لأول مرة يشعر أنه أعمى، ولأول مرة يكره ذلك العمى الذي يمنعه من رؤية أمه والاطمئنان عليها. اقترب منها يحاول إفاقتها، وحينما لم يجد ردًا، هرول تجاه الباب ليأتي بأحدٍ يساعده بعدما شعر بالعجز، حتى أنه كاد يقع وهو يجري بجنون ويصرخ من الأعلى: "باااااابااااا... فاااااارس! استمع الجميع لصراخه الملهوف وبدأوا يخرجون تباعًا من غرفهم، ولكن أسرعهم كان أبيه لعلمه بما حدث وما سيحدث مسبقًا بناءً على اتفاقه مع زوجته. صعد إليه سريعًا
وقال: "مالك يا ابني في إيه؟ رد عليه بجنون ولأول مرة يرى السواد الذي يحيطه: "ما... ماما مش عارف مالها! أشفق عليه أبيه ولعن حاله حينما وافق على تلك اللعبة البلهاء التي جعلت ولده الغالي في تلك الحالة. تمالك أعصابه وقال برفق: "اهدى بس وتعالى نشوفها." دلف إليها فوجدها مستلقية في حالة إغماء، فاقترب منها محاولًا إفاقتها، ولكنه وجدها حقًا فاقدة لوعيها. أخرج هاتفه من جيبه واتصل بصديقه الطبيب وقال بقلق:
"دكتور صادق تعالى بسرعة، الحاجة أغمي عليها." ابتسم الطبيب بخبث وقال: "أنا قريب منكم يا عبيد، خمس دقايق وأكون عندك." أغلق معه وتفاجأ بالجميع حوله، فقال لفارس بعجالة: "شيل أمك وحطها عالسرير بسرعة يا فارس، الدكتور جنب السرايا." ساد الهرج والمرج داخل جناحه مما جعله يزداد جنونًا فصرخ بهم بهمجية: "براااااا! اطلعوا بره، مش عايز حد هناااااا! عباس بغل: "أنت بتطردنا يا ابن أخويا وإحنا جرينا عليك أول ما صرخت." عبيد بتعقل قلق:
"معلش يا عباس، حقك عليا، نطمئن عالحاجة وبعدين أراضيك، هو بس أعصابه تلفت من الخضة على أمه." خرج الجميع وهبطوا للأسفل ينتظرون في بهو السرايا بعدما حضر الطبيب وصعد مع فارس ومصطفى. قام الطبيب بفحصها ونظر إلى عبيد نظرة مفادها (ده بجد مش تمثيل) . ارتعب الأخير خوفًا على رفيقة دربه، ولكنه كتم قلقه بداخله حتى ينتهي الطبيب من عمله. قام بحقنها بأحد الأدوية حتى تفيق سريعًا ثم قال ما اتفق عليه مع صديقه:
"الحمد لله إنكم لحقتوها، دي كانت بوادر أزمة قلبية." جواد برعب: "بس ماما ما عندهاش القلب يا دكتور، هي بس الضغط بيوطي شوية وبتاخد علاج." صادق: "واضح إن في حاجة زعلتها، يا ريت تبعدوها عن أي زعل. أنا علقت لها محلول وهي دقايق وهتفوق بأمر الله، ما تقلقوش." خرج الطبيب مع عبيد فقال الأخير بخوف: "إيه اللي أنت قلته ده يا صادق، ده بجد؟ صادق: "لا طبعًا، مش إحنا متفقين إنها هتمثل الإغماء وأنا هقول كده عشان أخوف ابنك؟ عبيد:
"بس هي كانت غميانه بجد." صادق: "واضح إنها انفعلت وما كانتش واخدة دواء الضغط فحصل لها الإغماء بس، فالعُموم هي كويسة وزمانها فاقت." زفر عبيد بارتياح وقال: "قلبي وقع في رجلي من الخوف." ضحك صادق بهدوء وقال: "ده ذنب جواد واللي عملتوه فيه." عبيد: "هي صاحبة الفكرة المجنونة دي عشان تجبره يتجوز. أنا غلطان إني طاوعتها في الهبل ده. الواد قطع قلبي وهو بيلف حوالين نفسه، الله يسامحك يا إيمان." بالداخل فاقت إيمان وأول ما نطقت:
"جوااااد! هرول إليها ثم جلس قبالتها وتحسس بيده إلى أن وصل لكف يدها فأمسكه وقبله عدة قبلات وقال بلهفة: "أنا جنبك يا ماما، كده برضه تخضيني عليكي! ابتسمت بإرهاق وقالت: "حقك عليا بس أنت السبب." فارس: "ألف سلامة عليكي يا ست الكل." مصطفى: "إيه اللي حصل لده كله يا مرات عمي، ما فيش حاجة تستاهل تعبك، ده إحنا ما لناش غيرك." جواد: "آسف يا ماما، حقك عليا." إيمان بخبث وهي تنظر لزوجها المغتاظ، ولكنها لم تهتم وقالت:
"لو عايزني أقبل أسفك يبقى تسمع كلامي وتوافق ع اللي قلت لك عليه." زفر باختناق وهو الآن في حيرة من أمره. أكثر ما يكرهه في الحياة أن يجبر على شيء ما، ولكن كلام الطبيب ما زال يصدح داخل أذنه. خاف إذا رفض مطلبها أن تصاب بوعكة صحية أكبر. "حسنًا أمي، سأوافق على ما تريدينه، ولكن سأفعل ما أريده. أنااااا... هكذا فكر سريعًا ثم قال: "اللي تؤمري بيه كله هيتنفذ يا ست الكل بس أنتِ قومي بالسلامة."
انتفضت من مرقدها وكأنها لم تكن مريضة منذ قليل وقالت بفرحة عارمة وهي تمسك يده: "بجد والنبي يا جوااااد يعني أروح بكرة أخطبها لك؟ ضرب عبيد كف يده فوق جبهته وهو يشعر بالجنون من زوجته البلهاء والتي ستكشف كل ما فعلوه بغبائها. نظر فارس ومصطفى لبعضهما بمغزى وكتما ضحكتهما بعدما فهما ما حدث ثم نظرا إلى عبيد بفهم، ولكنه تجاهلهم وركز على هذا الجواد الذي زوى بين حاجبيه بعد ما فعلته وقال بشك: "هو مش حضرتك تعبانة برضه؟
صبح إيه اللي تروحي تخطبي لي فيه؟ وبعدين أنتِ لحقتي تختاري عروسة بما إني مش هعرف أختار يعني ولا فارق معايا هي مين أصلًا؟ جحظت عيناها من الذهول، ولكنها كأي أم مصرية أصيلة عادت للتمثيل وقالت بصوت واهن استشف كذبه بسهولة وابتسم عليها وهي تقول: "هااا... آااه... من فرحتي إنك وافقت يا حبيبي... نسيت تعبي... آااه... مش عارفة دوخت ليه كده." كتم فارس ضحكته بصعوبة وقال مبررًا لها فعلتها:
"معلش يا ماما أكيد عشان اتنطرتي مرة واحدة. ارتاحي يا حبيبتي وجواد وعدك إنه هيعمل لك اللي يريحك." لف رأسه ناحية صوت أخيه وقال بغيظ: "بسرعة خلتني وعدت." مصطفى بمزاح: "أنت كلمتك وعد يا باشا." شفتيه بغيظ ثم قال بتساؤل: "ينفع أعرف مين العروسة؟ من باب العلم بالشيء بس مش أكتر." ابتسمت أمه باتساع وقالت: "دهب المنصوري." انتفض من مجلسه وهو يكاد يطرق رأسه في الحائط وقال بصدمة: "دددددهب... دهب يا ماما...
اللي أنا قدها مرتين تقريبًا! دي عيلة... دي حبيبة بنتي بتفهم أكتر منها... إزااااي جات في بالك وإزاي متخيلة إني أوافق عليها... إزااااي؟ رد عليه أبيه بحسم وعناد أكبر من هذا الجواد الغاضب:
"أيوه تنفع عشان حاجات كتير يا جواااااد، اسمعني بقى عشان أنا اللي جبت آخري منك. أنت مش قدها مرتين ولا حاجة، والبت صغيرة آه بس صفحة بيضاء ما تعرفش حاجة في الدنيا غير أمها وأبوها. يعني دي أكتر واحدة تناسبك لإنك مش بتثق في صنف الحريم من الأساس. هما في نظرك كلهم خاينين يا إما كان لهم علاقات قبل الجواز، والبت اللي تعتبر محترمة هي اللي مشيت مع واحد ومسك إيديها ولا باسها بس. مش ده كلاااامك ورأيك في البنات يا بيه؟
حتى لما اتجوزت قبل كده اخترت أخت صاحبك اللي شبهك في التفكير وبرغم كده كنت مطلع عنيها ومسود عيشتها بشكك في كل حركة كانت بتعملها حتى لو من غير قصد. يبقى دهب الوحيدة اللي هتعيش معاها مرتاح ومش هتشك فيها لإنها ببساطة ما تعرفش حاجة عن الدنيا وهتطلع من بيت أبوها على بيتك." أكدت إيمان على حديث زوجها حينما قالت: "أنت هتربيها على إيدك يا ابني وتشكلها على هواك." مصطفى:
"أنت تفكيرك غريب يا جواد، يعني الواحد مننا لما يفكر يتجوز يا إما يكون بيحب اللي اختارها يا إما يحس إنها مناسبة له وتفكيرهم قريب من بعض عشان يبقى فيه تفاهم. إنما أنت كل اللي همك إنها ما تكونش عرفت غيرك ومش مهم أي حاجة تانية." رد عليه بمنتهى الوقاحة: "طبعًا دي أهم حاجة عندي، أومال عايزني آخد واحدة حد لمسها قبلي حتى لو مسك إيدها؟
ولا لو خرجت معاها في أي مكان وبالصدفة قابلت اللي كانت عاملة علاقة معاه، يقعدوا يسبلوا لبعض وأنا واقف زي الـ... حاجة. ده ينفع بذمتك؟ أنا بالنسبالي أهم حاجة تكون بريئة وما لهاش أي خبرة في أي حاجة، وأي حاجة تانية تيجي بعدين." ابتسمت إيمان باتساع وقالت: "أهي دهب فيها كل المواصفات اللي أنت طالبها يعني لو فصلتها تفصيل ما كنتش هتطلع كده." فارس بمزاح: "آااه مطابقة للمواصفات زي علبة الجبنة الرومي ههههههه."
هل تعلم تلك البريئة بما يدور حولها؟ بالطبع لا، من أين ستعرف؟ حياتها صفحة بيضاء لم يُكتب فيها حرف. تعلم أنها ذكية وذات عقل راجح ولكن لم تختبر أيًا منهما بعد. لم تتعرض لأي موقف لتثبت ذكائها وفطنتها. قرأت الكثير من الكتب في شتى المجالات لتثقف نفسها، حتى كتب الطبخ قرأتها وتعلمت منها الكثير. إلا شيئًا واحدًا لم تقرأ عنه بعد ولم يكن في بالها من الأساس: الحب. ما هو؟ كيف يأتي؟ وبماذا يشعر الإنسان الذي يقع فيه؟
تعشق نجاة الصغيرة وتسمع أغانيها دائمًا، ولكن لمجرد صوت جميل وكلمات حلوة ولحن أحلى، فقط للاستمتاع، ولكن لم تفهم ما تعنيه تلك الكلمات. كل هذا كانت تفكر فيه وهي شاردة داخل شرفتها ليلًا، تحاول أن تصل لماهية ذلك الخفقان الذي يؤلمها كلما تذكرت ذلك الجواد، خصوصًا لحظة هبوطها من فوق جواده حينما احتواها هو بيديه وتعلقت هي به. تلك اللحظة كفيلة أن تحبس أنفاسها وتجعل قلبها يخفق بجنون، ولكنها لا تعلم ما السبب. ابتسمت كثيرًا ببلاهة حينما تذكرت مناوشاته لها وكأنه كان يغازلها. سمعت صوت نجاة يشدو بأغنية
(عيون القلب) في مقطع أثار تساؤلات كثيرة داخلها: "عيون القلب سهرانة ما بتنامشي... لا أنا صاحية ولا نايمة ما بقدرش... يبات الليل يبات سهران على رمشي... وأنا رمشي ما ذاق النوم... وهو عيونه تشبع نوم... روح يا نوم من عين حبيبي... روح روح يا نوم." ابتسمت بحلاوة وقالت بهمس: "حبيبي... مش عارفة." أكملت بطفولة لذيذة: "مش الست نجاة بتقول أهو إنها سهرانة وهو مخمّد وبتدعي عليه ما يعرفش ينام؟ يبقى صح كده هههههه."
خرج الطبيب من السرايا والجميع ما زال منتظرًا ظهور أحدهم ليطمئن على حال أم الجواد فقالت فاطمة: "شكلها كانت بتتخانق مع جواد إدام تعبت وهي عنده، يا ترى في إيه عشان يحصل ده كله؟ هدى: "ما لنا دعوة، هما أحرار مع بعض." نظرت لها فاطمة بحقد بينما قال أحمد بغيظ: "يكش يولعوا في بعض، ذنبنا إيه يصحوا الواحد من أحلاها نومة! عباس: "لا وكمان يكرشنا من جناحه قال يعني هنطلع من الجنة، عيل عديم الرباية طول عمره."
قالها بهمس مخافة أن يسمعه أحد. روان: "هو آه قليل الذوق بس أنا زعلت على طنط إيمان والله عشان كده قاعدة كل ده أطمئن عليها." أحمد بغل: "حنينة أوووي يا أختي مش هي د... قاطعه مصطفى بعدما سمع آخر الحديث وقال وهو يقترب من زوجته قبل أن يكمل ذلك الخبيث بخ سمّه لها كالمعتاد: "طبعًا حنينة وقلبها أبيض وبتعرف تفرق بين اللي يستاهل حبها واللي ما يستاهلش حتى تبص في وشه." جلس بجانبها ثم حاوط كتفها بذراعه وأكمل وهو ينظر لها بحب:
"روان دي ما فيش أحن من قلبها ولا أجمل من روحها الطيبة." لمعت عيناها بفرحة عارمة بعد أن مدحها أمام الجميع دون خجل فتناست الجميع وقالت بصدق: "ربنا ما يحرمني منك يا حبيبي وتفضل سندي العمر كله." قبل أن تكمل قاطعها أبيها بحقد: "إيه قلة الحياااا اللي أنتِ فيها دي يا بت؟ عمالة تحبي فيه وناسية أبوكي وأخوكي اللي قاعدين معاكي ولا خلاص مش ماليين عينك؟
دمعت عيناها من شدة الإحراج، ولكن حبيبها لن يسمى رجلًا إن لم يأتِ بحقها وفي لحظتها. انتفض مصطفى وقال بهدوء غاضب: "عممممي، مرااااتي ما فيش في أدبها ولا أخلاقها. بعدين هي ما قالتش حاجة غلط دي بتدعي لجوزها. هي حضنتني ولا قالت لي بحبك قدامكم؟ ولو عملت كده هي حرة، أنا جوزها وأبو عيالها لو مش آخد بالك."
لم ينتظر ردًا من أحد، بل أعقب قوله بالالتفاف لها، وفي لحظة كان يميل عليها حاملًا إياها وهو يقول بعدما تحرك بها أمام الجميع تحت صدمتها وخجلها الشديد من فعلته المجنونة تلك: "تعالي يا حبيبتي ونور عيني نطلع نتكلم فوق براحتنا. مرات عمك بقت زي الفل الحمد لله." وفقط دفنت رأسها داخل صدره وهو صعد فوق الدرج وعلى وجهه أجمل ابتسامة، تاركًا وراءه عمّه وابنه اللذين يتأكلهما الغيظ، ونظرات حاقدة من تلك الحرباء فاطمة
وهي تدعو بداخلها وتقول: "يا رب تقع وأنت شايلها كده وتتكسروا أنتم الاثنين، عامل فيها هركليز وهي فاكرة نفسها صغيرة عالحب بلا خيبة." جلس فوق فراشه يفكر بعمق وهو يدخن بشراهة بعد أن صمم أبيه على أخذ زوجته لغرفتهم وذهب فارس أيضًا إلى غرفته. تذكر كلمات أمه وأبيه وأخذ يفكر بجدية ثم قال: "وليه لا يا جواد؟
فعلًا هي دي اللي تناسبك. بت خام ما تعرفش حاجة في الدنيا غير اللي أنت هتعلمهولها. بس دي خرجت ثلاث مرات زي ما بتقول من ورا أبوها." زفر بحيرة وأكمل: "بس هي برضه ما كذبتش عليا، كان ممكن تحلف إنها أول مرة تعملها. صوتها بيقول إنها صادقة. أنا فاكر شكلها كانت حلوة وهي صغيرة." ابتسم وأكمل: "شكلها بقت طلقة لما كبرت. بس هي هتقبل بواحد أعمى؟
آه أنا ممكن أعمل العملية وأرجع أشوف، بس مش حابب أعملها. أوووف، مالك متلخبط ليه يا جواد أول مرة تحتار كده؟ صمت قليلًا ثم قال بحسم: "توكلت على الله، خليني أريح أمي وفي نفس الوقت ألاقي حد يسليني بالليل بدل ما أنا بقعد زهقان هههههه، يخربيتك يا جواد هي كيس لب؟ شكل تعب أمي أثر عليا وخلاني مهيس. أحسن حاجة أنام وبكرة يحلها ربنا."
أشرق يوم جديد، من بدايته صاخب ومليء بالأحداث. نبدأه من خارج السرايا عند الحديقة الخلفية حيث نجد دلال تجلس أرضًا أمام الفرن المصنوع من الطوب وهي تعد فطائر شهية، وبينما كانت مندمجة فيما تفعله وجدت هذا العاشق السري يأتي إليها وهو يقول بابتسامة بشوشة: "صباح الخير يا أم رؤوف، إيه الريحة الحلوة دي، ده أنا جاي عليها." من آخر الجنينة. ابتسمت له باحترام وقالت: "صباح الخير يا أبو مُنة."
"الحاجة طلبت الفطير المشلتت انهارده لسيد جواد، وأنت عارف مش بياكلو من إيد حد غيري." (محروس ذلك العامل الذي يهتم بالحديقة ما يُسمى (الجنايني) ، ذو الخمسة والأربعين عامًا، أرمل ولا يملك بحياته غير ابنته الصغيرة مُنة ذات الثماني سنوات والتي توفت أمها وهي تلدها. له قصة سنعرفها مع الأحداث.) ابتسم لها بحب وقال: "كل حاجة من إيدك حلوة يا دلال."
تحاشت النظر له وكادت أن تغير مجرى الحديث، إلا أن رنين هاتفها منعها من ذلك، وحينما نظرت له وجدت ابنها الأكبر هو من يطلبها، فقالت وهي تمسح يدها: "ده رؤوف، خير يا رب، ده لسه رايح المدرسة من شوية... ألوو، أيوه يا ابني، خير فيك حاجة؟ " هكذا قالت بقلق. رؤوف: "المدير عايز ولي أمري عشان اتخانقت مع صاحبي." انتفضت من مجلسها تحت نظرات محروس القلقة وقالت: "ليه يا غلبي منك تتخانق ليييه؟ رايح تتعلم ولا تتبلطج على صحابك؟
رؤوف بحزن دفين: "أنا مش غلطان يا ماما... المهم هتيجي ولا إيه؟ دلال: "جيالك يا واجع قلبي." وأغلقت معه وقالت: "الواد متخانق والمدير عايز ولي أمره... أعمل إيه بس يا ربي؟ محروس برجولة: "خليكي وأنا هستأذن من الحاج عبيد وأروح أشوفه." نظرت له بذهول وقالت: "ما ينفعش، لازم حد من أهله، وبعدين أنت ذنبك إيه تعطل نفسك عشانه؟ نظر لها نظرة تحمل الكثير ولكنه كتمه كما فعل كل تلك السنوات وقال بجدية: "ما تقلقيش، المدير عارفني...
أنا هتصرف وهتصل أطمنك." ردت عليه بحيرة يشوبها الامتنان: "مش عارفة أقولك إيه بس... اااا." محروس: "ما تقوليش حاجة، كملي اللي في إيدك وأنا هروح عشان ما اتأخرش على الواد." وصل إلى المدرسة ودلف سريعًا حتى وصل إلى مكتب المدير الذي كان مفتوحًا ولكنه طرقه من باب الذوق وقال: "السلام عليكم." المدير: "وعليكم السلام، إزيك يا محروس، فينك يا راجل بقالك كتير ما حدش شافك."
ابتسم له بود وقال: "غصب عني والله، الشغل أخد كل وقتي." نظر إلى ذلك الصبي اليافع البالغ من العمر أربعة عشر عامًا يقف بجانب صديقه الذي يظهر على وجهه آثار الضرب وقال: "إيه يا أستاذ رؤوف كده برده، حد يضرب صاحبه كده؟ نظر له الصبي وقال بغضب: "لما يغلط في أمي يبقى لازم يتربى." المدير: "كان لازم تيجي لي وتقولي اللي حصل مش تضربه كده، إحنا في مدرسة وشغل البلطجة ده ما ينفعش."
محروس بتعقل: "أنا جيت أشوف اللي حصل عشان الحاجة أم رؤوف وقعت على رجلها واتجزعت، والحاج عبيد هو اللي قالي أجي أنا أحل المشكلة." نظر لصديق رؤوف وأكمل بتهديد مبطن: "وقالي لو ما اتحلتش هيبعت جواد بيه... أنت عارف غلاوة رؤوف عنده قد إيه." ازدرد الولد ريقه بخوف وقال: "أنا ما عملتش حاجة." صرخ به رؤوف بغضب وهو
يحاول أن يكتم دموع القهر: "كداااب، أنت اتريقت عليا أنت وشلتك وقولتلي يا ابن المطلقة، وكمان عايرتني وقولتلي أنت ما لكش راجل يربيك وأمك بتشتغل خدامة في سراية التهامي." نظر محروس بغضب لذلك الصبي الذي لم يجد أحدًا يربيه، ولكنه تحكم في حاله بصعوبة وقرر أن يلقنه درسًا لم ينساه: "عارف يا رؤوف يا ابني أنت أكتر واحد لازم تفتخر بأمك... الست الجدعة اللي بميت راجل...
اللي لما أبوك اتخلى عنك أنت وأخوك ووراها العذاب ألوان والبلد كلها شاهدة على كده... هي وقفت على رجليها وما انحنتش واشتغلت وكافحت عشان تربيكم... رفضت تخليك أنت وأخوك تسيبوا المدرسة زي ما الناس نصحوها عشان تشتغلوا وتساعدوها وصممت إنكم تكملوا تعليمكم." نظر للصبي الآخر وأكمل: "مش كلنا اتفرجنا على كأس العالم وكنا بنشجع المغرب عشان هي البلد العربي الوحيد اللي كمل... وقتها كل العالم عرف اللاعب المغربي أشرف حكيمي...
عارف عرفوه ليه؟ مش عشان بيلعب كويس ولا عشان جاب جون لااااا... عشان أول ما جاب جون ساب الملعب كله وجري على المدرجات يبوس راس أمه... وقتها لما اتسأل قال بكل فخر أمي كانت بتشتغل في البيوت من وأنا صغير عشان تدفع لي تمن اشتراك النادي اللي كنت بلعب فيه كورة... لعيب عالمي وبقى مليونير وبرغم كده بيفتخر بأمه اللي اشتغلت خدامة عشان تحقق له حلمه... ما استعرش منها...
بعدين يا واد أنت مش أبوك كل يوم والتاني يضرب أمك ويكرشها وكمان كل كام شهر يتجوز عليها وهي مش عايزة تسيبه عشان القرشين اللي معاه... أبوك موجود صح؟ ما طلقش أمك بس بيعاملكم إزاي هاا؟ ما عرفش يربيك، كل اللي بيعمله بيديلك فلوس وبس، ما همهوش إنك لسه في ثالثة إعدادي وبتشرب سجاير، ده غير إنك فاشل في دراستك وبتنجح بالعافية... أم رؤوف ست الكل، يحطها فوق دماغه، دي بتربي راجلين بشقاها من غير ما تمد إيديها لحد...
وعيالها بكرة يكبروا ويعوضوها عن كل اللي شافته وضحّت بيه عشانهم... بدل ما تعايروا إن أمه مطلقة كنت اعمل زيه وخليك شاطر في دراستك." نظر لرؤوف الذي ظهرت على ملامحه السعادة والفخر بعد الخزي الذي كان يشعر به وقال: "أنا مش هلومك إنك ضربته، عارف ليه؟ عشان اتحمقت على أمك... عارف لو كانت خناقة عادية بين الصحاب كنت هلومك إنما أنت راجل يا ابني ودمك حر وما قبلتش إن حد يجيب سيرة أمك ولا يهينها...
افتخر بأمك واعرف إنها ضحت بشبابها وعمرها وبقت راجل البيت بدل ما تبقى زي أي ست عشانك أنت وأخوك، جزاءها على اللي عملته إنك تفتخر بيها مش تستعر منها." تدخل المدير وقال بإعجاب: "يسلم لسانك يا محروس، والله ما في كلام يتقال بعد اللي أنت قولته، يا ريت الناس تفهم الكلام ده وتقدر كل ست بتشقى على عيالها." ابتسم رؤوف بفخر وقال: "أمي دي ست الكل وأنا بفتخر إنها أمي وإن شاء الله لما أكبر هعوضها عن كل ده."
ابتسم محروس بفرحة وقال: "جدع يا واد، وأنا في الإجازة هخليك تشتغل عشان تبدأ تعتمد على نفسك من صغرك." نظر للمدير وأكمل: "بيتهيأ لي اليوم خلص، أقدر أخد رؤوف معايا." المدير: "طبعًا ما فيش مانع، اليوم خلص فعلًا." نظر إلى ساعة يده وأكمل: "فاضل خمس دقايق وجرس المُرَاوِيح يضرب." سارَا معًا في الطريق المؤدي إلى السرايا بعد أن اتصل على دلال وطمأنها. تفاجأ برؤوف يقول له: "أنا مش عارف أشكرك إزاي يا عم محروس على اللي أنت عملته...
أنت رفعت راسي وبعد ما كنت مكسوف ومش عارف أخد حق أمي أنت خليت راسي في السما... العيال كانوا واقفين يتصنتوا بره المكتب وأكيد هيقولوا للمدرسة كلها على اللي حصل... أنا فرحان أوووي." نظر له وقال بتمني: "يا ريتك كنت أبويا... أبويا نفسه عمره ما عمل معايا اللي أنت عملته." تأثر الرجل بكلام الصبي وقام باحتضانه بحنان أب حقيقي وقال: "وأنا من انهارده أبوك، وأي حاجة تحصل معاك تعالى احكي لي وهتلاقيني في ضهرك."
ضمه أكتر وقال بداخله: "ده أنت حتة من الغالية وكان المفروض تبقى ابني أنا... بس مش مهم، المهم إنك ابنها هي." جلس عبيد في منزل محمد المنصور هو وتوحيدة التي أصرت أن تذهب معه لخطبة تلك الجميلة كما اتفقَا معًا حتى لا يعطوا فرصة لجوادهم في التراجع عن موافقته. رحب بهم محمد وزوجته بحفاوة شديدة واستطاعوا بمهارة مداراة استغرابهم من تلك الزيارة.
وبعد تقديم واجب الضيافة والتحدث في عدة أمور بدأ عبيد حديثه قائلًا: "أنت عارف يا محمد إن إحنا صحاب من زمان وأنا بأعتبر أخويا وبأمنك على أسراري ومالي وحالي." محمد: "طبعًا يا حاج، ده إحنا عشرة عمر... هو في حاجة يا حاج؟ أنا زعلتك في حاجة أو قصّرت في الشغل؟ ضحك عبيد وقال: "وهو لو كده هجيب الحاجة وأجي لك البيت؟ أنت ناسي إن إحنا بنحل كل حاجة بينا وبين بعض؟ شكلك كبرت يا محمد ههههه." ضحك
الجميع فقالت إيمان بفرحة: "أنا ما ليش في المقدمات ولا كلام الصحاب ده، مالآخر إحنا جايين نخطب اسم الله عليها دهب لجواد إيه رأيكم؟ نظر محمد لزوجته بصدمة ووجدها تجحظ بعينيها ولم تستطع النطق، أما هو فتمالك حاله سريعًا وقال: "...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!