الفصل 26 | من 59 فصل

رواية جوازة ابريل الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم نورهان محسن

المشاهدات
24
كلمة
8,497
وقت القراءة
43 د
التقدم في الرواية 44%
حجم الخط: 18

بداية الحب بيننا كانت بمثابة مجموعة من نقاط الماء تنزل علي سلك كهربائي عار ، فأحدث انفجار عظيم ، إذن كيف ستكون النهاية؟! "ازاي مقرب مني كدا أنا بنت خالك اخرج حالا قب... بتر أحمد بقية عبارتها ، ممسكاً بيدها يوقفها قبل أن تصل إلى الباب ، وهسهس بغضب أعمى ، تزامنًا مع دفعها نحو الحائط ، فأغمضت عينيها ، وشعرت بألم في أسفل ظهرها ، واندفعت الدموع من عينيها لا إراديًا ، مما جعله يتلعثم بقهر حزين:

"ياااه انتي مش طايقة لمستي ليكي .. لدرجة انك بعد ما كنتي بتدوبي بين ايديا وبتبقى ملهوفة علي حضني دلوقتي بتعيطي .. مش طول عمرك بتقولي اني امانك ومابتحسيش بالراحة غير وانا واخدك في حضني خلاص كل دا نسيتيه .. خلاص بقيتي بتكرهيني" در أحمد بالكلمة الأخيرة بجنون ، فرفعت عينيها نحوه ، صارخة بصوت غاضب ، غير مكترثة بحالته الهستيرية ، وهي تنزع يدها منه: "اللي بتعمله دا اسمه جنان؟

شعوره بالغيرة القاتلة التي تحرق قلبه عروقه ، جعلته يفقد ما تبقى من سيطرته على أعصابه ، وجهر بعنف: "الجنان انك تفتكريني هسيبك للـ**** دا .." قبل لحظات من هذا الحدث كانت نادية تقف بالخارج مذهولة ، والدموع تنهمر على وجهها ، وهي ترى زوجها يحاول يائساً الحصول على حبه ويتوسل بضعف لامرأة غيرها أن تشعر به وبغيرته عليها.

استيقظت من حالة الصدمة التي تملكتها ، وهي تسمع أقداماً تتقدم فى الممر ، فانعطفت إلى أحد الأركان المظلمة قبل أن يراها هذا القادم.

من ناحية أخرى سار باسم بخطوات هادئة نحو كابينة أبريل ليتفقد ما فعلته بهذا الفستان ، وعلى وجهه ابتسامة استمتاع وهو يتذكر ملامحها الخجولة من جرأته التي كان يعلم جيداً أنها تثير ربكتها ، لكن الابتسامة سرعان ما تحولت إلى عبوس بمجرد أن سمع صوتاً رجولياً غاضباً قادماً من الداخل ، ودون تفكير اندفع بسرعة إلى مصدره. في الداخل

"انتي بتاعتي أنا .. مش بعد ما فضحتلك الـ**** تاني وعرفتك انه متجوز عشان امنع جوازتك تروحي تتجوزي واحد من نفس صنفه وتفضليه عليا" أحدقت فيه بنظرة عدم تصديق ستظل محفورة في عينيه ، بينما لسانها تلجم من اعترافه ، الذى جعلها تتجمد في مكانها من صدمتها الشديدة.

مرت عدة لحظات ، وقبل أن تلملم من جمع أفكارها المتناثرة حتى تتمكن من الرد عليه ، وجدت يدين تسحبان أحمد من الخلف قابضاً علي سترته جاذباً اياه بعيدا عنها وامسكه من تلابيبه بكلتا يديه والشياطين تتراقص أمام عينيه بعد رؤيته لذلك الوغد مقتربا منها الى هذا الحد. قست تعابيره ، وهو يسأل من بين اسنانه المطبقة بقسوة: "ايه اللي مدخلك عند مراتي يا ****" سارعت أبريل بالقول ، وهي تكاد تموت رعباً: "باسم أنا هشرحلك بس سيـ...

قاطعها باسم بتحذير خطير: "حرف منك كمان وتصرفي الجاي مش هيعجبك" دفعه أحمد عنه بقوة ، وهو يهتف بخشونة: "يعني هتعملها ايه!! اللي بيني وبينها امور عائلية ماتدخلش نفسك فيها" عبست تعابيره بتقزز قبل أن يهاجمه ، مجمجماً بحدة: "بتتهجم علي مراتي وكمان شارب و تقولي امور عائلية دا يا ****" "لا خوفتني بالشويتين دول .. اكلم علي قدك واحسنلك تطلقها بذوق يا حيلة امك وابوك"

"اهاااا .. دا انت غريتك البدله والكرفتة دول بس وماله احنا فيها في ثانية اثبتلك العكس" تجعدت تعابير إبريل في ذعر ، وأغمضت عينيها بقوة ، وباسم يلكمه في وجهه بحركة مفاجئة أطاحت بأحمد بقوة على المقعد الجانبي. "دي عشان ايدك الن**** لمستها" زأر بالكلمة الأخيرة بنبرة شرسة ، ثم انحنى عليه ، ووجه له ضربة أخرى عنيفة أصابت أنفه ، فتأوه بعنف من الألم وهو يسقط للخلف بالكرسي ، ليرتطم بالأرض بقساوة.

"ودي تعرفك لما حيلة امه وابوه حد يقرب علي للي يخصه بيعمل فيه ايه ولا لسه شكلك عايز تشوف اكتر يا *****" نطقت أبريل لا شعورياً: "باسم لا سيبه خلاصة" صدر باسم بغضب عاصف: "اخرسي انتي" تيبست إبريل في مكانها بوجه شاحب من ضراوة نبرته ، بينما استدار باسم نحوها ، ليتقدم نحوها بغضب مكبوت ، وهو يرى جسدها يرتجف خوفًا ، فأحاط كتفيها بكلتا يديه ، وهو يمرر عينيه عليها بقلق ظهر في نبرته عندما تحدث بصوت أجش:

"الحيوان دا عمل فيكي حاجة؟! هزت أبريل رأسها إنكارًا ، عاجزة عن رفع عينيها نحوه خوفًا من أن يرى دموعها ، ثم سرعان ما جحظت عينيها عليه فور أن سمعت زمجرته الغاضبة وهو يتفحص تلك الكدمة الزرقاء التي غطت منطقة معصمها الأيسر التي كان يمسك بها أحمد ، لكنها لم تشعر بأي ألم من الصدمة. في تلك الأثناء استعاد أحمد توازنه بسرعة حيث وقف من جديد متجاهلاً الدوار الشديد في رأسه ناهيك عن الألم في جسده وخاصة في أنفه النازف.

إنسحبت الدماء من وجهها ذعراً ، وهي تتفاجئ بأحمد يسدد ضربة قوية فى وجه باسم ليصطدم ظهره بالحائط بقسوة. قبل أن يلف الآخر يده حول عنقه ، وهو يصرخ بهوس: "ماتلمسهاش بإيدك القذرة دي تاني" بفضل فارق الطول بينهم استطاع باسم التخلص من قبضته عن عنقه بحركة قتالية لاكماً اياه في فكه ، وهو يلهث من فرط الانفعال ، ويهدده بوعيد: "قسما بدين الله لا اكون حادفك بإيدي من علي اليخت" "احمد في ايه يا ابريل..!!!

قالتها صابرين مسرعة إلى الداخل بعد أن استنجدت نادية بها التي دخلت خلفها ، فأكملت وهي تتنفس بلهاث: "ايه اللي بيحصل دا يا احمد .. ماتفهموني يا جماعة؟ تجاهلت إبريل الرد عليها ، لتنظر إلى أحمد بخيبة أمل وقهر ارتسم على ملامحها قبل أن تتحدث بصوت مرتجف لا يخلو من المرارة:

"استريحت كدا .. عايز تهدم حياتي ليه مش هاين عليك تشوفني بحب واتحب واتجوز اعيش حياتي .. زي ما انا احترمت اختيارك .. جه الدور عليك تحترم اختياري .. ابعد عن حياتي وبطل توظهالي .. انت سامعني" هدرت أبريل بالكلمة الأخيرة في وجهه ، فتجنب النظر إليها وهو يشعر بالخزي من نفسه ، وكأنها أصابت عقله بصاعقة أعادت له وعيه ، وهو يتلقى كلماتها كالخنجر المسموم ، ونظراتها الحادة ونبرة صوتها مزقت أوتار قلبه ، ثم تابعت منهكة:

"صابرين خديهم واخرجوا من هنا قبل الناس اللي فوق يحسوا بحاجة وماتجبيش سيرة خالص لستي" حانت إلتفاته من أحمد نحوها ، والتقت نظراتهما في لحظات بدت وكأنها رسالة منه ، معناها سأدعك ترحلين منى. ما إن غادروا في صمت ، استدارت إبريل تحمل الفستان ، عازمة على الفرار من أمام عينيه الرماديتين اللتين كانتا تنظران إليها بتأهب واستفسار لن تتمكن من الإجابة عليه الآن. "رايحة فين؟ صدح صوته بهدوء يسبق العاصفة ، فأجابت بفتور

شديد دون أن تلتفت إليه: "هغير الفستان" سحبها باسم من رسغها حتى واجهته ، قائلاً بنبرة جادة جافة: "مش قبل ما تفهميني ايه حكاية اللي اسمه احمد دا وايه سبب تصرفاته الغريبة معاكي؟ سحبت أبريل نفساً مرتجفاً ، متحاشية النظر إلى وجهه الغاضب وهي تجيبه بصوت متوتر: "ممـ مفيش حكاية ولا حاجة .. دا ابن خالي" ضرب زاوية جبينه بنفاذ صبر بائن فى قوله: "ماتطيريش البرج اللي فاضل في نفوخي وتطلعي شياطيني عليكي .." تحدثت أبريل

بهدوء محاولة الثبات امامه: "باسم انا مش مستعدة لأي كلام دلوقتي" أنهت جملتها وهي تتجه نحو الحمام ، لكنه تحرك خلفها ، معترضاً طريقها ، وتعابيره تدل على أنه فقد السيطرة على أعصابه ، نظرت في عينيه مذعورة ، وهو يهدر بإصرار صارم:

"هتقفي هنا دلوقتي قدامي وتفسريلي .. كل القرف دا من لحظة ما اتبليت بيكي ومفيش حكاية .. اخش الاقيكي في حضنه وتقوليلي مفيش حكاية .. هو انتي ايه شايفاني بريالة ولا مركب قرون ولا هصدق الدمعتين دول وابلع اللي حصل واخرس.." انحنى باسم برأسه نحوها حتى صار وجهها موازيًا لوجهه ، ثم نفث بقية كلماته فى وجهها بفحيح: "عايزاني اشوف مراتي وراجل بيتهجم عليها وانا اقف اصقفلك انتي وهو .. ايه هو حد قالك اني حاطط رجولتي في التلاجة؟!

تراجعت أبريل خطوة إلى الوراء ، وهي تنفجر ضاحكة وبدأت الدموع تنسكب من فيروزيتها ، وكأنها على وشك الجنون قبل أن تقول بنبرة هازئة: "هو انت ايه مابتشبعش من تمثيل دور الحبيب؟!!! بص حوالينا بص كدا احنا لوحدنا محدش هنا ومفيش كاميرات بتصورنا يا حضرة المخرج القدير" أمسكها باسم من ذراعيها ، ليهزها بقوة محذراً اياها بحنق: "بطلي تخرجيني عن شعوري معاكي عشان ماتشوفي وش تاني للمخرج القدير هيلخبطلك كل افكارك عني"

أبريل صائحة بتحدي لاذع: "انت اللي بطل كدب شوية .. والحمقه الكدابة دي وفرها مش هتعرف تخدعني بيها زي ما بتعمل مع الستات للي بتعرفهم .. سيبني في حالي يا اخي سيبني في حالي انت مابتفهمش"

لم يعطها فرصة للإستيعاب ، وهو يطبق شفتيه على شفتيها ، كتم شهقتها داخل جوفه بعد أن سحبها من رقبتها ، لترتفع تلقائيًا على أطراف أصابع قدميها ، وسرّت رعشة غريبة في جسدها من طريقته المجنونة غير المتوقعة ، وحتى لا تفقد توازنها وضعت راحتيها فوق يديه ، فازداد ضغطه على شفتيها الرقيقتين بجنون وهو يدفن أصابعه في خصلات شعرها ، معمقًا قبلتهما بشغف مشتعل ، لم يكن يعلم هل يطفئ لهيب غيرته النارية منها بهذه القبلة أم يثبت لها ملكيته بها أم كلاهما معًا.

مرت لحظات قليلة قبل أن يشعر بضربات خفيفة منها على ذراعيه اللتين كانتا مازالتان تمسكان برقبتها ، ففصل القبلة وهو يشعر بحاجتهما للهواء. أسند جبهته على جبهتها ، متلفظاً أنفاسه الحارة بصوت مسموع أرسل رعشة خفيفة فى عمودها الفقري ، قبل أن يسألها بهمس خطير: "ودا كمان كدب وتمثيل ولا حقيقة؟! تابع باسم يهدر بغلاظة: "انطقي ايه اللي بينك وبينه عشان يتجرأ عليكي كدا"

عادت أبريل برأسها للخلف ، وظهر الخجل جلياً على وجهها الذي اصطبغ بالأحمرار المغرى مع أنفاسها المرتبكة ، وزادت دقات قلبها من المشاعر الغامرة التي انخرطت فيها بقبلته المحمومة ، لكنها لن تقف مهزومة أمامه بعد أن عرفت ما يخفيه عنها ، فصرخت باستهانة جارحة و حقد مبطن:

"وانت مالك او تطلع مين و بأي حق بتسألني .. انت هنا مش مخرج المسرحية .. ومش هسمحلك تخرج حياتي علي كيفك .. انت مجرد كومارس بتمثل في قصتي .. انت مش بطل الحكاية دي ولا من حقك تحقق معايا وكأنك بجد خطيبي وغيران عليا" زفر بغضبٍ مكبوت قبل أن يزمجر بوحشية:

"اللهم طولك يا روح .. طريقتك المستفزة وكلامك الجارح دا بطليهم يا ابريل فاهمة .. بطليهم والا اقسم بالله العظيم هطلع جناني عليكي واعرفك اذا ليا حق فيكي ولالا .. سامعة .. انا مش هستحملك اكتر من كدا و سؤالي تردي عليه بإجابة واضحة يبقالك ايه غير انه ابن خالك" صمتت أبريل تفكر لبرهة ، ثم أجابت ببرود مميت: "كان خطيبي وكنا بنحب بعض" اتسعت حدقتاه غضباً ، وهو يهتف باستهجان مخيف غلب على ملامحه: "انتي معجونة من ايه بالظبط؟

عمالة تتنقلي من واحد لتاني .. عشان كدا ما صدقتي بتسيبي مصطفي .. وكنتي مصممة تهربي من بيت ابوكي يوم خطوبة اختي عشان تروحي للحيوان دا" تقلصت ملامحها من قسوة كلماته ، وبدموع حارقة بللت شفتيها لتذوق طعمها المالح ، وارتجفت نبرتها ما إن قالت بسخرية حزينة:

"برافو عليك والله تحليلاتك عظيمة اوي .. بس ناقصها شوية تفاصيل بسيطة .. اللي بحبه دا لما اتحط تحت ضغط بسيط اتخلي عني .. اتجوز صحبتي بعديها شهرين عشان يربيني .. ويمكن هو اللي خلي مرات مصطفي تيجي وتقولي انه عايز يتجوزني عليها .. وهو برده اللي خلي مراته اللي هي كانت صحبتي تيجي لحد هنا عشان تقنعني اتجوزه عليها" ابتلعت تلك الغصة التي تشكلت في حلقها قبل أن تواصل شرحها له بأسى مرير:

"نسي ان دا مستحيل يحصل نسي ان استحالة افكر اخلي بنته تعيش نفس عذابي اللي طول عمري عايشة فيه ومحدش حاسس بيا ولا بقهرة قلبي .. دا كله كوم وامه اللي مكنتش بتفوت مناسبة او فرصة الا لما تفكرني اني منبوذة من ابويا وامي واي موضوع يتفتح تنتهزه عشان تحسسني ان مانفعش لأبنها .. لحد ما وصل بيها انها تقومه عليا عشان كمان مكملش تعليمي وتبقي قضت عليا خالص .. و لما روحت افهمها اني مش عدوتها زي ماهي فاكرة و تعتبرني زي بنتها و اني مش قاصدة اعصيه عليها ضربتني بالقلم .. ماقدرتش استحمل دا كله وسيبت كل حاجة وجيت هنا"

ما إن أنهت حديثها حتى ركضت إلى الحمام ، بينما وقف باسم للحظات متجمدًا في مكانه قبل أن يتقدم نحو الباب بخطوات بطيئة ، وهو يستمع إلى شهقاتها الخافتة فرفع قبضته عازمًا على طرقه بتردد ، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة ، وغادر الغرفة بهدوء ، بينما أبريل بالداخل أحست به يرحل فزاد بكائها حزناً ومشاعر متناقضة تغلي في داخلها ، كم كانت تود أن ترمي نفسها بين أحضانه وتختبئ فيه ، لكنها ببساطة لم تستطع أن تفعل شيئاً سوى مهاجمته والرد عليه بلسانها الحاد الذي يحمي قلبها منه ، ربما تريد أن تبرد قلبها الذي نسي كل ما يحدث حولها ، وبدأ ينبض ولعاً به ، وتمنت للحظة لو لم تسمع من أخته وقريبته ما يربطه بعلاقة قديمة مع أختها.

أمسكت قلبي بين راحتيك ، وكسرته بدم بارد ، فأحسست بكل زاوية منه تتحطم ، وأنا ألتمس رحمتك لأنال المزيد من قسوتك ، والمضحك أنني كنت أقنع نفسي بجدوى المحاولة فى حبك الذي يتجدد بين خفقة وأخرى داخل ضلوعي ، والآن بت أضعف من كل شيء وأكثر هشاشة من وردة على الرصيف ، مسحوقة تحت أقدام جبروتك. بعد عدة ايام الساعة التاسعة صباحاً فى سيارة يوسف

كانت أبريل تقود السيارة بحذر شديد حيث أنها تعلمت القيادة مؤخرًا ، ومازالت تخشى السيارات والزحام ، حتى تشتت انتباهها بهاتفها المحمول في المقعد الآخر ، ورأت اسم باسم يضيء الشاشة ، فنظرت نحو الطريق بمكابرة محاولة تجاهل مكالمته للمرة التى لم تعد تعرف عددها منذ آخر لقاء لهما على اليخت ، وهى تتجنب رؤيته أو الرد عليه مفضلة التركيز على عملها الذي بدأته ، وليست مستعدة لخسارته يكفي لما عانته من خسائر في الفترة الماضية.

رن الهاتف مرة أخرى ، فتأففت بغضب ، وهي تلتقطه ومقررة إغلاقه تمامًا ، وعندما نظرت للأمام فوجئت بسيارة تسد الطريق ، ومن فرط توترها لم تستطيع أن تتحكم في عجلة القيادة ، فاصطدمت بها من الخلف بقوة فتوقف قلبها رعبًا.

تنفست أبريل بعمق محاولة التحكم في أعصابها حتى تتمكن من التعامل مع الموقف الجديد الذي ورطت فيه ، ثم نزلت من السيارة ، واقتربت من الرجل الذي كان يقف ، وظهره لها يتحدث إلى شخص بجانب مؤخرة السيارة ، وعندما حمحمت بصوت خافت التفت إليها ، فتبخرت شجاعتها الواهنة وهى تجد نفسها واقفة وجها لوجه مع رب عملها ، تأملت مظهره الذي كان غاية في الوسامة بالبدلة الرسمية مع نظارته الطبية التي أعطته جدية جذابة.

"كنتي سرحانة في ايه يا باشمهندسة؟ سألها دياب ساخراً بنبرته الرجولية المميزة ، وهو يضبط النظارة الطبية ، فضاعت الحروف من شفتيها قبل أن تقول بنبرة آسفة: "مستر داغر!! أنا آسفة أوي أوي .. والله مكنتش شايفة و.." قطعت بقية تبريرها ، وهي تنظر إلى السيارة بنظرات قلقة ، ثم تابعت الاستفسار بخشية: "هي خبطة صغيرة مش كدا؟ أوشك العامل على وشك بالرد عليها ، لكن دياب سبقه في الحديث بحزم لا يخلو من السخرية: "شايفة ايه؟

طبعاً مش صغيرة" جحظت فيروزيتها بصدمة ، مرددة بوجل: "يا خبر .. طيب ممكن تشوف حضرتك هيتكلف كام تصليحها وأنا هدفع" هتف دياب بعصبية ، وهو يحدق في انحناء السيارة الواضح: "استغفر الله العظيم على الصبح .. دي لسه جديدة .. أو يعني كانت جديدة قبل ما تخشي فيها بالغشومية دي" تجلجفت شفتاها حزناً وهلعا ، وهي تقول بصوت متحشرح مليء بالحرج:

"والله أنا ماكنتش بقصدي كنت مستعجلة وعاوزة الحق الميتنج .. طيب لو ينفع حضرتك صلحها وأنا هدفعلك اللي هتقول عليه؟! تبدلت تعابير وجهه الصارمة إلى تعابير هادئة ، عندما رأى الذعر واضحا على ملامحها مع فيروزيتها الدامعة ، فنطق بما جعل العامل يجحظ ببلاهة: "تدفعي ايه؟! أنا كنت بهزر معاكي مفيش حاجة كبيرة" ضيقت عينيها بعدم تصديق تجلي فى قولها ، وهى تشير إلى الإنعواج: "بس دا؟ "دي ولا حاجة ما أثرتش على العربية" "بجد!

ارتسمت ابتسامة هادئة على فمه ، وهو يراقب تعابيرها الرقيقة ، بينما أكد لها بإيماءة من رأسه ، فوضعت يدها على صدرها تستشعر ضجيج دقات قلبها ، ثم تمتمت بارتياح: "الحمدلله" "خلاص أهدي محصلش حاجة" "أصلي بصراحة دي أول مرة في حياتي أخبط عربية حد ولسه كمان متعلمة السواقة جديد" خاطبها دياب بتفهم متريث: "معلش دايماً أول مرة في كل حاجة مابتكونش سهلة" تكلمت أبريل بتلقائيتها العنيدة:

"فعلاً بس بغض النظر الخبطة تستاهل أو ماتستاهلش أنا هدفع تصليحها وأنا آسفة أوي يا مستر داغر" "خلاص يا باشمهندسة مش مستهلة وكفاية اعتذارات انتي اعتذرتي كتير أوي" أنهى حديثه بحزم بارد جعلها تصمت مستسلمة ، ثم نظر إلى شاشة الهاتف محاولاً إخفاء ضيقه من مناداتها له باسمه توأمه ، ثم تابع بنبرة جادة: "احنا اتأخرنا يلا نلحق الميتنج وخلي الڤاليه يركن العربيات" أومأت أبريل له بالموافقة وهى تتحدث بسرعة:

"تمام لحظة هجيب شنطتي من العربية" بوقت الظهيرة فى منزل فهمي الهادي داخل غرفة ريهام انقلبت على جانبها في السرير ، وهي تسمع رنين الهاتف الذي أيقظها من غفوة متقطعة مليئة بالقلق والكوابيس ، لترى الشاشة تضيء برقم مصطفى ، ما إن ضغطت على زر الرد حتى جاءها صوته المنزعج قائلاً: "ما بترديش عليا ليه كلمتك كتير؟! ريهام بفتور: "تعبانة شوية" مصطفي بسؤال: "خير مالك؟ "مصدعة وعندي سخونية أظاهر أخدت برد"

"سلامتك .. طيب إيه آخر الأخبار؟ تنهدت ريهام ببطء ، قبل أن تجيبه بضيق: "لميس نفذت اللي قولتلها عليه بالحرف زي ما كنا عايزين" سأل مصطفى علي الفور: "كويس أوي وايه النتيجة؟ "معرفش بس مفيش جديد" تساءل مصطفى بنبرة ممتعضة: "يعني اللي حصل كان على الفاضي .. إيه ما فهمتش إنه كان بيجري وراكي قبل ما يخطبها ولا إيه؟ رددت بإنزعاج من صوته العال: "معرفش أنا بقالي كذا يوم مابتحركش من السرير" مصطفي بهدوء: "خلاص لما تتحسني هنتكلم تاني"

"طيب"

رمت ريهام الهاتف بجانبها في ملل ملحوظ ، وهي مستلقية على السرير ، وعيناها مثبتتان في السقف في شرود ، لم تكن مريضة كما ادعت ، لكنها منذ يوم الخطوبة لم تخرج ، ولم تذهب إلى العمل ، ولم تكلم أحداً ، ولم ترغب في رؤية أحد ، كان عقلها يعمل ويدور بلا توقف في حيرة ، لم تشعر لحظة بالراحة منذ رأت داغر بطل كوابيسها ، متأكدة من أن ظهره ليس طبيعياً ، وأنه عاد بالتأكيد لسبب ما ، لدرجة أن الخطط التي رسمتها مع مصطفى لم تعد ذات أهمية

كبيرة بالنسبة لها ، فهي من خططت لما حدث في يوم الخطوبة مع لميس التي لم تنس رؤيتها باكية في خطوبة هالة ، وهي تشاهد باسم يقبل أبريل ، فاستغلت الفرصة وسممت أفكارها تجاه أبريل بأنها تريد استغلال باسم حتى تتخلص من خطوبة مصطفى ، ولأنها لا تحبه ، لذا عندما تسمع عن علاقتها السابقة مع باسم ستهرب منه ، لكن باسم فاجأ الجميع بعقد قران عليها.

لم تهتم بما حدث بعد ذلك بين باسم وأبريل ، كل ما شغل تفكيرها هو داغر الذي لم تستطع إخراج ابتسامته الشيطانية من ذهنها ، ومهما حاولت إنكار حدسها وعدم تصديق الأفكار التي تأتيها لا تعرف. وما هو العائق؟

لقد توفيت زوجته الحبيبة عشيقته بعد صراع طويل مع المرض ، وبالتأكيد الآن لا شيء يمنعه من أخذ عمر منها ، وهذه بالفعل كارثة كبرى وفضيحة لم تتوقعها منذ ابتعدت عنه ، وانقطعت أخباره عنها معتقدة أنه لا يريد رؤيتها مرة أخرى ، بعد محاولاتها لإقناعه بأنها تحمل طفلاً من صلبه وليس من زوجها.

لقد سئمت من التفكير ، وهي جالسة على جمر الانتظار كلما رن هاتفها تنظر إليه بعيون مرتعبة ، معتقدة أن المكالمة منه ، لكنه لم يظهر بعد ولم يسمع منه شيئاً ، وهذا يقلقها أكثر فأكثر. لاحقاً في منزل صلاح الشندويلي داخل غرفة باسم "هو انت هتفضل راقد كدا يا خالو .. مش متعودين منك على كدا؟!! قالت تلك العبارة بصوت مرح لفتاة في الخامسة عشرة من عمرها وهي تدخل غرفته ، فأجاب باسم بتكاسل: "مدغدغ على الآخر يا كارلا"

"الف سلامة عليك يا بيسو" تابعت كارلا بتساؤل ، مشيرة الى صينيه الطعام علي المنضدة بجانب الشرفة: "ايه دا الاكل زي ماهو؟! تحدث باسم بنبره واهنة: "تصدقي من كتر الوجع في عضمي ما قادر حتى اوصل لحد الكرسي عشان اكل" جلست بجانبه على السرير ، تداعب شعره الناعم برقة ، مقوسة فمها بلطافة قائلة بلهجة تخللها التبكيت: "صعبت عليا اوي والله .. بس انت اللي عملت بطل و رميت نفسك في النيل"

رمقه باسم من زاوية عينه ، وهو يلكزها فى ذراعها رافعاً زاوية فمه بإستياء انبلج بصوته: "بطلي تقطيم في اللي جابوني يا عديمة الاحساس وقومي هاتي الاكل هنا" صدحت ضحكاتها المتسلية ، وهى تنهض من مجلسها ، ثم اخبرته بمرح: "بس كدا و هأكلك بإيدي أنا ليا كام اونكل هو واحد بس" اتسعت الإبتسامة علي محياه الوسيمة هاتفاً بحماس: "انتي روحي والله دايما اقول كارلا مفيش أحن منها" اسرعت كارلا بالتقدم من المنضدة ، وهى ترد عليه بصوت خجول:

"ما تقولش كدا دا واجبي .. الله ايه الحلاوة دي" صاحت كارلا بإنبهار ، وهى تتطلع إلى الطعام بأعين تلتمع بالحماس ، فقال باسم بإستفسار وهو يشعر بالجوع الشديد: "ايه اللي في الطبق عندك أنا شامم ريحة فراخ مش كدا؟! "فراخ وخضار سوتيه و.." أكمل باسم عبارتها ، وهي يرفع رأسه يريد معرفة محتوايات الصينية بينما جلست على الكرسي وشرعت بتناول الطعام: "معاهم رز؟! أكدت له كارلا بصوت متقطع من الطعام الذى تمضغه داخل فمها:

"اه وفي شوربة لسان عصفور كمان من اللي انت بتحبه" "يا عيني جريت ريقي يا قلبي ما تيجي هنا وتاكليني بقي" "عينيا بس لحظة بس ابلع اللي في بوقي" بعد عدة دقائق غمغمت كارلا بإرتخاء ، وهى تمسح فمها بمحرمة ورقية: "الحمدلله دا أنا كنت جعانة بشكل" باسم بغيظ: "كانت حلوة الشوربة؟ كارلا بتأكيد مستفز: "جدا جدا عايزة أقولك دي فوايدها كتير أوي وهي دي اللي ترم عضمك" دمدم بسخط: "رمي يا اختي رمي هتجبيه من برا طالعة لأبوكي"

أمسك باسم هاتفه يعبث فيه بعصبية موجهة نحو التى تتجاهله بقلب كالثلج. أيتها المتمردة ، تنسجِ مؤامرة على قلبي العاصى حتى أوقعتيه في شباك عشقك ، ثم تركتني عاجزاً عن النبض إلا بأمرك. في مساء هذا اليوم داخل المستشفي عند هالة تجلس فى مكتبها بوقت الراحة ، وهي تراسل هدير عبر تطبيق الرسائل النصية "الواتساب" "مشغولة ولا ايه يا دوك .. لو عطلتك اكلمك وقت تاني؟! "لا ابدا يا حبيبتي لسه مخلصة مرور على المرضى ايه اخبارك"

"والله زهقانة موت ... مش واخدة على القعدة البيت خالص وبفكر اروح نادي بدل الخنقة دي" "فكرة حلوة انزلي غير جو" "نفسي بس انا مش مشتركة في أي نادي" "سهلة بكرا نتقابل واوديكي النادي للي أنا عضوه فيه و نعملك اشتراك يا حبي" "بجد ميرسي اوي اوي يا هالة مش عارفة اقولك ايه بتعبك معايا" "ماتبقيش اوفر اوي كدا عادي" "حبيبتي ميرسي .. ايه اخبارك انتي وخطيبك؟ "تمام الحمدلله .. هكلمك تاني بعد الشغل"

وضعت هالة مرفقيها على سطح المكتب ، وأسندت رأسها على قبضتيها المرفوعتين ، وأغمضت عينيها بتعبير ساكن ، لتجوب في ذاكرتها أحداث ذلك اليوم قبل أسبوعين ، حينما ذهبت إلى عيادة فريد الجديدة. flash back دخلت غرفة الكشف الطبي في عيادة فريد ، الذي نهض من خلف مكتبه ، مرحباً بها بابتسامة جذابة لم تخلُ من الدهشة في نبرته الرجولية: "اهلا وسهلا يا دكتورة هالة ايه الزيارة الحلوة دي" صافحته هالة برقة:

"معلش لو جيت من غير معاد بس حبيت اباركلك على العيادة" "الله يبارك فيكي العيادة نورت" "ميرسي جدا اتفضل.." قدمت له علبة مستطيلة ملفوفة بأناقة ، فأخذها منها مبتسماً فتحها أمامها بهدوء ، قائلاً بعذوبة: "ليه تعبتي نفسك؟ أجابته هالة بلطف: "دي حاجة بسيطة عشان ربنا يحفظك ويباركلك في شغلك" ثم فريد المصحف بحب ، ثم تمتم بابتسامة زينت ملامحه الوسيمة: "احلي هدية" تحرك فريد يفسح لها المجال قائلا بلباقة: "اتفضلي ارتاحي"

جلست هالة على الأريكة واضعة حقيبتها بجانبها ، بينما تقدم فريد وجلس على الكرسي المقابل لها مخاطباً إياها بنبرته الهادئة: "عارف انك واخدة علي خاطرك من اخر مرة اكلمنا فيها واسف لو كنت زودتها شوية معاكي" "حصل خير .. وكان معاك حق في اللي قولته أنا دخلت أموري الشخصية في شغلي لدرجة إني أهملت وقصرت فيه" "المهم إنك حاسة نفسك أحسن دلوقتي" "الحمدلله" أومأ لها بتفهم متحدثاً بجدية تليق به:

"الأزمات اتخلقت معانا واحنا لازم نقع في مطبات ونمر في حياتنا بضغوط ومشاكل تعطل عقلنا عن التفكير .. بس مهما كان مكنش من حقي أكون حاد في كلامي معاكي فياريت تقبلي اعتذاري للمرة التانية" كانت على وشك أن تتحدث ، ولكن باب الغرفة انفتح فجأة ، ودخلت هدير مثل سهم انطلق من قوس ناري: "السكرتيرة اللي برا دي لازم تغيرها يا فريد دي مكنتش عايزة تدخلني" أنهت هدير كلماتها الغاضبة ، وهي تنظر إلى الفتاة التي دخلت خلفها بإستيعلاء ،

فتحدث فريد بزفير: "معلش اتفضلي انتي يا آنسة حلا" سبقته هدير بالحديث مشيرة إلى هالة برأسها بشك متعجب: "ايه دا احنا اتقابلنا قبل كدا في المستشفي مش كدا يا دكتورة ..؟! تابعت هدير بذات النبرة موزعة بصرها بينهم: "مش انتي دكتورة برده ولا عندك كشف أصل السكرتيرة قالتلي عن عندك كشف" فرك فريد حاجبه مجيبا اياها بضيق: "دكتورة هالة وهدير اااا" استكملت هدير عبارته بسرعة: "أنا هدير خطيبته"

شعرت هالة بغيرة هدير منها ، فانفرجت شفتاها بابتسامة عذبة ، وهي تنهض من مكانها ، قائلة بصوتها الناعم: "أهلاً وسهلاً .. معلش هستأذن منكم .. جيت أبارك للدكتور على العيادة وأعزمه على خطوبة أخويا ويا ريت تيجي معاه لو تحبوا" لمعت عينا هدير بالحماس ، ثم نظرت إلى فريد بتردد ينبعث من نبرة صوتها: "أنا عن نفسي أحب نحضر أوي .. بس فريد ملوش في جو الحفلات والأفراح" شعرت هالة أنها استعجلت بالحديث ، فنظرت إليه

بإرتباك ظاهر في كلماتها: "إذا فيها إزعاج ااا.." قاطعها بلهجته الرزينة: "هنحاول نحضر .. ألف مبروك يا دكتورة" "الله يبارك فيكو واتشرفت بمعرفتكم" مدت هالة يدها لتصافحه ، ثم صافحت هدير ، وقالت بابتسامة قبل أن تغادر بهدوء. back

ومنذ ذلك الحين وهدير تزورها بشكل متكرر في المستشفى ، ومن خلال الحديث معها فهمت أنها تريد إقامة صداقة معها ، وبالرغم من إندفاعها إلا أنها مثل الطفلة لا تضمر الخبث داخلها ، لذا شعرت بالمسؤولية تجاهها لأنها صغيرة وغير ناضجة فكريا ، وربما فعلت ذلك لأن في أعماقها تريد الهروب من مشاعر اصبحت تراودها مؤخرا تجاه فريد ، والتي تخشى التورط فيها رغما عنها ، لأنها لم تتعافَ من علاقتها السابقة وتحتاج إلى وقت لتهيئ نفسها نفسيا

وعقليا لخوض تجربة أخرى ، وفي حفل خطوبة باسم فور أن شعرت أن الأخرى تغار على خطيبها من حديثه معها ، قررت أن تخترع قصة من خيالها وتخبرها بأنها مخطوبة ، وأن شجاراً عادياً حدث بينها وبين ياسر ، ثم تصالح معها سريعاً وعادت علاقتهما جيدة ، وهذا ما نقلته لفريد أيضاً ، وما دعمها أمامهم لتصدق كلامها أن ياسر كان أحد المدعوين للخطوبة ، وارتاحت لأنه ترك عمله في المستشفى وذهب إلى آخر ، فلم تعد مضطرة للتعامل معه أمامهم بعد الآن ، أو

أمام فريد تحديداً ، الذي وضعت حدوداً رسمية بينها وبينه لا تتجاوز الزمالة ، وهي الآن تشعر بالراحة نتيجة لذلك.

بعد مرور يومين في منزل مني "عال أوي باين عليكي صحتك بقت أحسن كتير من آخر مرة شوفتك فيها" أنهت وسام جملتها بإريحية ، تزامناً مع وضعها لفنجان قهوتها على الطاولة الصغيرة ، وهي جالسة في غرفة المعيشة مع منى ، التي تمتمت بابتسامة أظهرت محبتها إليها على وجهها الهادئ: "الحمدلله" "لو إني واخدة على خاطري منك جدا يا مني ومش أنا لوحدي صلاح وباسم كمان زعلوا لما محضرتيش الخطوبة"

"غصب عني يا طنط انتي عارفة غلاوتكم عندي كبيرة بس مقدرتش لسه حاسة إني ما اتعافيتش" "لسه ما اتعافتيش ولا كنتي خايفة تشوفي عز؟! بلعت مني ريقها متجاهلة تزايد دقات قلبها بحنين حين سمعت اسمه وسألتها بمكابرة: "هو امتى هيبعتلي ورقتي؟ وسام بتنهيدة: "والله يا مني هو لحد دلوقتي ما رجعش من السفر" منى بنبرة متذمرة:

"بس هو طال أوي أنا طلبت منه الطلاق من أكتر من شهر ونص والأيام بتفوت وهو لسه مسافر يا طنط وسام .. كدا هضطريني أخلي المحامي يمشي في إجراءات القضية" وسام بلوم: "مش معقول يا مني ليه كدا يا حبيبتي توصلي الأمور بينكم لكدا؟ "حاولنا نخليه يطلقني ودي بس هو كعادته بيتهرب" وسام بدفاعية حانية:

"مهما كان ماتوصلش للمحاكم انتو أكبر وأعقل من كدا واللي بينكم سنين وحب يستاهلو تفكري عشانهم .. هو أكيد مطول سفره ومش عايز يرجع عشان يديكي مساحتك في التفكير وتبقي على حريتك .. مع إنّي متأكدة إن نفسيته مش أحسن حاجة وإنتي بعيدة عنه .. ولا حتى دعاء متظبطة من وقت اللي حصل وهي مابتخرجش من بيتها حتى هي كمان ماجتش الخطوبة ومحملة نفسها ذنب كل اللي حصل" تجمعت الدموع بمقلتيها ، وتحدثت بصوت مهتز من فرط إنفعالها:

"هي ماكنتش هي السبب الوحيد يا طنط وأنا ما صدقت قدرت اطلع خطوة في شغلي ورجعت للأوبرا تاني ومعنديش استعداد أجي على نفسي تاني عشانهربت" تنهدت وسام على كفها مؤيدة إياها ببسمة حلوة:

"ودي حاجة كويسة أوي وطبعاً بشجعك عليها ومتأكدة إنه لما يشوف تمسكك بالحاجة اللي بتحبيها هيوافق عشان مش هيبقا عايز يخسرك تاني .. ولما يرجع هخليه يكلمك واقعدوا واتفقوا على اللي هيريحك وحطي شروطك وهو لو بيحبك هيعملها ولو رفض خلاص يبقا على الأقل عملتي اللي عليكي" تنفست وسام بعمق ، وهي تنهي جملتها ، فأومأت لها منى برأسها بابتسامة مترددة. تبدأ قوتك عندما تستطيع أن تأخذ قرارات عكس رغبتك لمجرد أنها الصح حتي لو أتعبتك. مساءاً

في إحدى المطاعم سأل ياسر بهدوء: "يعني إيه وافقتي!! مش كان البني ادم دا اتقدملك ورفضتيه إيه اللي غير رأيك؟ هزت يارا كتفيها ، وأجابت سؤاله بسؤال آخر ، متجنبة النظر في عينيه المترقبتين: "وفيها إيه أظن دي حاجة ترجعلي..؟! ياسر مستفهماً بإقتضاب: "ترجعلك إزاي مش فاهم؟ رفعت يارا عينيها العنبريتين نحوه ، تتأمله بنظرة حادة انجلت في لهجتها: "يعني دي حياتي وأنا حرة فيها يا ياسر"

استفسر بلهجة منزعجة عبرت عن دهشته من معاملتها له بهذا الجفاء ، كأن نظراتها العاطفية إليه ذابت في بحار النسيان: "والله وكلامك ليا .. إيه نسيتيه بالسرعة دي؟! اتكأت يارا إلى الخلف بظهرها ، وانبلجت امارات السأم على ملامحها الناعمة من تهربه ، فواجهته بصراحة: "لا مانسيتش .. بس ماظنش إن غير حاجة .. خصوصاً إن انت وهالة سيبتو بعض بقالكم مدة وانت لسه واقف محلك سر يا ياسر" تابعت بنبرة جدية:

"كفاية أضحك على نفسي .. كفاية أضيع حياتي وأنا عايشة لواحد مش شايفني ولا هيشوفني .. وخلاص أنا قررت أفوق من الوهم اللي معيشة نفسي فيه" هز ياسر رأسه بالسلب ، وأخبرها بلهجة لينة: "مين قالك إني مابفكرش فيكي يا يارا .. أنا بس كنت محتاج وقت أرتب فيه أفكاري ومشاعري و.." سألته يارا بملامح متصلبة: "وقدرت ترتب نفسك وتعرف انت عايز إيه؟ اقترب منها بجذعه عبر الطاولة ، ليحتضن يدها بكفه ، مؤكداً لها بنبرة حنونة:

"أيوه يا حبيبتي أنا بحبك يا يارا وإنتي الوحيدة اللي مقدرش أعيش من غيرها وبكره هكلم مامتك ونتفق.." شعرت بدفء كفه فوق كفها البارد ، فسحبت يدها ببطء ، ثم هزت كتفيها ولم يعد الأمر يعنيها متحدثة بنبرة جامدة: "للأسف اتأخرت أوي يا ياسر .. خلاص أنا ومجدي قعدنا واتكلمنا وتقريبا اتفقنا على كل حاجة وهنتجوز بعد شهر عشان هسافر أمريكا معاه"

فغر ياسر فاهه يستوعب كلماتها مما جعله يشعر بحرقة في قلبه قبل أن يضرب الطاولة ، وخرج من فمه زمجرة مشحونة بالشراسة وعقله يكذب أقوالها: "انتي اتجننتي يا يارا يعني إيه بين يوم وليلة عايزة تتجوزي وتسافري كمان ومن نفسك بتقرري" صدحت ضحكات يارا بإستهزاء لاذع: "يوم وليلة أظاهر إن عندك مشكلة في العد يا دكتور الكلام دا عدى عليه أكتر من شهر ونص" زفر ياسر بضيق مستكملاً حديثه بنبرة هادئة محاولا امتصاص غضبها:

"ما تخليش زعلك مني يخليكي تعملي حاجة تندمي عليها بعدين يا يارا قولتلك أنا كنت محتاج فرصة ا... قاطعته يارا بإنفعال: "أنا كنت فرصتك يا غبي ومهما ندمت مش هيكون أكتر من الندم اللي حسيته بسببك يا ياسر" ياسر مستفسراً بنفاذ صبر: "يعني إيه الكلام دا؟! طوت يارا ذراعيها أمام صدرها ، وأخبرته بحزم ورسمت ابتسامة حجرية على شفتيها:

"اتمنالي الخير يا ياسر بلاش نختمها بينا بزعل .. إحنا أخوات وأصحاب وعشرة سنين طويلة وأنا عايزك تكون شاهد على كتب كتابي" صمت ياسر لحظة وكلماتها الباردة أحرقت كبرياءه بنيران ضارية ، فابتلع غصة مريرة علقت في حلقه قبل أن يسألها بصوت أجش: "متأكدة من كلامك دا يا يارا؟

أومأت له برأسها ايجاباً ، فلم يتحمل أكثر وقام من مقعده تاركاً المكان في غضب عارم ، فأدارت رأسها للخلف تحدق في طيفه بنظرة حزينة لكن صوت عقلها أخبرها أنها على صواب فقد كان يجب أن تضع حداً لهذه العلاقة السامة منذ وقتاً طويل ، وأن تجعله يندم على اعتقاده أنها مضمونة مهما فعل بها ، فهو لا يستحق حبها وصبرها معه ، والآن فقط تشعر أنها استعادت حقها وكرامتها منه بعد أن رفضته تماماً.

لم يكن نزع الودّ سهلًا لكنها المواقف التي عزَّت عليك فيها نفسك تجبرگ على نزع حتى اللحظات المتجذّرة في أعماق ذاكرتك. في منزل مرجانة داخل غرفة نادية "و بعدين في قعدتك ديا" استمعت نادية لسؤال أختها ، وهي تشعل الضوء في الغرفة بعد أن كان يغمرها الظلام الدامس ، فأجابتها بضيق دون أن تفتح عينيها: "طفي النور واخرجي عايزة أنام يا سمرا" استفسرت سمر بحنق ، وهى تجاورها علي السرير:

"أنا اللي عايزة أعرف وبعدهالك هتفضلي مقضياها نواح كدا وحابسة روحك دا كله هيفيد في إيه" تغضن جبين نادية بإنزعاج تجلى في صوتها ، وهى تستقيم بظهرها فجأة: "و انتي مالك أنا كنت قاعدة على دماغك أنا في بيت بابا؟! "في إيه يا بت يا نادية ماتكلمي مع اختك عدل" قالتها مرجانة بغضب لائم بعد أن دلفت عليهم ، فصاحت نادية بصوت عالٍ: "أنا مش عايزة أكلم أصلاً سيبوني في حالي" مرجانة بحزن تشكو إلى ابنتها الكبرى:

"آهى على الحال دا من يوم ما جت هي وبنتها يا سمر .. منه لله احمد وعمايلو السودة" "هي اللي اختارت وهي اللي جابته لروحها مع إنّي من الأول قولتلها بلاش الراجل دا" استأنفت سمر حديثها بلوم شديد ، وهي توجه نظرها نحو نادية التي تجنبت النظر إليها ، وعضت على شفتها بقوة ، تمنع دموعها من الهطول: "فاكرة قعدتي تقوليلي إيه؟

قلبي متعلق بيه ما صدقت جه وخبط على بابي وهبقى مراته .. اتفضلي اديكي بقيتي مراته بس قلبه فضل يحب واحدة تانية وإنتي عارفة وكل ما يكون معاكي تحسيه بيفكر فيها .. مهما كان بيعاملك حلو وبيدلعك دايماً حاساه شايفها فيكي .. وإنتي كل ما تتأذي وقلبك يوجعك من حبه ليها تحسي نفسك أضعف من إنك تبعدي عنه" "كفاية... "فضلتِ راضية بالفتافيت ومطنشة كرامتك لحد ما داسها لما شبع وإنتي غبية جرك في إيده عشان تقنعيها تجوزه وروحتِ معاه"

قفزت نادية من الفراش بغضب ، وهي تهتف بصوت محتد رافضة الإستماع لها: "اسكتي بقولك اسكتي" هتفت سمر من خلفها بتصميم يكسو ملامحها الرقيقة: "سكت كتير لازم حد يفوقك هو عمره ما هيشوفك عشان قاعدة تحت رجله ومحدش بيبص تحت رجله" رددت نادية بصوت مختنق بالعبرات: "اسكتي يا سمر .. كلامك بيوجعني .. ونبي تسكتي" راقبت سمر بكاء أختها بحزن وقهر لاح في كلماتها ، وهي تربت على كتفها في مواساة:

"برده بتقولي اسكتي .. يا حبيبتي انتي هنا فارقة روحك من العياط عليه وهو بعد ما رجعتو من عند المزغودة دي قالك روحي اقعدي عند امك معناها إيه دي؟! تهربت نادية من نظرات اختها قائلة بإحباط: "معرفش" "لا عارفة .. و دا اللي رعبك بالمنظر دا .. هو بيقولك مش عايزك بالطريقة و رماكي هنا .. بس يوم ما يهفو مزاجه ويشاورلك إيه هتدوسي على كرامتك تاني وتجري عليه ولا هتاخدي اللي فاضل منك وتبعدي بقا"

"انتي ليه مش فاهمه .. إن فيه ناس مش بتقدر تبعد ليه مش فاهمه ليه إن اللي بيحب بجد بيدوس على كل حاجة كل حاجة عشان اللي بيحبوه" "وفي الآخر إنتي اللي بتدوسي على نفسك عشان خاطره هو أول واحد اللي هيدوسك" "يا نادية حطي طرحة على راسك وتعالي؟!!!! صدح صوت أمها من الخارج ، فعبست نادية ، وهي تتبادل نظرات الاستفهام مع أختها التي سحبت الحجاب من على الكرسي ، وناولته لها ، ثم خرجا معًا ، وهى تضعه على رأسها بعشوائية ، لتسألها بحيرة:

"في إيه يا ماما؟! "تعالي شوفي مين عاوزك؟ "نعم" "انتي نادية عبدالسلام" أومأت له بالإيجاب بحذر ، فأشار لها بالقلم قائلة برسمية: "اتفضلي امضي هنا بالاستلام" تساءلت مرجانة بقلق: "فيها إيه الورقة دي يا بني؟ جاء الرد بصوت نادية فى صدمة مدوية: "احمد .. طلقني... "بنتي!!!!!!

خرجت صرخة إرتعاب من فم مرجانة ، وهي ترى نادية تسقط فاقدة للوعي ، كأنها تاهت فجأة داخل طريق مظلم يدعى الحقيقة المرة ، ووحش مفترس يتربص بها ، ينتظر الناس السذج مثلها لإصطيادهم حتى يتدمرهم كلياً.

أمسكت قلبي بين راحتيك ، وكسرته بدم بارد ، فأحسست بكل زاوية منه تتحطم ، وأنا ألتمس رحمتك لأنال المزيد من قسوتك ، والمضحك أنني كنت أقنع نفسي بجدوى المحاولة فى حبك الذي يتجدد بين خفقة وأخرى داخل ضلوعي ، والآن بت أضعف من كل شيء وأكثر هشاشة من وردة على الرصيف ، مسحوقة تحت أقدام جبروتك.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...