كانت تجلس في هدوء يضاهي سكون الليل، وهي تستمتع بحريتها المسروقة ولو لبضع لحظات، ولكنها تيبست مكانها حينما سمعت وقع خطوات تقترب من مجلسها تحت تلك الشجرة الكبيرة. توترت ولم تعرف ماذا تفعل، أتقوم وتُهرول هاربة؟ أم تختبئ حتى يذهب ذلك الغريب الذي لم تكتشف هويته بعد؟
وفي ظل تفكيرها العقيم، أرادت أن تتحرك لتختبئ فصدر عنها صوت حينما ضغطت على بعض أوراق الشجر الجافة. وبما أن ذلك الجواد قد تعلّم بمهارة أن يستغل حاسة سمعه، فقد علم أن هناك غريبًا اقتحم صومعته، وبرغم رائحة الزهور المنتشرة في الهواء حوله، إلا أنه استطاع أن يميّز من بينها رائحة عطر نسائي برغم هدوئه إلا أنه غريب على المكان. لم ينتظر حتى يصل إلى مكانها البعيد نسبيًا عنه. في اللحظة التي أغمضت عيناها خوفًا حينما صدر منها صوت، كان
هو يصرخ بحسم وكأنه يراها: "تعالي هنا! تصنمت مكانها ولم تقو على الحركة، ودموع رعبها هطلت أنهارًا فوق وجنتها الوردية. تقدم على مهل تجاه صوت تنفسها الذي أصبح عاليًا وهي تحاول كتم شهقاتها، وقد خانها جسدها الذي يأمره عقلها أن يُهرول بعيدًا وتنفد بحياتها. ولكنها حقًا أصابها حالة من الشلل لم تقو على التحرك. برقت عيناها حينما وصل قبالتها، ومن صوت شهقاتها المكتومة استطاع أن يخمن قصر قامتها، فأطرق رأسه قليلًا وكأنه يراها وينظر
لها ثم قال بهدوء خطر: "أنتي مين وإيه اللي جابك هنا في الوقت ده؟ لم تستطع الرد عليه، وقلبها يخفق بشدة حتى كاد أن يتوقف من شدة رعبها. حاولت فتح فمها عدة مرات لترد عليه ولكنها فشلت. ولم يكن هو يمتلك الصبر لينتظر قليلًا حتى تجمع شتات حالها، فقال بنبرة هادئة مرعبة: "ردي أحسن ما أعرفك بطريقتي." "دهب."
هكذا انطلقت حروفها من بين بكائها الشديد وفقط. زوى ما بين حاجبيه باستغراب فلا يوجد في قريته شخصًا يحمل هذا الاسم غيرها، تلك الصغيرة حبيسة أبيها والتي رآها بضع مرات في صغرها قبل أن يفقد بصره. "جواد: أنتي دهب المنصوري؟
هزت رأسها بهستيرية وكأنه يراها، ولكنها سرعان ما جحظت عيناها حينما كشف عن وجهه وتعرفت عليه في الحال. نعم، لم تره منذ عدة سنوات ولكن ملامحه محفورة داخل عقلها، وما ساعدها في التعرف عليه أنه لم يتغير به شيء إلا أن بنيته الجسدية أصبحت أضخم من ذي قبل. هنا عرفت أنها هالكة لا محالة، فذلك الجواد بالتأكيد سيوشي بها عند أبيها. قطع تواصل أفكارها وهي تتخيل عقابًا قاسيًا سيلقنه لها أبوها حينما قال بغضب مكتوم:
"أنتي إيه اللي طلعك في الوقت ده ولوحدك كمان؟ مش أبوكي مبيطلعكيش من البيت؟ ده ما حدش في القرية عارف شكلك حتى." ضيّق بين عينيه وأكمل بشك يصل لحد اليقين: "أنتي هربانة من البيت يا دهب؟ هنا وانطلق لسانها المتلعثم وهي تحاول أن تنفي تلك التهمة عنها فقالت من بين شهقاتها المريرة: "لا لا لا أقسم بالله أبدًا، أنا... أنا... بس أنا... "انطقي! هكذا صرخ بها فانتفضت بزعر وقالت:
"أنا كنت مخنوقة وقولت أجي أقعد هنا شوية وأرجع البيت تاني، وبس." "جواد: أنتي أصلًا مش بتخرجي من البيت، إيه اللي عرفك على المكان ده وجيتي هنا أمتى غير أنهارده؟ دون أي مجهود منه اعترفت بكل شيء حينما قالت: "جيت مرتين قبل كده. كنت مرة مخنوقة عشان بابا رفض يخرجني مع خالتو زينب وهي نازلة المركز تشتري حاجات، فأنا قعدت بالليل لوحدي في أوضتي و... و... وبعدين فكرت إني هخرج وخلاص. فضلت ماشية لحد ما جيت هنا و... و...
وبس عجبني المكان فقولت كل أما أزهق من الحَبسة أجي أقعد شوية." شهقت بقوة وأكملت بخوف: "والله والله والله ده كل اللي حصل بصراحة." نظرت له برجاء وقد نسيت أنه فاقد للبصر وقالت: "أنت مش هتفتن عليا صح؟ لم يشعر أن حبيبة أبيها هي من تتحدث معترفة بخطأ ما ارتكبته وجاءت لتعترف به. نفض تلك الأفكار التي جالت بخاطره وقال بحسم: "آخر مرة تطلعي من البيت، سامعة؟ أنتي إزاي جاتلك الجرأة إنك تمشي بالليل وسط الأراضي الزراعية دي؟
مخوفتيش حد يتهجم عليكي ولا يطلعلك ديب ياكلك؟ شهقت برعب وقالت: "يا ماما! أنا مفكرتش كده، هو ممكن ده يحصل؟ ابتسم بداخله على براءتها، فبالتأكيد لا توجد مثل تلك الأشياء في قريته التي يحكمها بيَدٍ من حديد، ولكنه استغل نقائها ليرعبها حتى لا تكرر فعلتها مرة أخرى. رد عليها بحسم: "أيوه طبعًا فيه. يلا اتفضلي معايا عشان أوصلك." نظرت له بزعر وقالت: "طب هقول إيه لبابا؟ ده ممكن يموتني."
"جواد: ومفكرتيش ليه في أبوكي واللي ممكن يعمله فيكي قبل ما تخرجي من البيت هاااا؟ بكت بشدة أكبر ولم تستطع الرد عليه، ولكنها أمام حجر لا يهتز من أي شيء. "جواد بأمر: تعالي معايا عشان أوصلك." ردت بخوف: "هتفتن عليا صح؟ ماذا يقول لتلك الطفلة البلهاء؟ هو ليس لديه صبر ولا طاقة للمجادلة، ولكنه حسم أمره وقال حتى تهدأ قليلًا حينما سمع ثقلًا في تنفسها إثر البكاء:
"هوّصلك ومش هقول لأبوكي، بس من بكرة هحط غفير قدام بيتكم طول اليوم عشان لو فكرتي تعمليها تاني أنا اللي هعاقبك، سامعة؟ ردت عليه بلهفة: "لا لا لا والله وعد. وعد عمري ما هفكر أعملها تاني." أكملت بصوت منخفض ظنًا منها أنه لم يسمعها: "منك لله راحت الفسحة اللي كنت بتفسحها." "جواد بتمثيل الغضب: بتبرطمي تقولي إيه؟ "ش... شكرًا. بأقول شكرًا يا أبيه جواد." هكذا ردت سريعًا بأول كذبة جاءت في عقلها الصغير. تحرك
من أمامها بغرور وهو يقول: "تعالي ورايا." وفقط. تحرك تجاه جواده المرابط على بعد مسافة منهما، وبمجرد وصوله قبالته قفز بخفة أبهرتها، وفي لحظة كان يجلس بشموخ فوق ظهر الخيل. وقفت تنظر له بذهول وإعجاب كبير، ولكنه قطع شرودها به حينما مد يده لها وهو يقول بأمر: "هاتي إيدك عشان أساعدك تركبي." وضعت يدها داخل كفه الكبير دون تفكير، ولكنها ضغطت عليه دون قصد وقالت بارتباك: "بس أنا عمري ما ركبت حصان قبل كده وأخاف أقع من عليه."
رد عليها بثقة: "عمرك ما تقعي وأنتي مع جواد التهامي، خليكي فاكرة كده."
وفقط سحبها مثلما يقطف زهرة من إحدى فروعها ووضعها أمامه، ثم حاوطها بذراعيه ليمسك لجام الفرس لينطلق به. ولكنه شعر أن بين يديه أنثى مُهلكة، ليست تلك الطفلة التي كان يبتاع لها الحلوى منذ زمن. فهو لديه تجارب لا بأس بها مع العديد من النساء، فلذلك كان من السهل عليه تخيل جسدها المغوي. انطلق الفرس بعدما همس بإذنه ليخبره عن وجهته تحت صدمتها التي كادت أن تصل بها للجنون. كيف لرجل أعمى أن يتصرف هكذا بل ويعرف الطريق جيدًا؟
هل ما زال فاقد البصر أم أنه أصبح يرى؟ فاقت من حديثها الداخلي على وقوع وشاحها من فوق رأسها بفعل الهواء، ولكن ذلك الجواد التقطه بمهارة بعدما سمع حفيفه. لا يعرف لماذا جاء في باله مقطع من أغنية علي الحجار حينما أخذ شعرها الحريري يرتطم في وجهه: "في هويد الليل... لقيتك ولا لقيتيني... في هويد الليل... أخرجته من حالة شروده مع ذلك المقطع حينما قالت: "إحنا قربنا على البيت والحصان هيعمل صوت، أعمل إيه أنا بقى؟ رد موبخًا إياها:
"ومفكرتيش في اللي هتعمليه ليه لما خرجتي من البيت؟ زفرت بحنق وقالت: "خلاص بقى يا أبيه، آخر مرة بالله."
أوقف جواده جانبًا بعدما حسب المسافة داخل عقله، ثم هبط من فوقه ومد يديه ممسكًا بها من خصرها لينزلها أرضًا. وما كان منها إلا أن تتعلق في عنقه مخافة السقوط حتى لامست قدماها الأرض. كان من المفترض أن يتركها، وكان من المفروض أن تبتعد عنه، ولكن ما حدث كان خارج نطاق العقل والمنطق. ظلت هي متعلقة في عنقه وتنظر داخل عينيه المخيفة بأمان، وظل هو محاوط خصرها بيديه، وكأن الزمن قد توقف بهم بضع لحظات. وقد جاءته الإفاقة من تلك الحالة عن طريق صهيل خيله والذي كان له بمثابة تنبيه لتلك الحالة التي تلبّسته. تركها سريعًا
بغضب وهو يقول بفظاظة: "إيه قلة الحيا دي؟ أنتي استحلتيها ولا إيه؟ شهقت بذهول ووضعت يدها فوق ثغرها بعد أن سحبتها من حول عنقه ولم تستطع الرد. ازدرد لعابه بصعوبة وقال بجفاء: "غوري من قدامي تدخلي البيت على طول، ويا ويلك يا دهب لو عملتيها تاني، سامعة؟ لم ترد.
ولن ترد. هرولت تجاه منزلها وكأنها تهرب من الجحيم، وحينما وصلت أمامه فتحت البوابة بتمهل حتى لا تصدر صوتًا يستيقظ على أثره أبويها. أغلقته وراءها ثم استندت عليه ووضعت يدها فوق قلبها الذي ينبض بجنون، وهي لا تصدق أنها نجت من تلك المصيبة التي أوشكت أن تهلكها. أما هو، فبمجرد أن سمع صوت غلق البوابة برغم انخفاضه، قفز فوق جواده وقام بضربه على كلا جانبيه بقدميه وهو يقول بغضب: "اجرررري يا أدهم."
وفقط، بعد سماعه الإذن من صاحبه، انطلق يسابق الرياح ولا يعلم أي جنون تلبس صاحبه. جلست في شرفة جناحها بعد أن ذهب فارس في نوم عميق أراد أن يهرب به من واقعه المؤلم. هو يعشق هدى زوجته الأولى، وأجبر على الزواج من أرملة أخيه. عام ونصف مرا على زواجه بها ولم يستطع تقبلها في حياته. حتى في علاقتهما الحميمة يشعر فيها أنه يخون حبيبته، ولكنه مجبر على القيام بذلك حتى لا يغضب الله. نظرت للفضاء
أمامها وهي تفكر بجدية: ماذا تفعل مع ذلك الجواد الجامح؟
تحبه، بل تعشقه منذ أن رأته يوم خطبتها على أخيه الراحل. وقد أتمت هذا الزواج الفاشل من وجهة نظرها ليس طمعًا في المال والعيش الرغيد فقط، لا. بل لتكون بالقرب من الرجل الوحيد الذي استطاع أن يحرك قلبها. وبرغم كل محاولاتها في إغوائه إلا أنه رفضها رفضًا قاطعًا، بل أهانها أيضًا ووصفها بأبشع الصفات. تنفست بعمق وهي تتذكر إحدى المرات التي عرضت عليه نفسها بعدما تجاهل كل تلميحاتها الواضحة. فلاش باك
_انتظرت طويلًا حتى راح زوجها في نوم عميق، ثم ارتدت روبًا من الستان ليغطي ذلك الثوب الشفاف الذي ترتديه لإغوائه. فتحت الباب بتمهل ثم أغلقته ونظرت يمينًا ويسارًا حتى تتأكد من خلو الطابق. هرولت فوق الدرج إلى أن وصلت قبالة جناحه، ودون أن تفكر في طرق الباب، أدارت المقبض ودلفت سريعًا. نظرت حولها ولم تجده، ولكنها ابتسمت بخبث حينما سمعت صوت المياه الآتي من المرحاض. علمت أنه بالداخل فقامت بخلع الروب وتقدمت نحو الفراش الذي تمددت عليه بحركة مغوية للغاية، وهي تنتظره وتمني حالها بقضاء ليلة صاخبة بين ذراعي هذا الجواد الجامح، كما تلقبه.
بعد مرور عدة دقائق خرج وهو يلف حول خصره منشفة سوداء وأخرى يجفف بها شعره الغزير، وما لبث إلا أن رآها فجحظت عيناه من هول المفاجأة. أما تلك العاهرة فقد نظرت له باشتهاء أهلكها وقامت بعض شفتها السفلى بطريقة موحية، وهي تعتدل من مرقدها لتتجه نحوه، ظنًا منها أن صمته ما هو إلا موافقة، أو بعض اللين قد انتابه بعد رؤيتها بهذا الشكل المغوي.
أما هو فوقف ينظر لها وهي تتقدم نحو بتمهل يهلك أي رجل مكانه، ولكن ذلك الجواد لا يرى أمامه إلا شياطينه التي تحرضه على قطع رأس تلك الأفعى الرقطاء، والتي بمجرد أن وصلت قبالته وضعت يداها فوق صدره الصلب وقالت بعشق يغلفه الرجاء: "أنا جيت لحد عندك بعد ما اتجاهلت كل محاولاتي في إني أقرب... آآآه." هكذا قطعت حديثها الذي لم يبدأ بعدما أمسك خصلات شعرها وجذبها بقوة لتبتعد عنه وهو يصرخ بهمسا غاضب:
"هي وصلت بيكي الوساخة إنك تجيلي لحد هنا وإنتي عريانة؟ أنا طنشت حركاتك الفاجرة معايا بمزاجي، قولت يمكن تحترم نفسها وجوزها اللي هو أخويا الكبير، بس واضح إنك... صرخت به من بين دموع الألم بسبب جذبه لشعرها والقهر مما وصفها به وقالت: "أيوه أنا بتقربلك وأخوك اللي بيكرهك أصلاً أنا مش طيقاه واتجوزته عشان أقرب منك وأبقى جنبك." التصقت به بصعوبة وهي تحاول فرك جسدها بجسده وأكملت:
"أنا بحبك يا جواد، مش شايفة راجل غيرك. أول مرة أحب. ارحمني وخليك معايا، وأنا هبقى خدامة تحت رجليك." ألقاها أرضًا بعنف حتى تبتعد عن جسده وقال: "إنتي مجنونة، عايزاني أخون أخويا وكمان أنام معاكي فالحرام! وقفت بغل وقالت: "مانت بتنام مع ستات كتير، جات عليا؟ نظرت له بعهر وهي تملس على مفاتنها وتقول: "جربني وأنا مش هخليك تعرف تلمس ست غيري."
أغمض عينه ليحاول أن يتحكم في غضبه الذي تفاقم حتى لا يبرحها ضربًا ويسمع صراخها ساكني السرايا. تنفس بعمق وقال بهدوء غاضب: "فاطمة، ارجعي أوضتك واتقي الله في جوزك. فريد مايستاهلش منك الخيانة، إنتي عارفة هو بيحبك قد إيه ووقف في وش أبوه لما رفضك وصمم يتجوزك، يبقى مايكونش ده جزاؤه." ردت عليه بقهر أنثى لا تجد رجلًا في حياتها:
"ههههه بيحبني وهيموت عليا. هههه ده قدامكم بس إنما بيني وبينه لاااا. أنا ست وليا احتياجاتي وأخوك بارد. عارف يعني إيه بارد؟ يعني أهم حاجة عنده نفسه وبس، مجرد ما بيخلص ما بيسالش فيا. حتى مش بيراعي إنه ما بيلمسنيش غير كل شهر ولا اتنين مرة." بكت بقهر حقيقي وأكملت: "أنا نفسي أحس إني ست مرغوب فيها، إنما أخوك مهما أعمل معاه ولا كأنه شايفني." رد عليها بحكمة:
"لو مشكلتك في العلاقة، اتكلمي معاه وفهميه احتياجاتك مش تخونيه. هي كل واحدة جوزها يقصر معاها تخونه؟ فاطمة: "اتكلمت كتير والله العظيم، حاولت أنساك وأبقى زوجة كويسة. عارف أول ما كان يرجع يلاقيني لابسة ومتزوقة يقولي إيه؟
هههههه يقولي أنا تعبان وعايز أنام عشان عندي شغل بدري. برغم إني يا دوب لابسة ما طلبتش منه ينام معايا. وفي الآخر ولا هو تعبان ولا بيصحى بدري. إنما لو هو ليه مزاج لو كنت لابسة شوال ولا تعبانة ما يهمهوش. أهم حاجة ياخد اللي عايزه وخلاص، وأول ما يخلص يديني ضهره وينام ولا كأني كنت معاه." جواد: "كل ده مش مبرر إنك تخونيه، ومع أخوه كمان. لو مش مرتاحة معاه اطلقي وربنا يرزقك بحد ترتاحي معاه."
اقتربت منه بجنون وكأنها ستقوم باغتصابه، ولفت ذراعيها حول خصره بقوة وهي تقول: "أنا عايزاك إنت. نفسي فيك إنت." كانت تتحدث بجنون وهو يحاول إبعادها عنه، وقد طفح الكيل منها حينما حاولت فك منشفته التي أوشكت على السقوط. أمسك يدها بيد من حديد ثم لوى ذراعها بعد أن نجح في فك حصارها، وقال بفحيح داخل أذنها بمنتهى القسوة: "شغل المومس ده مش هياكل معايا، ولو إنتي آخر واحدة فالدنيا عمري ما هلمسك سامعة؟
تطلعي من هنا حالًا، ولو فكرتي تعملي عملتك السودة دي معايا قسمًا بربي مش هتتخيلي أنا ممكن أعمل فيكي إيه." كان يتحدث وهو يتحرك بها تجاه الباب، ومع آخر كلمة نطقها كان يفتحه ويلقيها أرضًا وكأنها قمامة. لم يعطها فرصة للرد بل عاد للداخل سريعًا وجذب روبها الملقى أرضًا ثم رجع إليها وقذفه بوجهها الباكي بشدة وهو يقول: "استري لحم أخويا بدل ما حد تاني يشوفه يا...
وفقط أغلق الباب في وجهها وتركها تعض أناملها غيظًا وهي تتوعد له بأقسى أنواع العقاب. ومن بعدها لم تحتك به، ولكنها عملت على اتساع الفجوة بينه وبين أخيه، وقد ساعدها في ذلك غيرة زوجها منه التي كانت تصل لحد الكره. باااااااااك _مسحت دمعة واحدة هبطت على خدها بعد تذكرها لما حدث وقالت بهمس:
"وبعدها راح اتجوز عشان يقطع عليا الطريق اللي كان ممكن أوصله بيه. حتى لما الزفت فريد مات رفض يتجوزني، حتى ما همهوش أخوه اللي بيحب مراته ولا ابن أخوه اللي بقى يتيم الأب. بس أنا مش هسيبك يا جواد، وحياة كل دمعة نزلت مني بسببك وقهرتي وأنا شايفة نظرة الكره والاحتقار ليك فعينك، حتى لما اتعميت بحس نظرتك هي هي ما اتغيرتش. لازم انتقم منك، ولو مش ليا، مش هتبقي لغيري."
جلست تلك البائسة على فراشها وحيدة، بعد أن اطمأنت على ولديها وأنهت أعمال منزلها بعدما عادت من عملها في سرايا التهامي. فرت منها دمعة تليها دموع حسرة على شبابها الضائع بين أنياب الحياة التي افترستها دون رحمة. تذكرت كيف كان زواجها من ذلك النذل الذي حطمها وأهانها. شخصًا نرجسيًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. أفقدها ثقتها في نفسها، في أنوثتها. ومهما كانت تفعل وتضحي من أجله لا يعترف بشيء. بل الأسوأ أنه كان دائمًا يقلل من شأنها ويتهمها أنها لا تفعل شيئًا من أجله. استطاعت الطلاق منه بعد معاناة، وأصبحت هي الأب والأم لولديها الصغار بعدما رفض ذلك الحقير أن يتكفل بهم. ابتسمت بهم من
بين دموعها وقالت لحالها: "إنتي هتضحكي على نفسك يا دلال، وهو حتى لما كان معانا كان بيصرف؟ ههه كنت برضه بشتغل وأساعده وفي الآخر يقولي إنتي ما بتعمليش حاجة." بكت بحرقة وأكملت: "بس أنا تعبت، لإمتى هفضل عايشة دور الراجل وبلف في طاحونة مش بتقف حتى عشان آخد نفسي. نفسي أحس إني ست. هو أنا مش من حقي أبقى ست وأحس إني مرغوب فيا؟ نفسي أحب وأتحب يا رب. أنا عارفة إني ما بقتش صغيرة، بس هو الحب بالسن؟
ولادي بكرة يكبروا ويتجوزوا ودوامة الحياة هتاخدهم، وغصب عنهم هيتشغلوا عني. يعني لو موت وأنا قاعدة لوحدي محدش هيحس بيا. ياااااا رب. العوض والجبر من عندك يا كريم." جلس عبيد في فراشه يدخن سيجارته وهو شارد. نظرت له رفيقة دربه والتي تفهمه دون حديث وقالت: "مالك يا عبيد شايل الهم ليه؟ نظر له بحزن وقال: "تعبان يا إيمان. حال عيالك مش عاجبني. حاسس إني ظلمتهم بس مش عارف أعمل إيه." إيمان بكذب حتى تواسيه: "هو إنت فيه أب زيك؟
ظلمتهم في إيه بس، دانت بتعاملهم أحسن معاملة." ابتسم عبيد بغلب وقال: "إنتي بتضحكي عليا ولا على نفسك يا عشرة عمري الطيبة؟ (هكذا يلقبها دائمًا)
"أنا ظلمت جواد لما أجبرته يسيب الحربية اللي كانت حلم حياته عشان يصلح أخطاء المرحوم فريد اللي برضه ظلمته بدلعي فيه وطلع إنسان عديم المسؤولية وأناني. وظلمت فارس لما أجبرته يتجوز على بنت الناس الطيبة الأصيلة اللي بيعشقها. وظلمت جواد تاني لما عمل الحادثة واتعمى، وبدل ما أقف جانبه في محنته اتهمته إن هو اللي قتل مراته وأخوه. ما فكرتش إن ده قضاء ربنا. ما فكرتش إن أحمد ربنا عشان أخد واحد وسابلي التاني. لا اتهمته إنه السبب
عشان كان متخانق معايا يومها بسبب فريد وطلع من عندي مش شايف قدامه. والمرحوم مشي معاه قال عشان يهديه وأنا متأكد إنه راح معاه عشان يولعه زيادة. ولسوء الحظ لقى مراته كانت جياله زي ما كانوا متفقين عشان تروح تطمن على الحمل. واحد مات والتاني اتعمى ومراته وابنه اللي لسه ما شافش النور راحوا هما كمان."
ردت عليه من بين دموعها: "الله يرحمهم، ده نصيب. ما تحملش نفسك الذنب، سواء كنت متخانق معاه أو لا كان برضه هيحصل اللي حصل. إنت مؤمن وموحد بالله وعارف إنها أعمار." عبيد بنبرة تقطر حزنًا:
"أنا اللي قاهرني وحازز في نفسي إنه مش راضي يسافر يعمل العملية، وكأنه بينتقم من نفسه بعد اللي حصل لأنه محمل نفسه ذنب موتهم. وبنت الكلب فاطمة فضلت مدة تقوله إنت اللي قتلت جوزي وخلت محمود ابنها بعد ما كان روحه في عمه بقى يبعد عنه ويبص له بكره، ما هو مهما كان عيل وصدق إن جواد قتل أبوه." إيمان:
"منها لله أنا مش طايقاها بس أعمل إيه، ماسكانا من إيدينا اللي بتوجعنا، لو مشيت هتاخد الواد معاها وهو اللي باقي لنا من ريحة الغالي." عبيد: "ربك يحلها من عنده ويكفينا شرها." إيمان بتصميم: "أنا عايزة جواد يتجوز، مش هيفضل بقية عمره كده." عبيد: "إذا كان قبل اللي حصله اتجوز بالعافية وما كانش حتى طايق مراته، يبقى هيرضى دلوقتي وهو كده؟ إيمان: "أيوه يرضى ورجله فوق رقبته كمان." عبيد باستغراب: "مش فاهم يعني إيه غصب؟ هو عيل صغير؟
إنتي اتخبلتي يا إيمان؟ وبعدين مانتي عارفة دماغه الناشفة، مهما عملتي مش هيسمع ليكي ولا لغيرك." نظرت له بخبث وقالت: "لا أنا عندي خطة ما تخورش الميه هتخليه يوافق على طول، بس إنت ساعدني فيها." أشرق صباح جديد والكل بدأ يستيقظ إلا هذا الجواد الجامح. بعدما عاد قبيل الفجر لم يجد لديه رغبة في النعاس، فجلس يقرأ داخل مكتبه على أنغام وردة الجزائرية وهي تصدح بأجمل أغانيها: أكدب عليك.
بعدما انتبه أخيرًا أن الشمس أشرقت بل أيضًا حينما نظر من خلف النافذة وجد بعض الفلاحين يتجهون إلى أعمالهم، فقرر أن يأخذ دُشًا منعشًا ويهبط للأسفل ليبدأ يومه الروتيني. ولكن، حينما وصل لتلك الكلمة ابتسم بخبث وقال: "طب ما بدل الروتين الممل ده أسلي نفسي شوية. وأهو تغيير هههههه." أعقب قوله بالتقاط هاتفه وضغط على زر به ثم قال: "... "يا جواد، أنت بتقول إيه؟ قالها آدم وهو يقف أمامه، فابتسم جواد ساخرًا: "إيه، مش مصدق؟
قالها وهو يضع يديه في جيوبه، فرد آدم بعصبية: "مش مصدق إيه؟ أنت بتتكلم بجد؟ "أومال بهزر؟ قالها جواد، فرد آدم وهو يهز رأسه بيأس: "لا يا جواد، أنت أكيد بتهزر، أنت عمرك ما بتحب دهب." "لأ، دلوقتي بحبها." قالها جواد، فرد آدم وهو يتنهد: "أنا مش فاهم حاجة." "أنا حبيتها يا آدم، أنا عاوز أتجوزها." قالها جواد، فصمت آدم ثم قال: "وأنت متأكد من ده؟ "أيوة متأكد." قالها جواد، فتنهد آدم وقال: "طب ودهب؟
أنت عارف اللي حصل زمان، أنت عارف إنها كانت بتحبك، بس أنت اللي كسرتها." "أنا عارف إني غلطت، وعارف إني جرحتها، بس أنا دلوقتي عاوز أصلح غلطي." قالها جواد، فرد آدم: "بس هي مش هتوافق." "أنا هتكلم معاها، وهحاول أقنعها." قالها جواد، فرد آدم: "ربنا معاك." قالها آدم، فابتسم جواد. جلست دهب في غرفتها تبكي، وسمعت صوت طرق على الباب، فقالت بصوت مبحوح: "ادخل." دخلت ندى وجلست بجوارها، ثم قالت: "إيه يا دهب، لسه بتعيطي؟
"أعمل إيه يا ندى؟ أنا تعبت." قالتها دهب، فردت ندى: "من إيه؟ "من كل حاجة، من جواد، من الشغل، من البيت." قالتها دهب، فردت ندى: "طب تعالي ننزل نتمشى شوية." "مش قادرة." قالتها دهب، فردت ندى: "عشان خاطري، تعالي نغير جو." قالت ندى، فوافقت دهب على مضض. نزلت دهب وندى، وركبتا السيارة، ثم ذهبتا إلى أحد المقاهي، وجلستا تتحدثان، ثم قالت ندى: "إيه رأيك في جواد؟ "مفيش رأي." قالتها دهب، فردت ندى: "يعني إيه مفيش رأي؟
"يعني مفيش حاجة تتقال." قالتها دهب، فردت ندى: "بس هو بيحبك." "مين قال كده؟ قالتها دهب، فردت ندى: "هو اللي قال لي." "كداب." قالتها دهب، فردت ندى: "لأ، هو مش كداب، هو فعلًا بيحبك." "ولو بيحبني، كان عمل كده؟ قالتها دهب، فردت ندى: "هو غلط، بس هو ندمان." "الندم مش هيرجع اللي فات." قالتها دهب، فردت ندى: "بس ممكن يفتح صفحة جديدة." "مفيش صفحة جديدة." قالتها دهب، فردت ندى: "طب إيه رأيك تدي له فرصة؟ "فرصة إيه؟ قالتها دهب،
فردت ندى: "فرصة إنه يثبت لك حبه." "مش عاوزة." قالتها دهب، فردت ندى: "بس هو بيحبك من زمان." "وأنا كنت بحبه من زمان، بس هو اللي كسرني." قالتها دهب، فردت ندى: "طب فكري." قالت ندى، فصمتت دهب. مرت الأيام، وجواد يحاول أن يتحدث مع دهب، ولكنها كانت تتجنبه، وفي يوم من الأيام، ذهب جواد إلى منزلها، وطلب أن يتحدث معها، فوافقت دهب على مضض. جلست دهب وجواد في الصالون، ثم قال جواد:
"أنا عارف إني غلطت، وعارف إني جرحتك، بس أنا دلوقتي عاوز أصلح غلطي." "مفيش حاجة تتصلح." قالتها دهب، فرد جواد: "لأ، فيه، أنا بحبك يا دهب، وعاوز أتجوزك." "أنت كداب." قالتها دهب، فرد جواد: "أنا مش كداب، أنا فعلًا بحبك." "لو كنت بتحبني، كنت عملت كده؟ قالتها دهب، فرد جواد: "أنا غلطت، بس أنا ندمان." "الندم مش هيرجع اللي فات." قالتها دهب، فرد جواد: "بس ممكن يفتح صفحة جديدة." "مفيش صفحة جديدة." قالتها دهب، فرد جواد:
"طب إيه رأيك تديني فرصة؟ "فرصة إيه؟ قالتها دهب، فرد جواد: "فرصة إني أثبت لك حبي." "مش عاوزة." قالتها دهب، فرد جواد: "طب فكري." قال جواد، فصمتت دهب. مرت الأيام، ودهب تفكر في كلام جواد، وفي يوم من الأيام، ذهبت إلى ندى، وقالت لها: "أنا مش عارفة أعمل إيه؟ "في إيه؟ قالتها ندى، فردت دهب: "جواد، أنا مش عارفة أسامحه ولا لأ؟ "أنت بتحبيه؟ قالتها ندى، فردت دهب: "أيوة، بس هو جرحني." "هو ندمان." قالتها ندى، فردت دهب:
"بس أنا خايفة." "من إيه؟ قالتها ندى، فردت دهب: "خايفة إنه يجرحني تاني." "مش هيعمل كده، هو اتغير." قالتها ندى، فردت دهب: "أنت متأكدة؟ "أيوة متأكدة." قالتها ندى، فردت دهب: "طيب، أنا هفكر." قالت دهب، فابتسمت ندى. عادت دهب إلى منزلها، وهي تفكر في كلام ندى، وفي اليوم التالي، ذهبت إلى جواد، وقالت له: "أنا موافقة." "موافقة على إيه؟ قالها جواد، فردت دهب: "موافقة إني أديك فرصة." "بجد؟ قالها جواد، فردت دهب: "أيوة بجد."
فرح جواد كثيرًا، واحتضن دهب، ثم قال: "أنا بحبك يا دهب، ومش هجرحك تاني." "وأنا كمان بحبك." قالتها دهب، فابتسم جواد. مرت الأيام، وجواد ودهب يعيشان قصة حب جميلة، وفي يوم من الأيام، طلب جواد يد دهب من والدها، فوافق والدها، وتمت الخطوبة، وبعد فترة قصيرة، تزوج جواد ودهب، وعاشا حياة سعيدة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!