الفصل 46 | من 47 فصل

رواية جواد ودهب الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم فريدة الحلواني

المشاهدات
71
كلمة
3,147
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 98%
حجم الخط: 18

وقفت جيهان تنظر لسليمان الذي كان يغلي كالمرجل بأسف، ثم نظرت لأبيها بقوة لأول مرة وقالت: ممكن تقولي فين العيلة اللي هتحرمني منها؟ عايز تبعني تاني؟ ابتسمت من بين دموعها بقهر، ثم تحركت بهدوء كله عزم وإصرار. وقفت بجانب هذا العاشق الذي ارتعش جسده بمجرد أن أمسكت كفه بجرأة وأكملت: أنا اخترت عيلتي اللي هكمل معاها بقية حياتي. نظرت له بحب لأول مرة وسألته بيقين: مش أنت هتكون كل عيلتي يا سليمان؟

دمعت عيناه، حقًا أراد أن يبكي فرحًا، يصرخ من فرط السعادة التي يشعر بها الآن. نظر لها بقوة مغلفة بالعشق: هكون ليكي كل اللي اتحرمتي منه، وبتتمنيه. رفع كف يدها الممسكة به ثم قبلها بإجلال وأكمل: أوعدك قدام الكل، عمرك ما هتندمي في يوم إنك مسكتي إيدي. كاد أباها أن يثور ويسبهم إلا أن جواد منعه وهو يمسكه من تلابيبه ويقول بتهديد صريح: فكر تغلط ولا تعترض، هدفنك مكانك. وعشان تتأدب، أنت اللي هتكون وكيلها، إيه رأيك بقى؟ صرخ بقوة:

عندك اعتراااااض؟ انتفض جسده برعب وقال سريعًا: آآآ... اللي تشوفه يا بيه. وفقط تركه الآخر وهو يأمره بوقاحة: شايف باب السرايا ده، في ثانية تكون خارج منه، وإلاااااا. لم يكمل تهديده، وكان أبيها يتركها وينفد بحاله بمنتهى الجُبن. لم تحزن هي، اعتادت منه على ذلك. يكفي أن الله عوضها برجل قليلًا ما نجده في ذلك الزمان. وقف محمد مع زينب في الحديقة كي يحادثها بعدما رأى وجوم وجهها. سألها برفق: مالك يا زينب؟

أنتي مش فرحانة يا حبيبتي؟ خلاص ربنا عوض صبرنا خير وهنبقى لبعض بعد كل سنين العذاب اللي عشناها. سالت دموعها بهدوء وهي تقول: مش هينفع يا محمد. خلاص مبقاش ينفع. شعر أن الأرض تميد به ولكنه تمالك حاله وقال: هو إيه اللي مش هينفع مش فاهم؟ ردت عليه ببكاء حار وقد قررت أن تخرج ما كتمته طيلة السنوات الفائتة:

خلاص مبقاش ينفع يا محمد، أنا جوايا دمار. اللي شايفاها قدامك مجرد شكل مش أكتر. أنا موت من يوم ما كنت لابسة ومستنياك تيجي تخطبني، بدل ما أسمع اسمي سمعت اسم أختي. تعرف يومها حسيت بإيه؟ اتوجعت قد إيه؟ طب تعرف يوم جوازي من غيرك عدى عليا إزاي وأنا حاسة إني بين إيدين كلب مسعور بينهش في لحمي؟

كانت بتمنعني أجتمع معاك في أي مكان. متعرفش إني أنا اللي كنت بهرب من مقابلتك عشان قلبي ما يحنش ليك وأبقى بخون أختي. ههههه، قال يعني ما كانش بيحن ويتوجع ويتقهر كل ما توحشني. أنا كرهت نفسي عشان مقدرتش أكرهك بعد كل اللي حصل. ومش محتاج أحكيلك أنا كنت عايشة إزاي ومع مين ولا بيعمل فيا إيه. زينب اللي حبيتها زمان ماتت يا محمد. ولو ما فكرتش في كل ده وقولت يا بنت الحقيقة ظهرت وكان مظلوم زيك ويمكن أكتر، هفكر مليون مرة في كلام الناس ونظراتهم ليا. يقولوا عليا إيه؟

خطفت جوز أختها؟ حتى وهما عارفين حقيقتها واللي عملته مش هيرحمونا، هنفضل زي اللبانة في بوق الكل. بكت بقهر وأكملت: يعني ولا في البعد قدرنا نعيش ولا في القرب هنقدر نرتاح. ربنا يتولانا برحمته. كان يستمع لها بقلب يتمزق من الألم، ولولا صموده لكان بكى حتى تصبح الأرض أنهارًا من تحت قدميه. تركها تقول ما تشاء، ترمي عليه وجع العمر، حتى يبقى قلبها خاليًا من الهموم، ويبدأ هو يروي أرضها بماء العشق الذي ظل يكبر معه ولم ينضب أبدًا.

أمسك كفها عنوة وقال: سيبتك تتكلمي زي ما أنتي عايزة عشان تخرجي كل الهم اللي جواكي. بس كل اللي قولتيه ولا يفرق لي يا زينب. أنا هتجوزك وهعوضك عن كل الوجع اللي عشتيه. هداويكي وهريح قلبي بقربك. أما بقى كلام الناس ده تحت جزمتي، ولا كلامهم هينفعنا ولا هما نفسهم هيطبطبوا علينا. نظر لها بعشق خالص وأكمل: اللي جاي مش قد اللي راح يا زوزو. خلينا نكمل باقي حياتنا سوى ونحاول نعوض اللي فاتنا. كادت أن تعترض إلا أنه قال بأمر

كما كان يفعل في الماضي: بت... مش عايز رغي كتير، هي كلمة وانتهينا. ابتسمت من بين دموعها بحنين وقالت: لسه فاكر؟ محمد: عمري...

عمري ما نسيت ولا كلمة ولا حرف اتقال بينا. كنت عايش على ذكرياتي معاكي. هي اللي كانت بتقويني أكمل. كل ما أتعب أغمض عيني وأفتكر أي موقف حصل بينا، ألاقيني بعدها كأني كنت في حضنك بشكيلك وبرتاح. أرجع أقف على رجلي من جديد وأقول لنفسي قوم وكمل واصبر، أكيد ربنا ما حطش كل العشق ده في قلوبنا عشان نتعذب بيه. كان كلي يقين إن ربنا هيراضيني بيكي في الآخر. مسح دموعها وأكمل بإيمان ملأ قلبه العاشق:

بعد الصبر جبر يا تحويشة السنين. وأهو اتجبرت واتراضيت وهفضل اللي باقي من عمري أحمده على كرمه معايا. بحبك يا زوزو. أما سليمان... هل يوجد أحد مثله؟ لا والله. هو الآن يمسك نجوم السماء وأقمارها وشموسها أيضًا بيده. حبيبة عمره اختارته، وثقت به، اتكأت عليه، أمسكت كفه بيدها، التمست الأمان بين أصابعه. ياااااااا الله ما أكرمك! ابتسمت له بهدوء وهي تشاهده يتطلع لها بنظرات جديدة عليها، لم ترها بداخل عيون أحد من قبله.

أجلت صوتها وقالت: هتفضل تبص لي كتير؟ عليها بصوت ملأته الفرحة: ولحد آخر عمري لو فضلت كده هبقى أسعد إنسان في الدنيا. سيبيني أملى عيني منك، خلي قلبي يصدق إنه شايفك. ضغط على كف يدها الذي لم يتركه إلى الآن حتى بعد أن استأذن الحاج عبيد أن ينفرد بها داخل حجرة المكتب لبعض الوقت ثم قال: عايزة أصدق إنك مسكتي إيدي. قلبي هيقف من الفرحة يا ناااااااس. صرخ بآخر كلمة، مما جعلها تضحك وتقول: بس يا مجنون... الناس يقولوا علينا إيه؟

اقترب منها قليلًا حتى أصبح وجهه مقابلًا لها وقال بهمس عاشق: هيقول عاشق مجنون... أخيرًا لقي حبيبته... بعد اليأس والبعد واستحالة الأسباب... حصلت المعجزة اللي رجعتني أعيش من جديد. المعجزة اللي ادتني الأمل إني أكمل وأصبر لحد ما تكوني ليا. ابتسم برضى وأكمل: في مقولة قريتها في بوست من حوالي ثلاث سنين... استغربتها بس كانت زي الدفعة اللي صحتني من الغيبوبة اللي كنت عايش فيها. نظرت له بعدم فهم وقالت: مقولة إيه؟

أنت كنت في غيبوبة؟ ابتسم بهدوء وقال: كنت مغيب عن الدنيا... أنتي كنتي فرحة عمري اللي ضاعت مني... فمبقاش فارق أي حاجة بعدك... مكنتش حاسس بأي بهجة في الحياة... عايش عشان أموت نفسي طول اليوم في الشغل... وطول الليل أتعذب من وجع بعدك وغيرتي عليكي... لحد ما قريت البوست ده... كنتي يومها وحشااااااني بشكل غريب وقلبي واجعني عليكي... كنت حاسس إن فيكي حاجة... قولت أفتح الفيس اللي أساسًا ما بحبوش يمكن ألاقي حاجة منزلاها...

وأنا بقلب لقيت جملة بتقول: "إذا استحالت الأسباب، وظننت أن زمن المعجزات قد انتهى، تذكر أن رب المستحيلات موجود، فقط ادعوه، سيقلب موازين الأرض من أجلك فقط." حسيت وقتها إن دي إشارة من ربنا عشان ما أيأسش... بقيت أصلي كل يوم قيام الليل وأدعي ربنا وأقوله: يا رب أنت رب الأسباب ورب المعجزات... أمرك بين الكاف والنون... قل لأمنيتي كن لتكون... ما كنتش بقول غير كده... سنة كاملة وما فيش أي حاجة اتغيرت...

ولا حتى أي إشارة تديني أمل... بس أنا ما يأستش وما قطعتش صلاتي ولا دعائي... لحد ما جواد جالي في يوم وحكالي على كل البلاوي دي وطلب مني مساعدته. ضحك بخجل طفيف وأكمل: كان المفروض إني أتأثر وكده من اللي بيقوله... هههههه لقاني قومت من مكاني وقعدت أتنطط ع الكراسي ومش بقول غير يا فرج الله يا فرج الله... أنت كريم أووووي يا رب... سجدت سجدة شكر لربنا وقتها وجواد هيتجنن مني ومش فاهم إيه اللي بعمله وليه كل ده.

بعدها بدأ يشتغل بكل طاقته وشغلنا كلنا معاه عشان نقدر نخلص منهم... كان وقوعهم صعب بس الحمد لله ربنا وفقنا وقدرنا عليهم وخلصنا منهم... واتحققت المعجزة وبقيتي ليا... عرفتي بقى ببص لك ليه... عشان مش مصدق والله اللي أنا فيه. أهدته أجمل ابتسامة رآها يومًا ثم ضغطت على كف يده وقالت: لا... صدق يا سليمان... لازم تصدق... لأن ببساطة أنت تستاهل الفرحة دي... تستاهل كل الحب اللي في الدنيا...

أنا كمان ربنا عوضني بيك عن كل الهم اللي شوفته... بس عوض ربنا ليا كان كبييير أوووي. نظر لها بعيون يملؤها اللهفة وقال: يعني أنا بالنسبالك عوض ربنا؟ جيهان: بالنسبالي الدنيا وما فيها... سند وأمان وعزوة وعيلة... وأب لبناتي اللي حبوك واتعلقوا بيك... وقبل ده كله وأهم من ده كله... حبيبي... أنت حبيب عمري اللي راح واللي جاي. تصنم موضعه، لا يكاد يصدق ما يسمعه. أغمض عينه لبرهة ثم فتحها وهو يهز رأسه ويقول بتيه:

قولتي إيه يا سمارة... أنا سمعت صح؟ هزت رأسها سريعًا وقالت بفرحة: طبعًا صح الصح كمان... أنا بحبك. لم يستطع... قسمًا بمن أحل القسم... قلبه هو من احتضنها... هو من أمره بل جره جرًا كي يلتهم شفتيها التي نطقت بما روى عطش السنين... هذه فعلًا... قبلة الحياة. بالأعلى كان الوضع مغايرًا تمامًا لما يحدث... فقد كانت تلك الرقيقة الغاضبة تجلس بوجه متجهم وهي تتصنع اللعب مع تلك الكارثة الصغيرة والتي لم تصمت وقالت بغضب:

أنتي غلطانة يا دودو... خاصميه... أنا خاصماه خااالص... دهب بعصبية وكأنها تحادث فتاة من سنها: أنتي صح يا بيبو... أنا هسمع كلامك. حبيبة بتشجيع: برافو يا دودو... تعالي نمشي خاااالص والعفريتات تعضضه... عشان هو نوتي. ضحكت دهب بغلب وقالت: ده العفاريت تخاف منه يا بنتي... هو ده يقدر عليه إنس ولا جن؟ حبيبة: مش فهمتي إيه دي؟

كادت أن ترد عليها إلا أنهما انتفضا رعبًا حينما أتى عليهم مهرولًا بجنون بعد أن استمع لما يقال. أمسك الكارثة الصغيرة من ملابسها ورفعها في الهواء ثم قال صارخًا بها: أنتي بتسخني مراااتي عليا يا بت... أنا العفاريت تعضني؟ حركت ساقيها في الهواء وقالت صارخة أيضًا: الدريس جديييييد... هتقطعيه بقى؟ برقت عيناه بصدمة، حقًا عن أي ثياب تتحدث؟ جز على أسنانه وقال بغيظ: أنتي مااالك خليه يتقطع مش أنا اللي دافع تمنه؟ حبيبة مغيظة إياه:

لاااا... أنت نوتي... محمود جابو... أون لاين. جواد بجنون: محمود جابو أون لاين الله يرحم أبوكي كان بياكل الرز بلبيسة الجزمة... يا بنت الكلب. زوت بين حاجبيها وقالت: دودو مش فهمتي يعني إيه دي؟ ضحكت دهب بصخب على شجارهم الذي لا ينتهي وقالت بكيد: ده كلام نوتي يا بيبو ملكيش دعوة بيه. اقتربت منهم كي تأخذها وهي تقول: سيب البنت لو سمحت كده عيب أصلًا أصلًا... أنت فاكرها عسكري عندك؟

عض شفته السفلية بقهر وقام بترك الطفلة لتهبط أرضًا ثم قال بوقاحة: لويا لي بوزك يا دهب وبتتفقي أنتي والزقردة دي عليا... هتعملوا عليا حزب... لااااااا ده أنا أفرمكم أنتوا الاتنين... سااااامعين؟ انتفضت اثنتاهما رعبًا من صراخه. تحركت حبيبة تجاه الباب بهدوء ثم فجأة هرولت للخارج وهي تقول بخبث لذيذ: حاضر... أنا جيت خلصتي يا تيتااااااا... أعقبت قولها بإغلاق الباب خلفها تاركة تلك المسكينة بين فكي الأسد. نظرت تجاه

اختفائها بغيظ وقالت بهمس: آآآه يا ندلة. بدأت تتحرك للخلف وهي تقول بشجاعة زائفة: أنت بتبص لي كده ليه هااااا... أنا مش خايفة على فكرة... آآآ... آآآه... إيه ده إيه اللي جاب الحيطة دي هنا؟ مد ذراعيه حولها ثم أسنده بكفيه فوق الحائط اللعين وهو يقول بشماتة: الحيطة بتمشي... شوفتي ربنا... عشان أنا غلبان بيسخر لي كل حاجة... اعترضي بقى. نسيت خوفها وقالت بغضب جعله يتمنى التهامها: آآآآآنت غلبااااان...

أنت الغلب ما يعرف ليك طريق على فكرة أصلًا أصلًا... ابعد بقى عشان أنا حرفيًا زعلانة منك جدًا بجد... ومش هتعرف تضحك عليا زي كل مرة... أصلًا أصلًاااا. سيأكلها... هل توجد امرأة بكل هذه الطفولة والأنوثة... والجمال؟ أخذ يتطلع لها بعيون فاجرة دون أن يلقي بالًا لما قالته... هو فقط يتخيل ما سيفعله بها بعد لحظات. أفاقته من تخيلاته الماجنة حينما قالت: أنت واقف كده ليه بعد إذنك عايزة أدخل أوضتي.

لف ذراعه حول خصرها رغمًا عنها ثم حملها وتحرك بها إلى الداخل وهو يقول: يا سلام حبيبي يؤمر وأنا أنفذ... هو أنا يهمني غير راحتك؟ أدارت وجهها عنه ولم تعقب... بل لم تحاول منعه فهي تعرف أنها لن تستطيع فعلها. جلس بها فوق الفراش مجلسًا إياها فوق ساقه ولكنها حقًا لا تريد اقترابه، حاولت التحرك وهي تقول بجدية غاضبة: لو سمحت... سيبني واديني مساحتي... أنا بجد زعلانة ومش هقدر أكلمك.

كتف ذراعها بعد أن قرر أن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم... نظر لها بغضب وقال بأمر: اهمدي بقى لإني مش هاسيبك تماااااام... وأم الفون اللي عرفك على رضوى الشربيني ده أنا هكسره على دماغك سااااامعة؟ انتفضت رعبًا من غضبه وقالت بهمس خائف: طب هي رضوى عملت لك إيه... دي كيوت خالص. كتم ابتسامته بصعوبة وقال: مش هي اللي بتقويكي عليا... مساحة إيه يا حلوة اللي أديها لك... بكرة تقولك اشتغلي واعملي كارير.

بمنتهى البراءة زاغت عيناها هربًا من تأكيدها لهذا الحديث. ضيق عيناه وقال بشك: أنتي سمعتي منها الكلام ده صح؟ نهاااار أبوكي أسود يا ديبو. وكزته بغيظ على صدره وصرخت به: بتشتم وبتدلع إيه ده بقى ده... جوااااااد بعيدًا عن الهزار أو إنك تسحبني لحتة تانية... أنا مش متقبلة اللي أنت عملته تحت... يعني إيه تحرمني من أهلي... أنا من حقي أحضن بابا... وأشبع من أمي اللي أول مرة أشوفها في حياتي...

كان فيها إيه لما أبات في حضنها النهارده... ده يوم... كتير عليا؟ دون أن يشعر ضغط على يدها وقال بهوس: لاااااا... كتير عليا أنا... أنا اللي بتوجع لو حد لمحك... قلبي بيتحرق لو حد لمسك... ناااار قادت جوايا وأنا شايف أمك بتحضنك... حضنك ده ملكي مش من حق حد. غيري. نظر لها بعيون تلمع بشرار الغيرة وأكمل: متحبيش حد غيري يا دهب، حتى لو أهلك. قولي عليا مجنون. ترك يدها ثم كَوَّب وجهها وأكمل بنبرة تقطر عشقًا:

أنا مجنون بيكي، بتنفسك. مبقتش قادر أعيش لحظة من غير ما أحس بيكي جنبي ومعايا. بتجنن من ضحكتك مع بنتي. شايل هم العيل اللي جاي عشان هياخدك مني. عايز أفضل قافل الجناح علينا محدش يشوفك غيري. اختطف ثغرها في قبلة متملكة، جامحة. ثم فصلها وقال بحزن تملك من خلاياه: أمك قدي يا دهب، عارفة يعني إيه؟ أول مرة أحس بفرق السن بينا النهاردة. خايف. نظرت له بذهول فأكمل:

أيوه جوادك خايف يا دهبي. خايف سنة والتانية تكبري وتحسي إني منفعكيش. تحسي بفرق السن اللي بينا وتقولي ليه مكنتش صبرت وأخدت واحد قريب مني؟ أنا اتجوزت واحد مجنون حبسني في قفص من دهب. أنا حاولت وبحاول أتغير، بس مش عارف. كل مرة أقول سيبها شوية، مينفعش كده. وأول ما أقرر أنفذ ألاقي قلبي وجعني، ومقدرش أبعد. بحبك يا دهب، عشقك ملى قلبي لحد ما اتخنق. مش بيعرف يتنفس غير معاكي وجواكي.

أعقب قوله بتقبيلها بجنون ويده تعتصر كل ما تطاله. يريدها. يريد أن تشعر بما يكنه لها. لم يعد الحديث قادرًا على إخراج ما في جوفه، فليترك أجسادهم تتحدث، فليخترقها، يدلف داخلها، يقول بجسده: أنا معك، أنتِ لي وفقط. جلست آلاء في الحديقة مع كل من هدى وروان وجيجي، أما النساء فكن بالداخل.

كاد ولدها أن يقع وهو يمرح مع الأطفال فهرولت إليه سريعًا. لم تنتبه لمن كان يقف في انتظار خروج فارس له فاصطدمت به. أمسكها برفق قبل أن تقع، وقبل أن يعتذر أو ينطق بحرف، تخشب جسده وكادت عيناه أن تخرج من محجرها. الآن توقفت الأرض عن الدوران، لا يصدق أنه يراها، حبيبته التي اختفت منذ سنين، بحث عنها في كل مكان ولم يجدها.

يعلم أنها ابتعدت مرغمة، كانت صغيرة، فقيرة، لا تقوى على مواجهة عائلته خاصًا أبيه الذي أجبرها على الابتعاد، هكذا اعترف له قبل أن يتوفاه الله. نطق بتيه: آلاء. نظرت له بصدمة وعيون تملؤها الدموع وقالت بدون تصديق: تميم بيه. هنا عاد قليلًا لأرض الواقع بعد أن حاول تمالك حاله ليربط الأحداث ببعضها ويتذكر كل اسم وشخص له علاقة بالقضية. في عدة لحظات بسيطة استطاع أن يستنتج أنها هي، حبيبته الهاربة، هي نفسها زوجة فريد السرية.

ابتسم بقهر وقال: أنتِ مرات فريد، هربتي مني عشان تكوني زوجة في السر. أمسك ذراعها وأكمل بقهر: للمتعة، بعتِ نفسك. هربتي مني وبعتِ للي يدفع. طب كنتي قولي وأنا كنت هدفعلك أكتر. انطقي ردي عليا. دفعته بكل ما أوتيت من قوة خلقت داخلها نتاج الظلم الواقع عليها من الجميع. صرخت به بقهر وغضب مخزن داخلها منذ ست سنوات:

اخرس، كفاية بقى حرام عليكم. كلكم ظالميني. كلكم جيتوا عليا وموتوني بالحياة. أنا واحدة عندها ٢٢ سنة محستش في يوم إني بنت زي بقية البنات. كبرت وأمي بتشتغل خدامة عندكم لقيت ابن البيه صاحب الفيلا بيقرب مني، وابن عمه طمعان فيا، وكل مكان أشتغل فيه ألاقي كلاب عايزة تنهش لحمي، وفي الآخر أبوك هددنا. برغم إني عمري ما حاولت أتجاوب معاك، بس برضه اتهمني إني بلعب عليكم أنتوا الاثنين. خدت أمي وإخواتي وسبتلك البلد بحالها، وجيت القاهرة عشان أتوه في زحمتها وأختفي منك ومن قلبي اللي خليته يتعلق بيك.

بكت بقهر وهي تقول: هو أنا ذنبي إن ربنا خلقني حلوة؟ ذنبي إني محافظة على نفسي؟ ذنبي إن أمي باعتني للدفع تمن؟ ذنبي إني وقعت في إيد واحد زبالة حاربني بكل الطرق عشان يوصل لي؟ قولي ذنبي إيه انطق؟ جاي بعد كل السنين دي تتهميني إني ببيع نفسي؟ طب هو أنا كنت أملكها عشان أقدر أبيعها؟ أنا طول عمري بتباع، بس مقبضتش أي تمن. انهارت أرضًا حينما ركعت فوق ركبتيها وهي تقول بضعف: أنا بتباع وبس، بس مش بمزاجي. تعبت خلاص.

ركع أمامها دون أن يهتم بمن يقف ويشاهد ذلك الموقف المؤثر ثم كوّب وجهها عنوة وقال بصدق مليء بالوجع:

أنا مبعتكيش. أقسم بالله أنا حبيتك من كل قلبي. كنت مستني أخلص الكلية وأتجوزك حتى غصب عن أهلي. أنا عمري ما شوفتك رخيصة. لما اختفيتي دورت عليكي في كل حتة زي المجنون. كنت بموت وأهلي شايفين حالتي ومصعبتش عليهم. محدش فكر يقولي إنهم هددوكي. أبويا بس قبل ما يموت حب يخلص ضميره وقالي إنه لما حس إني بحبك بعدك عني بالإجبار عشان كان خايف عليا أرتبط بواحدة متناسبنيش. معرفتش أحب بعدك. أقسم لك حتى مفكرتش أتعرف على أي بنت. دفنت نفسي في دراستي وبعدها شغلي ولغيت من حياتي حاجة اسمها بنات.

أكمل بقهر نابع من قلبه العاشق: كنت كل ما أدور عليكي وملقكيش، أخاف وأموت من الرعب تكوني بقيتي لغيري. واللي خفت منه حصل. ليه يا آلاء؟ ليه مقاومتيش؟ ليه محاولتيش تكلميني؟ مكنتيش شايفاني راجل قدامك أقدر أحميكي؟ للدرجادي أنا صغير في نظرك؟ نظرت له من بين دموعها وقالت: أبدًا، أقسم بالله أبدًا. بس أنا معرفش إنك حبتني. أنت عمرك ما قلت لي. كنت بتعاملني كويس، بس مقلتش. افتكرتك زي ابن عمك، بتعاملني كويس عشان...

وبعدين كنت هقولك إيه إذا كان أبوك اللي طردني؟ كنت هتخالف كلام الباشا عشان بنت الخدامة؟ رد عليها بيقين رجل عاشق: كنت هبيع الدنيا وأشتريكي. كنت هحميكي من الدنيا بحالها. كنت هخبيكي جوه قلبي ومسمحش لغدر الدنيا إنه يطولك. مسح بكفيه دموعها وأكمل برفق: زي ما الدنيا خطفتك مني في لحظة غدر، زي ما ربنا جبرني ورجعك ليا في لحظة يأس، ومش هسيبك تضيعي ولا تتخطف مني تاني. نظر داخل عينيها وأكمل بقوة:

من النهاردة أنتِ ليا، ومش هسيبك أبدًا. ضمها وأكمل بحروف تقطر اشتياقًا: وحشتيني يا قلب تميم، اللي ادبح في بعده عنك. بكت الفتيات حزنًا على ما شاهدوه أمامهم وقد منعت هدى خروج فارس حينما لمحته يقترب كي تتيح لهما الفرصة للعتاب. نظرت لحبيبها وقالت بدموع تأبى التوقف: ربنا ده رحيم أوي يا فارس. طبطب على قلب الكل. على قد الوجع اللي كلنا عشناه، بعت لنا العوض اللي ينسينا كل المر اللي دقناه. أسندت رأسها فوق قلبه النابض

بعشقها وأكملت بتمني: يا رب اجبر قلب كل مكسور، ورد الغايب لكل مشتاق.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...