صباحك بيضحك يا قلب فريدة. حينما تجد من يمسك بيدك، يحنو عليك، يساندك في أصعب لحظات ضعفك، دون قيد أو شرط، تمسك به جيدًا، فلن تجد مثله مهما حييت. جلس تحت شجرة كبيرة، وكان أمامه الصبي يحاوطهم صمت مهيب، أخذ جواد يتطلع إليه وهو شارد بعيون فارغة، ضاع منها بريق الحياة. جواد بحنو: اتكلم... خرج اللي جواك وأنا هسمعك... مش إحنا صحاب؟ نظر له بدموع ترقرقت داخل
عينيه الحزينة وقال بيأس: ما عنديش حاجة أقولها يا عمو. وهنا لم يتحمل الكتمان أكثر من ذلك، انفجر في بكاء مرير، ولكن ذلك الجواد الحاني أخذه سريعًا بين ذراعيه ليبثه الأمان الذي افتقده، والاحتواء الذي يحتاجه وبشدة. تركه يفرغ كل ما بداخله كي يستطيع استيعاب ما سيقوله له، ظل هكذا فترة إلى أن هدأ من نوبة البكاء الحارة.
أبعده قليلًا بعد أن قبل رأسه بحنو، أخذ يمسح وجهه بكفيه ليس ليجفف دموعه فقط بل كي تصله رسالة مبطنة سيفهمها الصبي سريعًا مفادها: يدي دائمًا محاوطة بك، تمسح دموعك، تشد يدك إذا ما أردت السقوط، لتمنعك. جواد بحكمة يشوبها الحب الأبوي الخالص: إحنا مش اتكلمنا قبل كده؟ وأنت وعدتني إنك هتكون راجل وقد المسؤولية. قلت لك محدش بيختار أهله صح؟
بس في حد بيختار يبقى وحش. أنا مش هعيد كلامي اللي قلته قبل كده، بس بما إنك سمعت كل اللي حصل من عمك مصطفى، أكيد عرفت إن بابا روان ومامتها ما كانوش كويسين صح؟ هز محمود رأسه علامة الموافقة فأكمل هو بتعقل: وإن أحمد طلع أخو مصطفى مش روان. محمود باستغراب: بس أنا مش فاهم إزاي كده؟
جواد: مش هأعرف أشرحها لك دلوقت، أكيد لما تكبر هتفهم. وكمان بنات أحمد أكيد هيزعلوا لما يعرفوا إن باباهم كان وحش، يعني مش لوحدك اللي اتضريت من أهلك. كل ده ما يهمنيش، كل اللي هاممني إنك خلفت وعدك معايا، وأنا ربيت ابني على الرجولة وإن كلمته تبقى سيف على رقبته. حقي أزعل ولا لأ؟ وعدتني تقول لي يا بابا ورجعت في كلامك، وعدتني إنك تشيل كل اللي حصل من دماغك وأنا جنبك ومعاك ورجعت في كلامك.
بكى الصبي مرة أخرى وقال: آسف يا بابا غصب عني. نظر له بانكسار. وأكمل: حضرتك عندك حبيبة وطنط حامل... أكيد ولادك مش هيحبوا حد يقولك الكلمة دي غيرهم... شهق بقوة وأكمل: وأنا وعدتك أتحمل... بس غصب عني... مش قادر... بابا وماما طلعوا وحشين أوي... طب هقول لصاحبي إيه... والناس هتعاملني إزاي... أكيد هيفكروا إني زيهم صح. نظر له برجاء وأكمل: بس أنا مش زيهم... والله أنا مش وحش يا بابا. احتضنه برفق وقال:
أنت ولا زيهم ولا عمرك هتبقى كده. صمت للحظة ثم قال بحكمة: محمود أنت خرجت معايا قد إيه؟ رد عليه بضعف: كتير. جواد: فاكر أي حاجة من اللي كنا بنعملها سوا؟ ابتعد قليلًا وقال: فاكر كتيير وموبايلي مليان صور وفيديوهات لينا سوا. ابتسم من بين دموعه بحزن وأكمل: طول الفترة اللي فاتت لما كنت بتوحشني بقعد أتفرج عليها... وحبيبة تتغاظ وتقول: "هو بابتي مس عملتلي كده ليه... أنا مخمصاكم تنينات". ضحك جواد بخفة وقال:
حبيبة عايزة مترجم والله يا ابني... المهم... فاكر إيه عن فريد؟ ليه أي صورة معاك على الفون؟ فيه ذكريات بينكم فاكرها له... هو أو أمك؟ نظر الطفل أرضًا وهز رأسه علامة الرفض. ابتسم جواد برضى ثم مد يده ووضعها أسفل ذقنه وهو يقول بقوة: أوعى توطي راسك أبدًا... أنت محمود التهامي راسك ديما هتفضل مرفوعة. الاب يا ابني هو اللي بيربي... كتير أهالي رمت عيالها فالشارع أو في ملجأ... أو حتى العيال عاشوا في وسط أهاليهم بس متدمرين...
احمد ربنا إنك عندك عيلة كلها بتحبك. ملس على وجنته بحنو وأكمل: وعندك أب... معندوش أغلى منك فالدنيا... أنت ابني البكري يا محمود... هتكون أخ لأولادي اللي جايين بأمر الله... ولإخواتك اللي مكنتش تعرف عنهم حاجة. أنت هتبقى كبير العيلة يا ابن قلبي... لازم تكون قوي... هتحس بحزن... وهتتوجع... بس هتعدي... كله بيعدي... وبنطلع من كل وجع أقوى من الأول. كوب وجهه بكفيه ثم نظر داخل عينه ليبثه القوة وأكمل: أنا... ابني...
عمره ما كان ضعيف... سامع... هتكبر وهتنسى... جرحك هيسيب أثر جواك... بس مش هيوجعك زي دلوقت... لو بصيت على النعم اللي ربنا إداها لك... صدقني كل حاجة هتهون. ارتمى الطفل داخل صدر أبيه الحقيقي... هو الذي رباه... علمه... أصبح له صديقًا... كان له كل شيء... وسيظل هكذا... دائمًا. قال بصدق: أنا بحبك أوي يا بابا... ربنا يخليك ليا... أوعدك هكون قد الثقة اللي إدتها لي... وعد. ضمه جواد بقوة وقال: وأنا مصدقك يا ابن قلبي.
أبعده قليلًا ثم قال: يلا بقى نرجع عشان عايز أخلص كل حاجة انهارده. نظر له محمود بابتسامة وقال: يلا... آه. جواد: قول اللي عايزه من غير تفكير. محمود: هو أنا لو كبرت وحبيت أتجوز حبيبة هتوافق؟ ضحك جواد بصخب وهو يصعد فوق ظهر الأدهم ومعه ابنه الروحي... انطلق وهو يقول: يا ابني خدها من دلوقت واكسب فيا ثواب... طب أقولك خدها وهديك فوقيها فدانين أرض وجاموسة حامل هدية... أنت خد البلوة الصغيرة وأنا أفوق للبلوة الكبيرة.
انتشر صدى ضحكاتهم مع الرياح التي يسابقها الأدهم الذي يوكزه جواد كي يصل سريعًا إلى السرايا بعدما أمر الجميع أن يكون حاضرًا كي يغلق صفحة الماضي نهائيًا ويبدأوا جميعًا حياة جديدة خالية من أي أحقاد. قبل أن يدلفا إلى السرايا هبط بجسده ليوازي طول الصبي... أمسكه من كتفيه وقال بحنو: محمود... خد العيال كلها واقعد معاهم فالجنينة... مش حابب يسمعوا اللي هيحصل جوه... ماشي يا حبيب أبوك. محمود: حاضر يا بابا.
وذهب ليجمع الأطفال كي يلهيهم عما سيحدث مع آبائهم... يكفي طفلًا واحدًا علم بالحقيقة والله وحده يعلم كيف سيتخطاها. ألقى عليهم السلام... نظر لجميع الحضور... سليمان وجيهان... سهير وشيكو... زينب ومحمد... هدى وفارس... آلاء وتوأمها الذي ذهب مع الأطفال... وأبويه... وأخيرًا صباح تلك الأم التي لم تحظَ باحتضان طفلتها الوحيدة قط... قلبها متلهف لرؤيتها... تنتظرها على أحر من الجمر...
وها هي تنظر لجواد برجاء أن يأتي بها كي تقر عيناها برؤيتها. هز رأسه بتفهم وقال: أنا طالع أجيب... دهب... فين مصطفى وروان؟ هدى بحزن: روان نفسيتها تعبانة من ساعة اللي حصل وتقريبًا مش بتخرج من أوضتها من ساعة ما رجعنا. نظر جواد لأمه وقال: ماما معلش اطلعي كلميها... لازم الكل يكون حاضر... خلينا نقفل صفحة الماضي بقى ونخلص. أعقب قوله بالتحرك إلى الأعلى كي يأتي بدهب الذي يخاف عليها من تلك المواجهة الحتمية...
ولكن لا بأس هو معها... سيشد على يدها حتى تعبر تلك المحنة. دلف لها وجدها تجلس ووجهها يملأه الحزن... الخوف... الحيرة. بمنتهى الهدوء... ركع أمامها ثم أمسك كفيها وقبلهما بعشق وقال: حبيبي مالك؟ نظرت له بتيه وقالت: خايفة... حاسة إني مش قد اللي هيحصل... بابا... وماما الحقيقية... مش عارفة هواجههم إزاي. ملس على وجهها بحنان وقال بتشجيع: أنا معاكي حبيبي متخافيش... مامتك ست طيبة جدًا وهتتجنن عليكي...
وأبوكي كان مظلوم من أول الحكاية وأي حاجة عملها كانت خارجة عن إرادته... أنت قوية يا ديبو... لحظة صعبة وهتعدي صدقيني وبعدها هنرتاح كلنا. نظرت له بعيون يملأها الرجاء وقالت: خليك معايا... متسبنيش لوحدي. ضمها باحتواء ثم قال: ديما معاكي وعمري ما هسيبك... أبدًا. طرقت إيمان باب الجناح الخاص بروان ومصطفى وحينما سمعت صوت الأخير يأذن بالدخول... أدارت المقبض واتجهت لهم وعلى وجهها ابتسامة بشوشة...
قطعتها فورًا حينما وجدت تلك المسكينة منهارة من البكاء. وقف مصطفى احترامًا لها وقال: تعالي يا مرات عمي شوفي الهبلة دي عايزة إيه. جلست جانبها وقالت: عايزة إيه... أكملت بفطنة: عايزة تسيب السرايا وتمشي صح. نظرت لها من بين دموعها وقالت بقهر: مش هقدر... والله ما هقدر أبص في وش حد بعد كل اللي أهلي عملوه... حتى أنتم مهما حاولتم تنسوا كل ما هتشوفوني قدامكم هتفتكروا كل القرف اللي عملوه معاكم. مصطفى بحزن:
يا حبيبتي طب ما أنا كمان طلع أحمد أخويا. روان بقهر: بس معملش كل البلاوي السودة اللي أبويا عملها. بكت بقوة وأكملت: ده عاش عمره كله يدمر في أخوه وأولاده... مش هقدر أواجه عمو عبيد والله ما هقدر. تركتها إيمان تفرغ ما في جوفها وحينما انتهت... نظرت لها وقالت بحنو: أنا مش هقولك متزعليش... ولا محتاجة أقولك إحنا بنحبك قد إيه... أنا اللي ربيتك أنت ومصطفى مع ولادي... أمك الله يرحمها كان كل اللي هاممها أحمد...
مكنتش تعرف عنك حاجة... وأنا اللي أخدتك في حضني وقولت ربنا بعتلي البنت اللي كنت نفسي أخلفها... حتى لما كبرت وبدأ أبوكي وأحمد يحاولوا يغيروكي من ناحيتنا... معرفوش... قلبك الطيب وتربيتي ليكي خلتك ترجعي لعقلك بسرعة وتبعدي عن سمهم اللي كانوا بيبخوه. محدش له ذنب في حاجة يا بنتي... كلنا اتظلمنا بس ربنا جاب حق الكل... أنت أبوكي وأمك وأخوكي ظلموا الكل. دمعت عيناها وأكملت: وأنا ابني...
ابني اللي ربيته بإيدي طلع عايز يقتل أخوه غير البلاوي اللي عملها... تفتكري هكره ولاده عشان اللي أبوهم عمله؟ ... كلنا اتوجعنا... وكلنا هنفضل مع بعض نداوي جروحنا... وهتعدي. احتضنتها بحنو وأكملت: أنت بنتي أنا... ومش هسمحلك تبعدي عن حضني... أبدًا. هبط بها الدرج وهو محتضنًا لخصرها بتملك... كلما شعر بارتعاش جسدها شد يده عليها كي يبثها الأمان... وقف بها أمام الجميع... انتفضت صباح ومحمد من مجلسهما كي يقتربا منها.
نظرت لهم بدموع... ولم تقوَ على التحرك... وذلك المتملك لم يفلتها... فهو يقف بتحفز لما سيحدث بعد لحظات بالتأكيد ستحتضن أمها وأبيها... يا ويلك يا جواد... لن تستطيع منعها... ولن تقوَ على تحمل نارك. قطع أفكاره المهووسة اقتراب صباح من دهب وهي تبكي بانهيار وتقول بهمس مشتاق: بنتي... مدت يدها المرتعشة وكوبت بها وجهها وأكملت وعيناها تطالع كل أنش في طفلتها: بنتي... أخيرًا... شوفتك ولمستك... خطفوكي مني قبل ما عيني تشوفك...
بعدوني عنك بالقوة. ضغطت على وجهها الباكي بيدها وأكملت: قتلوني يا بنتي عشان ياخدوكي مني... سامحيني أنا كنت ضعيفة... مقدرتش أحارب عشان أرجعك ليا... خوفت عليكي ليأذوكي. نظرت لها من بين دموعها وأكملت برجاء: نفسي أحضنك... ينفع ولا زعلانة مني؟ دون ذرة تفكير كانت تزيل يد هذا المتملك من حولها وترتمي داخل أحضان أمها باشتياق... يا الله... هذا هو حضن الأم... بكت بقوة وهي تقول: مش زعلت منك عشان أسامحك أصلًا... يا... ماما.
ضمتها صباح بقوة أكبر وهي تقول بانهيار: قوليها تاني... قولي ماما... قوليها يا بنتي. نطقت دهب بانهيار: ماما... أخيرًا حسيت بالكلمة... وعرفت يعني إيه حضن الأم. بكت النساء تأثرًا بهذا الموقف العصيب حتى الرجال نظروا بقلوب وجلة لما يحدث... وبينما ينتظر محمد دوره للاعتذار واحتضان ابنته التي حرم منها لشهور عديدة... وجد ذلك المهووس يفصل هذا العناق الحار وهو يسحب دهب بالإجبار ويقول: كفاية كده. نظرت له صباح بخوف يشوبه
الذهول فأكمل بتبرير وقح: معلش يا حماتي بنتك حامل وكده غلط عليها. نظر له الجميع بذهول... عن أي حماة يتحدث هذا المختل وهي من نفس عمره تقريبًا... لم يهتم بكل هذا بل حاوطها بقوة ثم قال لمحمد بتبجح: قول الكلمتين اللي عندك عشان تقعد بقى... الوقفة الكتير غلط عليها. صرخ عبيد بغيظ: احترم نفسك يا ابن الكلب... سيب البت مع أبوها وأمها... هما هياكلوها؟ جواد ببرود: أنت زعلان على صاحبك وأنا خايف على مراتي عادي يعني. همست له تلك
المصدومة وقالت بعتاب رقيق: جواد... دي مامتي اللي عمري ما شوفتها. رد عليها بغيرة حارقة: يعني أمك أهم من قلبي اللي بيتحرق يا دهبي؟ تقدم منهم محمد وقال: أنا مهما اعتذرت منك يا صباح مش هقدر أوفيكي حقك... بس أقسم لك بالله أنا كان غصب عني... أكيد جواد حكى لك على اللي حصل زمان اللي أنا نفسي مكنتش أعرفه... أنت اتظلمت كتير... بنت الكلب أخدتك عيلة عندها خمستاشر سنة... عشان متقدريش تقفي قصادها... واتهمتني أنا بقتلك...
عشت معاها غصب عني وأنا متهدد... غير عذاب الضمير... شوفي إيه اللي يرضيكي ويعوضك وأنا هعمله. ردت عليه برضى: أنا مسامحاك يا باشمهندس... كلنا اتظلمنا ومحدش له حق عند التاني. نظر لها بامتنان ثم التف لابنته وقال بأسف: سامحيني يا بنتي... مكنتش عارف اللي بيحصل معاكي... وأنت مفكرتيش تقولي لي أي حاجة... حقك عليا... مكنتش ليكي الأب اللي بتتمنيه. ردت عليه من بين بكائها وهي تحاول الاقتراب منه إلا أن ذلك الجواد
يقبض عليها بيد من حديد: مسامحاك يا بابا... أصلًا أصلًا أنت كان غصب عنك... جواد قالي على كل حاجة... متزعلش أنت... حقك عليا. حينما جاء ليقترب منها ليحتضنها وجد ذلك المهووس يتحرك بها تجاه أحد الأرائك وهو يقول: تعالي يا حبيبتي اقعدي كفاية كده عشان متتعبيش. تصنم محمد مكانه بينما هي لم تقوَ على الاعتراض وهو يحركها معه رغمًا عنها... قالت له بحزن: أنا مخصماك... إياك تكلمني تاني. أجلسها بجانبه وألصقها به ثم رد ببرود:
نبقى نشوف الموضوع ده بعدين... اقعدي زي الشاطرة كده وإياك أسمع صوتك لحد ما أخلص من اللمة السودة دي... ربنا يصبرني على وجودك وسط كل دول. أخذ نفسًا عميقًا ثم بدأ التحدث بجدية: كل اللي موجود هنا كان جزء من الحكاية... من أول مدام زينب اللي أختها خطفت حبيبها... لحماتي اللي خطفوا بنتها... لمدام سهير وابنها اللي كانوا سبب كبير في كشف جزء من الحقيقة... نظر لصديقه وأكمل بابتسامة هادئة: لسليمان اللي اتسرقت منه حبيبته.
نظر لآلاء وأكمل: وآلاء اللي اتظلمت لمجرد إن ظروفها صعبة وليها أم بتبيعها للي يدفع أكتر... وهدى اللي استحملت وجع قلبها وقبلت أن يكون ليها شريك في حبيبها. روان ومصطفى، اللي فجأة أخوها بقى أخو جوزها، وحكايتهم اتلخبطت، بس لسه ماسكين إيد بعض. نظر إلى والديه وأكمل بحزن: وأبويا وأمي اللي اكتشفوا إن زرعتهم فيها فرع مايل، بس للأسف راح قبل ما يحاولوا يعدلوه، وساب وراه بلاوي. وأخيرًا التف لدهب وأكمل بعشق لم يحاول أن يداريه،
ثم قال: ودهبي، قلب جواد الدهب، أكتر واحدة اتعذبت في الحكاية. ملس على وجنتها الحمراء من الخجل وأكمل: بس أثبتت لي إن بنوتي الصغيرة اللي ربيتها على إيدي، قوية وشجاعة، استحملت اللي محدش في سنها ولا حتى أكبر منها يقدر عليه. كان عندها يقين إني هرجعلها، وهتشكيلي، وهجبلها حقها. أثبتت لي فعلًا إنها تبان صغيرة بس كبيرة من جواها. أنا هحكيلكم كل اللي حصل من البداية، عشان كل واحد يكمل الجزء الناقص في حكايته ويحل اللغز.
جلس الجميع بصمت مهيب بعد أن قص عليهم كل ما حدث، واكتملت قصة كل واحد منهم. الجميع ظُلم من أناس حقراء لم يكن لديهم قلب ولا ضمير. وسط بكاء النساء، كلًّا على حالها وعذابها الذي عاشته سنين، كانت من بينهم واحدة مجنونة تضحك وتبكي في آن واحد. هدى، تلك العاشقة التي ضحت من أجل حبيبها، قبلت أن يكون لها شريكًا به، تحملت عذاب غيرتها عليه. ها هو الله يكافئها على صبرها ويعوضها. صرخت بجنون وهي تنظر له: يعني أنت متجوزتش عليا؟
يعني كل ده كان تمثيل؟ بكت بفرحة وأكملت برجاء: قولي يا فارس إن اللي سمعته حقيقي، أنا والله كنت متقبلة اللي حصل وحطيت لك ألف عذر، مش لازم تضحك عليا دلوقت خلاص كل حاجة انتهت وهي أخدت جزائها. ضمها بعشق واحتواء ثم قبل رأسها وقال: أقسم لك بالله، ما لمست واحدة غيرك ولا واحدة اتكتبت على اسمي غيرك. أنتي بس اللي حبيبتي ومراتي وأم ولادي. تشبثت به بقوة وقلبها كاد أن يقفز خارج قفصها الصدري من شدة فرحتها. نظر إلى
مصطفى وروان ثم قال بجدية: طبعًا أنتو الاتنين مش محتاجين تعرفوا غلاوتكم عندنا، وإنكم هنا زيكم زي أنا وفارس. أتمنى اللي حصل ما يأثرش على علاقتنا ونفضل أخوات زي ما اتربينا طول عمرنا. روان، اللي حصل مش سهل أنا معاكي، بس الأيام كفيلة إنها تنسي كل وجع عشناه. هزت رأسها له بتفهم مع ابتسامة هادئة حزينة رغمًا عنها. وجه حديثه إلى زينب وصباح موضحًا للأولى:
طبعًا أنتي عارفة إني خليت الكلب رفيق يطلقك من فترة، وقسيمة الطلاق مع بابا. أنتي فاضل لك تقريبًا يومين وعدتك تخلص. نظر لمحمد بابتسامة وأكمل: تقدري تعيشي حياتك وتبدئي من جديد. نظر إلى صباح وقال: وأنتي يا حماتي طبعًا من أول ما بابا حكى لعم محمد اللي حصل، هو طلقك لأنه ما يقدرش يظلمك أكتر من كده، أكيد نفسك تعيشي حياتك زي أي واحدة في سنك. ابتسمت صباح بهم وقالت:
يا باشا أنا أه لسه عندي 33 سنة بس واحدة عندها القلب ما فيش حياة أعيشها. أنا بس كل اللي طلباه منك تخليني أطمن على بنتي من وقت للتاني أجي أزورها. جواد بإقرار: أنتي أساسًا هتقعدي هنا مع بنتك، وفي دكتور أجنبي هيوصل الأسبوع الجاي عشان يعمل لك العملية. أنا بعت له تقرير عن حالتك وآخر أشاعات عملتيها وقال إن شاء الله العملية بسيطة وهتنجح. نظرت له دهب بفرحة ودموع ثم قالت: بجد يا جواد؟ بجد؟ همس لها بغيظ مازح:
بلاش جواد دي ما تضيعيش الهيبة. سهير: أنا كده عملت اللي عليا أنا وابني، أفتكر نقدر نرجع بيتنا ونشوف حياتنا. شيكو: وأنا تحت أمرك يا باشا وقت ما تطلبني للشهادة، وربنا يسامحني ويقبل توبتي. نظر لصباح بخجل وأكمل: ويرزقني ببنت الحلال اللي ترضى بيا. فهم جواد ما يعنيه، فهو يعلم أنه أعجب بها في تلك الفترة الماضية، ولكنه لم يفكر أن يلمح لها حتى عن هذا الإعجاب. نظر له وقال بمغزى:
أي واحدة تتمناك يا شيكو أنت راجل جدع وطيب. بس إيه رأيك تستقر هنا أنت والحاجة، تشتغل معايا في المصنع؟ نظر لصباح سريعًا ثم أعاد بصره له وأكمل: وتبقى جنب الكل أنتو ما لكمش حد هناك في القاهرة. ابتسم شيكو باتساع وقال: اللي تشوفه يا باشا أ... قبل أن يكمل حديثه وجد من يدخل عليهم بغضب. وقف سليمان وجواد بتحفز لهذا الزائر الغير مرغوب فيه، مع انكماش جيهان وخوفها من هيئته التي لا تبشر بالخير. أبو جيهان: سلام عليكم.
وقف عبيد وقال: وعليكم السلام، اتفضل يا حاج. أبو جيهان: ما تأخذنيش يا بيه أنا جاي آخد بنتي كفاية كده بقى لها كام شهر ما أعرفش عنها حاجة. أنا عملت حساب كلمة جواد بيه وسيبتها بس كفاية كده. تقدم منه جواد ثم وقف قبالته واضعًا يده في جيبه وقال بتجبر: وبنتك تلزمك في إيه؟ نظر له بمكر وأكمل: ولا في حاجة في دماغك؟ سليمان: أنا أساسًا كنت جاي بكرة أنا وأهلي نطلبها منك يا حاج. أبو جيهان: معلش يا بني ما فيش نصيب. كاد أن يهجم
عليه سليمان وهو يصرخ به: يعني إيه؟ إلا أن جواد وضع يده أمامه ليمنعه وقال: اصبر بس. نظر لذلك المرتعب ولكنه يمثل القوة وقال: وليه ما فيش نصيب؟ مش هتلاقي لبنتك أحسن منه، ولا في حد تاني؟ الرجل بتبجح: أيوه الحاج عبد الحكيم طلبها مني ودفع مهرها كمان، وأنا اديته كلمة. قبل أن يتفوه أحدهم بحرف كانت تلك المسكينة تنتفض من مكانها لتقترب منه وتقول بصراخ: تاني؟ عايز تبعني تاني؟ أنت إيه حرام عليك! صرخ بها بغضب:
اخرسي يا بنت الكلب يا فاجرة، مش كفاية سيرتك بقت على كل لسان من ساعة ما اطلقتي واختفيتي. أهو الراجل كتر خيره هيسترك. هنا، ولم يحتمل سليمان إهانتها. هجم عليه ممسكًا إياه من تلابيبه وقال بشر: اسمع أما أقول لك، أنا ماسك نفسي بالعافية عشان خاطرها هي بس. بس قسمًا بربي لو فكرت إنك تعملها تاني لأكون مخلص عليك. جيهان مش هتبقى لغيري، سامع؟ تركه بغضب بعد أن تواعده، فصرخ الرجل قائلًا: أنت بتهددني؟ نظر لابنته الباكية بشر وأكمل:
شايفة أبوكي بيحصله إيه بسببك؟ هي كلمة واحدة، هتيجي معايا وبطولك. سيب لهم بناتهم هما أولى بيهم، واللي أنا عايزه هو اللي هيحصل، سامعة؟ يا إما لا أنتي بنتي ولا أعرفك ولا ليكي أهل مالأساس. نظرت له جيهان بعيون فارغة بعد أن توقف دموعها فجأة. تشعر بالقهر والضعف. حوّلت نظراتها الآسفة تجاه ذلك الذي يشتعل غضبًا ثم قالت بعد أن أعادت نظرها لأبيها: ...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!