ابتسم "آدم" وهو يمد يده إلى والدته يبغى الهاتف. أعطته إياه فوضعه على أذنه قائلاً برقة: -أنا كويس يا حبيبتي، متقلقيش عليا. تجمدت "آيات" في مكانها ووضعت يدها على فمها واتسعت عيناها فزعاً. قال "آدم" بحنان: -متتصوريش فرحان باتصالك قد إيه، لأنه خلاني أتأكد إن أنا مهم بالنسبة لك. كنت هتجنن امبارح من خوفي عليكي، بس "كريم" طمني إنك كويسة. لو كان جرالك حاجة كنت روحت فيها.
أغلقت "آيات" هاتفها فوراً وهي تحاول السيطرة على دقات قلبها التي أخذت تتسارع بشدة. لكن هيهات، القلب الذي تسارعت دقاته يأبى أن يعود إلى سباته.
مسحت وجهها بكفيها وهي تحاول ألا تفكر في كلماته التي أسمعها إياها منذ قليل. قامت وغسلت وجهها، نظرت إلى نفسها في مرآة الحمام بعينيها الحائرتين وملامحها المضطربة. بلعت ريقها بصعوبة وهي تشعر بقلبها وهو يعصيها ويرفض أن يستكين كما كان. جففت وجهها بعصبية وخرجت ترتدي ملابسها وتتوجه إلى عملها، على أن انشغالها به ينسيها تلك الأفكار وتلك المشاعر التي تحاول مقاومتها وبشدة.
توجه "علي" إلى مكتب "كريم"، فوجده يتحدث إلى الهاتف. أشار له "كريم" بالجلوس وانتظاره حتى ينهي مكالمته الهاتفية. بدا على "علي" الضيق والتوتر. أنهى "كريم" مكالمته ونظر إليه وهو يقول: -خلاص كاميرات المراقبة هتتركب في القرية النهارده، والحراسة اللي على البوابة زودناها. أومأ "علي" برأسه، لكن عقله كان في مكان آخر. ضاقت عينا "كريم" وهو يقول: -مالك يا "علي"، في حاجة؟ تنهد "علي" قائلاً في وجوم:
-بص يا "كريم"، أنا بعتبرك صاحبي وأخويا، عشان كده جيت أتكلم معاك. أنا حاسس إني مخنوق أوي. نهض "كريم" والتف حول المكتب، جلس على المقعد المواجه لـ "علي" وسأله باهتمام: -خير يا "علي"، قول أنا سامع. تنهد "علي" بأسى وقال: -"أسماء" صاحبة أختي وأختك. قال "كريم" باستغراب: -مالها؟ حصل منها حاجة؟ قال "علي" بضيق:
-اللي حصل إني وأنا وهي اتكلمنا كذا مرة مع بعض عن لبسها وعن شروط الحجاب، وكانت بتسألني في حاجات وأنا أرد عليها زي التعدد والمصافحة. ظل "كريم" صامتاً. فأكمل "علي" وهو مطرق برأسه: -اللي عرفته من "إيمان" إنك حسيت بحاجة ناحيتي. وقالتها صراحة يعني مفيش مجال لسوء الفهم. من ساعة عرفت وأنا حاسس إني مخنوق ومضايق جداً. خاصة إن "إيمان" قالتلي إن ظروفها صعبة ومشاكلها كتير. فما كنتش أحب أزود مشاكلها دي وأخليها تـ ....
توقف ولم يستطع أن يكمل. ظل مطرقاً برأسه. إلى أن قال "كريم" وهو يسند مرفقه فوق المكتب: -غلطان يا "علي". رفع "علي" رأسه ينظر إلى "كريم" الذي قال بحزم:
-غلطان إنك تتكلم معاها في حاجة شخصية زي لبسها، ولو حتى من باب إنك تنصحها. مينفعش يا "علي"، وأظن إنك عارف الكلام ده كويس. لأن انت شاب ومعرض للفتنة، زي ما هي بنوتة صغيرة ومعرضة للفتنة. وده اللي حصل فعلاً، البنت اتعلقت بيك وحبتك. وأنا واثق إنك أكيد أنت كمان مشاعرك اتحركت ناحيتها. أطرق "علي" برأسه مرة أخرى وقد احتقنت الدماء في وجهه. أكمل "كريم":
-لو كنت عايز تنصحها فكان ممكن تقول لأختك "إيمان" تتكلم معاها، أو تقول لي وأنا أقول لـ "آيات". لكن كلامك معاها كده ده باب فتنة كبير يا "علي". عقد "علي" جبينه بضيق وهو يقول: -طيب أعمل إيه دلوقتي؟ تنهد "كريم" وانحنى إلى الأمام يسند مرفقيه إلى قدميه وهو يقول: -حاول متحكش بيها خالص، لا في شغل ولا في غير شغل. وأنا هحاول أشوف طريقة بحيث إن تعاملها يكون مع "آيات" مباشرة من غير ما تضطر تتعامل معاك.
ثم تنهد قائلاً وهو ينظر إلى "علي" بعتاب: -طيب هي معذورة لجهلها. لكن أنت مش معذور يا "علي". تمتم "علي" بضيق: -استغفر الله العظيم. أنا فعلاً كنت حاسس إن مكنش المفروض أتكلم معاها كده وإنها ممكن مشاعرها تتحرك ناحيتي، بس معرفش إيه اللي خلاني أستمر وأتكلم معاها عن لبسها. تنهد قائلاً: -أنت صح. لو كنت عايز أنصحها فعلاً كنت خليت "إيمان" هي اللي تتكلم معاها مش أنا. قال "كريم" وهو يرجع ظهره للخلف:
-خلاص حصل خير، وكويس إن الموضوع في أوله. ملحوقة يعني. وأنت راجل محترم يا "علي". بس طبيعي إنك تضعف، بس أهم حاجة زي ما علمت كده تلوم نفسك على الغلط وتصححها. أومأ "علي" برأسه وهو يقول: -متشكر يا "كريم". مكنش في غيرك أقدر أتكلم معاه ويفهمني. ابتسم "كريم" قائلاً: -أنا تحت أمرك في أي وقت يا "علي". أنت مش أخو "إيمان" مراتي بس، لأ، أنت أخويا أنا كمان. ابتسم "علي" وهو يستأذن للانصراف إلى عمله.
-وقفت "أسماء" في الشرفة بعدما اعتذرت هذا اليوم أيضاً عن الذهاب إلى عملها. كانت تشعر بأنها تحتاج إلى ترتيب حياتها وأفكارها ومشاعرها. تريد حسم صراعات كثيرة بداخلها. وأهم هذه الصراعات وأكبرها هو أهلها، الذين افتقدتهم بشدة. التقطت هاتفها الموضوع فوق الطاولة بالشرفة، وتأملت الشمس التي وصلت إلى كبد السماء تشع نورها في بهاء. اتصلت بأنامل مترددة برقم والدها. اندفعت العبرات من عينيها بمجرد سماع صوته الذي تسلل إلى أذنيها ليزيد من حنينها وشوقها إليه. حاولت التحدث لكنها لم تستطع. اضطر "مدحت" أن يغلق الخط بعدما لم يجد من يجيب.
نظرت "مديحة" إلى "مدحت" بشك وهي تقول: -مين؟ قال وهو يجلس على أحد المقاعد في غرفة المعيشة: -معرفش، محدش رد. قامت وأخذت الهاتف من يده وعاودت الاتصال بالرقم. فصاح فيها: -انتي اتجننتي يا "مديحة"؟ قالت بحدة وهي تنظر إليه باحتقار: -أنا واثقة إنها واحدة تيييييييييييييت من اللي تعرفهم. وقف وهو يصيح: -قلتلك مليون ألف مرة أنا خلاص قطعت علاقتي بكل اللي أعرفهم. اعقلي بقى ومتطلعيش روحي.
اتسعت عيناه في دهشة وهو يرى "مديحة" التي تجمدت في مكانها. ثم ما لبثت أن صاحت بلهفة: -بنتي! قالت "أسماء" بصوت باكي: -وحشتيني يا ماما. جلست "مديحة" على المقعد خلفها منهارة وهي تقول: -"أسماء"، وحشتيني يا حبيبتي، وحشتيني قوي. "أسماء"، انتي كويسة؟ قالت "أسماء" وهي تحاول أن تتمالك نفسها: -أيوة الحمد لله. انتي كويسة؟ وبابا كويس؟ بكت "مديحة" بشدة وهي تقول:
-اسمحيني يا بنتي، اسمحيني. حقك عليا. أنا عارفة إني أم فاشلة، ومستحقش أكون أم أصلاً. أجهشت "أسماء" في البكاء هي الأخرى. أخذ "مدحت" الهاتف من يد "مديحة" بلهفة وهو يقول بصوت مرتجف وعينين دامعتين: -"أسماء" حبيبتي، انتي كويسة يا حبيبتي؟ قالت "أسماء" من بين شهقاتها وهي تمسح دموعها بظهر يدها: -أيوة يا بابا كويسة. بس انتوا وحشتوني قوي. قال لها بلهفة: -أنتِ اللي وحشتيني قوي يا "أسماء". أنتِ فين يا حبيبتي؟
قولي لنا مكانك وهنجيلك دلوقتي. قالت "أسماء" بلهفة: -هو انت وماما رجعتوا تاني لبعض يا بابا؟ ألقى نظرة على "مديحة" التي وقفت أمامه ووجهها مبلل بالعبرات. ثم قال: -قولي لي انتي فين يا "أسماء". تنهدت بعمق ثم قالت: -أنا في العين السخنة. قال باستغراب: -في العين السخنة؟ بتعملي إيه هناك؟ أخذت منه "مديحة" الهاتف وهتفت: -حبيبتي، قولي لي مكانك بالضبط وهنجيلك دلوقتي حالاً يا حبيبتي.
أعطتهم "أسماء" العنوان، فأسرعت "مديحة" بتبديل ملابسها، وانطلقت مع "مدحت" في طريقهما إلى قرية الماسة. -في اليوم التالي زار "آدم" في المستشفى كل من "كريم" و "زياد" و "علي". كان سعيداً لرؤيتهم حوله. ابتسمت والدته وهي تعدل من وضع الوسادة خلف ظهره، وقالت للشباب: -منورين والله. أهو كده لازم تكونوا إخوات وتخافوا على بعض وتبقوا إيد واحدة. الديب مبيقدرش إلا على الغنمة اللي ماشية لوحدها، لكن لو سط القطيع يخاف يقرب لها.
ابتسم "زياد" قائلاً بمرح: -أه فعلاً، هو "آدم" يدي على غنمة. ضحك "آدم" قائلاً: -ماشي يا أبو ذراع مكسور. بأه مش مكسوف من نفسك بعد اللي حصل لك ده؟ شكلك بقى بايخ جداً بصراحة. قال "زياد" بمرح: -متفكرنيش، ده أنا كل ما أفتكر أتغاظ. أموت وأعرف إزاي هي نطت سليمة وأنا اللي حصلي كده. التفت إليه "كريم" قائلاً بمزاح: -أكيد الموضوع متعلق بالنية يا "زياد". صاح قائلاً: -والله نيتي بيضة وزي الفل. ثم التفت إليه والدة "آدم" قائلاً:
-ولا إيه رأيك يا خالتي؟ قالت بحماس: -"زياد"، ده "زياد" ده زينة الرجالة. ده ربنا يباركله ابن حلال مصفى. ربنا يرزقه ببنت الحلال اللي تشيله جوه حبايب عينيها. قال "زياد": -والله أنتِ زي السكر يا خالتي، والوحيدة اللي انصافتني في الدنيا دي. ربنا ميحرمني منك. ثم قال بخبث: -وبخصوص بنت الحلال، فشكلك يا خالتي هتلبسي الحتة اللي على الحبل قريباً. اتسعت ابتسامته وهي تهتف: -بجد يا "زياد"؟ أطلقت زغروطة. فصاح "آدم":
-ماما، إحنا في المستشفى. لم تلتفت إليه بل سألت "زياد" بحماس وابتسامة واسعة على شفتيها: -مين يا "زياد"؟ واحدة من هنا ولا من جيراننا في القاهرة؟ قال مبتسماً: -لا، من هنا. نظر إليه "آدم" قائلاً: -ده أنت طلعت ندل آخر حاجة. وأنا آخر من يعلم يعني. ما قلتليش حاجة عن الموضوع ده. قال مبتسماً: -أديني قلت أهو. التفت إليه "كريم" قائلاً: -مين بقى تعيسة الحظ، قصدى سعيدة الحظ؟ قال بثقة: -الدكتورة "سمر".
التفت إليه "علي" باهتمام دون أن ينطق ببنت شفة. فقالت أم "آدم" باستغراب: -مين دكتورة "سمر" دي؟ أنا شفتها قبل كده؟ قال "آدم" ضاحكاً: -دي الدكتورة اللي كانت جوه عيادة الأطفال، و "زياد" أنقذها. مش لاقي غير دي يا "زياد"؟ دي هتفضل تذل فيك طول عمرك على اللي حصل ده. شرد "علي" وهو يشعر بداخله بمشاعر شتى، تتقاذفه يميناً ويساراً، شرقاً وغرباً. لكنه استغرب من شيء واحد، وهو أن كل هذه المشاعر لم يكن من بينها الغضب.
-قام "عاصي" من فوره يستقبل "سراج" الذي دخل مكتبه قائلاً: -أهلاً يا بابا، اتفضل. جلس "سراج" مكان "عاصي" أمام المكتب. أغلق "عاصي" الباب وجلس أمام والده الذي قال بحدة: -وبعدين يا "عاصي"؟ هتبطل تتصرف من دماغك إمتى؟ قال "عاصي" بتبرم: -يا بابا، أنا متصرفتش كده إلا لما جبت آخري مع الناس دي. يعني عجبك معدلات الشغل اللي بتقل يوم عن يوم؟
محدش له سيرة إلا عن قريتهم. حتى الصحفيين اللي بندفع لهم كل شهر قد كده ونازلين تشويه في سمعة القرية وبرضه لسه معدل شغلهم عالي زي ما هو. صاح "سراج" بغضب وهو يضرب بكفيه فوق المكتب: -تقوم تبعت رجال تخطف "آيات" يا "عاصي"؟ هتستفاد إيه يا غبي من كده؟ قال "عاصي" بحق: -هستفاد إني هضغط بيها على اللي اسمه "كريم" ده. نظر إليه "سراج" باحتقار وهو يقول:
-غبي وهتفضل طول عمرك غبي. أهم مسكوا واحد من الرجلين اللي بعتهم. هتعمل إيه دلوقتي يا فالح؟ نظر إليه "عاصي" بدهشة وقال: -أنت عرفت منين يا بابا؟ قال "سراج" بتهكم: -أنت فاكر إن أنت بس اللي ليك عيون في كل مكان؟ أنت نسيت إن أنا "سراج اليماني" ولا إيه؟ قال "عاصي" بضجر: -متقلقش، الواد ميعرفش مين اللي مأجره ودافع له الفلوس، يعني أصلاً ميعرفش حاجة عشان يقولها. خليهم يشبعوا بيه. هضم "سراج" قبضتيه معاً ووضعهما فوق المكتب قائلاً:
-وبعدين هنتصرف إزاي؟ قال "عاصي" في شرود: -متقلقش، بفكر في حاجة كده هتجيب من الآخر. سأله "سراج" بحذر: -حاجة إيه؟ نظر إليه "عاصي" وهو يرفع أحد حاجبيه ويقول بلؤم: -هدية صغيرة تتحط في مكتب "كريم". نظر إليه "سراج" وقد فهم ما يعنيه "عاصي". لاحت ابتسامة على شفتيه وهو يقول: -أهو هو ده الشغل اللي من الآخر. مش تقول لي خطف "آيات". ابتسم "عاصي" قائلاً: -خلاص متقلقش، يومين بالكتير الهدية توصل.
قام ليغادر المكتب، فأوقفه "سراج" قائلاً: -إيه أخبار السكر؟ التفت إليه "عاصي" وقال بخبث: -متقلقش، وصل المخازن. نظر إليه "سراج" وقال بلهجة ذات معنى: -متسيبوش كتير في المخازن عشان النمل ميحومش حواليه. ابتسم "عاصي" وهو يفتح الباب قائلاً: -متقلقش. -وقف "آدم" يصلي ويستخير الله عز وجل في إقدامه على خطوة أجلها كثيراً. دعا الله كثيراً في سجوده أن ييسر له الخير، وأن يجمع بينه وبين من يهواها قلبه. أطال سجوده، وأطال
دعاءه وتوسله لله وهو يقول:
-يارب، أنا ما بتمنى غيرها. يارب خليها تسامحني. يارب اجعلها من نصيبي. أنا ما بتمنى زوجة غيرها. يارب مش هقدر أتحمل جوازها من راجل غيري. يارب اجعلها من نصيبي. يارب عيني مش شايفة غيرها وقلبي مش حاسس بغيرها. نفسي تكون ليا وأكون ليها، ونعين بعض وناخد بإيد بعض. يارب أنا محتاجها في حياتي عشان تثبتني على اللي أنا فيه. محتاجها يارب عشان تعيني على طاعتك. يارب نفسي تكون مراتي في الحلال. نفسي أنسى معاها كل حاجة غلط كنت بعملها. يارب اقبل دعائي. يارب.
أنهى "آدم" صلاته وخرج ليجد والدته في غرفتها. اقترب منها وجلس بجوارها، فقامت واعتدلت في فراشها وهي تضع يدها على رأسه التي لفها الشاش وهي تقول: -مالك يا ابني؟ تعبان؟ هز رأسه نفياً وهو يقول: -لا أبداً يا ماما، الحمد لله أحسن كتير. نظرت إليه بأعين متفحصة وهي تشعر ببال ابنها المشغول: -أمال مالك يا ابني؟ في حاجة مضايقاك؟ التفت إليها قائلاً: -ماما، أنا عايز أخطب "آيات". ابتسمت والدته وهي تقول بسعادة:
-يا حبيبي، يا ريت والله، ده يوم المنى. قال "آدم" بحماس: -طيب أنا فكرت آخد الخطوة دي فعلاً وأتكلم مع أخوها. على الأقل أثبت لهم إني جد فعلاً. إيه رأيك؟ أومأت برأسها وقالت بحماس: -أيوة كده. أبوك الله يرحمه كان يقولي الواحد يعيش يوم واحد زي الأسد أحسن من إنه يعيش 100 يوم زي النعامة. ابتسم "آدم" وهو يقول: -يعني رأيك أتقدم وأتكلم مع أخوها؟ قالت بنفس الحماس وهي تربت على ظهره:
-أيوة يا حبيبي اتقدم، عشان يعرف إنك شاريها بجد. وإن شاء الله ربنا يحنن قلبها وتوافق. أومأ "آدم" برأسه. بثّت كلمات والدته الحماس بداخله، حتى إنه لم يستطع الانتظار أكثر. بدل ملابسه وتوجه إلى الخارج، تشيعه دعوة أمه وابتسامتها الحانية المشجعة. رفعت كفها إلى السماء تسأل الله أن يسعد قلب ابنها، وأن يرزقه بمن هواها قلبه.
شعر "كريم" بالدهشة لاتصال "آدم" الذي طلب فيه زيارته لبعض الوقت. عدل "كريم" من وضع المنزل واستعد لاستقباله. دخل "آدم" وهو يحاول إخفاء التوتر الذي يشعر به بداخله. قال "كريم" بترحاب: -اتفضل يا دكتور، اتفضل. جلس "آدم" على الأريكة وجلس "كريم" على المقعد المجاور له. بعد عبارات التحية والمجاملة، تنحنح "آدم" وقال: -"كريم"، أنا جاي لك النهارده عشان أتقدم لـ "آيات". صمت "كريم" وبدا عليه الصدمة مما سمع. فقال "آدم" بتوتر:
-أنا عرفت إن "أحمد" اتقدم لها، وأنا لحد دلوقتي معرفش هي كان ردها إيه عليه. نظر إلى "كريم" بتوتر وقلبه يخفق بوجل. لديه ثقة كبيرة في أنها سترفض "أحمد"، لكن على الرغم من ذلك لم يستطع ألا يشعر بالتوتر والخوف من أن يكون مخطئاً في تفسير مشاعرها. قال "كريم": -ولا أنا أعرف إيه ردها، لسه مقالتليش ردها. أومأ "آدم" برأسه. ران الصمت بينهما. ثم قال: -طيب ياريت تعرض عليها طلبي، وهي تختار.
نظر "كريم" إلى "آدم" متفحصاً، ثم أسند ظهره إلى المقعد قائلاً: -بصراحة يا دكتور، ماكدبش عليك، أنا مقلق شوية من الموضوع ده. تنهد "آدم" قائلاً: -أنا اتغيرت يا "كريم". عارف إنك أكيد سمعت من "آيات" كل اللي عرفته عني، وعارف إن نظرتك ليا عاملة إزاي دلوقتي. بس أنا اتغيرت. وأنت أكتر واحد المفروض إنه يقدر يعني إيه إنسان تاب، وبعد عن كل حاجة غلط في حياته. باغته "كريم" قائلاً: -عشان "آيات"؟ قال "آدم" على الفور:
-لا، مش عشان "آيات". عشان ربنا. أنا سبت جولدن بيتش وأنا فاكر إن "آيات" ماتت. سبتها بكل العرف اللي فيها، حتى من قبل ما أعرف إني ممكن اشتغل هنا في الماسة. أنا بعت عربيتي عشان أنفذ الشرط الأخير في التوبة، عشان أرد المظالم اللي مكنش حد منكم هيعرف عنها حاجة. بس أنا بعامل ربنا، وتوبت عشانه هو، عشان يبقى راضي عني. نظر إليه "كريم" وقد ظهرت ابتسامة صغيرة على زاوية فمه. فأكمل "آدم" بثقة:
-أنا مش ممكن أبداً أجرح "آيات" يا "كريم". أنا بحبها، والله بحبها. وأوعدك وأوعدها إني هحافظ عليها. أنا دلوقتي عرفت قيمة "آيات"، ونفسي بجد توافق إنها تكون مراتي وإننا نبتدي حياتنا سوا. ثم قال بأسى:
-"كريم"، اللي عايزك تفهمه وتشرحهولها هو إني ما أملكش من الدنيا دي أي حاجة. العربية بعتها زي ما قولت لك، وما أملكش غير مرتبى اللي بقبضه من القرية، واللي جزء منه بيطلع كل شهر لدين قديم في رقبتي بسبب شغلي اللي خسرته مع "عاصي" وأبوه. يعني أنا حتى مش هقدر دلوقتي أجيب لها شبكة، ولا هقدر أوعدها ببيت كبير وعفش غالي. مش في إمكانياتي دلوقتي. صمت وأطرق برأسه بأسى، ثم نظر إليه قائلاً وهو يعقد جبينه بقوة:
-كان نفسي أقدم لها حاجة تليق بيها، وبقيمتها. بس للأسف، أنا لسه هبتدي حياتي من أول وجديد. كل اللي أقدر أقدمه دلوقتي... دبلتين. ثم أشار إلى قلبه قائلاً: -وده. نظر إليه "كريم" قليلاً، ثم قال: -وأنا لامس صدق توبتك دي يا دكتور. بس القرار في إيد "آيات". أومأ "آدم" برأسه قائلاً: -وأنا هنتظر ردها.
-دلف "مدحت" بسيارته بوابة القرية. أخذت "مديحة" تتطلع إلى ما حولها تبحث عيناها بلهفة عن ابنتها "أسماء". اتصل "مدحت" بها ليعلمها بوصولهما، فوصفت له الطريق إلى البناية التي تقيم بها. نظرت من الشرفة واتسعت ابتسامتها وهي ترى سيارة والدها مقبلة في اتجاه البناية. دخلت مسرعة وأخذت طرحة لفتها على شعرها كيفما اتفق، ونزلت مسرعة وقلبها يخفق بقوة، لا تتحمل تلك الثواني التي تفصلها عن أحضانهما. أوقف "مدحت" سيارته بمجرد أن لمحها
تخرج من البوابة. خرجت "مديحة" مسرعة من السيارة وأقبلت عليها تأخذها في أحضانها لتروي اشتياقها وحنينها إليها. بكت "أسماء" في أحضان والدتها، ذاك الحضن الذي افتقدته طويلاً جداً، حتى عندما كانت تعيش معها في نفس المنزل. لا تتذكر متى آخر مرة شعرت بذراعي أمها تلتفان حولها هكذا. لا تتذكر متى آخر مرة أسندت وجنتها إلى هذا الصدر الحاني. لم تكن "أسماء" بعناقها تروي اشتياق الفترة الماضية فحسب، بل كانت تروي اشتياق سنوات من الجفاف
العاطفي. أبعدتها أمها لتنظر إليها بعينيها
الدامعتين وهي تقول: -"أسماء"، وحشتيني قوي يا بنتي. قالت "أسماء" بصوتها المرتجف: -وانتِ كمان يا ماما وحشتيني قوي.
التفتت إلى "مدحت" الذي جذبها إلى أحضانه باكياً كما لم تراه من قبل. أحاطته بذراعيها وهي تشعر بارتعاش جسده لقوة بكائه. كانت الدموع تتساقط من عينيها، لكن البسمة مرتسمة على ثغرها بثبات. في تلك اللحظة شعرت بأن لها قيمة، بأن وجودها له معنى، بأن لها من يفتقدها ويشعر باشتياق إلى وجودها في حياته. لم تكن سعادتها بالغة لرؤيتهما فحسب، بل لشعورها بأنها شخص مهم في حياتهما.
أدخلتهما "أسماء" المنزل بترحاب شديد. جلسا معاً على الأريكة، كل منهما في جهة، يسمعان منها ما حدث لها منذ أن تركت البيت. ظهرت تعبيرات الأسى والحزن على وجهيهما، وكل منهما يستشعر كم كان مقصراً في حق تلك الفتاة التي رزقهم الله إياها. -شعرت "آيات" بيداً تحيط بكتفيها فانتفضت والتفتت لتجد "كريم" مبتسماً. وضعت يدها على صدرها قائلة: -خضتني. ضحك ضحكة خافتة وقال: -هيكون مين يعني اللي يجرؤ إنه يحط إيده على كتفك كده؟ ابتسمت قائلة:
-معرفش، اتخضيت وخلاص. نظر إلى الكراتين التي كانت تتفحص محتوياتها وهو يقول: -طالعة بكرة مع الفوج السياحي؟ قالت "آيات" بحماس: -أيوة إن شاء الله. أومأ برأسه قائلاً: -ممكن تسيبي شغلك شوية؟ -أها. سارت معه في اتجاه الشاطئ وهو ما زال لافاً كتفها بذراعه. نظرت إليه "آيات" قائلة: -عارفة إنك عايز تتكلم في إيه. نظرت إليها مبتسماً وقال دون أن يتوقفا عن السير: -طيب، عايزك في إيه؟ نظرت أمامها وقالت: -هتسألني عن رأيي في طلب "أحمد".
-ممممم، إيه رأيك في طلب "أحمد"؟ توقفت "آيات" عن السير ونظرت إليه قائلة: -مش موافقة يا "كريم". نظر إليها قائلاً دون أن يبدو مندهشاً لردها: -توقعت كده. بس أحب أسمع منك أسباب رفضك. نظرت حولها بضيق ثم قالت: -"أحمد" من أيام ما كنا في الجامعة وأنا عارفة إنه بيحبني. ووقتها كان الحب بالنسبة لي مهم. مستحيل كنت ارتبط بإنسان مش بحبه، وأنا مكنتش بحب "أحمد". عشان كده لما قال لي زمان إنه عايز يتجوزني رفضت. ثم نظرت إليه قائلة بحزم:
-بس دلوقتي فيه حاجات تانية أهم من الحب. مش هتنازل عنها في الإنسان اللي هتجوزه. -إيه هي الحاجات دي؟ قالت بحماس:
-أهم حاجة يكون إنسان محترم ويعرف ربنا. ياخد بإيدي وآخد بإيده. نبقى إحنا الاتنين طوق نجاة لبعض. أحس إنه بيحبني وخايف عليا. مقصدش الحب الرومانسي اللي كله كلام جميل. لأ، أقصد إنه يحبني بتصرفاته قبل ما يقولها لي بلسانه. أحس إنه خايف عليا من النار، وإنه بيبعدني عن كل حاجة غلط وبيصلح من تصرفاتي. عايزاه همنا يبقى واحد. إزاي نرضي ربنا ونقرب منه. عايزاه يخاف من ربنا ويخاف يغضبه، مش واحد عايش في الدنيا كده وخلاص مش عارف هو اتولد ليه ولا عارف هو عايش ليه.
اتسعت ابتسامة "كريم" وهو ينظر إليها بإعجاب قائلاً: -متتصوريش يا "آيات" أنا فرحان بيكي قد إيه. ربنا يهديكي كمان وكمان. ابتسمت وهي تنظر إليه قائلة: -يعني معايا حق أرفض "أحمد"؟ -معاكي حق ترفضي كل اللي يخالف أحلامك دي. لأن اللي بتقوليه هو مواصفات الرجل الصالح اللي أتمناه لأختي. أطرقت "آيات" برأسها. فباغتها "كريم" بقوله: -دكتور "آدم" طلب إيدك مني.
رفعت رأسها بحدة تنظر إليه وقد اتسعت عيناها دهشة وألجم لسانها. ازداد ارتفاع وهبوط صدرها. أكمل "كريم": -شرح لي ظروفه. هو دلوقتي يعتبر هيبدأ حياته من السفر، وعربيته باعها عشان يسدد دين في رقبته، وبيقول إنه مش هيقدر يقدم لك دلوقتي غير دبلتين. قالت باقتضاب: -وإيه قولته؟ -قولتلُه هقولها وأنتظر الرد مننا. انفعلت "آيات" قائلة: -أنت إزاي يا "كريم" تقوله كده؟ كان المفروض تقوله لأ، مش هيحصل، مش ممكن أختي ترتبط بيك. سألها "كريم"
بهدوء: -ليه؟ قالت بانفعال: -ليه؟ مش عارف ليه. عشان الدكتور الغير محترم، زاني. تقبل إن أختك تتجوز واحد كده؟ أصلاً مينفعش أتجوزه لأن ربنا بيقول "الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً". وأنا مش كده، فمينفعش أنا وهو نتجوز. قال "كريم" بهدوء: -الآية دي متنطبقش على "آدم". نظرت إليه بدهشة وصاحت: -إزاي يعني متنطبقش عليه؟ ما أنت عارف اللي عمله يا "كريم" وهو أكد لي الكلام ده بنفسه. قال "كريم" بحزم:
-"آدم" بمجرد ما تاب ورجع لربنا سقطت عنه صفة الزنا. يعني خلاص خرج من الآية اللي أصلاً تفسيرها غير ما أنتِ فاهمة، بس ده مش موضوعنا دلوقتي. قالت "آيات" بعناد:
-بس ربنا بيقول "وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً". أنت تقبل إني أتجوز واحد كده؟ رفع "كريم" حاجبيه قائلاً بتحدي: -كملي الآيات يا "آيات". كمليها. صمتت. فأكمل عنها قائلاً:
-" إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً". مش كده؟ مش هي دي الآية اللي بعدها؟ صمتت "آيات" وقد أطرقت برأسها في شرود. فقال "كريم": -أنا لا بقولك وافقي عليه ولا بقولك ارفضيه. بقولك استخيري واللي أنتِ هتقرريه هيكون. أنا مستحيل أغضب عليكي واحد أنتِ مش عايزاه. نظرت إليه "آيات" بحيرة وقالت: -أنت رأيك فيه إيه؟ تاب بجد؟
اتغير بجد؟ قال "كريم" بثقة: -"آيات"، أنا بقدر أفهم اللي قدامي بسهولة. لو مكنتش حسيت إنه إنسان كويس كنت رفضت فوراً من غير ما أرجع لك.
تركها "كريم" وسط حيرتها وشرودها. أكملت السير حتى وقفت أمام البحر الهادر، تنظر إلى علو أمواجه كعلو أمانيها. لا تريد أن تخطئ الاختيار هذه المرة. لا تنظر مشاعرها التي تحركت من سباتها، لكنها لن تفعل كالمرة الأولى وتنساق خلف مشاعرها دون تحكيم عقلها. تريد أن تتأكد من أنه لن يجرحها مرة أخرى. تريد أن تتأكد من أنه فارسها المفقود.
-جلست الفتيات الأربع في غرفة "آيات" بينما نام أبوي "أسماء" في غرفة "إيمان". والغرفة الثالثة بقيت لوالدة "سمر". قالت "آيات" بسعادة: -أنا فرحانة أوي عشان أنتِ فرحانة يا "أسماء". قالت "أسماء" ببهجة لم تشعر بها منذ وقت طويل: -فرحانة بس؟ ده أنا حاسة زي اللي كان ضايع منه حاجة مهمة وأخيراً لقاها. بجد مكنتش متوقعة إني هفرح كده لما أشوف بابا وماما. بس بجد فرحت أوي أوي. ابتسمت لها "سمر" قائلة: -ربنا ما يحرمكوا من بعض أبداً.
بادلتها "أسماء" الابتسامة وقالت: -يا رب. سألتها "إيمان": -وبعدين ناوية على إيه؟ هتكملي شغل في القرية ولا هترجعي معاهم؟ قالت "أسماء" بحيرة: -بصراحة لسه مقررتش. مش عارفة. قالت "آيات" بحنان: -استخيري ربنا، وإن شاء الله أي كان اختياره هيكون خير لكِ. أومأت "أسماء" برأسها وقالت: -ماشي، هستخير. بس ابقي اكتبي لي دعاء الاستخارة في ورقة عشان مش حافظاه. قالت لها "سمر":
-يا بنتي، سهل جداً. "اللّهم إني أستخيرُك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تَقْدِرُ ولا أَقَدِْر وتعلَمْ ولا أَعْلَمْ وأنت علاَّمُ الغيوب. اللّهم إن كنت تعلمُ (وتقولي الحاجة اللي بتستخيري ربنا عشانها) خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقْدُرْه لي ويسِّرْه لي. وإن كان هذا الأمرُ شراً لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفّهُ عني واصرفني عنه واقْدِرْ لي الخير حيث كان، ثم رَضّتَيِ به". سألتها "أسماء":
-وأصليها إزاي؟ قالت "سمر": -عادي زي الصلاة العادية، ركعتين وبتقولي الدعاء ده بعد التشهد الأخير وقبل ما تسلمي، أو ممكن تقوليه بعد ما تسلمي من الصلاة. أومأت "أسماء" برأسها. قالت "إيمان" لـ "آيات": -طالعة بكرة مع الفوج السياحي؟ أومأت "آيات" برأسها وقالت: -أها. سألتها "سمر": -طالعين فين؟ قالت "آيات":
-جبل عتاقة. الفوج اللي طالع رجاله وستات، فقولنا يكون فيه 2 دليل، راجل عشان يتعامل مع الرجالة، وبنت عشان الستات يتعاملوا معاها براحتهم. ثم قامت قائلة: -فكرتوني، هقوم أجهز شوية حاجات كده عشان آخدها معايا بكرة إن شاء الله.
-في الغرفة المجاورة كانت تلك هي المرة الأولى منذ فترة طويلة يضطر فيها "مدحت" و "مديحة" إلى المبيت معاً في غرفة واحدة. شعرت "مديحة" بالحرج كما لو كانت مع رجل غريب. جلس "مدحت" فوق فراشه مستنداً ظهره إلى إحدى الوسائد شاردًا. خرجت "مديحة" إلى الشرفة تستنشق هواء الليل العليل. بعد دقائق تبعها "مدحت" ووقف بجوارها يتأمل الطبيعة الساحرة تحت ضوء القمر الذي صار بدراً يزين السماء ببهائه وروعة. قالت مديحة قاطعة هذا الصمت:
-الحمد لله إننا لقيناها. لما شفتها مكنتش مصدقة نفسي. أطرق "مدحت" برأسه ينظر إلى الأشجار التي تحرق أوراقها بنعومة مع نسمات الليل: -الحمد لله. أنا كمان مصدقتش نفسي لما سمعت صوتها في التليفون. ومصدقتش إنها سليمة وعايشة. الحمد لله إن ربنا حفظها طول الفترة دي. كان ممكن نلاقيها بس نلاقيها في حال تاني وفي وضع تاني. الحمد لله. دمعت عينا "مديحة" وهي تقول: -قصرت كتير قوي في حقها. حاسة بإحساس فظيع. حاسة بجد بإحساس بشع.
نظر إليها "مدحت" قائلاً: -أنا كمان قصرت معاها كتير. محسيتش إن عندي بنت إلا لما راحت مني. ثم قال: -وقصرت معاكي أنتِ كمان. التفتت تنظر إليه. كانت تلك هي المرة الأولى التي تجده معترفاً بتقصيره تجاهها. فأكمل وهو ما زال يتطلع إليها: -عارف إني غلطت كتير، وإن أي مشكلة بتحصل كنت بكبر دماغي وأشوف مزاجي بره. مفيش مرة قعدت معاكي وحاولت أحل المشكلة بهدوء. قالت وهي على وشك البكاء: -أنا كمان غلطت. صمتت والدموع تتساقط من عينيها.
فقال بحنان لم تألفه: -غلطتي في إيه؟ هزت كتفيها وتطلعت أمامها قائلة: -في حاجات كتير. ابتسم "مدحت" وقال: -تعرفي إن دي المرة الأولى اللي تعترفي فيها إنك غلطتي في حقي. التفتت إليه بحدة وقالت: -ودي برضه المرة الأولى اللي تعترف فيها إنك غلطت في حقي. اختفت ابتسامته وقال بجدية:
-بصي يا "مديحة"، أكتر حاجة بيكرهها الراجل هو إنه يلاقي مراته واقفاله الكلمة بالكلمة. دي حاجة بتستفز أي راجل. أي نعم أنا عصبي ولما بزعل ببقى غبي، بس أنتِ كمان بتنرفزيني يا "مديحة" وبتخرجيني عن شعوري. في مواقف كتير ممكن تحتويها بهدوء، من غير ما تعاندي معايا ومن غير ما تتحديني. قالت بعصبية:
-بس أنت لما بتتعب يا "مدحت" مش بس بتكون غبي، أنت بتكون عنيف جداً. مفيش ست تقبل على نفسها وكرامتها إنها تتضرب كل شوية والتاني وعلى حاجات تافهة. قال "مدحت" بحدة: -ما هو أنتِ بعنادك اللي بتنرفزيني لدرجة إنك بتخليني أمد إيدي عليكي. صاحت بغضب: -برضه أنا اللي غلطانة؟ حاجة حلوة أوي والله، أنت اللي بتضرب وأنا اللي غلطانة. تنهد "مدحت" بقوة وقال: -أظاهر إننا مش هنعرف أبداً نبقى زي أي اتنين متجوزين بيتكلموا مع بعض بإسلوب محترم.
قال ذلك ودخل إلى الغرفة وترك "مديحة" وعيناها غارقة في بحر دموعها.
-في صباح اليوم التالي توجهت "آيات" إلى الحافلة المنطلق بالفوج السياحي إلى جبل عتاقة. شعرت بالصدمة عندما صعدت الحافلة لتجد "آدم" جالساً على أحد المقاعد في منتصف الحافلة. نظرت إليه بدهشة شديدة. فابتسم لها بعذوبة. أشاحت بوجهها وتحدثت مع زميلها في الرحلة وتم التأكد من صعود جميع الركاب. جلست في مكانها في المقعد الأول وهي لازالت تشعر بالدهشة لوجود "آدم" على متن الحافلة. انطلق السائق بهم في طريقهم إلى جبل عتاقة حيث تقع إحدى
العيون الكبريتيه الطبيعية والتي تصل فيها درجة حرارة الماء إلى 35 درجة والتي تقوم بعلاج العديد من الأمراض الجلدية والجهاز العضلي الهيكلي والأمراض الروماتيزمية. توقفت الحافلة في المكان المنشود. قادت "آيات" النساء، وقاد زميلها الرجال. شعرت بنظرات "آدم" المصوبة تجاهها لكنها تجاهلته تماماً. كانت الجولة رائعة استمتع به السائحين. انتوا من أخذ الحمامات الكبريتيه فأمرتهم "آيات" بأخذ حماماً ساخناً حتى تتفتح المسام وتتبدد رائحة
الكبريت. ثم توجه الفوج إلى الحافلة للعودة إلى القرية وأخذ قسطاً من الراحة. فبعد حمام الكبريت يكون الجسم متثاقلاً ويلزم فترة من الراحة بعدها للإجهاد الذي يصيب القلب والدورة الدموية بحمامات الكبريت.
انطلقت الحافلة بهم عائدة إلى القرية مرة أخرى. وفي منتصف الطريق، انفجرت أحد إطارات الحافلة، فتوقف السائق لتبديل الإطار التالف. نزلت "آيات" تنظر إلى الجبل حولها، وإلى المنطقة الصحراوية والرمال تحت أقدامها. نظرت إلى السماء بلونها الرمادي وإلى الشمس التي غربت في الأفق والتي تعد بالعودة مرة أخرى مع فجر يوم جديد. سارت قليلاً تتأمل صفحة السماء الصافية وهي تشعر بحيرة كبيرة بداخلها. حيرة ما بين مشاعرها وبين تجربتها المريرة التي آلمتها أشد إيلام. فجأة، تجمدت الدماء في عروقها عندما سمعت من خلفها انطلاق الحافلة مكملة طريقها في اتجاه القرية. التفت جرت "آيات" مسرعة
وهي تصرخ بأعلى صوتها: -استني.. استني. لكن صوتها كان أضعف من أن يصل إلى السائق أو لأحد الركاب. نظرت بفزع إلى الحافلة التي ابتعدت تماماً. توقفت عن الجري وهي تلهث. نظرت حولها إلى الليل الذي بدأ في الهطول. أخذت تلهث بشدة، وهي تحاول تهدئة خفقات قلبها المضطرب.
أطل "آدم" برأسه من الممر الفاصل بين جانبي الحافلة. لم يتمكن من رؤيتها فوق مقعدها. ظنها نائمة ولربما تستند برأسها بزاوية مائلة لذلك لم يتمكن من رؤية رأسها أعلى المقعد. عاد يسند ظهره إلى مقعده. كان يعلم بأن الفوج سيقيم إلى رجال ونساء وأنه لن يتمكن من رؤيتها طويلاً. لكنها أراد أن يكون معها. فما كان يطيق البقاء في القرية وهي ليست موجودة بها. أخذ يحاول رؤيتها مرة أخرى دون جدوى. تسرب إليه الشعور بالقلق. على الرغم من أن الوضع يبدو طبيعياً. قام من مقعده ليُصعق عندما وجد مقعدها فارغاً. قال للمشرف
الجالس في الجهة الأخرى: -فين الآنسة "آيات"؟ التفت زميلها الذي كان يسند رأسه إلى زجاج الحافلة. ونظر إلى مقعدها الفارغ ثم قال بدهشة: -معرفش. هتف "آدم" بالسائق: -اوقف لو سمحت. التفت السائق ينظر إلى "آدم" بدهشة. فرخ به: -بقولك اقف. نزل "آدم" من الحافلة وهو ينظر حوله. قال المشرف على الرحلة بقلق: -أكيد نزلت لما كنا بنغير العجلة ومخدناش بالنا إنها مركبتش. صاح فيه "آدم" بغضب بالغ: -إزاي يعني مخدتش بالك؟
هي مش مشرفة معاك على الرحلة؟ إزاي مخدتش بالك إنها مش قاعدة في الكرسي بتاعها؟ أطرق الرجل برأسه ولم ينطق ببنت شفة. أمره "آدم" وهو يبدو في قمة قلقه: -لازم نرجع ندور عليها. صعد "آدم" ليطلب من السائق العودة مرة أخرى، لكن السائق فاجئه باقتراب نفاذ الوقود. فلن يكفي للعودة مرتين. أخذ "آدم" يسب بخفوت وهو يشعر بالحنق الشديد. نظر إلى المشرف وقال: -روح أنت عشان السياح اللي معانا، وابعتلي حد بأي عربية.
قال ذلك ودون أن يعطيه فرصة للرد نزل من الحافلة وانطلق يعدو بأقصى سرعة في عكس اتجاه سير الحافلة. ظل يردد بلسانه: -يارب.. يارب. شعر بخوفه يتصاعد خاصة بعدما أسدل الليل أستاره. أخذ يفكر في "آيات" التي حتماً هي خائفة الآن. زاد من سرعة عدوه وكأنه يسابق الزمن.
نظرت "آيات" حولها بفزع وقد هبط الظلام ليسود المكان. لولا القمر المضي في السماء لما تمكنت من رؤية ما حولها. سمعت أصوات الرياح تزأر وتزمجر في غضب. والرمال تتحرك لتلسع وجهها ويديها. عقدت ذراعيها أمام صدرها وهي تردد بعض الأذكار حتى تطمئن قلبها الفزع.
-شعرت "آيات" بخوفها يتصاعد فأخذت تردد بعض الآيات بصوت عالٍ. يتسرب صوتها المرتجف بالتلاوة إلى أذنيها لتشعر بشيء من الطمأنينة. وكأن صوتها يونسها. ظلت واقفة في مكانها تلف حولها بين الحين والآخرة، آملة أن ينتبهوا إلى اختفائها. بعد مضي ما يقرب من ساعة من العدو المتواصل، تمكن "آدم" أخيراً من العثور عليها. واقفة كالغزال الشارد في عرض الطريق. ابتسم قائلاً: -الحمد لله.. الحمد لله. صاح قائلاً: -"آيات".
التفتت تنظر إليه. لمعت الدموع في عينيها وهي تنظر إليه بلهفة. كالغريق الذي وجد طوق نجاته. ابتسمت وهي تشعر بالسعادة الشديدة لرؤيته. اقترب منها بأنفاسه المتقطعة وقف أمامها راكعاً يضع كفيه على ركبتيه يحاول إدخال المزيد من الهواء إلى رئتيه التي تعبت من عدوه تلك المسافة الطويلة. نظرت إليه قائلة بصوت مضطرب: -أنت نزلت من الباص ليه؟ اعتدل واقفاً وهو لا يزال يلهث وحبات العرق تتصبب من وجهه وهو يقول بصوت متقطع الأنفاس:
-نزلت أدور عليكي. لقيتك مش موجودة على الكرسي بتاعك. نظرت إليه بأعين دامعة. فابتسم في وجهها وقال: -متخافيش. هيبعتولنا حد بالعربية. متخافيش. أومأت برأسها. اتسعت ابتسامته وهو يتأملها بحب قائلاً: -كنت فاكر هاجي ألاقيكِ منهارة وبتعيطي. أطرق برأسها وهي تقول: -قعدت أقرأ قرآن. بس برضه كنت خايفة جداً. قال بحنان بالغ: -متخافيش يا "آيات". أنا معاكي.
تحاشت النظر إليه وابتعدت عنه بضع خطوات لتجلس على صخرة كبيرة فوق رمال الصحراء الباردة. اقترب منها "آدم" وجلس على الأرض أمام الصخرة. تحاشت "آيات" النظر إليه. بينما أخذ يتأملها بحب وحنان جارف. ثم قال: -أخوكي قالك؟ بلعت ريقها بصعوبة وقد فهمت مقصده. أومأت برأسها دون أن تنظر إليه. قال لها وهو يتأملها متفحصاً: -وردك إيه؟ ممكن أعرفه دلوقتي؟
صمتت. طال صمتها، وهي تنظر إلى الرمال التي تلعب بها بطرف حذائها. وهو ينظر إليها لا يحيد نظره عنها. وأخيراً قالت بصوت خافت لا يكاد يكون مسموعاً: -مش قادرة أنسى. صمت "آدم". شرد. أمعن التفكير. وأخيراً نظر إليها قائلاً: -والمفروض دلوقتي إني أقولك خلاص يا "آيات"، معدتش هضايقك تاني؟ ثم قال بحزم: -لا يا "آيات"، مش هقول كده. هقولك فكري تاني وتالت ورابع. أنا مش هيأس إلا في حالة واحدة انتي عارفاها كويس. ثم قال:
-مش هيأس إلا إذا اتخطبتي لغيري. ساعتها بجد هشيلك من قلبي وهنساكي. ظلت مطرقة برأسها. فنظر إليها بألم قائلاً: -حتى مش عايزة تبصيلي؟ للدرجة دي مش طايقاني؟ بللت شفتها بلسانها. ثم قالت بصوت مضطرب دون أن تنظر إليه: -لا مش كده. بس.. مش عايزة أعمل حاجة حرام.
ظل "آدم" ينظر إليها للحظات. ثم.. أطرق برأسه هو الآخر. التفتت تنظر جانباً في عكس الاتجاه الذي يجلس فيه. صمت "آدم" لبرهة ثم ما لبث أن ارتسمت ابتسامة حانية على ثغره وقال وهو ما زال مطرقاً برأسه: -معاكي حق. لازم نتقي ربنا عشان ربنا يبارك لنا. اندهشت لكلامه. فلو تسمعه من قبل يتحدث على هذا النحو. لم تلتفت لكنها أرهفت أذنيها بشدة. سمعت صوته الذي بدا عليه الارتياح والفرح وهو يقول:
-مادمتِ خايفة تبصيلي وتغضبي ربنا يبقى أكيد انتي خايفة ربنا ينزع البركة بينا زي ما نزعها قبل كده. مش كده يا "آيات"؟ ظلت محتفظة بصمتها. فاتسعت ابتسامته وقال وهو يقف وعينيه على الطريق أمامه: -معاكي حق. ما عند الله لا ينال إلا بطاعته.
وقف ينظر في الاتجاه الآخر. يجاهد نفسه بصعوبة ألا يغضب ربه بـ.. نظــرة.. يصوبها إلى حبيبته الجالسة أمامه. ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها وقد أسعدتها كلماته التي لم تتوقع يوماً أن تصدر من "آدم". التفتت تنظر إليه لتجده واقفاً أمامها ينظر إلى الاتجاه الآخر. أشاحت بوجهها لتنظر في الاتجاه المعاكس. أخذت تتساءل بداخلها.. عن هذا التغير الذي تراه في سلوكه. أتصديق مشاعرها وأحاسيسها؟ أم تظل محتفظة بخوفها وقلقها؟ تنهدت وهي تمتم:
-يارب أنت أعلم بنفسي مني. اهديني للطريق اللي فيه خير ليا. -اتصلت "إيمان" بـ "كريم" لتقول في قلق بالغ: -"آيات" لسه مرجعتش يا "كريم". أنا قلقانة عليها أوي. خايفة يكون ابن عمها خطفها. قال بقلق: -إزاي يعني لسه مرجعتش؟ طيب اقفلي. اتصل "كريم" بـ "آيات" فلم تجيب. فهاتفها متروك بداخل الحافلة. اتصل بالمشرف، فأخبره بما حدث وبأنه أرسل سيارة لاحضارها هي و "آدم". اتصل "كريم" بـ "آدم" فتمتم: -أخوكي بيتصل. انتبهت "آيات"
وسمعته يقول: -أيوة يا "كريم". لا متقلقش، لقيتها. العربية في الطريق. ماشي. طيب ثواني. أعطاها الهاتف قائلاً: -"كريم" عايز يطمن عليكي. ردت وطمأنته على نفسها. وأخبرته بأن السيارة في طريقها إليهما. أنهت المحادثة ومدت يدها بالهاتف إليه. أخذه ووقف مبتعداً كما كان. أخذت تفرك ذراعيها بكفيها في محاولة لبث الدفء فيهما. التفت إليها "آدم" قائلاً: -بردانه؟
وبدون أن ينتظر ردها، خلع جاكيت البدلة وهم بأن يتوجه إليها ليعطيه لها. عندما.. رأى شيئاً اسطوانياً طويلاً يزحف على الصخرة خلفها. دقق النظر ليجد ثعباناً ذا رأس كبير وعينين حمراوين ولسان مشقوق يحركه حركات مرتعشة يزحف بتؤدة بالقرب منها. رفعت رأسها تنظر إلى "آدم". اتسعت عيناه في دهشة وهي تراه مقبل عليها بسرعة ونظرة غريبة في عينيه. في نفس اللحظة التي هم الثعبان بأن ينقض عليها بنابيه، أمسكه "آدم" بيديه الاثنتين. أطلقت
"آيات" صرخة طويلة وهبت واقفة وهي تنظر إلى هذا الشيء الذي يتلوى في يدي "آدم". أطلق "آدم" صيحة قبل أن يتركه ليسقط أرضاً. أخذ يزحف مبتعداً ليترك خلفه على الرمال آثاراً متعرجة. اتجه إلى "آيات" التي كان وجهها ينطق بأعتى علامات الفزع. هتف قائلاً
بلهفة: -"آيات"؟ التعبان عضك؟ أخذت تنهج بشدة. ثم قالت بصوت خافت: -لأ. اتسعت عيناها وهي تنظر إلى آثار العض والدماء على يده. فصاحت بجزع: -"آدم"! عضك يا "آدم"! أخذت تجهش في البكاء وهي تتلفت حولها قائلة: -"آدم"، لازم نشوف دكتور بسرعة. أكيد كان مسمم. أمسك "آدم" بيده وهو يتمتم: -متقلقيش.
قال ذلك وهو يشعر بداخله بخوف كبير. خوف من أن يسري سم الثعبان داخل جسده قبل أن تصل السيارة وتحمله عائداً إلى القرية. خوف من أن يتسمم دمه ويلفظ أنفاسه قبل أن يتمكن من أخذ المصل. خوف من أن يلاقي ربه دون أن يعلم إن كانت توبته قد قُبلت أم لا. يا الله.. أنا لست مستعداً للموت. لست واثقاً بعد من أنك غفرت لي ذنوبي. لست مستعداً لدخول قبري. لست مستعداً لأن يقبض ملك الموت روحي. أريد أن أكفر عن ذنوبي أولاً. أريد أن أغرق نفسي في الطاعات لأتطهر مما لوثت به نفسي من آثام.
نظرت إليه "آيات" بلوعة وهي تبكي بقوة وقالت: -"آدم"، أنت كويس؟
لم تستطع أن تتبين هروب الدماء من وجهه تحت ضوء القمر. لم يجيبها "آدم". بدا عقله منشغل بشيء آخر. شيء أهم. رأته "آيات" وهو يجثو على الأرض. ليتيمم. ثم اعتدل في وقفته. رفع كفيه بمحاذاة أذنيه. وكبر للصلاة. إذا كانت هذه هي النهاية، فلتكن وأنا أصلي. فلتقبض روحي وأنا ساجد. هذا ما حدث به نفسه قبل أن يبدأ في صلاته. وقف بخشوع يصلي. وقد بدأ الوهن يزحف إلى جسده. وضعت "آيات" كفها على فمها تكتم شهقاتها وهي تنظر إلى وجهه الذي تصبب
عرقاً. وإلى عينيه الغائرتين. شعر بحلقه يجف. وبجفونه تثقل. قاوم هذا الشعور. واستمر في الصلاة. وضع جبينه على الأرض ساجداً. وظل يستغفر. ويستغفر. ويستغفر. أغمض عينيه وقد استسلم لمصيره. خفق قلبه بخوف واضطراب. ظل يرجو الله أن يغفر له ويتقبل توبته. ظل يرجوه أن يرحمه وأن يتجاوز عن سيئاته. لم يشعر بأي شيء آخر. سوى بدنو لحظة الموت. تمنى لو كان مستعداً لها أكثر من ذلك. تمنى لو كان بإستطاعته العودة إلى الوراء وتصحيح كل شيء
بحياته. تمنى وتمنى. هربت دمعة من عينه وهو ساجد. دمعة خوف وخشية ورهبة. تذكر وقتها حديث النبي صلى الله عليه وسلم "عينان لا تمسهما النار عين باتت تحرس في سبيل الله. وعين بكت من خشية الله". ها هو يبكي خشية من الله عز وجل. فهلا حرم عليه النار. استبشر خيراً وأحسن ظنه بالله. لم يتوقف لسانه عن الاستغفار. لم يرفع جبينه عن الأرض. فلـتأتِ تلك اللحظة وهو ساجد. فلـيجرع سكرات الموت وهو ساجد. لعله يُبعت يوم القيامة وهو ساجد. فيرحمه
الله ويعفو عنه. لا يدري إلى كم من الوقت ظل ساجداً. لكنه انتبه إلى صيحة "آيات"
وهي تهتف بصوت مرتفع: -أيوة هنا. تعالوا بسرعة. قام "آدم" من سجوده وأتم صلاته. بدا خائر القوى. رأى سيارة تتوقف أمامهما. صاحت "آيات" في السائق بصوت ملتاع باكي: -بسرعة رجعنا القرية. في تعبان عضُّه.
خرج الرجل من سيارته مسرعاً يعين "آدم" على النهوض والجلوس داخل السيارة. ركبت "آيات" في الخلف. ظلت طوال الطريق تتابعه في مرآة السيارة الجانبية. أخذت جفونه تثقل شيئاً فشيئاً وازداد شعوره بالحمى. إلى أن وصلوا أخيراً إلى المشفى. وتم إعطاؤه المصل المضاد لسم الأفعى.
-مر اليوم التالي بصعوبة على الجميع. لم يصدق "آدم" أنه لا يزال حياً. فكل ما كان يشعر به من ألم ووهن جعله يظن بأنه ما هي إلا لحظات وتفارق روحه جسده. أخذ "كريم" يواسيه قائلاً:
-"آدم"، افتكر دايماً حديث النبي صلى الله عليه وسلم "مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ". يعني كل ده تكفير لذنوبك إن شاء الله. ابتسم "آدم" وهو في فراشه قائلاً: -والله لو كل اللي بيحصلي ده تكفير ذنوبي فأنا راضي. وراضي أوي كمان. ربت "كريم" على كتفه. فأمسك "آدم" بيده قائلاً:
-"آيات" كويسة؟ أومأ "كريم" برأسه. خرج "كريم" من حجرة "آدم" بالمشفى ليلاقي "آيات" الجالسة بالخارج في صحبة والدته تطيب بخاطرها وتواسيها. قامت "آيات" وانصرفت مع أخيها. ركبت السيارة بجواره والتفتت إليه قائلة: -هو كويس؟ أومأ "كريم" برأسه وانطلق في طريقه. أسندت رأسها على زجاج السيارة. فالتفت إليها "كريم" يقول: -تعبانة؟ قالت بصوت مبحوح من كثرة البكاء: -مرهقة بس. لاحت ابتسامة على شفتيه وهو يقول متهكماً: -يتمتعن وهن الراغبات.
التفتت إليه بسرعة واحمرت وجنتاها خجلاً. فنظر إليها بمرح قائلاً: -شكلك بيقول إن هيبقي فيه خطوبة قريب. رسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها وهي تدير وجهها لتنظر من الشباك بجوارها. فضحك "كريم" ضحكة خافتة وهو يقول: -طيب مش نفرح الراجل اللي نايم في المستشفى ده. التفتت تنظر إليه مبتسمة بخجل وهي تقول وقد بدا عليها الارتباك: -دلوقتي؟ اتسعت ابتسامته وهو يقول:
-اللي أعرفه إن الواحد لما بيكون تعبان وبيسمع خبر حلو ده بيديله دفعة إن صحته تتحسن. إيه رأيك نديله الدفعة ولا نأجلها لما يخرج؟ اتسعت ابتسامتها بينما لمعت عيناها قائلة: -خلاص، ماشي. أطلق ضحكة أخرى. وعبثت أصابعه في شاشة هاتفه. ثم وضع الهاتف فوق أذنه. سمعته يقول: -السلام عليكم. أيوه يا دكتور. كنت عايز أبشرك بحاجة كده في وسط المآسي اللي أنت فيها دي. ثم التفت "كريم" ينظر إلى "آيات" التي تبتسم بخجل. ثم قال:
-منتظرينك إن شاء الله عندنا في البيت. هب "آدم" جالساً في فراشه، حتى كاد المحلول المعلق أن يقع أرضاً. هتف بلهفة: -يعني إيه يا "كريم"؟ ضحك "كريم" قائلاً: -هيكون إيه يعني يا دكتور. ركز كده. اتسعت ابتسامة "آدم" وهو ينظر إلى والدته في سعادة وهو يقول: -خلاص إن شاء الله. أصلاً الدكتور هيكتبلي على خروج النهارده. إن شاء الله هكلمك بالليل أبلغك المعاد. -خلاص، مستنيك إن شاء الله. وحمد الله على السلامة مرة تانية.
شعر "آدم" بسعادة تغمر قلبه وروحه وعقله. حمد الله كثيراً. وشكره كثيراً. على استجابة دعائه. ظل طوال اليوم في فراشه يتعجل مغادرة المشفى. والذهاب لخطبة حبيبته.
-أصرت "آيات" على عدم عمل حفل للخطوبة. فقط يرتديان دبلتي الخطوبة. فعلى الرغم من سعادتها وفرحة قلبها. إلا أنها كانت تشعر ببعض الخوف. الذي تتمنى أن يختفي تماماً من داخلها. توجهت برفقة "كريم" و "إيمان" و "آدم" ووالدته إلى الصائغ لشراء دبلة الخطوبة. نظرت إلى الدبل المعروضة وهي تتذكر يوم ذهبت برفقة "آدم" ووالدها لشراء دبلة خطبتها الأولى. لاحت سحابة حزن على وجهها وهي تتذكر كيف نزع والدها تلك الدبلة من إصبعها. وكيف تحطمت
آمالها وأحلامها. حانت من "آدم" التفاته إليها. ليرى ذاك الحزن في عينيها. فشعر على الفور بأنها تتذكر ذاك الماضي الذي يتمنى من كل قلبه أن ينسيها إياه ويمحيه من ذاكرتها تماماً. أشاح بوجهه عنها غاضاً لبصره وهو يشعر برغبة عارمة في احتوائها بذراعيه والتحدث إليها بما يجش في صدره ليزيل تلك المخاوف والآلام من قلبها تماماً. سألها "كريم":
-ها.. اخترتي؟ نظرت إلى تلك القطع الذهبية وهي تشعر بشيء من انقباض الصدر. تمتمت بخفوت: -لأ، عادي. مش مشكلة أي واحدة فيهم. قال "آدم" بحزم وعينيه على تلك القطع الذهبية: -لأ. صمتت. فأكمل: -اختاري الدبلة اللي تحبيها. واللي تحبي تلبسيها. ثم قال بصوت حانٍ: -عشان الدبلة اللي هتختاريها دلوقتي مش هتقلعينها من إيدك أبداً.
خفق قلبها بقوة لكلماته التي أشعرتها بأنه يعي تماماً تلك المخاوف التي تعتمل داخل صدرها. وقفت تنظر إلى القطع الذهبية في حيرة وعيناها تلمع بعبارات خفيفة. لا تدري ما أصابها فجأة. لكنها وقفت مضطربة. فجأة قال "آدم" للصائغ: -شكراً. أشار لهم بالخروج. شعرت "آيات" بالدهشة. لكن دهشتها زالت عندما خرجوا من المحل وسمعته يقول لـ "كريم" بحزم: -هنروح محل تاني.
أومأ "كريم" برأسه وتخيروا محلاً آخر. دخلت "آيات" فوضع الصائغ أمامها تشكيلة كبيرة. فقال "آدم" وهو ينظر إلى القطع الذهبية: -لو معجبكيش حاجة هنا مفيش مشكلة نروح مكان تاني. المهم تختاري حاجة حباها. أخذت "آيات" تنظر إليهم. ثم.. وقع نظرها على إحدى الدبل. فقال قلبها: نعم، تلك. أخذتها وارتدتها في إصبعها. التفت "آدم" ينظر إليها. خفق قلبه لمراء تلك الابتسامة العذبة التي ارتسمت على شفتيها. أشاح بوجهه مبتسماً وهو يقول: -عجبتك؟
قالت بخفوت: -أيوة. أرتها لـ "كريم" ولوالدة "آدم" التي قالت بسعادة: -مبروك عليكي يا حبيبتي. نظرت "آيات" إلى الدبلة في سعادة بالغة. قالت والدة "آدم" بحنان: -اختاري يا بنتي خاتم. ده هيكون هدية خطوبتك. نظر "آدم" إلى أمه بدهشة. قالت "آيات" بحرج: -شكراً يا طنط. مفيش داعي. ربتت والدته على ظهرها قائلة: -من هنا ورايح اسمي ماما مش طنط. وبعدين انتي بنتي وأنا عايزة أهدي بنتي.
قبل "آدم" رأس والدته ممتناً. وقبلتها "آيات" بتأثر. تخيرت خاتماً رقيقاً. كانت سعادة "آدم" غامرة عندما قامت والدته بإلباسها ذاك الخاتم وتلك الدبلة. ثم.. تُطلق زغرودة عالية تملأ المكان بهجة وسعادة. أخذ نفساً عميقاً مريحاً وهو يتمتم بسعادة: -الحمد لله. يارب باركلي فيها.
أخرج "آدم" الدبلة الفضية التي اشتراها منذ قليل ووضعها في إصبعه وأخذ ينظر إليها بسعادة. أخيراً.. صارت خطيبته مرة أخرى. أخيراً استجاب الله دعاءه وأعادها إليه مرة أخرى. قال بحنان وهو مطرق برأسه: -مبروك يا "آيات". ابتسمت وخفقات قلبها تعزف لحناً جميلاً. قالت بسعادة ممزوجة بالخجل: -الله يبارك فيك. قال برقة: -وفيكي. ربنا يباركلي فيكي. اتسعت ابتسامتها وهي تشعر بأن الفرح طرق بابها أخيراً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!