وقف الجميع ببهوت بعد أن ألقت تلك الاء قنبلتها. نظرت إيمان بدموع منهمرة إلى الطفل الخائف وهي تراه نسخة من ابنها الراحل. أول من صرخ بغل وكره كانت فاطمة حينما قالت بجنون: "عياااااال مين يا روووووح أمك؟ مين يا بت اللي زقّك علينا؟ أوعي تفكّري إننا هنصدّق الهبل ده! عبيد بغضب: "باااااااااس! مش عايز أسمع نفس! محدش يدخل سااااااامعين؟ دلااااااااال! أتت دلال مهرولة له فقال:
"خدي الولاد قعديهم في الجنينة مع باقي العيال لحد ما نخلص كلام مع المدام." تحركت تجاه الأطفال كي تأخذهم فتشبثوا بأمهم بخوف. هبطت لمستواهم وقالت بحنو: "روحوا مع طنط العبوا في الجنينة شوية وأنا هتكلم مع جدو وأجلكم على طول." احتضنتهم بحب وقبّلت كلا منهم على وجنته ثم سلمتهم لدلال وهي تقول برجاء: "خدي بالك منهم لو سمحتي." دلال بطيبة: "في عنيا يا بنتي ما تخافيش."
جلس الجميع في الصالون الكبير وهم ينظرون باهتمام وفضول لعبيد وتلك الفتاة. أما فاطمة فكانت تأكلها نار الحقد والغضب وتريد أن تقتلها إلا أن عبيد قد أمسك بلجامها جيدًا فجعلها تصمت رغما عنها. وقف فارس في ركن بعيد عن هذا التجمع ثم أخرج هاتفه واتصل على أخيه وحينما رد عليه قال بهمس غاضب: "الحق يا جواد في مصيبة! انتفض من على مقعد مكتبه وقال بوجل: "في إيه؟ انطق! فارس:
"في ست موجودة دلوقت مع أبوك والعيلة كلها بتقول إنها مرات فريد ومعاها عيلين توأم منه." أغمض جواد عينه بغضب جم. تلك الغبية التي يعلم عنها كل شيء وقد تواصل معها وأوصاها ألا تظهر الآن، ألقت بحديثه عرض الحائط ودخلت جحر الثعابين بقدميها. ماذا يفعل؟ عقله مشوش بسبب عدم نومه منذ الأمس بعد الذي حدث بينه وبين دهب، تركها وظل يعمل ويدخن بشراهة طوال الليل وحتى الآن. حينما لم يجد ردًا قال: "جوااااد، أنت معايا؟ رد عليه بغيظ:
"أنتوا كلكم تحت؟ فارس: "آآآه، ما أنت عارف الصبح بنتجمع. المهم هنعمل إيه في المصيبة دي؟ وتفتكر الكلام ده حقيقي ولا نصب أو حد دسّها علينا؟ جواد بخبث: "مش عارف. اسمعني كويس ونفّذ اللي هأقوله بالحرف، وسيب المكالمة مفتوحة عشان أتابع اللي بيحصل." عاد فارس إلى التجمع وجلس بجانب زوجته والتي همست له قائلة بغيرة وتهديد: "بقى فريد اللي ما كانش بيقدر ينطق قدام فاطمة طلع بيخونها ومتجوز عليها ومخلف كمان!
عاااارف لو اكتشفت إنك زي إخواتك، هقتلك أقسم بالله وأروح فيك في ستين داهية! حاول عبيد التحكم في غضبه مما حدث وقرر أن يتصرف بحكمة كعادته، نظر لها بهدوء وقال: "أنا عايز أعرف إيه الحكاية يا بنتي، ولو فعلًا دول ولاد ابني يبقى إحنا أولى بيهم، بس فهميني وإيه دليلك على الكلام ده." نظرت له بدموع حبيسة ثم أخرجت مظروفًا أبيض من حقيبتها، مدته له وهي تقول:
"الظرف ده فيه صورة من عقد الجواز العرفي موثق في الشهر العقاري، وفيه صورة ليا معاه، خليت أختي تصورها من غير ما ياخد باله. بس للأسف معاييش شهادات ميلاد ليهم." بكت بقهر وأكملت: "لأن ابنك رفض يعترف بيهم وطبعًا أنا ما أقدرش أسجلهم بصورة العقد، لازم يا الأب أو العم أو الجد هو اللي يسجلهم." عبيد بغضب مكتوم بعد أن اطلع على تلك الورقة: "بس ده مش دليل يا بنتي." نطق فارس بدلًا عنها بما أوصاه به جواد:
"سهلة يا حاج، تحليل دي إن إيه مع أي حد فينا يعمله هيثبت إذا كانوا ولاد ابننا ولا لأ." نظرت له بأمل ورجاء ثم قالت: "صح أنت صح، أنا موافقة، أرجوك اعمل التحليل ده وهتتأكد من كلامي." فارس: "تمام، بس من حقنا نعرف الحكاية ولا إيه؟ مسحت دموع القهر بأنامل مرتعشة ثم قالت:
"أنا كنت شغالة في إدارة المصنع بتاعكم، بنت غلبانة عندها 18 سنة أخدت الإعدادية وما كملتش تعليمها عشان تساعد أمها في تربية إخواتها بعد ما أبويا مات. شافني وعجبته، حطني في دماغه وحاول معايا كتير، بس أنا فقيرة آه بس مليش في الحرام. فضل يطاردني بالحنية شوية ويهددني بفصلي من الشغل شوية بس أنا برضه صممت على موقفي. لما ما لقاش مني فايدة وإن مش زي البنات اللي ضحك عليهم وبعدها مشاهم من الشغل، عرض عليا أتجوزه عرفي. جالي البيت
وطلبني من أمي ووعدها إنه بعد ما يرتب أموره مع مراته هيكتب عليا رسمي. بس في الوقت الحالي مش هينفع عشان المأذون هيبلغ مراته إنه اتجوز. وإحنا غلابة ومش بنفهم في الحاجات دي. أمي لقيتها فرصة إني أرتاح وأريحهم معايا. جاب لي شقة وكتبها باسمي وجاب شقة تانية لأمي وإخواتي عشان يطلعوا من الحارة وما يعرفوش حد مكانهم. أنا الأول ما كنتش فاهمة السبب بس بعد كده عرفت."
شهقت بقوة وأكملت: "كان خايف حد يعرف بالجوازة ويعرف مكانا عشان كده أخد الشقة في حتة مقطوعة. قعد معايا ست شهور ما شفتش منه غير كل خير، بس كان طالب مني آخد مانع للحمل بحجة إن نصبر لحد ما يعرفكم بجوازنا. أمي لما لقت الوقت بيعدي وكل يوم يطلع بحجة، قالت لي بطلي تاخدي البرشام عشان تحملي منه ويبقى كده مضطر يقول لأهله بدل ما تفضلي طول عمرك في السر."
سمعت كلامها. بكت بقوة ولم تستطع أن تكمل. ناولتها روان كوبًا من الماء وهي تنظر لها بشفقة. هدأت قليلًا وأكملت:
"حملت، بس ما رضيتش أقوله غير بعد شهرين. أول ما عرف ضربني علقة موت عشان يسقطني، وأخد الورقة العرفي اللي كانت معايا وقطعها. رمى عليا يمين الطلاق وهددني لو ظهرت في حياته هيقتلني. أمي لحقتني وروحت المستشفى أنقذوني، وربنا كان رايد إن اللي في بطني يكون له عمر على الدنيا. فضلت باقي شهور حملي نايمة على السرير مش بتحرك من التعب وما ظهرتش خالص في حياته. الفلوس اللي كان بيدهالي خلصت من الأدوية والدكاترة. بدأت أبيع شبكتي عشان أقدر أصرف، لحد ما ولدت. برضه ما بلغتهوش غير بعد تلت شهور من الولادة لما قدرت أقف على رجلي."
ابتسمت بهم من بين دموعها وقالت: "أول ما قلت له إني ولدت بنت وولد توأم ومش عارفة أسجلهم عشان لازم الأب أو أي حد من العيلة هو اللي يكتبهم، بهدلني واتهمني في شرفي. قال لي شوفي مين نام معاكي وحملتي منه وجاية تلزقيهم فيا. أنا ما أعرفكيش. لو عايزة تحافظي على حياتك أنتي وأهلك ما أشوفش وشك تاني. أنا اتمتعت معاكي شوية ودفعت الثمن، شقتين ما كنتيش تحلمي أنتي وأهلك تشتغلي فيهم خدامة."
مشيت وسلمت أمري لله، ما أنا مليش ضهر أتسند عليه. رجعت أشتغل تاني عشان أصرف على عيالي وإخواتي، وما قربتش منه نهائي من اليوم ده. كاد عبيد أن يجن مما يسمع ولا يتخيل عقله أن ولده بتلك البشاعة. رغم أنها لا تملك دليل على ما تتفوه به إلا أنه بحكمته وعقله الراجح صدق من داخله كل حرف سمعه منها، ولكن فضل الصبر قبل أن يحكم فقال: "طب ولما مات ما ظهرتيش ليه؟ إيه اللي خلاكي تصبري أكتر من سنتين عشان تجيلنا؟ الاء:
"ما كنتش ناوية أظهر ولا أعرفكم حاجة، وكنت بحاول أطلع شهادات ميلاد للولاد، بس فشلت. أولًا لقيت الوقت بيمر عليهم وخلاص سنتين وهيدخلوا المدرسة." تنهدت بهم وأكملت: "كمان في واحد متقدملي وأمي وافقت عليه، بس شرطه إن العيال ما يكونوش معايا، ما هو مش هيربي عيال غيره. وأمي ست كبيرة مش هتقدر على تربيتهم كفاية عليها إخواتي. قلت أجيبهم لأهلهم أولى بيهم وأنا كل فترة صغيرة أجي أشوفهم أو آخدهم يقضوا معايا يوم." هنا ولم تتحمل
فاطمة أكثر فصرخت بجنون: "والمفروض نصدّق الفيلم الهندي ده صح؟ اسمعي يا بنت الكلب أنتي خدي البلوتين اللي جايباهم معاكي وغووووووري من هنا بدل ما أقتلك وأروح فيكي في ستين داهية سااااااامعة! فريد كان بيموت فياااااا ولا يمكن يخوني مع واحدة زبالة شبهك! ضحكت الاء بقوة ثم قالت: "لا يمكن!
هههههههه. فريد بيه كان كل يوم مع واحدة، ومش بيختار غير البنات الصغيرة الغلابة اللي يقدر يسكتهم بقرشين، أو اللي محدش فيهم يقدر يقف قصاده ولا يفضحه. يمكن أنا الوحيدة اللي طولت معاه شوية، هههههههه ست شهور. بس لما لقى نفسه هيدبس، كان هيموتني. فريد كان معايا ومعاكي وكان برضه بيعرف بنات. ما تجوزش عليه غير الرحمة بس فريد اللي كان عايش معاكم هنا، غير اللي كان عايش في القاهرة. في حاجات أتكسف أقولها، بس أكيد أنتي عارفة طريقة جوزك وعارفة حقيقته مش محتاجة تعملي كل ده."
صرخت هدى بزعر حينما وجدت إيمان مالت على الأريكة فاقدة لوعيها. لم تتحمل كل ما حدث أمامها. انتفض عبيد وفارس واتجها إليها. صرخ الأول قائلًا: "شيل أمك يا فارس، طلعها فوق على ما أتصل بالدكتور! انقلب الوضع والكل يترقب بحزن وغضب. أما الخبيثان الأب وابنه، عباس وأحمد اللذان لم يتفوهًا بحرف واحد منذ ما حدث، نظر لبعضهما البعض وكلا منهما فهم ما يريده الآخر، حساباتهم كلها تنهار، فهل لديهم مخطط جديد؟
كاد يجن وهو يشعر بالعجز بعدما سمع بمرض أمه. لا يمكنه الخروج ليطمئن عليها. ماذا يفعل؟ ظل يدور حول نفسه وما زال يضع الهاتف فوق أذنه. أغلق الخط ليعيد الاتصال مرة أخرى وحينما رد عليه أخيه قال بجنون: "طلع الاء أوضة هي وولادها لحد ما نطمئن على أمك. أوعي الأوساخ اللي عندك يحتكوا بيها. خلي هدى وروان يقعدوا معاها. طمني على أمي يا فارس، أنا هتجنن وأنا حاسس بالعجز! حاول فارس تهدئته فهو يعلم مدى ارتباط جواد بأمه فقال:
"أهدي بس إن شاء الله خير. دكتور صادق عندها بيعلق لها محلول. هي ما استحملتش كل اللي سمعته على ابنها والضغط علي عليها شوية ما أنت عارف يا جواد أهدي وأنا معاك على الفون ما تقلقش. وأنا أصلًا خليت هدى تاخدها هي وولادها فوق ووصيتها ما تفتحش الباب لحد." جلس فوق الأريكة بانهزام وقال بحزن: "أنا تعبت، بجد تعبت. مش عارف ألاقيها منين ولا منين. خايف الأمور تفلت من أيدي." فارس بتشجيع وثقة:
"ما ينفعش تتعب دلوقت يا أخويا. أنت عمود الخيمة اللي لو وقع هتتهد على دماغ الكل. جواد التهامي ما ينفعش ينخ. أنت طول عمرك جبل وشايل الكل على كتافك. أتحمل شوية عشان خاطرنا كلنا. وصلنا لبر الأمان يا جواد وأنا معاك. لو تعبت اسند عليا، هسندك وهكون في ضهرك، زي ما أنت ساندنا طول العمر." جواد: "حاضر، حاضر يا فارس. هتحمل واسند وربنا يقويني." فارس بشك: "هو أنت ليه ما اتفاجئتش باللي حصل؟ أنت كنت عارف صح؟ زفر جواد باختناق وقال:
"لما مسكت القضية دورت وراء كل واحد فيهم، واكتشفت حاجات محدش يتخيلها. ومن ضمنها عيال أخوك المبجل، اللي كان كل يوم يضحك على عيلة صغيرة مش فاهمة حاجة، عشان بس يعوّض النقص اللي عنده." فارس بعدم فهم: "نقص إيه مش فاهم؟ جواد بغضب:
"فريد كان عنده سرعة قذف، وبدل ما يروح يتعالج عشان يبقى راجل طبيعي وما يحسسش مراته بالتقصير، غروره صور له إنه لا يمكن يروح لدكتور لأن كده بيقلل من رجولته. بقى يمشي مع بنات صغيرة ما تفهمش حاجة عن الجنس لمجرد بس يحس إنه راجل ما فيش منه. المهم لما عرفت بالاء روحت لها واتفاهمت معاها، اتفقنا إنها تصبر وما تظهرش دلوقت لحد ما أنا أقول لها على الوقت المناسب اللي تظهر فيه. بس تقريبًا أو الأكيد إنها ما عندهاش ذرة ثقة في عيلة التهامي من الأساس، خافت أكون بضحك عليها زي أخوك ولو صبرت العريس يطفش منها."
تنهد فارس بهم وقال: "أنا مش قادر أستوعب إن فريد يعمل كل ده. كل يوم بنكتشف مصيبة ما تخطرش على بال حد."
الاشتياق، عبارة عن وحش له أنياب ومخالب حادة، تنهش روحنا، وتمزق أعماقنا، ولا نجد من يداوي تلك الجروح النازفة، إلا من تسبب فيها. أصعب إحساس، أن تشتاق لمن جرحك، تقطر داخلك نارًا بدل الدم من جرحك النازف، وتنتظر منه الترياق والذي لا يمتلكه غيره. تلك معادلة العشق يا سادة، أن تصبح تائهًا بين جنبات روحك، تحارب عقلًا يصر على الابتعاد ثأرًا لجرحك، وقلبًا يصر أكثر على الاقتراب، طمعًا في عناق، مجرد عناق يربت على قلبك العاشق فيداوي كل ندبة أصابك بها، ولكن هل للندوب أن تختفي، أم تترك مكانها أثرًا لا يزول؟
هذا ما كانت تفكر به صغيرتنا وهي تجلس فوق الأريكة داخل غرفتها منذ أن تركها ليلة أمس، ليلة قضتها في البكاء، في ألم مزّق روحها بعد أن تفوه بكلماته السامة وتركها دون أن يعتذر، دون ذرة ندم، دون أن يعير دهب أي اهتمام. لم تلتفت حينما سمعت الباب يفتح، بل ظلت على حالها.
أما هو، فكانت نظراته لها تقطر عشقًا، وحزنًا، وندمًا، على ما تسبب فيه لصغيرته. تقدم بتمهل حتى جثا أمامها فوق ركبتيه. نظرت له بغضب وحزن وعتاب. حينما أمسك كفيها بهدوء ثم لفهما حول خصره، وضع رأسه على صدرها بعد أن حاوطها بذراعيه وقال بنبرة تقطر وجعًا: "أنا محتاج لك يا ذهبي، خبيني من الدنيا، أنا تعبان."
انقبض قلبها حزنًا عليه. نسيت ما فعله. تلاشى حزنها منه. تحول وجعها منه، إليه. جوادها الجامح، ذو الكبرياء، يركع أمامها. هو بحاجتها، يترجاها لاحتوائه. آآآآه من قلبي الخائن الذي يخضع لك دائمًا وأبدًا. تركت خصره وضمت رأسه إليها. ملست فوق شعره الناعم بحنان. قبلت رأسه برقة ثم قالت باحتواء كان في أشد الاحتياج له: "ذهبك معاك، حضنها مفتوح لك. ارمي تعبك فيه. هحضنك بروحي قبل إيدي وأخبيك من الدنيا. اطمن، أنا معاك."
غرس رأسه أكثر داخل صدرها وأحكم إغلاق ذراعيه عليها. تنهد بحزن وراحة في وقت واحد. لم يتحدث، ولم تقتحم هدوئه. بل تركا روحهما تسبح في فضاء عشقهما، وقلوبًا تتعانق لتداوي جراح من سكنها. نبضًا يتناغم داخلهما، وكأن كل قلب ينبض داخل الآخر. قالت داخلها: "اطمأن حبيبي، إذا كان قلبي ينبض لأحد فهذا أمر عادي. ولكن معك، فقلبي ينبض بك أنت. من غيرك يتوقف نبضه. أحبك."
أمسكت بهاتفها لتحادث الحرباء الكبيرة. قصت لها كل ما حدث بصوت يملأه الغل والغضب. وبعد أن انتهت ردت عليها توحيدة ببرود: "وأنتي عمالة تهري وتنكتي في نفسك ليه؟ ما أنتي عارفة فريد طول عمره ديله نجس، إيه الجديد؟ أوعي يا بت تعمليهم عليا، أنتي كنتي عارفة بوسخاته كلها." فاطمة: "أيوه كنت عارفة وما كانش فارق لي بس العيال اللي مخلفها هي اللي تفرق يا خالتي. ده ولد وبنت يعني هياخدوا أكتر من نصيبي في الورث أنا وابني."
صمتت للحظة ثم أكملت بحسم: "بقولك إيه، أنا شايفة إن الدنيا ابتدت تعك وكل يوم مصيبة أنجح من اللي قبلها. أنا هاخد ورثي وأطلب مبلغ كبير عشان أتنازل عن حضانة محمود وأخلع من هنا." توحيدة بشر: "فكري بس تعمليها وأكون قاتلاكي يا بنت أختي. مش هتكوني أغلى من اللي راحوا وأهو استفاد بأعضائك ههههههه." اهتزت بداخلها خوفًا من تلك الكلمات والتي تعلم أنها تفعلها فقالت بمهادنة:
"يا خالتي، افهميني. إحنا معانا اللي يعيشنا ملوك بقية عمرنا. تعالي نهرب من هنا. أنا قلبي مش مطمن. في حاجة غلط. الدنيا عمالة تخرب من حوالينا. تعالي ننفد بجلدنا قبل ما يجي علينا الدور." توحيدة بصدق: "لو كان بيدي كنت عملتها. بس إحنا مغروزين في جحر تعابين. لو فكرنا نخرج منه، لدغتهم والقبر. فكرك هيسيبونا كده نطلع بسهولة؟ ههههههه. كان غيرك أشطر يا بنت أختي." فاطمة بعدم فهم: "يعني إيه؟
أمال كل الفلوس اللي معانا دي فايدتها إيه لو ما اتمتعناش بيها؟ أنا مشيت معاكي في الطريق ده من الأول وأنا مقررة إني مش هكمل. هجمع اللي يخليني أعيش ملكة وبعدها أخلع على بره." ضحكت توحيدة باستهزاء وقالت: "لو كانت سهلة كده كنت عملتها من زمان. أنا برضه كنت ناوية أعمل كده من أول ما مشيت في الطريق ده. بس اللي اكتشفته إن اللي بيدخل ما بيطلع غير بطلوع روحه." فاطمة برعب: "يعني إيه هنفضل كده؟
عايشين في خطر ومستنيين الدور يجي علينا؟ يبقى فايدة كل اللي معانا ده إيه؟ خالتي أنتي ليه مش عايزة تقولي مين اللي مشغلك ومخليكي بتدوري الدنيا مكانه؟ زفرت توحيدة باختناق وقالت: "أهو ده اللي ما أقدرش أقول عليه لو ذبحوني. ما تسأليش على حاجة أنتي مش قدها، ولا تقدري تتخيلي ممكن يحصل لك إيه لو فكرتي بينك وبين نفسك تسألي هما مين." فاطمة: "مش هأسأل بس أكيد في حل." توحيدة: "وده اللي بفكر فيه من ساعة ما اتقبض على عبادي."
نظرت أمامها بشر وأكملت: "لااااااازم ألاقي حل أنا مش هأفضل هنا أكتر من كده." خرجت من باب البنك التي تعمل به. كان يسير بجانبها زميل لها، يشتكي لها من حنقه بسبب مديره وهي تبتسم بهدوء على ما يتفوه به. انقطعت تلك الابتسامة حينما تفاجأت بعيون الفهد والذي ينظر لها بشرر يتطاير من لهيب غيرته. ازدردت لعابها بصعوبة وهي متصنمة مكانها. أما زميلها فقال باستغراب: "خير يا فندم. حضرتك واقف كده ليه أقدر أفيدك؟ نظر له بغضب وقال بهمجية:
"اركن أنت على جنب ووفر شغل خدمة العملاء ده." نظر لها وقال وهو يجز على أسنانه: "اتفضلي معايا يا أستاذة." حاول الرجل الدفاع عن زميلته ظنًا منه أن ذلك الفهد يمثل خطرًا عليها فقال بعصبية سيدفع ثمنها غاليًا: "أنت آآآهبل يا جدع أنت! إيه اللي تتفضل معاك؟ أنتي مين أصلًا وب... قطع حديثه الأرعن برعب حينما هجم عليه الفهد ممسكًا به من تلابيبه ويقول بنبرة تدب الرعب في قلوب أعتى الرجال: "آآآآخرس هااااا!
بدل ما أخليك تبلع لسانك، ومالكش عندي دية." نظر داخل عينيه وأكمل بقوة: "أنااااا فهد المصري، خطيب الأستاذة رحاب. صرخ به مكملًا: عندك ماااااااااانع؟ هز الرجل رأسه يمينًا ويسارًا بهيستيرية وهو يقول: "آآآآ... لااااا يا فندم. اتفضل حضرتك خدها." كانت تتابع الموقف بغضب جم وحينما سمعت ما تفوه به زميلها قالت بغضب: "آآآآه يا واااااطي!
اقترب عدد من العاملين معها ظنًا منهم أنها تتعرض لمشكلة ما والكل يعرض المساعدة، مما جعل ذلك الفهد يهتاج أكثر، وجعلها تضع يدها فوق رأسها بغلب وتقول: "منكم لله. هيموتكم. كله عمل فيها حامي الحمى. استحملوا بقى! صاح في الجميع بصراخ: "باااااس! أنا خطيبها كل وااااحد يروح لحاله." أعقب قوله بإفلات ذلك المرتعب ودفعه بقوة مما جعله يقع أرضًا. أمسك كفها وسحبها خلفه أمام الجميع دون أن يجرؤ أحد على الاعتراض.
فتح باب سيارته ثم دفعها لتصعد بها. ثم أغلقه بقوة وهو لا يلقي بالًا لوجهها المتجهم ولا إلى شرارات الغضب التي تنطلق من عينيها. ما أن ابتعد عن محيط عملها لم تتحمل الصمت أكثر صرخت به بغضب جم: "آآآآانت مجنوووون! صح أكيد مجنون! مين أداك الحق تعملي فضيحة كده؟ ظلت تصرخ به بعصبية مفرطة.
أخذ يضغط بيد على المقود حتى ابيضت عروقه وهو يحاول ألا ينفجر بها ويصب عليها جام غضبه. ولكن كلماتها الغاضبة أفقده صوابه. ضرب بكف يده فوق عجلة القيادة بقوة مما أدى إلى شرخها وهو يصرخ بها: "آآآآآآآآاخرسي! ساااااامعة! اخرسي! التصقت في الباب خوفًا من صراخه الذي أرعبها ولكنها تمسكت به برعب حينما وجدته يوقف السيارة بجانب الطريق فجأة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!