أي اتنين لازم يتعبوا في بداية حياتهم وهما صغيرين. يعني عادي. بوعدك انت ما شاء الله عليك ناجح في شغلك. يعني أحسن

من شباب كتير في سنك. وبخصوص بأه إني أنفذ كلام ربنا فأنا مش عنيدة لو حاجة. بس محتاجة اللي يتكلم معايا براحة، واللي يفهمي براحة من غير ما يجرحني ومن غير ما يحسسني إني إلى النار وبئس المصير. وانت أسلوبك حلو معايا وبتتكلم براحة، فأكيد هسمع كلامك."

ابتسم "علي" وهو ينظر إليها قائلاً: "على فكرة أنا مش هادي على طول. أنا لما بتنرفز ببقى صعب." ضحكت "أسماء" قائلة: "عارفة. إيمان أختك قالت لي." أخفض "علي" بصره دون أن تختفي ابتسامته وهو يقول: "يعني موافقة على كل الكلام اللي قولته ومعندكيش أي اعتراض عليه؟ قالت بخجل ممزوج بالسعادة: "لأ، معنديش اعتراض." التفت "علي" ونادى والدها. ثم نهض يسلم عليه قائلاً: "إن شاء الله، هتصل بحضرتك يا أستاذ مدحت عشان نيجي نزوركم في البيت."

اتسعت ابتسامة "مدحت" وهو يقول: "تنور يا ابني. أهلك راجعين امتى إن شاء الله؟ "بكرة إن شاء الله. وانتوا مسافرين امتى؟ "إحنا مسافرين النهاردة إن شاء الله." "خلاص زي ما اتفقنا إن شاء الله." رحل "علي" فتابعته "أسماء" بعينيها وهي تشعر بسعادة كبيرة. مال "مدحت" عليها قائلاً: "ها، قوليلى إيه رأيك؟ نظرت إليه "أسماء" قائلة: "بصراحة، هو حد محترم أوي. إنت رأيك إيه يا بابا؟ ابتسم قائلاً وهو يربت على ظهرها:

"أنا كمان شايف كده. ربنا يتمملك على خير." *** ظل "كريم" في القسم لمدة أربعة أيام. وفي اليوم الخامس، أتت البشري بالقبط على "سراج" و"عاصي" بعدما أعدت لهم الشرطة كميناً وأوقعتهم في فخها. تابعتهما عدسات الكاميرات للحصول على صورهما للتكسب من وراء تلك الفضيحة في جرائدهم.

حمد "كريم" ربه لظهور الحق وإنتقامه من رأسي الأفعى. شعر "آدم" بالارتياح، فأخيراً لن يكون قلقاً من شرور "عاصي" وتهديداته. تنهد بارتياح وقد شعر أن الله قد انتقم له. وأخذ بحقه ممن ظلمه. فهـا هو "عاصي" يُزج في السجن لأعوام طويلة، يدفع بها ثمن شروره وأذاه لخلق الله.

على الرغم من شعور "آيات" بالراحة، إلا أنها حزنت أن يكون ذاك هو مصيرهما. تمنت لو كان تاب إلى الله قبل أن يقبض عليهما. لكنهما تماديا في ظلمهـمـا وبطشهما حتى أخذهـم الله أخذ عزيز مقتدر.

كانت تلك البشرى هي الأولى. ثم توالت البشائر بعد ذلك. عادت "أسماء" مع والديها إلى القاهرة. وكذلك عاد والدا "علي" إلى بيتهما في القاهرة. وبعد يومين سافر "علي" وتقدم رسمياً بصحبة والديه إلى "أسماء". التي شعرت كطير ظل محبوساً أعوام عديدة في قفص كئيب. وفجأة.. أطلق سراحه. ففرد جناحيه يطير في السماء.

كانت سعادة "زياد" عارمة عندما ردت "سمر" أخيراً بالموافقة. لكنها اشترطت فترة خطبة طويلة. وألا يعقدا إلا ليلة الفرح. فتمت الخطبتان في خلال شهر واحد. خطبة "علي" و"أسماء" التي ظلت عند أهلها في القاهرة. وعاد "علي" لممارسة عمله في القرية بينما كان يذهب إليها مرة أسبوعياً. وخطبة "زياد" و"سمر". التي ظلت في القرية برفقة والدتها. وعملت في عيادة الأطفال بعد إعادة تجديدها. مضت شهران على تلك الأحداث السعيدة.

وفي أحد الأيام، بينما كان "آدم" في زيارة لـ "آيات"، قال لها بضجر: "مش نكتب الكتاب بقى؟ الخطوبة طولت أوي." قالت وهي تحاول أن تخفي ابتسامتها: "مطولتش ولا حاجة. دول 3 شهور بس." صاح بحنق: "آه 3 شهور بس. شفت فيهم ذل سنين. كفاية إني لا عارف أبصلك ولا عارف أكلمك ولا عارف أعد معاكي براحتي." ثم نظر إلى "كريم" الذي ابتسم وهو يتطلع إلى اللاب توب الخاص به وقال له بمرح: "منور يا كريم." قال "كريم" ضاحكاً دون

أن يرفع عينه عن الشاشة: "ده نورك يا آدم." هتف "آدم" قائلاً: "مش تحضرنا يا كريم؟ إقنع أختك بقى." ابتسم قائلاً وهو ينظر إليه: "والله دي حاجة تخصكم انتوا الاتنين. انتوا اللي تحددوا معاد كتب الكتاب." قال "آدم" بغيظ: "آه ما أنت إيدك في المية الباردة. نطيت مرحلة الخطوبة على كتب الكتاب عدل." ضحك "كريم" قائلاً بمرح: "يا باي على الأرز." صفر "آدم" وهو يوجه حديثه إلى "آيات" قائلاً: "قولتي إيه؟ نحدد بقى؟

صمتت لتفكر في أحداث الثلاث شهور الماضية والتي لمست فيهم تغيراً جذرياً في سلوك "آدم" جعلها تتناسى خوفها شيئاً فشيئاً. بل جعلها تتناسى "آدم" القديم تماماً. حثها قائلاً: "آيات.. إنتي لسه خايفة؟ لسه قلقانة مني؟ قالت بخفوت: "لأ." "طيب إيه؟ نظرت إلى "كريم" قائلة بلؤم: "لما أطمن على كريم أخويا الأول." نهض "آدم" قائلاً وهو يتظاهر بالانصراف: "طيب، لما تبقي تطمني على أخوكي ابقي اديني رنة. هتلاقيني عندك."

نظرت إليه "آيات" بحدة. فنظر إليها قائلاً بحزم: "كلمة واحدة. كتب الكتاب بعد 3 أيام." هتفت: "لأ، إيه 3 أيام دي؟ مش هالحق أعمل حاجة. خليهم أسبوع." قفزت ابتسامة إلى شفتيه وهو يقول: "ماشي، أسبوع." نهض "كريم" ووقف أمامهما قائلاً بلؤم: "ها، وصلتوا لإيه؟ سنة ولا سنة ونص؟ نظر إليه "آدم" بغيظ وقال ضاحكاً: "كان نفسي تبقى خطيب أختي عشان أذلك يا كريم." ضحك "كريم" قائلاً بمرح: "ده انت بتحبني أوي باين عليك." "أوي أوي."

نظر إليهما "كريم" قائلاً بسعادة: "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير." *** بعد شهرين..

هبت النسيمات المنعشة القادمة من اتجاه البحر لتلفح وجوه ذاك الثنائي الجالس على رمل الشاطئ مستنداً بظهره إلى إحدى الصخور الكبيرة. كان الشاطئ خالياً إلا منهما. تعالت أصوات الأمواج في سيمفونية عذبة تطرب سامعها ليسبح معها في عالم آخر. تركزت أنظار الثنائي على قرص الشمس الذي أخذ في الغروب شيئاً فشيئاً، راسماً لوحة فنية من ألوان الطيف تسبح في السماء الزرقاء لتختلط ألوانها بزرقة السماء فتضفي عليها حرارة اللقاء.

نظر "آدم" إلى "آيات" التي أحاطها بذراعه واستندت برأسها إلى صدره وقال: "تعرفي إني بعشق منظر الغروب؟ رفعت رأسها ونظرت إليه قائلة: "أنا كمان بحبه أوي. دايماً كنت بشوفه في حلمي." ابتسم وهو يمسح بأصابعه على وجنتها قائلاً: "حلمك؟ أومأت برأسها مبتسمة. فسألها: "كنتي بتحلمي بإيه؟ ضحكت ضحكة خافتة ونظرت إلى عينيه تسابح في بحارهما قائلة:

"كنت بحلم بأرض خضرا كبيرة وواسعة والشمس بتغرب في السما. وفجأة يظهر حصان من بعيد وعليه فارس. ييجي يقف قدامي ويمد لي إيده ويركبني وراه ويطير بيا." رفع حاجبيه فأكملت بحب: "مكنتش لاقيه الفارس بتاعي. بس دلوقتي لقيته." قبل وجنتها قائلاً: "واثقة إنك لقيتيه؟ أومأت برأسها بثقة. فابتسم لها تلك الابتسامة الساحرة التي لطالما خطفت لبه وقال:

"وأنا كمان لقيت فتاة أحلامي. اللي مش ممكن هسمح إنها تضيع من إيدي تاني. واللي هعمل كل اللي أقدر عليه عشان أسعدها وعشان أنسيها أي إساءة وأي جرح جرحتهولها." وضعت أصابعها على شفتيه وعقد حاجبيها وهي تقول: "بلااش نتكلم عن اللي فات. أنا نسيت خلاص." قبل أصابعها قائلاً: "بجد. يعني سامحتيني من قلبك؟ أومأت برأسها مبتسمة. قال بحنان:

"عارفة كنت هتجنن لما كنتي بترفضيني ومش قادرة تسامحيني. كنت خايف أوي مترضيش تردي لي تاني. مكنتش عارف إزاي هكمل حياتي من غيرك. من غير ما تكوني فيها. لما عرفت إن أحمد اتقدم لك خفت أوي. خفت توافقي عليه. كنتي هتبقي قتلتيني بجد." نظرت إليه تتطلع إلى عينيه بحب. فهمس لها وهو يتحسس وجهه بلهفة:

"لما كنت فاكر إني دفنتك. الأيام دي من أصعب الأيام اللي مرت عليا في حياتي. لما شوفتك تاني. مصدقتش نفسي. حسيت إن روحي رجعتلي. حسيت ساعتها إن مش ممكن هقدر أبعد عنك أبداً. حسيت إنك لازم تكوني ليا." نظرت إليه بتأثر. نهض فجأة قائلاً: "يلا قومي." نظرت إليه بدهشة قائلة: "هنروح فين؟

جذبها من ذراعها ليوقفها ونفض ملابسهما من رمل الشاطئ وأمسك يدها وسار بها وهي لا تعلم إلى أين يأخذها. توجه بها إلى المساحة الخضراء المشتركة بين القرى الثلاث. ودخل اسطبل الخيول لينتقي جواداً. نظرت إليه "آيات" بدهشة وقالت: "آدم، بتعمل إيه؟ لم يجبها. بل عدل من وضع السرج على الجواد وجذبها من يديها ليوقفها في بداية المرج الأخضر. ثم اعتلى الجواد. وحثه على الركض في اتجاه قرص الشمس الذي أصبح يظهر منه الآن أقل من نصفه.

نظرت إليه "آيات" وهو يبتعد أمام عينيها. ركض بعيداً ثم توقف. والتفت تجاهها. اتسعت ابتسامتها وضحكت بمرح وهي تراه مقبلاً نحوها على صهوة جواده. تعالت ضحكاتها كلما اقترب أكثر. لمعت عيناها بسعادة عندما توقف أمامها يمد يده إليها مبتسماً. قالت ضاحكة: "إنت بتعمل إيه؟ لم يجبها. بل ظلت يده ممدودة إليها حتى سلمته كفها. قربها من الجواد فقالت بحيرة: "مش هعرف أطلع." ابتسم قائلاً: "متخفيش، هساعدك." حاولت. فلم تستطع. نظرت

إليه ضاحكة بخجل وقالت: "خلاص يا آدم، مش مشكلة." أصر على إنجاح محاولة إصعادها خلفه على ظهر الجواد. حتى استطاعت ركوبه أخيراً. ساعدها على ذلك ملابسها الفضفاضة من الأسفل التي سترتها دون أن تتكشف. نظرت حولها من ذلك الارتفاع وأمسكت به قائلة بخوف: "أنا خايفة." مد ذراعيه إلى الخلف وأمسك بذراعيها ولفهما حول خصره. والتفت إليها قائلاً: "متخفيش، امسكي فيا كويس." أحاطته بذراعيها و.. قبل أن ينطلق، التفت إليها بعينين تشعان حباً

وهمس بحنان: "بحبك يا آيات." نظرت إليه وقلبها يخفق بقوة. تعلقت بعينيه هامسة: "بحبك يا آدم."

ظلت عيناهما معلقة ببعضهما البعض للحظات، تتحدث خلالها العيون بحديث لطالما اشتاقت إليه. وتشاركها دقات القلب في الحديث معلنة عن حب تهفو إليه القلوب. تسمع صوت تنفسه المضطرب. ويسمع صوت تنفسها الدؤوب. رسمت نبضات قلبه لوحة من حبه الذي حبسه طويلاً بداخله. والذي اشتاق أن يبثه إياها. فترجم قلبها ذلك الرسم ونبض هو الآخر ليرسم لوحة مماثلة يهديها إياه. ثم.. انطلق بها.

تزايدت نبضات قلبها خوفاً. فاقتربت منه أكثر. ثم ما لبثت أن اطمئنت بقربه. داعبت الرياح وجهها بنعومة. نظرت من خلف كتفه إلى قرص الشمس الذي غرب بالكاد. وإلى المساحة الواسعة من النجيلة الخضراء. وإلى فارسها الذي تحتضنه بذراعيها. تماماً كحلمها. اتسعت ابتسامتها. أغمضت عينيها في سعادة تستمتع بتلك اللحظة التي انتظرتها طويلاً. فأخيراً وجدت لحلمها فارساً نبيلاً.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...