تحميل رواية «جوازة ابريل» PDF
بقلم نورهان محسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بعد مرور شهر. في قاعة أفراح فخمة، تسبح في بريق الأضواء المعلقة في السقف العالي كأنها نجوم متلألئة تُشع بوهج يخطف الأنفاس. الأرضية مكسوة برخام أبيض ناصع، يلمع تحت الأقدام كمرآة تعكس بريق الثريات الذهبية المتدلية بانسيابية من السقف المزخرف بنقوش فنية بديعة. الجدران كانت مزينة بأقمشة حريرية باللون العاجي، ومرصعة بزهور طبيعية متناغمة بألوان الباستيل الهادئة. رائحة الورود تعبق في الأرجاء، تحمل معها لمسة من الفخامة والأصالة. الطاولات مصطفة بعناية، مفروشة بأقمشة مخملية مترفة، تتوسطها شمعدانات مذهبة، تح...
رواية جوازة ابريل الفصل الأول 1 - بقلم نورهان محسن
بعد مرور شهر.
في قاعة أفراح فخمة، تسبح في بريق الأضواء المعلقة في السقف العالي كأنها نجوم متلألئة تُشع بوهج يخطف الأنفاس. الأرضية مكسوة برخام أبيض ناصع، يلمع تحت الأقدام كمرآة تعكس بريق الثريات الذهبية المتدلية بانسيابية من السقف المزخرف بنقوش فنية بديعة.
الجدران كانت مزينة بأقمشة حريرية باللون العاجي، ومرصعة بزهور طبيعية متناغمة بألوان الباستيل الهادئة. رائحة الورود تعبق في الأرجاء، تحمل معها لمسة من الفخامة والأصالة. الطاولات مصطفة بعناية، مفروشة بأقمشة مخملية مترفة، تتوسطها شمعدانات مذهبة، تحمل شموعاً مضاءة تضفي على المكان أجواء من الرقي والسحر.
بينما الموسيقى تنساب برقة في الأجواء، تكاد تهدهد الحاضرين بلطف، والمدعوون يتجولون في المكان. همساتهم منخفضة، وأعينهم تتأمل في فخامة التفاصيل وذوق التزيين الراقي.
في إحدى الطاولات، حيث خالد يجلس بجوار لميس، وجهه مشرق بابتسامة هادئة تحمل في طياتها معاني عميقة من الحب والشوق. كانت عيناه تتأملانها بحبٍ يُشعرها أنها مركز الكون، بينما قلبه ينبض بعشق لا يخجل من إظهاره. فهو قد بات أسير حبها، يتوق إلى اللحظة التى تكون فيها ملكًا له أمام الملأ.
اقترب خالد برأسه نحوها، وهو ينظر إليها بعينيه اللامعتين يحكيان قصة عشق لا تنتهي، ليهمس بصوت عميق يُعبر عن رجولته وجاذبيته:
مش ناوية تحني على الغلبان اللي قاعد قدامك يا لمسة قلبي؟
رفعت لميس عينيها نحوه، تعلو وجهها علامات الاستغراب، بينما تسارعت نبضات قلبها عندما نطق بلقبها الرقيق، الذى ينساب من بين شفتيه بنغمة ساحرة. فاستفسرت برقة:
أنت بتتكلم عن إيه يا خالد؟
ابتسم خالد بابتسامة مفعمة بالثقة والعشق، ثم خفض صوته، محولاً حديثه إلى همسات مشبعة بالشوق:
نفسي أكون جنبك في نفس المكان ده.. مش مجرد ضيف في فرح حد تاني.. أنا بحبك يا لميس وبشتاقلك بجنون.. عايزك تبقي معايا طول الوقت.. لما افتح عيني الصبح انتي تبقي أول حاجة أشوفها.
كل كلمة خرجت من شفتيه كانت كفيلة بإشعال وجنتيها خجلاً، ومشاعره تنمو ببطء في قلبها. ورغم رغبتها الصادقة في تقبلها، شعرت بأنها بحاجة إلى بعض الوقت لترتيب أفكارها المشوشة. فهى بعد أن اكتشفت خفايا علاقة عمها وزوجة عمها الراحل، وافقت على الخطوبة لتكون لديها حجة قوية تتيح لها الإقامة في منزل عمها، لتجمع الأدلة ضدهم. لكن الحب الجارف الذي يغدقها به هذا الخالد قد بعثر كيانها بشدة، وهو ما لم يكن في حسبانها.
خفضت لميس عينيها محاولة الهروب من نظراته الثاقبة، لكن إرادته كانت أقوى. إذ مد خالد يده برفق، مُمسكًا بيدها كأنه يريد أن يزرع طمأنينته في روحها:
إيه؟ مش هتردي على كلامي؟
تنفست لميس بعمق، محاولة التماسك، ثم رفعت رأسها ونظرت إليه بخجل، قائلة بلهجة تعبر عن صراعاتها الداخلية:
يعني يا خالد الحاجات دي محتاجة شوية وقت عشان أقدر أجهز نفسي وكمان الشقة لسه محتاجة تجهيز...
تأملها إليها بنظرة يملؤها التفاهم والحب، وصوتُه أصبح أكثر دفئًا، ليمسح عن قلبها ما قد يُشعرها بالقلق:
يا عيون وعمر خالد.. قوليلي كل اللي بتفكري فيه.. وأنا تحت أمرك في كل اللي تطلبيه عشان تنوري بيتك في أقرب وقت.
أومأت لميس برأسها بخفة، وتوردت وجنتاها كفجر يشرق بلطف، وابتسامة خجولة تزين شفتيها، كأنها تعترف في صمت بأن مشاعرها تجاهه تتعاظم يومًا بعد يوم، وقلبها ينبض بشغفٍ خاص، يتردد صداه في أعماقها.
في جهة أخرى من الحفل.
وسط هذا الصخب البهي، كانت ساحة الرقص تُضيء بلمعان خاص، كأنها مسرح يجمع بين الفرح والسر المخبأ في زوايا القلوب بصمت. بين هالة وفريد، يرقصان في زاوية هادئة، رقصة تموج فيها الترددات وتخفي الصراعات من نوعٍ مختلف، تحت أضواء خافتة تكاد تخفي ما يعتمل بداخل كل منهما.
حيث بهدوء ورقي قدّم لها طلبه بأن تمنحه هذه الرقصة. ورغم ارتباكها الواضح وخجلها المتوهج كوهج وردة في شتاء قارص، لم تستطع أن ترفض. لكن ترددها كان نابعاً من مشاعر لم ترغب في مواجهتها. فقد كانت تفضّل أن يغيب عن الحفل، أن يبقى على مسافة بعيدة. فقد كانت تأمل في قرارة نفسها ألا يلبّي دعوتها التى أطلقتها باندفاع، عندما دعت زملاءها من الأطباء والطبيبات، ولم يكن بوسعها أن تتجاهله وحده، فدعوته بلباقة، متمنية أن يأتي برفقة هدير. إلا أن فاجأها بخبر سفرها إلى لندن لاستكمال أوراق الماجستير، وقضاء إجازتها هناك. ففكرة أنه سيأتي بمفرده كانت كافية لتقلب موازينها، وتجعلها تشعر بارتباك غامر. والآن، ها هو أمامها بطلةٍ هادئة وساحرة، حضوره الواثق يسلب أنفاسها، ويثير ارتعاشات نبضاتها.
بينما فريد كان قريباً بما يكفي ليشعر بإرتباكها، بتلك اللمعة القلقة في عينيها. لكنها كانت تعاند، تلتزم بواجهة من القوة الهادئة. ثم بصوتٍ خافت كأنما أراد أن يتسلل عبر جدران صمتها متسائلاً بلهجة مملوءة بحيرةٍ غامضة:
مش كان المفروض الدكتور خطيبك يبقى هنا معاكي الليلة؟
بابتسامة تراقصت فيها مشاعر الاضطراب فأجابته بإختصار:
مسافر.
لمعت عينا فريد ببصيصٍ من الشك، نظرة عميقة تنم عن خبرة في قراءة الوجوه. وقد لاحظ تغير تعابيرها في تلك اللحظة العابرة، حيث كان يعلم أنها لم تخبره الحقيقة. فقد التقاه والدها عند دخوله القاعة، وأخبره صدفةً بأن خطوبتها قد فُسخت منذ أشهر قليلة.
تركها تتمايل بين ذراعيه للحظات، صامتًا وهو يعيد ترتيب الأفكار في عقله، محاولاً فكّ شفرة كذبتها.
في تلك اللحظة، التقت عيناه بعينيها، أمال رأسه قليلاً، يتفحص ملامحها المرتبكة بدقة، وكأن كل حركة وكل نظرة منها تُقدّم له المزيد من الأجوبة دون أن تلاحظ.
ابتسم ابتسامة صغيرة، نصفها هادئ، والنصف الآخر كأنما يدرك شيئًا لا يُقال. ثم أضاف بلهجة مُبطنة ببرودٍ خفيّ:
وهو السفر بيخلّي الواحد ينسى.. الدبلة!!
أنهى فريد عبارته مشيراً بإيماءة مبهمة من عسليتيه نحو يدها الرقيقة التي يأسَرها بين أصابعه خلال رقصتهم. فنظرت فورًا إلى يدها، وكأنها تذكرت فجأة هذا الغياب. وحاولت أن تتظاهر باللامبالاة، وهي تضحك بنعومة، لتقول بارتباك واضح:
آه.. لا.. شكلي مخدتش بالي اني نسيتها في دوشة اليوم.
خرجت الحروف مبعثرة من ثغرها، عكس حركاته التى تتسم بالهدوء والاتزان، كأن الوقت كله بين يديه. بينما يوميء برأسه، وملامحه لم تتغير، بل نظراته عميقة تخترق حصونها تدريجياً بغموض.
في نفس ساحة الرقص.
كانت إبريل ترقص برشاقة تنبض بالحياة، فرحة رغم محاولاتها لكبت مشاعرها. كل حركة تنم عن تناغم شغوف مع باسم، وكأنهما يعزفان لحنًا خفيًا في ساحة الرقص، مما جعل أنفاسهما ونبضات قلوبهما تتسابق في رقصة مفعمة بالمشاعر العميقة.
همس باسم إليها بتحذير، وهو يراقب أنفاسها المتقطعة من فرط الحركة، حيث لا تزال آثار اجهادها واضحة بعد رقصها مع صديقاتها على أنغام الموسيقى الشعبية:
مش كفاية بقا.. خلينا نقعد و ترتاحي شوية يا إبريل.
لترفع حاجبيها بإنزعاج طفولى وبنبرة معترضة ردت:
بس أنا لسه ما تعبتش.. وعاوزة أرقص شوية.
نظر باسم إليها بمزيج من الدهشة والإعجاب، وكأنه يحاول فهم لغزها المستمر، ليقول بتهكم خبيث:
لدرجة دي فرحانة؟
إلتفت ابريل حول نفسها بخفة، لتنظر إليه وتقول بصوت يفيض بالأنوثة والعناد:
الرقص مالوش أي علاقة بالفرحة.. أنا برقص وأنا زعلانة عادي.
ضيق باسم عينيه بغيظ، ليقربها منه أكثر، وبنبرة تمزج بين المزاح والمكر أخبرها:
علي كدا هزعلك كتير عشان تبقي ترقصيلي لوحدي.
توردت وجنتيها بخجل أخفته خلف إبتسامة ساخرة، لتجيبه بعنادها المتأصل:
أوعدك اليوم اللي هتموت فيه وتقوم فيه جنازتك هرقصلك للصبح.
انطلقت ضحكته القوية، تنبض بعشقٍ عميق ممزوج بالإستفزاز:
قد كدا بتحبيني وعايزة تبسطيني يا قلبي..
ردت ابريل بإنزعاج:
بطل طريقتك دي بقا!!
مال باسم نحوها، عاقداً ذراعيه أكثر حول خصرها بتحدٍ تجلى في قوله:
وهو أنا قولت إيه غلط؟ راجل عاوز مراته ترقصله.. إيه العيب في كدا؟
تجمدت ابريل في مكانها، ملامحها تتخذ طابعًا جديًا لا يقبل النقاش، تقطع نظراتهما ببرود محفوف بالخجل:
مش عيب.. بس دا لما يكون جوازهم طبيعي.. ومن دلوقتي بحذرك.. ممنوع أي تصرفات جريئة يا باسم، ممنوع تقرب مني إلا إذا سمحتلك.. وأنا مش هسمحلك.. ممنوع تديني أوامر.. مم...
كلماتها انقطعت فجأة، حينما أطبق شفتيه على خاصتها بقبلة خاطفة ورقيقة. ارتفعت يده بحذر لتستقر خلف عنقها، يجذب وجهها إليه بعشق لا يُقاوَم. لم تتجاوز تلك القبلة خمس ثوانٍ، لكنها كانت كافية لإحداث زلزال في كيانها.
ابتعد عنها محدقاً بملامحها المكتسية بحمرة الخجل الممزوجة بالضعف، شعرت كأن تيارًا دافئًا قد اجتاح قلبها، وخلّف وراءه ارتباكًا لذيذ عجزت عن تفسيره أو وصفه.
ربت باسم على وجنتها بنعومة، قائلاً بابتسامة ماكرة و صوته ينضح بالتحدي:
الممنوع مرغوب.. القاعدة دي امشي بيها معايا هتتعبي.. كل ما قفلتي قدامي باب هعافر بكل قوتي عشان افتحه.
ردت عليه بنظرة صارمة من عينيها، لكن الحروف كانت عاجزة عن الإنطلاق عبر شفتيها، ليواصل الحديث بتلك النبرة الآسرة:
لو همنع نفسي عن حاجة.. دا هيكون بخاطري أنا.. اتأكدتي دلوقتي إن كلمة ممنوع دي بتضر أكتر ما بتنفع يا روحي؟
صمتها كان ردًا كافيًا، لكنه لم يترك لها مجالًا للهرب، يقترب منها قائلاً بصوت متهكم لعوب:
ساكتة ليه يا بندقة؟ أنا مش فاكر إني كلت لسانك مع شفايفك!
تجيبه بغيظ واضح:
إنت مش هتبطل قلة الأدب دي.
يرد باسم، مائلًا نحوها ببراءة ذئب عاشق:
وانا ذنبي إيه يا روحي؟ كلمة ممنوع دي عندي حساسية فظيعة منها.. أول ما بسمعها بحس جسمي بياكل فيا وبفقد السيطرة على نفسي.. دا اللي حصل لما شوفت شفايفك بتنطقها بالطريقة الحلوة أوي دي.. ماعرفتش أقاومها غصب عني سامحيني.
لمس شفتيها بشغف حارق، بينما نبرته تتأرجح بين السحر والجاذبية. لكن ابتسامته الخبيثة كانت تكشف عن تعمده لإثارة غضبها وإستفزازها بمهارة، أضاف متصنعاً الجدية:
بس خلاص.. أنا هنفذ كل كلامك من دلوقتي.. بس ماتنطقيهاش تاني.. اكتبي كل حاجة في ورقة بيضا بقلم أحمر.. وأنا هعلقها على التلاجة.. لما أجي أشرب هشوفها وأفتكر على طول.
أخذت إبريل نفسًا عميقًا، وملامحها تظهر مزيجًا من الغضب والإستياء الفاتن:
انت مستفز.. خلاص! مش عاوزة أرقص، حرقت دمي!
أنهت كلماتها بغيظٍ ظاهر، وتوجهت نحو الكوشة، محاولةً الهروب بخجل من جراءته المتزايدة، بينما انفجرت ضحكته بخبث، تتدفق منه مشاعر الانتصار لأنه نجح في جعلها تأخذ استراحة من صخب العرس وضوضائه، وكأنما استسلمت في النهاية للعبة مشاعره الماكرة.
في إحدى الطاولات القريبة.
ريهام تجلس بجوار والدتها، لكن ملامح وجهها لم تكن تعكس أجواء الاحتفال من حولها، بل كانت تعبر عن صدمة عميقة وخلط عواطف غاضبة. عينيها تتأججان بالتساؤلات والقلق، وتجولان في المكان، تبحثان عن تفسير لما يحدث.
انفجرت ريهام بصوت متساءل بثوران عنيف:
إزاي دا يحصل وماتقوليليش يا ماما!؟
جاء رد سلمى كصدى هادئ في زحمة الصوت، محاولةً كبح جماح انفعالات ابنتها:
امسكي أعصابك يا ريهام.. ولا عاوزة تفرجي علينا الناس!
فردت ريهام بصوت خفيض، وأفكارها تتداخل في زوبعة من الحيرة:
ماهو اللي بتقوليه دا يطير العقل.. يعني إيه الفيلا دي بقت بتاعت إبريل؟
تأففت سلمى بضجر وإضطراب من رد فعل ابنتها الذي يلوح في الأفق كمفرقعات نارية، لتردد ريهام بنبرة شبه هادئة حديث والدتها منذ قليل:
قولتي الشريك الجديد للي جه في الأوتيل سدد القروض للبنك والأوتيل مش هيتحجز عليه.. وكمان سدد لينا الشيكات لمصطفى.. إيه علاقة دا كله بإبريل؟
_وانتي نسيتي إن الفيلا إحنا دافعين مقدمتها بس.. وماسدّناش إلا قسطين من تمنها.. باسم رجعلنا المقدمة والقسطين وكتب الفيلا باسمها مهر ليها!!
كانت كل كلمة تخرج من فم سلمى كالسهم القاتل، ينغرس في قلب ريهام بعمق، معلنةً لها عن نكسة مروعة تُشعل في نفسها نيران الحسد والضغينة، قبل أن تتمتم بصعوبة:
يعني إحنا بقينا قاعدين ضيوف في بيت إبريل؟
سلمى مؤكدة بإقتضاب:
بالظبط كدا.
تساءلت ريهام بنبرة منزعجة، وكأنها تريد أن تلقى كل اللوم على والدتها:
إزاي ماتقوليليش حاجة زي دي من بدري يا ماما؟
_هو انتي الفترة اللي فاتت كنتي مركزة مع حد.. مش كنتي قافلة على نفسك في أوضتك ومابتكلميش حد حتى ابنك مكنتيش عاوزه تفتحيله الباب.
كانت والدتها تحاول أن تفسر ما يحدث، لكن الكلمات لم تكن كافية لتهدئة ريهام.
_واحنا هنروح فين دلوقتي؟
_باسم ادانا مهلة ندبر أمورنا لحد ما يرجعوا من شهر العسل.. واتفقت مع أبوكي يأجر لنا بيت صغير لحد ما الأوتيل يقف على رجله.. وننقل في بيت تاني.
جاءت كلمات والدتها بمثابة محاولة لتقديم بعض الأمل، لكنها كانت كسراب يتلاشى في الأفق، ومع كل كلمة كانت ريهام تشعر بحقد أكبر على إبريل.
الصدمة بلغت ذروتها حينما رأت والدها، يأتى نحوهم برفقة داغر، الذي وقف أمام الطاولة بشموخٍ معهود، ملامحه الصارخة بالوسامة والقسوة في آنٍ واحد، مما أثار في نفسها اضطرابًا ورعباً لم تشعر به من قبل.
جاء صوت والدها كالرصاصة، ليخترق سكون الصدمة الذي يحيط بها:
ريهام بنتي يا داغر بيه، داغر بيه الشريك الجديد في الاوتيل.
فابتلعت لعابها بصعوبة، وكأن كل حرف في حنجرتها تحول إلى حجر ثقيل. مدت يدها لتصافحه فأرسل هذا التلامس رجفة باردة عبر جسدها وخضراوتيه القاسية تسحبها إلى أعماق مجهولة، نظراتها تنبض بحيرة مريعة، تتركها عالقة بين شعور الخوف والمشاعر المتضاربة التي تتلوى بعنف في أعماقها المحترقة.
شعور القلق تزايد في أعماقها، حالما جلس داغر معهم بثقة عالية، وكأنه يستمتع بإثارة الفوضي في قلبها. مر الوقت فى حوار عابراً بينه وبين والدها، تململت قليلاً كأنها تجلس على جمرات، ثم استأذنتهم بلباقة، بحجة الذهاب إلى الحمام، فيما نهض داغر خلفها بعدة دقائق، دون أن يلحظ أحد شيئًا غريبًا.
خلال ذلك الوقت.
خارج القاعة.
تسير مني بخطوات متوترة، وكأن الأرض تحتها تهتز، بعدما استأذنت من وسام بالذهاب إلى الحمام، تحاول أن تهدأ من اضطرابها المتفجر منذ أن لمحته في القاعة. حضوره المتوهج في المكان كان كفيلاً أن يعيد كل نبضة مشتاقة، كل رعشة خامدة في قلبها، لتشتعل كالبركان من جديد بكل رجولته ووقاره. لامت نفسها بصمت على تلبيتها لدعوتها، وخصوصاً بعد تلك النظرات التي وجهها لها عزّ، وكأنها تعري روحها الهشة أمامه.
دخلت الحمام وهي تحاول أن تتنفس بعمق، وكأن الهواء يرفض أن يدخل صدرها في حضرة مشاعرها الملتبسة.
وقفت أمام المرآة، تتأمل تفاصيل وجهها بشرود، تتحسس مكياجها بأنامل مترددة، بينما يتراقص في ذهنها طيف عز بطلته الأنيقة الآسرة التي تنتزع الأنفاس.
تسللت ابتسامة هائمة إلى شفتيها، كأن روحها انجذبت بلا وعي إلى ذكرى قديمة، حُفرت بعمق بينهما، لتعيشها مجددًا في صمتٍ مفعم بالحنين.
flash back.
وقفت مني أمام المرآة تلقى نظرة أخيرة على مظهرها الفاتن، وتمرر أصابعها على شعرها بتلقائية، وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيها.
وفجأة التفتت بمرح حين خرج عز من الغرفة، بنطلونه الأسود، وصدرية البدلة فقط تكشف عن كتفيه وذراعيه المعضلين، ووقف بابتسامة جانبية مفعمة بالثقة، وبريق عينيه يختلط بشيء من الإعجاب العاشق.
قال عز لها بنبرته العميقة، وهو يرفع حاجبه بنظرة مغوية:
إيه رأيك في الشياكة؟
ضحكت مني بنعومة، ونظرت إليه وكأنها تتفحصه بدهشة مصطنعة، ثم تلاعبت بكلماتها بمرح:
خطير يا حبيبي.. بس هيبقى أحلى لو لبست القميص.
حرك عز حاجبيه بتكاسل، وتظاهر بالبراءة وهو يقول:
مالقتوش!!
_إزاي؟ أنا حطاه بإيدي!
قالتها مني بإستنكار، ثم تخطته إلى الغرفة بخطوات واثقة، لتشير إلى القميص المستلقي بعناية على السرير، قائلة بصوت لم يخلو من دهشة ناعمة:
أهو مكانه على السرير يا عز ماتلمسش.. حرام عقلي قرب يروح منك.
اقترب عز منها بخطواته الهادئة حتى التصق ظهرها بدفء صدره الصلب، لينحني بجانب أذنها هامسًا بتملك حار دغدغ حواسها بتيار من الإثارة الخفية:
يروح على فين ويسيبني لوحدي؟
ضحكت مني بغنج ساحر، وضغطت برفق على صدره قبل أن تنحنى لتلتقط القميص، ثم ناولته إياه بنظرة مثقلة بالدلال المثير، وهمست بصوت خافت، كأنما تلقي عليه سحرًا لا يُقاوم:
البسه بسرعة عشان نلحق ننزل.
أنهت مني حديثها وهمَّت بالابتعاد، لكن ذراعيه انغلقتا حول خصرها كطوق لا فرار منه، وجذبها إليه حتى لامس خدّه الشائك خدَّها الناعم برقة، فيما تسللت أنفاسه اللاهبة بجانب أذنها، وهمس لها بجاذبية ماكرة مغلفة بإغواء مهلك:
تعالي هنا.. مهمة مين دي؟
نظرت مني له ترفع حاجبها بتحدٍ، وشعرت بأنفاسها تتقطع، وهى تهمس بصوت متأثر، نصفه رغبة ونصفه تحذير:
كده هنتأخر.. وممكن ديدو تعملنا حوار.
أطلق عز ضحكة خافتة، لامساً بشفتيه شفتيها بخفة متعمدة، وهو ينبس بخبث متعمد:
أنتي شايفة كده! خلاص خليني أنزل كده وأنتي وديدو احرار في بعض.
_لا تنزل كده فين يا مجنون؟ هو احنا قد ديدو؟
شهقت مني باستنكار مرح، لتحاوره بعبثه المحبب، بينما ترمى القميص على السرير، ثم استدارت بجسدها بين ذراعيه، وبدأت بفك أزرار صدرية البدلة، ومع كل زر ينفك تشتعل رغبته الحارقة بهذه الفاتنة.
أدارته مني بين يديها بحنان بالغ، قبل أن تبدأ بتلبيسه له، ما جعله يبتلع لعابه ببطء، وتمتم بتيه عاشق مسحور بجنيته الحسناء:
أعمل إيه.. أدخل إيدي هنا؟
حاولت أن تتماسك، لكن ضحكاتها العالية بشقاوة خذلتها:
ده بديهي يا حبيبي...
رمقها عز بإغتياظ محب، وغمغم بنبرة أجش مثيرة:
كله منك.. خدتي عقلي مني.
back.
عادت فجأة إلى الحاضر على صوت باب المرحاض، وهو ينفتح ببطء، فرمشت بعينيها لتستعيد تركيزها، حين التفتت، وجدت نفسها وجهاً لوجه أمام عز، يقف بكامل رجولته، ملامحه المشدودة ونظراته العميقة تتحدث عن مشاعر كانت تخشى مواجهتها من جديد.
في نفس الوقت.
عند ريهام.
وقفت ريهام خارج القاعة، تتلاعب بأصابعها بتوتر شديد، كأنها تسعى لامتصاص قلقها المتصاعد عبر حركة يديها، غير قادرة على تحمل الصدمات المتتالية التي أرهقت قلبها بشدة. رفعت عينيها بعفوية بعد لحظات، لتجده يتقدم نحوها بخطوات واثقة كزئير عاصفة، وحضورٌ لا يحمل سوى القوة المطلقة والقسوة الجامدة.
لم تجد في نفسها قدرة على الفرار، فهي الآن أمامه مباشرةً، أسيرة تلك النظرات الجامدة التي تخترقها كالسيوف.
وقبل أن تستعيد أنفاسها، أمسك بذراعها بقوة جعلت قلبها يقفز من مكانه. شعرت أنها أسيرة بقبضته، مقيدة بقوة سلطته التي لا تملك منها فكاكاً، منساقة خلف خطواته التي تقودها بثباتٍ مخيف نحو زاوية معتمة بعيدة عن الأعين. وما إن توقفت هناك حتى اندفعت منها كلمات مرتجفة، تنبض برعبها العميق، عاجزة عن كبحه تحت وطأة حضوره الطاغي:
انت ليه عملت كدا؟
جاء صوته خفيضاً بارداً، كصفعة قاسيّة تنفذ إلى أعماقها، مغلفة باحتقار دفين يشقّ روحها بلا هوادة:
كنتي عاوزاني اسيب سمعة عيلة ام ابني تتمرمغ في الوحل بسبب افلاس ابوكي و جشع امك.
ارتجفت كلماتها، وهي تخرج مترددة، وملامحها تعكس انكسارها أمامه:
عاوز إيه يا داغر؟ مش كفاية...
تلاشى ما تبقى من حديثها كأنما ابتلعته الظلال، حينما اقترب منها أكثر، نظراته لا تعرف الشفقة، تحاصرها كفريسة هشة تترجى الرحمة أمام عينيه الباردتين. وانبعث صوته الحاد كحد السيف عبر مسامعها:
عاوز ابني.
جحظت عيناها من الصدمة، نطقت بشبه همس مرتعش:
يعني إيه؟ انت مالكش أي حقوق فى عمر.. دا ابني أنا!
بكل برود، أخرج من جيبه ورقة، مدّها نحوها بيد ثابتة، تجمدت أنفاسها وهي ترى شهادة ميلاد تحمل اسم داغر كأبٍ لعمر. نظرت إليه برعب، والصدمات تقرع فى رأسها دون توقف، تساءلت بتلعثم:
إزاي عملت كدا؟
ابتسم داغر بسخرية جليدية:
بسيطة.. طليقك راجل عملي جدا وعارف مصلحته.. اختار يحافظ علي مهنته وسمعته.. وأخذ شوية فلوس وساب البلد كلها.
حدقت ريهام فيه بعيون تملؤها الدهشة والغضب، لكنه لم يهتز. ألقى عليها نظرة مليئة بالاحتقار وقال بسخرية جارحة:
مشكلتك طول عمرك إنك ما بتعرفيش تستنضفي رجالة.
قال داغر ذلك بإزدراء محتقر ثم عاد بخطواته الواثقة نحو قاعة الأفراح، تاركًا إياها تقف وحدها، متجمّدة وسط دوامة من الارتباك والخوف.
عند منى.
عادت فجأة إلى الحاضر على صوت باب المرحاض، وهو ينفتح ببطء، فرمشت بعينيها لتستعيد تركيزها، حين التفتت، وجدت نفسها وجهاً لوجه أمام عز، يقف بكامل رجولته، ملامحه المشدودة ونظراته العميقة تتحدث عن مشاعر كانت تخشى مواجهتها من جديد.
_انت ايه اللي مدخلك هنا؟
سألت بصوت متوتر، وقد تجمدت في مكانها.
جاء ردّه هادئاً، ولكن عينيه كانتا تحملان شحنة كهربائية قوية، كألسنة نار تتراقص في عتمة روحها:
تفتكري ايه السبب؟
أجابته بإستنكار محاولةً الحفاظ على تماسكها بصعوبة:
انت واقف في الحمام الحريمي.. ايه مش واخد بالك؟
اقترب منها أكثر، ورد بابتسامة جانبية تتراقص على شفتيه، تفيض بالتحدي والاشتياق، كأنما تهمس لها بأن المسافة بينهما مجرد وهم:
لا ماخدتش بالي كويس انك نبهتيني.
_اخرج من هنا يا عز.
أمرت لكن صوتها كان أقرب إلى الهمس.
_قوليلي الحقيقة والا مش هطلع.
كان صوته مليئاً بالإصرار، مما جعل قلبها يخفق بشدة، لكنها حاولت أن تتجاهل التوتر الذي بدأ يزحف إلى أعصابها:
بلاش جنان ماينفعش وجودك هنا اخرج.
_كأنك نسيتيني و نسيتي جناني.
_مين قالك نسيت؟!
أجابت مني بسؤال مندفع، مما جعله يقرب وجهه منها أكثر بشبح إبتسامة، وعينيه يلمعان بعزم لا يتزعزع، وبإلحاح هامس يشبه خفوت اللهب قال:
حلو اوي.. يبقي عارفة ان لو انطبقت السماء علي الارض وحصلت فضيحة هنا.. برده مش طالع الا لما تردي علي سؤالي.
تراقص قلبها المفتون بين أضلعها من قربه المهلك، فتراجعت نحو حافة حوض الماء، لتعقد يديها تحت صدرها، وهمست بتذمرٍ مستسلم:
سؤال ايه؟! قول وخلصني!!
بخطوة واحدة كسر المسافة بينهما، قابضاً على عضدها، وبشراسة مشبعة بلهيب الغيرة تنساب بين أسنانه كأزيز النار هتف:
يطلع مين الواد الملزق دا اللي جايباه معاكي دا.. قصدك تجننيني مش كدا.. عاوزاني اصورلك قتيل!!
انفلتت من قيد قبضته، واندلع هتافها يعكس استياءها الواضح من حديثه:
لا.. انت كدا اجننت رسمي!!!
نطقت بذلك ثم حاولت أن تمر من جانبه، لكن يديه القابضتين على كتفيها أضحت كعائقٍ لا مفر منه مدمدماً بصرامة:
ردي عليا.
_سيبني.
_مش علي مزاجك يا مني.. دلوقتي حالا عايز رد علي سؤالي.
صوته الذى احتوى على نبرة الغضب، كان كالرعد الذي يتبع البرق، مستفزًا شعورًا متأججًا داخلها، لترد بنبرة متهالكة لكن في أعماقها كانت تعي أن تلك الكلمات تعكس صراعًا بين رغبتها في الاستقلال وعاطفتها الجياشة تجاهه:
مايخصكش ومش هقولك.
_دا انتي اتهبلتي بقا.. انتي لسه علي ذمتي يا هانم اي حاجة تخصك تخصني.. فوقي مش معني اني سيبتك شهرين تهدي فيهم وجيت علي نفسي واستحمت بعدك عني بطلوع الروح.. يبقي خلاص تفتكريني هسمحلك تطلعيني من حياتك او تعيشي علي كيفك.
أخبرها عز بصوتٍ عاتٍ كالأمواج الثائرة، تتسلل إلى أعماقها وتشعل نيران غضبٍ دفين، لتنساب نبرتها كهمسٍ حزين، يشبه أنينًا خافتًا، يكشف الألم دون أن يظهر انكسارها:
ماتغيرتش يا عز.. ومفيش حاجة في الدنيا ممكن تخليك تبطل اسلوبك الهمجي دا.. بس انا خلاص صبري عليك خلص ومش هصبر تاني.. من بكرا هروح للمحامي و هطلق منك.. طالما مش عاوز تطلقني بالتراضي.
شعر عز بجمرات الغضب تشتعل في عروقه كاللهيب، تحرقه بفكرة الانفصال عنها تمامًا، ليجذبها إليه حتى تلاشت المسافات وأنفاسه تداخلت مع أنفاسها، وهمس بنبرةٍ مختنقة بعشقٍ موجوع وغيرةٍ لا تهدأ:
افهمي بقي.. انا بموت فيكي.. وانتي عارفة كدا بطلي تستفزيني بكلامك الغبي دا.. انا مولع قدامك من غيرتي عليكي.
أشاحت مني برأسها عنه ببطء، تكابد بشقّ الأنفس تجاهل دفء قربه الذى يزيد من دقات قلبها، لكن ما بينها وبينه هو حبل مشدود بين الخوف من الافتتان والرغبة في الانغماس في بحر مشاعر لا تنتهي. وهمست بنبرة رقيقة مرتعشة، تخفي بين طياتها حنينًا عميقًا:
حتي لو بتغير عليا.. كل مرة نتخانق فيها كنت تجرحني بكلامك وبعدها تقولي انا كنت متعصب وغيران..
أضافت مني بقوة غريبة، وهي تعاود النظر إلى عينيه، اللتين تلمعان وسط عواصف المشاعر كنجمتين ساطعتين في سماء حالكة:
بس انا مش هسمحلك تاني تهيني وتجرحني.. وفي الاخر تعلق دا كله علي شماعة انا بحبك وبغير عليكي.. لو بتحبني كنت تحترمني وتقدر مشاعري مش تجرح وتبهدل فيا.
_ماهو انتي مش هتحسي بحالي مهما وصفتلك قد ايه بحبك؟ قد ايه بتوحشيني!! قد ايه مجنون بيكي؟ انا روحي فيكي.. بغير عليكي حتي من الهدوم اللي ضماكي وانا مش قادر اخدك في حضني.. مابتحسيش ليه بالنار اللي بتحرقني.. انا مولع من غيرتي عليكي من لحظة ما شوفتك داخلة القاعة مع ابن ال*** دا..
أنهى عز جملته بانفعالٍ عاصف، وانقضّ عليها كالموج العاتي، يغمر شفتيها بقبلةٍ ملتهبة بالشوق والحنين.
حاولت منى التراجع، تقاومه بروحٍ تفيض رفضاً واحتجاجاً، لكن ذراعيه أحاطتا بها بإصرار كقيدٍ أبدي يشبه خشية الغريق من فقدان طوق النجاة، كأنه يخشى أن تتلاشى بين ذراعيه.
في تلك اللحظة، كان يتشبث بها كأنها الحياة ذاتها في أحلك لحظاته، يمتص من رحيقها بلهفة من يبحث عن خلاصٍ في أعماق بحرٍ هائج من الألم.
اختلطت أنفاسهما كأنهما يحاولان انتزاع بعضهما من قبضة اليأس المدمرة، ويده تمسد على ملامح وجهها، يلامس كل تفصيلة بها بتتوق حار تجلى فى صوته الأجش:
شهرين بعيدة عني يا مني.. دا كتير عليا.. حرام عليكي انا بتصل بيكي كل يوم بحاول اوصلك.. وانتي كل رقم تعمليلي منه بلوك.. ليه مش حاسة بيا.. انا مش عارف اعيش وانتي بعيدة عني.. مستعد اعمل اي حاجة بس تسامحيني.
نطق عز كلماته بنبرةٍ تعبق بضعفٍ جبّار، يكمن خلفه صلابة تخفي جبالًا من القوة، كعواصفٍ رعدية تمزق سماءً ملبدة بالغيوم، تخترق دفاعاتها الهشّة بقسوة وتتصادم مع قرارها الصارم بعدم العودة إليه. لقد باتت العودة إليه حكمًا قاسيًا على كرامتها، وكأن الخضوع له نداءٌ أخير، يطالبها بالتنازل عن كبريائها، وهي تكافح بألمٍ لمنع قلبها من الاستسلام:
مهما عملت هتقدر تصلح اللي اتكسر جوايا.. هتقدر ترجعلي ثقتي في انوثتي بعد ما اهنتها بكلامك وافعالك.. هتقدر ترجعلي كرامتي اللي دستها برجلك.. هتقدر ترجعلي ثقتي في نفسي اللي ادمرت بسببك.. والاهم من كل دا هتقدر ترجع الزمن وتنقذلي ابني يا عز.
كل كلمة منها اصطدمت بجدران قلبه، لتنخر في أعماقه بعنف، بينما أكملت منى بقلب يلتظى بالألم:
مصيبتي يا عز ان ماشوفتش دنيا غير بين ايدك كنت جنتي علي الارض ويوم ما خرجتني منها ضعت واكتشفت اني ماليش حياة اصلا فقررت اموت نفسي شوفت ضعف وذل اكتر من كدا.
_عارف اني للي عملته مكنش هين.. بس انا ماحبتش ولا هحب في عمري غيرك لو فيها موتي ومستحيل افرط فيكي ولا هخليكي تبعدي عني مهما حاولت.
رفعت منى وجهها لتواجهه، ورغم ضعفها انبعثت شرارة من الإصرار في صوتها الرقيق:
انت خلاص بعدتني عنك ومش من دلوقتي من بدري اوي يا باشمهندس وهفضل مصممة علي الانفصال الرسمى.
قالت منى ذلك، ثم أبعدته عنها ثم خرجت بخطوات مرتعشة من الحمام، وقلبها يرتجف بين ضلوعها، متشبثاً به رغم الألم، فهى أقسمت في أعماقها على ترويض هذا الليث الجموح، متشبثةً بعزيمتها كصخرة صلبة أمام أمواج عشقها العاتية، لن تسمح لضعفها أن يستدرجها للتنازل، بل ستبذل كل ما أوتيت من قوة لتثبت له أنها لن تتخلى عن حقوقها أو تنحني مجدداً ظ ستصمد حتى تخبو نيران غيرته التي تلتهم حصاد حبهما، حتى يجد في صلابتها ملاذاً يسكن إليه.
بعد مرور وقت لا بأس به.
تجلس إبريل في الكوشة، يديها متشابكة مع يد الطفل عمر الذي يقف بأمامها، بينما ابتسامتها تنبض بالحنان والعذوبة:
ما شاء الله عليك يا قلب خالتك! انت خطفت قلوب البنات كلهم بكل الأناقة والشياكة؟
رد الطفل بغرور بريء، يعكس ثقته بنفسه واعتزازه بمظهره:
عادي.. دي أقل حاجة عندي!
قبلت إبريل خده بقوة وحب، بينما أضافت بحماس:
يالهوي على العسل يا حبيب قلبي!
تسلل صوتها الدافئ كنسيم رقيق إلى قلب الجالس بجانبها، مشعلًا في أعماقه شغفًا متأججًا، كأنها تعزف على أوتار روحه لحنًا عذبًا يأسر حواسه ولعاً. لكن عمر بتعبير متذمر طفولي اعترض:
كفاية بوس يا توته خدي وجعني!
ضحكت إبريل بنعومة، وهي تقرص مقدمة أنفه بخفة، مضيفة بمشاكسة:
أعمل إيه بس؟ خطفت قلبي بحلاوتك يا مز!
تنهد باسم بحب لا يخلو من الجرأة:
يا بختك! مين قدك.. بكرا لما تكبر هتتمنى لو ترجع لأيام البوس أبو بلاش دا وما هتلاقيش!
عنفته إبريل بهمس مغتاظ:
بطل سفالتك دي.. دا طفل لسه صغير وبيلقط الكلام بسرعة.
إلتمعت عينان عمر بتأثير، وقال بتساؤل:
لحد دلوقتي مش مصدق.. خلاص هتسيبني وتمشي من البيت؟
ضمته إبريل برقة وحنان، وكأنها تسعى لتبديد مخاوفه:
لا يا حبيبي مين دي اللي هتسيبك؟ أنت هتجيلي كتير وأنا هجيلك كمان!
عمر بحماس تساءل:
طيب هتخلوني أجي أشوف أمتى البيت الجديد؟
أجابته إبريل بهدوء:
قريب أوي يا روحي.. أول ما نرجع من السفر على طول هجيبك تشوف البيت.
رد عمر بفرح:
بجد؟
باسم مؤكداً بثقة:
أكيد أنا وإبريل هننبسط أوي بوجودك عندنا في أقرب وقت مش كدا؟
أكملت إبريل الجملة محملة بحماسها:
مظبوط طبعًا.. دا احنا هنتسلى أوي.. هنقضيها لعب مع بعض بالبلاي ستيشن زي ما أنت عايز!
صفق عمر بحماسة شديدة، وعيناه تتلألأ كالأحجار الكريمة:
يا سلام دا الكلام الحلو!
إلا أن إبريل بنبرة جادة لطيفة قالت:
بس أهم حاجة تسمع كلام ماما وخالو وتيتة وجدو.. وتهدي الشقاوة شوية وتخلي بالك على نفسك ومن مدرستك.
وافق عمر بحذر:
حاضر بس أنتوا وعدتوني!!
أكدت له إبريل، بينما دموع الاشتياق تهدد بالنزول من عينيها، تعكس عمق مشاعرها نحوه:
أكيد.. هنعمل كل اللي نفسك فيه سوا.
احتضنها عمر بشدة معبرًا عن حبه:
ميرسي يا توته.. بحبك أوي!
ربتت إبريل على ظهره بحنان وحب كبير:
وأنا بحبك يا روحي، وهتوحشني أوي.
في تلك الأثناء، جاء يوسف نحوهم، يحمل في عينيه لمحة من المرح، وقال لعمر بسرعة:
أنت واقف هنا وريهام عاملة تدور عليك.. يلا روح شوفها.
التفت يوسف إلى باسم بابتسامة واسعة مهنئاً للمرة التى لا يعلمها، لكنه مسروراً لسعادة اخته:
الف مبروك يا عرسان.
رد باسم بابتسامة عريضة خلابة:
الله يبارك فيك يا ابو نسب.
تابع يوسف بجدية:
مش هوصيك على إبريل تحطها في عينك.
احتضن كتفها بشغف، وقال بصوت يجسد صدق مشاعره العميقة، مما زلزَلَ قلبها وجعله يرتجف خلف ضلوعها:
أنا حطيتها جوا قلبي.
يوسف حذره بحنان:
ماشي يا عم الحبيب.. خد بالك بلاش تكييف وهي نايمة بيتعبها.
إبتسمت ابريل بإمتنان محب لنصيحته للتى تحمل في طياتها عناية الأخ الأكبر، بينما قبّلها يوسف على خدها بحب أخوي وقال بهمس:
هتوحشيني جدًا على فكرة.
أجابته إبريل بابتسامة مشرقة:
وأنت كمان يا يوسف، عقبالك يا حبيبي.
يوسف مازحًا:
يسمع منك يا رب! بس سلمي تلين دماغها وتوافق على البت.. والحق أخطبها قبل ما يجي اللي يلهفها وتروح مني.
إبريل بضحكة مرحة ومشاغبة قالت:
يبقى هتروح منك!
في هذه اللحظة، اقتربت وسام منهم مبتسمة وقالت:
إيه يا باسم يا حبيبي.. خد عروستك وروحوا على بيتكم، الساعة قربت على 12 بالليل.
أجابت إبريل بنبرة مضطربة:
لسه بدري يا طنط!
ردت وسام بابتسامة دافئة:
يا حبيبتي.. أنتم وراكم شهر عسل وسفر بدري الصبح.. يلا عشان تلحقوا ترتاحوا شوية!
قبل أن ينتهي الفرح، اقترب داغر بثبات واثق من الطاولة التي تجلس عليها ريهام وعائلتها. لمحت ريهام حضوره بملامح شاحبة، كأنها رأت ملاك الموت يقترب منها، في حين ظن عائلتها أنه جاء ليودعهم، لكن ما نطقه من بين شفتيه كطلقات نارية، جمدت الجميع في حالة من الصدمة المروعة، وريهام في مقدمة من سقطت عليها كلماته كالصاعقة:
أنا هاخد ابني يقضي معايا كام يوم يا ريهام.
تدحرجت عينا فهمي نحو ريهام عدم الاستيعاب، ثم انتقلت بنظرات مشوبة بالغرابة إلى داغر، كأنه يستفسر عن معاني الأمور التي تتجاوز فهمه:
ابنك مين يا داغر بيه؟
أشار داغر ببرود نحو الطفل الذي يجلس على قدم سلمي، وابتسم بابتسامة تتسم بالغطرسة:
هي ريهام لسه ماعرفتكوش إن أنا أبو عمر على العموم.. هي هتبقي تشرحلكم.. يلا يا حبيبي.. تعال.
نهض الطفل، وسط نظرات الصدمة التي تملأ وجوههم، خاصة أن عمر بدا وكأنه يعرف داغر جيدًا ولا يمانع على الإطلاق في الذهاب معه.
_عمر.. تعالي هنا! انت رايح فين؟
نادت عليه ريهام بصوت حازم يحمل نبرة قلق، فرد عمر ببساطة:
هروح مع بابا هو وعدني إنه هيخليني أقعد معاه في الإجازة.
ثم شرع الطفل في شرح كيف أن داغر طوال الأشهر الماضية كان يذهب إلى مدرسته، ويقضي معه وقتًا كبيرًا، وأن هذا كان سرًا بينهما كما أخبره والده، كان صوت عمر مفعمًا بالفرحة، بينما تتجلى سعادته في عينيه البراقتين، ولم يمانع عمر بل رحب بالحنان واهتمامه الكبير الذى غدقه به، مما صعق ريهام في مقتل، خاصة أمام نظرات عائلتها المشدوهة في حيرة من أمرهم حول ما يجري.
رواية جوازة ابريل الفصل الثاني 2 - بقلم نورهان محسن
يا سيدة الأنفاس المختبئة بين ضلوعي، هل تعلمين أنكِ تفتحين أبواب قلبي، زرًا زرًا، بنبضٍ يرتعش تحت أطراف أصابعكِ مثل السحر يٌجذبني إليكِ؟
كل خفقة من عروقكِ تنفجر في داخلي كالنار، وكل نَفَسٍ يخرج من شفتيكِ يستهويني بقوة، يجبرني على الاقتراب أكثر، لأتذوق ذلك الرهف المتمرد من بين عنادكِ الصخرى.
في منزل باسم الشندويل.
دخلت إبريل بخطوات مرتعشة، وجودها معه بمفردها سيثير مشاعرها المتناقضة، لكنها تخفي ذلك تحت قناع من اللامبالاة، وتجنب النظر إليه وإبداء التذمر لعلّه ينفر منها ويتركها وشأنها، حيث أن قلبها الخائن كان يكشفها بنبضاته المتسارعة، وهي لا تثق في قدرتها على التحكم بمشاعرها أمامه.
أما باسم فكان يتبع خطواتها بنظرة واثقة، يتعمد تأملها من بعيد، ملاحظاً كيف تمشي متعبة حتى استقرت على أحد الأرائك، لتنحني بجسدها المتعب وتفك حذاء الكعب العالي الذي أرهقها طيلة اليوم.
تنفست ابريل بعمق وقالت بلهجة ممزوجة بالراحة والتذمر:
اخيرا اليوم الطويل دا عدي علي خير و خلصنا!
أطلق باسم ضحكة ماكرة متعمداً ان يثير أعصابها، وصوته يحمل سخرية مفعمة بالحب:
لا يا حلوة مخلصناش .. احنا لسه بنقول يا هادي.
لم تبالِ للرد، فالتعب كان يغلبها على أن تدخل معه في جدال لا نهاية له، وقامت من مكانها، رافعة الفستان عن الأرض قليلاً، لتخطو حافية القدمين بخطوات مترددة نحوه، كعادته لم يفوّت الفرصة ليتلذذ بشذاها الخلاب الذي تغلغل في كيانه، فأغمض عينيه بلحظة خفية من الانتشاء المغرم، متمنياً لو يبقى هذا العطر مسكونًا في أنفاسه، بينما حاولت أن تبدو غير مبالية، وتوجهت نحو حقيبتها القريبة من الباب، ثم حملتها لتسأله ببرود مصطنع:
فين أوضتي؟
أشار برأسه نحو باب على يمينها دون أن ينبس بكلمة، ثم حك أنفه بسرعة ليخفي ابتسامته، فخرج صوتها مهتزاً بإستنكار:
دي أوضتك انت .. فين أوضتي أنا؟
صحح لها باسم بحزم، مع تقطيب حاجبيه بانزعاج مصطنع:
مفيش حاجة اسمها أوضتي وأوضتك .. اسمها أوضتنا!
وضعت ابريل الحقيبة على الأرض، وتحدثت بنبرة متمردة:
احنا متفقناش على كدا.
دفع باسم كتفيه بتحدٍ، وتلاعبت ملامحه بتعبير مفعم بالثقة، مردداً العبارة بنبرة خشنة:
وهو إحنا كنا اتفقنا على حاجة؟ ماتلومش حد غير دماغك الناشفة! مش أنا طلبت منك تيجي زي اي عروسة .. وتغيري العفش وتعملي الديكورات على ذوقك وانتي رفضتي.
أثناء حديثه، أخذ يدور حولها ببطء، محاطًا بجاذبيته المهيبة كغيمة داكنة تكتنف الأفق، مما جعلها تشعر بالقلق والانزعاج، فهتفت بحدّة مضطربة:
انت بتحوم حواليا كدا ليه؟ وايوه رفضت عشان ذوق الشقة كان عجبني زي ماهو .. بس ماجبناش سيرة اوض النوم في كلامنا..!!!
التفتت ابريل إليه نظرة مليئة بالسخرية والتذمر، ثم أضافت مستاءة:
وبعدين عايز تقنعني ان شقة طويلة عريضة زي دي .. مافيهاش غير اوضة نوم واحدة .. انت بتكلم بياعة قوطة علي فرشة خضار!!!
رفع باسم حاجبيه بتحدٍ مستفز، بينما كانت رماديتيه تتأمل ملامحها الجميلة بإفتتان، متسائلاً بصوت منخفض:
تفتكري اتنين عرسان هيحتاجوا اكتر من اوضة نوم ليه؟ ها يا روحي!!!
همس باسم بها بنبرة آثرة، محتويًا ذقنها بين أصابعه، فانعكست على وجه إبريل ملامح الشك الممزوج بالخجل، وعبرت بسخرية لاذعة، وهي تدفع يده بعيدًا بتوتر:
يعني مفيش اوضة للطوارئ .. للضيوف .. ولا بتسيبهم يناموا علي الكنبة كدا؟!!!
خطا باسم خطوة إضافية نحوها، مبتسمًا بابتسامة غامضة احتبست انفاسها منها، بينما عيناه تتلألأان بمكر عابث، قائلاً بنبرة خافتة جريئة:
ضيوفي ما بيلاقوش الراحة غير في حضني يا حبيبتي...
شهقت ابريل بخفة وارتبكت لوهلة، تمالكت نفسها بنبرة تجمع بين الخجل والغيظ:
احترم نفسك .. واكلم جد شوية بقا.
_واحد عازب هيحتاج أكتر من سرير في البيت ليه يا ابريل؟
توسعت ابتسامته مستمتعاً بمشاهدتها تهرب من نظراته، مثل فرسة جامحة تحاول الإفلات من خيالٍ يعرف نقاط ضعفها، وفي صمتها العاجز، أضاف بخبث:
ناوية تقضي الليلة وقفة مكانك كده .. ولا تحبي أشيلك زي ما شيلتك يوم الموقع على كتفي .. بس برومانسية المرة دي؟
تراجعت ابريل خطوتين بتوتر، وهي تلعق شفتيها، واتجهت لتجلس على كرسي السفرة، متظاهرة باللامبالاة رغم اضطراب نبضاتها المتزايدة بعنف من جراءته اللامحدودة:
ممكن تبطل البواخة دي.
اقترب باسم منها، ليجلس على حافة الطاولة بتمهل واضعًا مرفقيه على فخذيه، وبنبرة تكاد تمزق أسوارها الدفاعية همس:
فيها إيه لما أشيلك؟ مش العريس بيشيل عروسته الليلة دي؟ ولا لسه بتتوتر مني؟
ابتلعت إبريل ريقها، مستشعرة اهتزازات توتر تعصف بمعدتها، وسألت بثبات نسبي:
وانا هتوتر ليه؟
انحنى باسم أكثر نحوها حتى أصبح فمه على بُعد أنفاس بسيطة من أذنها:
معرفش واحنا لوحدنا... بحسك متوترة بزيادة.
التفتت ابريل إليه فجأة، لتجد وجهه قريبًا من وجهها بشكل يكاد يعطل عقلها، وعيناها تعلقتا بعينيه للحظات، قبل أن تفر بنظراتها إلى الأمام، متلعثمة بصوت منخفض:
لا .. أصلاً مفيش حاجة فيك بتحرك أي إحساس جوايا بالتوتر يعني.
تململ باسم بابتسامة جانبية:
بجد؟
_ايوه!
أجابت ابريل بإصرار، لكن اضطراب حركتها يمينًا ويسارًا بعشوائية فضحها فأطلق ضحكة جذابة، وقال بهدوء:
خلاص .. مصدقك.
أراح باسم يده برفق على كتفها، مقترحًا بنبرة هادئة تعكس الاطمئنان:
بالمناسبة .. لو حابة تاخدي شاور؟
انتفضت ابريب بسرعة فارتطمت ركبتها بالطاولة، وأمسكتها بتألم، ولا شعوريًا استندت على فخده، في حين هو بقي متسمرًا، يراقبها بعينين تعكسان حرارة غلفت جسده، وعندما التفتت مجددًا، ووجدت وجهه قريبًا، تراجعت قليلًا مترددة، فخفضت كفها عن فخذه، لتجد نفسها تجلس على قدمه، نظرت له مذهولة، ليتمتم بصوت يشتعل بشغفه الجارف لها:
زي ما قولتلك .. انتي متوترة .. وبتوتريني معاكي كمان.
نهضت ابريل عنه وتراجعت خطوتين إلى الوراء، تتملكها مشاعر الحرج، بينما ابتسم لها بدعابة وحنان مردفاً:
وبعدين ماكنتش اقصد حاجة من اللي دماغك .. يعني بقول ان كل واحد فينا بعد اليوم الطويل دا محتاج دوش يريحه ولا ايه؟
أغمضت ابريل عينيها متنهدة بقوة دون أن ترد، محاولة تفريغ شحنة التوتر المتراكمة داخلها، وبعد لحظة من الصراع الداخلي، تحركت بإستسلام نحو غرفة النوم، تسحب حقيبتها الضخمة على المزلاج خلفها، وهي تهمس في سرها بكلمات لاذعة بسبب تلاعبه الذي أثار حنقها.
توجهت إبريل إلى الحجرة الصغيرة المخصصة للملابس، ذات التصميم الزجاجي الذي كان يعكس نور الغرفة الخافت، لكن شيئًا ما عاق حركتها، استدارت برأسها لتجد فستان زفافها قد تشبث بطرف الباب الجرار، فحاولت جذبه بحذر، لكنها لم تنجح.
في تلك الأثناء، دخل باسم، وهو يفك ربطة عنقه، وألقى بها على الأرض بإهمال، محدقاً فى مشهد الفستان العالق، ثم أكمل سيره موجهًا حديثه إليها بنبرة ملؤها الشماتة لا تخلو من العجرفة:
خدي بالك لا يتقطع .. أنا دافع فيه دم قلبي.
نفخت ابريل بغضب، ثم ردت عليه بعناد متمرد:
خليه يتقطع مايهمنيش .. انا اصلا مش طايقة الفستان دا عليا وكارهه افضل بيه اكتر من كدا .. وماهصدق اقلعه وارميه بعدها في الزبالة!!
زم باسم فمه وهو ينزع سترة البدلة، عازمًا على التعامل معها بنفس أسلوبها، ثم صاح بنبرة مشوبة بالسخرية:
وأنا كمان كاره البدلة دي .. والليلة كلها كانت حجر على قلبي .. يلا خلينا نرميهم في زبالة واحدة.
أنهى جملته ليرمى السترة عليها بقوة، شهقت إبريل بتفاجئ مكتوم من حركته السخيفة، لتبعد السترة عن وجهها وشعرها الذي تبعثر، ثم ألقتها بقهر مغتاظ على الأرض، وعادت تحاول جذب الفستان مرة أخرى.
من خلفها هتف بحنق لاذع، وهو يرفع مرفقه على الرف بجانبه:
طلعت روحي طول اليوم معاكي .. وانتي التماثيل اللي في المتحف فيهم روح عنك.
توقفت يديها عن الحركة، وعينيها اتسعتا بنظرة مستنكرة نحوه، ولاحت ابتسامة مبهمة على شفتيها، ثم حدقت نحو الفستان، وسحبته بقوة لتخرجه من أسره، قائلة بنبرة ناعمة خبيثة:
تصدق .. شفقت عليك يا مسكين .. ويا ترى ناوي تطلقني إمتى عشان ترتاح من المجهود الجبار دا؟
قال باسم بلامبالاة مزيفة:
ما قدمناش غير الصبر يا مراتي الحلوة .. مش يمكن انتي اللي ماتقدريش تستغني عني ثانية واحدة؟
أعترضت بإصرار مغتاظة من عجرفته وثقته:
مظنش إن دا هيحصل.
_هعمل نفسي مصدقك مؤقتًا.. لحد ما الأيام تثبت العكس.
_طب ممكن تتفضل عشان أغير الفستان؟
_لو تحبي أساعدك .. معنديش مانع.
_باسم!! اخرج برا عشان أنا بدأت اتوتر بجد.
تهربت ابريل بإنزعاج خجول من براثن جراءته، وهي تعقد ذراعيها تحت صدرها، بينما اتسعت ابتسامته المهلكة لتفصح عن استمتاعه الشديد بالموقف:
ماشي .. هسيبك تاخدي راحتك.
هكذا تحدث باسم بضحكة، وهو يسير نحو باب الغرفة، ثم أخرج المفتاح من القفل، وتابع بابتسامة لاذعة:
بس عشان دماغك الحلوة ما توزكيش .. هخلي المفتاح معايا.
أدبت إبريل بقدميها في الأرض غيظًا بعد خروجه، قبل أن يقع بصرها على ثوب نوم فيروزي على علاقة خشبية مغرٍ جداً و ذو ذوق فريد، مفرود بعناية على السرير، فشعرت بحرارة تصعد إلى وجنتيها، متذكرة جرأة باسم في اختياره.
استحضرت في ذهنها ذلك اليوم حينما اشتراه لها، وكيف اندلعت بينهما مشاجرة لطيفة عندما أبدت اعتراضها على جرأة الثوب.
flash back
في سيارة باسم قبل الفرح بعدة ايام.
لم تكد إبريل تستعد للنزول حين أوقفها صوته الهادئ:
قبل ما أنسى .. استنى.
استدارت إليه بحيرة، وعلامات الاستفهام تتلألأ في عينيها:
في إيه؟
مدّ باسم يده نحوها بكيس مصنوعًا من ورق مقوى ذو لون بيج دافئ، متمتماً بنبرة هادئة:
اتفضل.
أخذته ابريل بتردد، وتساءلت بفضول متوجس:
إيه دا .. في إيه جواها؟!
_هدية بسيطة .. افتحي وشوفيها بنفسك.
لم تشعر بالارتياح تجاه تلك الابتسامة الجانبية التي ارتسمت على فمه، إذ أثارت في أعماقها أمواجًا من الشكوك والتوتر، سرعان ما استسلمت لفضولها، وبأطراف أصابعها أخرجت قميص نوم مثيرًا، مصنوعًا من قماش الدانتيل الشبكي، بلون أزرق مخضر يتمايل بتدرجاته مع لون عينيها التي ازدادت اتساعًا من الصدمة.
اشتعلت في قلبها نار من الحياء، وتسللت حرارة قوية إلى وجهها المحتقن، لكن ببراعة رسمت ابتسامة خجولة على شفتيها، قائلةً بإعجاب:
واو .. إيه اللون الحلو دا؟!
زوى باسم حاجبيه بتعجب مشوب بالشك، فقد كان يتوقع ردة فعل معاكسة تمامًا، لكنه سألها بخبث مثير:
عجبك ذوقي؟ تخيلته عليكي لما شوفته .. ومتأكد هيبقى يخبل علي جسمك الحلو.
استمعت ابريل إلى مغازلته الجريئة، ووجنتاها تتقدان بخجل عارم، ولم تستطع أن تبعد نظرها عن القميص الذي بين يديها بذهولٍ يغمرها، ثم ، خفضت رأسها وابتسامة غامضة تتسع على شفتيها الرقيقة، مما جعله يتابع:
وعلى فكرة جبت الطقم كامل.
_وانت اشتريته إمتى دا؟
ضغطت ابريل على شفتها السفلى، ثم سألت بنبرة تحمل غموضًا، فأجاب بإبتسامة كسولة:
وانتي بتقيسي بروفا الفستان يا حبيبتي...
_عجبني لونه ... حلو قوي يا باسم .. ميرسي ذوقك حلو.
_يشبه عيونك الحلوة.
قال باسم بصوت مبحوح مفعم بلهيب الهيام، بينما أخذت تحدق في القميص لفترة، ثم وضعته داخل الكيس مرة أخرى لتناولته إياه برقة أسرت لبه:
ممكن تمسك كدا .. هاخد شنطة من الكرسي اللي ورا عشان أحطه فيه.
ضغطت ابريل على حقيبة يدها بقبضة متوترة، ثم انقضت عليه فجأة كالعاصفة، تضربه بها بقوة، وهي تهتف بصوت يختلط فيه الغضب بعدم التصديق:
بقى جبتلي بيبي دول يا سافل يا متحرش!
صاح باسم بإنشداه، وهو يرفع ذراعه أمام وجهه، محاولًا صدّ ضرباتها الثائرة:
اتحولتي كدا ليه؟ ماكنتي حلوة!!
تكلمت بإزدراء من بين أنفاسها المتقطعة:
والله انت مشوفتش تربية في عمرك ثانيتين على بعض.
أحاط باسم جسدها بذراعه، بينما جذب حقيبتها من يدها بقوة ورماها بعيدًا بلا مبالاة، فدفعت صدره بقبضتيها محاولة الابتعاد عنه، لكن ذراعيه كانت كالسلاسل، محاولاً الحد من حركاتها الخرقاء، بينما انفجر في ضحكة خفيفة تعكس مرحه واستمتاعه باللحظة التى إستغلها لصالحه:
أخيرًا جيتي في حضني بكيفك! ومتحرش إيه يا ملسوعة؟ أنا جوزك!!
ازداد غيظها من وقاحته، فرفعت يدها لتجذب شعره بغل، فصاح بألم:
لا لا، كدا هتعوريني يا مجنونة.
هدرت ابريل بسخط:
أنت لسه شوفت جنان؟ تتجرأ تعمل كدا إزاي؟
باسم بصرامة طفيفة:
عملت إيه يعني؟ هي جريمة انتي مراتي .. واعقلي بقى إحنا في العربية.
ابريل بنبرة خفيضة لا تخلو من الحدة:
المسخرة دي تروح تديها لواحدة من اللمامة اللي بتعرفهم.
ربت باسم على ظهرها برفق، متمتماً بهدوء نسبى:
خلاص اهدي وخدي نفسك .. انت مش عارفة تجمعي كلمتين على بعض.
_خلاص ابعد عني .. انت ماسكني كدا ليه؟ أوعي كدا!!
نطقت ابريل بها بنبرة مرتجفة، بينما قلبها يقرع بسرعة كأنما يحاول النجاة من أسر احتضانه الدافئ، لكنه همس لها بنبرة غارقة في الإغواء:
خلينا شوية .. أنا كدا مرتاح أوي.
_اوعي .. سيبني بقولك!
_مستحيل.
همس باسم بكلمة واحدة تهاوت لها روحها كسيول عارمة، غمرت مقاومتها الضعيفة، وانسابت في عروقها كعطر مثير، تنسج خيوط السحر حول قلبها، اقترب منها تدريجيًا، حتى اختلطت أنفاسهما في أنشودة من الهيام، وبنعومة حارة لامس شفتيها، ملتهمًا إياها بشوقٍ وعشقٍ يعصف بكيانها، حيث نيرانه الملتهبة تصهر كل ما تبقى من تمردها الهش، فتجعلها كفراشة تحوم حول لهب، مأسورة بوهج شغفه.
back
تسرّبت ابتسامة خجولة إلى شفتيها رغماً عنها ، متمنيةً لو أن قلبها لا يخفق بهذه السرعة كلما تذكرت حنان ودفء مواقف هذا العابث معها.
في منزل فهمي الهادي.
_مش قادر أصدق!! إزاي!! ازاي بنتي تطلع بالقذارة دي؟ ازاي عرفتي تقرطسينا كلنا واولهم جوزك النطع السنين دي كلها!! ويطلع عمر ابن راجل تاني غير جوزك؟ إزاي كنتي قادرة ترفعي عينك في وشنا وتكدبي علينا بالبجاحة دي .. انطقي؟!
صرخ والدها بصوت عالٍ اهتزت له جدران المنزل، وكلمات غضبه تحولت إلى شظايا تنفجر حول ريهام، التي وقفت أمامه خائفة ومرتبكة، بينما دموعها تتساقط على وجنتيها في محاولة يائسة للدفاع عن نفسها بنبرة مبحوحة:
يا بابا .. كان في ظروف .. أنا كنت لوحدي اسعد عمره ما فهمني ولا كان بيعاملني علي اني مراته وليا حقوق عليه .. للي حصل دا كان غصب عني!
تدخل يوسف الذي لم يكن ليبقى ساكنًا أمام ما يحدث، اقترب منها، ووجهه يحمل مزيجًا من الصدمة والاحتقار، ورفع يده وهوى بها على وجهها بقسوة:
لسه ليكي عين تتكلمي!
تجمدت ريهام في مكانها بمزيج من الألم والفزع، ويدها تلمس خدها، ليقوم بإمساك ذراعها بقوة، فاهتزت من قوة قبضته العنيفة، أضاف بنبرة حادة كخنجراً، وعينيه تشتعلان بنيران الغضب:
هي الخيانة ليها عندك تبرير كمان يا***.
حديثه جرح كرامتها، نظرت إلى والدتها لعلها تنجدها، لكن الأخيرة كانت مشغولة بمواجهة ثوران زوجها الذي جلس على المقعد هادراً بإنفعال:
طول عمرك طايشة ومش شايفة غير نفسك .. وامك بوظتك بتربيتها ليكي!
_ايه يا هانم مش سامعلك حس؟
قالها فهمي ساخراً، وعيناه تغليان بالإستهجان، وهو يحدق في زوجته، فتفوهت بإضطراب:
جرا ايه يا فهمي انت هتجيب اللوم عليا دلوقتي!! انا مربية بنتي احسن تربية و..
قاطعها فهمي بصرامة متهماً اياها:
اسكتي مش عاوز اسمعك لا انتي ولا بنتك .. انتي اللي فسدتِها بدلع فيها!
_أرجوك يا بابا أنا محتاجة ابني! أنا مقدرش أعيش من غيره!
توسلت إليه بنبرة مليئة بالمرارة، ودموعها تسيل على وجنتيها الملطختين بالكحل الأسود، بينما هو فقد أعصابه تمامًا، وهدر بها بقسوة لاذعة مرة أخرى:
بأنهي عين هقف اقوله عاوزين الولد بعد ما انقذنا من افلاسنا وبقي شريكنا في كل حاجة .. هرفع عيني في عينه ازاي بعد انهاردة وهو كاسرنا وكله بسببك.
اجتاحت قسمات وجه يوسف غضب جامح من هذا الحديث، بينما قبضته يعتصرها بعنف لا إرادي، وهدر بحدة، بينما خطواته تقترب منها كإعصارٍ لا يعرف الرحمة، مشعلاً داخلها فتيل الخوف:
انا هقتله واقتلك يا ريهام.
أوقفه صوت أبيه الذي انفجر كصاعقة عنيفة:
اخرس يا يوسف .. مش عاوزين جنان وفضايح .. كفاية المصيبة اللي وقعت فوق دماغنا يا بني.
وجه حديثه إلى ريهام بحسم قاسي:
اسمعي مفيش من انهاردة خروج ولا شغل ليكي .. ومن اللحظة دي هتتحبسي في اوضتك ومش هتخرجي إلا بإذني.
يوسف تنبه على كل اللي في البيت .. ماتعتبش برا باب اوضتها لما نشوف هنعمل ايه في الوحلة اللي غرقتنا فيها ؟!
قالها بنبرة قاسية، نُزعت عنها تلك الألوان المشرقة، وأصبح وجهها شاحبًا مع شعور بالندم.
رواية جوازة ابريل الفصل الثالث 3 - بقلم نورهان محسن
أنتِ من عبثتِ بالنار ، والآن لا يمكنكِ فعل أي شيء سوى الرقص معي فوق اللهب الحارق ، إما أن تحترقِ بناري أو أكون رماداً بين يديك ، ويزداد جنوني كلما اشتعل غضبكِ أكثر تجاهي أيتها الأنثى المشتعلة ، سأستكمل هذه اللعبة الخطيرة معكِ حتى أن وقعت قتيلكِ ، ستكون نهايتي مثيرة أكثر من نهاية أي رجل أخر لأنني حظيت بكِ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فى الحفلة
يرقصون معاً في مبنى يسمى "التعريشة"، مكون من أربعة أعمدة معدنية تدعم سقفًا مصنوعًا من أجزاء متشابكة ، تنمو عليها نباتات متسلقة لتستقر فوقها مصابيح تشع أضواء ملونة متحركة.
تتحرك أبريل معه بشكل غير مريح ، وهم يرقصون على إيقاع الموسيقى الهادئة ، وتضع يدها فوق مرفقه بسبب فارق الطول الكبير بينهما ، أما باسم فكان يحتضن كف يدها الأخرى بيده ، وذراعه يعانق خصرها ، وهي تفكر بسخرية ، فمن الطبيعي أن يؤدي الرقص في هذه الأجواء الرومانسية إلى خلق الانسجام والاسترخاء بين من يرقصون معاً ، وهذا عكس مشاعرها تماماً.
ضغط باسم على كفها بخفة ، وهمس بالقرب من أذنها بصوت مليء بالتحذير ، ليخرجها من دوامة أفكارها : طبعا مش محتاج اقولك انك المفروض تبتسمي .. عشان ماينفعش ان حد يلاحظ ان الموضوع في حاجة غلط
هزت إبريل رأسها بالموافقة بابتسامة صفراء ، بينما عيناها اللتان ارتفعتا متلألئتين بالغيظ ، لتقابل بهم نظراته المليئة بالفضة الذائبة ، قبل أن تتمتم بانزعاج خفيف : انت ازاي تعمل كدا؟
رفع باسم حاجبه الإيسر ، مجيبا إياها بإستفزاز : عملت نفس اللي عملتيه برا
تابع باسم حديثه بلهجة إعجابا نظرا لسرعة خطواتها التي تطابقت مع إيقاع حركاته أثناء رقصهم : باين عليكي بتعرفي ترقصي كويس .. شكلك متعددة المواهب كذب وتمثيل ورقص و لسان طويل
أنهى باسم كلامه بغمزة عابثة من رماديتيه ، لتلقى عليه نظرات حادة لردعه عن مضايقتها ، وكأنها تهرب بالغضب من إستحضار ذكريات أصبحت تكرهها الآن بسبب حنقها من شقيقها الذي علمها الرقص حتى تتمكن من مجاراة خطيبها السابق في الزفاف المزعوم ، قبل أن تزمجر بصوت تحذيري صارم : حاسب علي كلامك وماتغلطش
قطب باسم حاجبيه ، وضغط كفها الناعم أكثر بين أصابعه الخشنة ، ليتمتم بإغتياظ : يعني حطتيني قدام الامر الواقع و كمان عايزاني اسكت وماتكلمش
نظرت إليه أبريل كما لو كان له رأسان ، عاقفة حاجبيها بغرابة ، وقالت مستفسرة : هو مين اللي حط مين!! انت اتقدمتلي قدام اهلي والناس دي كلها؟
أنهت أبريل جملتها ، ورسمت علي وجهها ابتسامة خادعة ، وهي تسحب أصابعها من أسر كفه الدافئ لتستقر فوق قلبه النابض بإرتباك ، عندما لاحظت نظرات والدها تتجه نحوها من بعيد ، ثم تابعت بنبرة باردة تتناقض مع احتدام النار المشتعل فى قلبها : ازاي تسمح لنفسك تعمل كدا؟
تساءل باسم بكل برود ولؤم وهو يجارى حركاتها ، ويلف ذراعيه حول خصرها أكثر ، ويضغط بأطراف أصابعه على ظهرها ليدفعها نحوه بسهولة ، متكئًا بجبهته على جبهتها ، لم يكن هناك سوى مسافة صغيرة بين وجوههم ، وباتت أنفاسه الساخنة تلامس ملامحها الغاضبة : وانتي مارفضتيش ليه؟
☼بـ-ـقـ-❥ـلـ-ـم نـ-❥-ـورهـ-❥ـان مـ-ـحـ-❥-ـسـ-ـن☼
فى الحديقة الخلفية لفيلا الشندويلي
تحديدا عند عز
أنهت منى حديثها بتنهيدة ناعمة من حرارة جسده المشتعل التي انتقلت إليها لتربك حواسها ، فيما اعتبر عز ما قالته استخفافاً منها ، فتقلصت ملامحه بالاشمئزاز ، وهو يهدر بغضب وغيرة عمياء : دا انا اللي مكبر الموضوع ولا انتي اللي مابقتيش حاسة بنفسك يا مدام مش ملاحظة انك تخنتي مش شايفة شكل بطنك وصدرك بقو عملين ازاي وفي حاجات مابقاش ينفع تتلبس ولا تليق عليكي
بصق عز كلماته القاسية ، وهو يشاهد اتساع عيناها بصدمة بعد أن أهانها بشكل مباشر في صميم أنوثتها ، فإجتاحه الندم على ما اقترفه بسبب تسرعه وغضبه الجحيمي ، وظل صامتًا ، وكان هناك صوت بداخله بدأ ليلومه كثيرًا ، وقبل أن يتمكن من إصلاح ما كسره بداخلها ، أخذت الأمر على عاتقها وتحدثت بهدوء : اللي ملاحظاه فعلا انك بقيت بتمسك في اقل تفصيلة فيا وتنتقدها .. بقيت تتعمد تجرحني بتنمرك علي جسمي وشكلي
_معلش لو ماكنوش عجبينك .. بس انت يا باشمهندس شكلك نسيت انا تخنت زي مابتقول كدا من ايه؟!
رفعت مني إحدى حاجبيها بسخرية ، وحثته على الكلام ، لكنه لم يخترق غلاف الصمت الذي حصن به نفسه ، فتابعت منى الكلام بنفس الهدوء اللاذع ، على عكس الجمرة المشتعلة في ثنايا قلبها : مش برده الادوية اللي باخدها عشان احمل هي اللي بهدلت جسمي كدا!! بس طبعا هتفتكر ازاي وهو انت اصلا تعبان في ايه؟!
قالت منى كلماتها الأخيرة بضيق شديد على الأمر برمته ، وقد استفزها صمته أكثر ، ظناً منها أنه غير مبالٍ ، فارتدت قدميها تلقائياً ، تنوي الهرب منه ، لكن سرعان ما تحرك قابضاً علي ذراعيها مانعاً إياها من الابتعاد ، ليهزها بقوة وهو يسألها بسخط : رايحة فين .. احنا لسه مخلصناش كلمنا؟!
صرخت به منى بهيستيريا وحدية ، وهي تدفعه بقوة بعيدًا عنها، وكم آلمه ذلك بشدة : اوعي .. ماتمسكنيش كدا .. فاهم!!!
زمجر عز بصراخ مماثل ، وقبضتيه تشد بعناد حول ذراعيها : لا مش فاهم .. مش فاهم غير حاجة واحدة بس .. انك بقيتي بتستقصدي تستفزيني في كل فرصة .. مع اني قولتلك قبل كدا وحذرتك بس اظاهر ان مافيش فايدة!!!
اجابت مني على سؤاله بسؤال يفوح منه التعجب : عملت ايه انا لكل الكلام دا .. عملتلك ايه يعني؟
فجأة تركها عز ، وأغمض عينيه وهو يتنفس بصعوبة ، بينما يمسح علي صفحة وجهه بكلتا يديه من أجل تهدئة أعصابه قدر الإمكان ، ثم نظر إليها مرة أخرى بعيون جاحظة عن كثب ، وقال لها بمنتهى السخرية : ابدا ولا حاجة معملتيش حاجة .. لابسة بس فستان غير اللي نقناه مع بعض عناد فيا .. وغنيتي في الحفلة ولا كأني موجود ولا فكرتي تاخدي اذن الطرطور اللي معاكي حتي
تجاهلت منى كل كلامه ، وركزت أفكارها على نقطة واحدة ، مما دفعها لطرح سؤال عليه بارتياب : هو احنا مش اتفقنا اني هرجع لشغلي بالأوبرا ووعدتني بتفكر !!
خرج منه تأوهً حاداً ينم عن مدي ضجره فى تلك اللحظة من هذه السيرة : يووووه
اهتزت عيناها مستنفزة من عصبيته الزائدة ، دون أن تفهم سببا واضحا لانزعاجه الواضح ، وأشارت إليه بإصبعها ، وبصوت مرتعش سألته : انت ليه كل ما نفتح الموضوع دا تتعصب عليا؟
تصلب فك عز بقسوه ، قبل أن يتشدق مجيبا عليها بغضب منزعج : لانك عارفة كويس رأيي فيه .. بس بتتعمدي تحرقي دمي عن قصد
رفعت منى كتفيها إلى الأعلى ، هزت رأسها بقوة ، وهي ترد عليه نافية التهمة الموجهة إليها : معملتش كدا يا عز .. انا احترمت كلامك لما قولتلي بلاش تنشري اي فيديوهات علي التيك توك والانستا .. لكن انا عايزة ارجع لشغلي اللي سيبته سنين عشانك .. يمكن نفسيتي تتحسن .. ايه المشكلة يعني لما اغني دي خطوبة بنت عمك .. ماقدرتش اكسفها لما طلبت
ظهرت على وجهه علامات السخط ، وهو يسأل بقسوة : وانتي مالكيش جوز تستأذنيه قبل ما تعملي كدا؟!
سألت منى بإندفاع : يعني اذا كنت استأذنتك كنت هتوافق ولا كنت هتقلبها خناقة؟!
رفع عز أحد حاجبيه ، وبلغ غضبه عنان السماء ، وكشر عن أنيابه ليخاطبها بصوت خشن قاسٍ معبرًا عن استيائه : يعني عارفة اهو ان دا كان هيسبب مشكلة مابينا ورغم كدا نفذتي اللي في دماغك
أطرقت مني نظرها إلى الأرض ، وهمست بصوت مخنوق محاولة تبرير فعلتها : جايز اكون غلطت لما ماقولتش ليك .. بس كانت نيتي اعملهالكو مفاجأة مش اكتر واجامل هالة .. كنت بغني مش برقص عشرة بلدي .. احب افكرك باتفاقنا اننا هنتناقش بهدوء في الخلافات .. بس رجعت تاني تثور عليا زي عوايدك ..
توقفت مني عن الحديث لوهلة ، ثم تطلعت إليه ببطء ، وسألته سؤالاً يكتنفه غيرة قاتلة ، مما جعله يتوقف أمامها ، متجمدًا في مكانه دون تعبير مقروء : السؤال هنا انت ايه اللي خلاك تتنرفز اوي كدا ها .. ايه غيران عليها عشان بتتخطب بعد ما كنت بتفكر تخطبها زمان
☼بـ-ـقـ-❥ـلـ-ـم نـ-❥-ـورهـ-❥ـان مـ-ـحـ-❥-ـسـ-ـن☼
داخل الحفلة ، تحديدا عند باسم
_وانتي مارفضتيش ليه؟
أطال باسم النظر في عينيها متحديا إياها بعد سؤاله ، شعرت أبريل على الفور بالضيق بسبب أنفاسه العطرة التي باتت تتنفسها الآن ، لتتشكل إمارات هذا الضيق على وجهها ، وارتبكت للحظات ، وهي تشيح ببصرها بعيدًا ، لتقر بصوت متوتر : انا صحيح اتهورت واللي عملته برا كان غلطة كبيرة .. بس اش عرفني اننا هنوصل لكدا انا مقصدش كدا خا..
قاطع باسم تبريرها ، مغمغما بنبرة مليئة بالغرور والتخابث : وليه ماتقوليش انك في عقلك اللاوعي معجبة بيا و يمكن مارفضتيش عشان عجبك حضني مش محتمل برده؟
أقرن باسم عبارته اللئيمة بغمزة من إحدى عينيه الرماديتين ، التي أضاءت بنظرة شقية ، حالما رأى الغضب ينطلق كالسهام من عينيها نحوه ، منتظرا ردها اللاذع عليه ، لكنها خالفت توقعاته عندما التزمت الصمت على مضض ، ولم تدعه يستفزها ليضيع ما خططت له ، فأضاف بدهشة زائفة : سكتي يعني!! معندكيش رد ولا عجبك حضني بجد!!
اتسعت مقلتا عينيها في ارتباك ، وصرّت على أسنانها ، لتوبخه بإنفعال هامس : الزم حدودك بدل ما افضحك قدام الناس اللي بيبصوا علينا و بيصورونا وماتفتكرتش عشان سكتالك هسيبك تتمادي مفهوم
همهم باسم باعتراض ، وطوق ذراعيه حول خصرها أكثر ، يتمايل معها في انسجام ، قائلا بابتسامة هازئة إحتلت جانب فمه : وهو انا كنت جبرتك علي حاجة ما كان قدامك فرصة ترفضي وتقولي الحقيقة ماستغلتيهاش ليه ؟!
نكست أبريل رأسها إلى الأسفل ، ولم تتمكن من مجاراته فى لعبته المسلية له ، ثم ابتسمت بتوتر حتى لا يلاحظ أحد ما يدور بينهما من حديث مستهجن من طرفها وخبيث من طرفه ، وتوالت أسئلته الواحدة تلو الأخرى بإصرار : ليه اكدتي علي كلامي ؟ ليه قولتي انك بتحبيني وعايزة تكملي حياتك معايا ؟
تطلع باسم مباشرة فى عينيها متابعاً بوقاحة : ثم ماتنسيش انتي اللي تعتبري خطبتيني الاول علي فكرة..
كانت إبريل تستمع إليه ، وهي تستشعر أنفاسه العذبة تداعب وجهها ، مما جعل أنفاسها تنقبض من داخل صدرها بسبب الغضب المفرط الذي تشعر به تجاه هذا الشخص المثير للأعصاب ، لتدفعه بحركة مفاجئة ، فتسكته عن الكلام ، وإرتاحت قليلاً حينما أصبحت المسافة بينهما شبه معقولة ، لتدمدم بصوت مهتاج مليئ بالتحذير : كلمة كمان وها هد المعبد علي دماغنا احنا الاتنين
باسم ضغط خصرها بكفيه ، وما زال متشبثاً بها بعناد يشبه نظراتها إليه ، وسرعان ما أفلتت منه ضحكة مسلية عندما تذكر كيف سبق لها أن دفعته بنفس الطريقة فى المرحاض ، بينما استنكرت تصرفاته الغريبة بشدة ، وتصلبت فيروزيتها على وجهه عندما همس أمام وجهها بنوع من التحدي : ممكن تكوني انتي اللي كتبتي مشهد البداية .. بس نسيتي ان المسلسل كله من اخراجي ومن دلوقتي هتمشي علي النص زي ما انا اقرره
تحدت أبريل نظرته الماكرة بنظرة حقودة ، وقالت بين أسنانها بانزعاج واضح : انا عايزة اروح الحمام حالا لو سمحت
☼بـ-ـقـ-❥ـلـ-ـم نـ-❥-ـورهـ-❥ـان مـ-ـحـ-❥-ـسـ-ـن☼
خلال ذلك الوقت
عند عز
احتد تنفسه من سخافة سؤالها من وجهة نظره ، قائلا بصوت حاد غليظ : ايه التخريف دا .. لا انتي شكلك اجننتي علي الاخر!
هزت منى رأسها في يأس على تصرفاته ، وردود فعله عليها ، ثم سألته بقنوط : انا اللي اتجننت!!
ضيق عز عينيه غضب مؤكداً بفظاظة : ايوه .. بقيتي باردة ونكدية وبتتفنني تطلعي اسوأ ما فيا
صمتت منى تستمع إليه ، وكم آذاها بقسوة كلامه الذي تهاوى علي روحها مثل السوط الحاد يلسعها بلا رحمة ، فقالت بصعوبة : واضح اني تعباك بتصرفاتي كلها ومابقتش بعمل اي حاجة تعجبك .. بقيت تقفلي علي الوحدة كأنك بتحاول تمهد لطريق المشاكل عشان نطلق يا عز
بتنهيدة حارة خرجت من ضلوعه ، تضاهى حماوة حديثهما المشحون بالغضب الناري ، وتمتم عز بإمتعاض وهو يضع يده على خصره : وهو عشان بتناقش معاكي يبقي مش عجبني تصرفاتك و عايز نطلق..
لم تتغير ردة فعلها الهازئة ، وهى تجهر بإستنكار : وانت من امتي اتناقشت او كنت مهتم يا باشمهندس .. ما انت بقيت بتغرق نفسك في الشغل عشان تفضل بعيد عني .. ولو كنت في البيت مابتتهرب من قعادك معايا
رد عز بإنفعال : اقعد عشان نقول نفس الكلام .. ومين اللي وصلنا للحالة دي؟! مين اللي حول حياتنا لجحيم
ظلت منى تنظر إليه في صمت ، وهذا أثار استفزازه بقوة ، فاقترب منها خطوة ، وأمسكها بقبضتيه ، وهزها بعنف كالورقة البالية ، يحثها على الرد بضراوة وحشية : ها .. ماتردي!
☼بـ-ـقـ-❥ـلـ-ـم نـ-❥-ـورهـ-❥ـان مـ-ـحـ-❥-ـسـ-ـن☼
عند لميس فى دورة المياه داخل الجيم
ظلت تصفع وجهها بالماء البارد ، وهي منحنية فوق المغسلة ، حتى أحست بالهدوء ينتشر في خلاياها من جديد ، إنها قادرة على تسكين آلام الحيوانات الضعيفة ، ولن تفشل في علاج روحها ، لم تعد صغيرة على إنكار الواقع أو الهروب منه ، بل ستعمل جاهدة للسيطرة على مشاعرها ، ولن تضيعها هباءً لمن لا يشعر بها ، إمتزجت أفكارها بقولها بصوت عالٍ بتشجيع : باسم غالي عندي وبدل ما انا هنا قاهرة نفسي زي الهبلة المفروض اباركله واكون مبسوطة عشانه عادي معاه مهما حصل هو ابن عمك ومالوش ذنب اني صدقت وهم اخترعته في خيالي وهو مايعرفش عنه حاجة اصلا
أغمضت لميس عينيها ، وأخذت نفساً طويلاً ، وزفرته ببطء ، راضية بالشعور الإيجابي الذي نقلته لنفسها ، وفجأة تجسدت صورة خالد في مخيلتها بعينيه اللامعتين ، وابتسامته الساحرة ، وصوته العميق ، فتحت جفنيها على الفور وابتسمت برقة خجولة وهي متعجبة من ذاتها ، ثم فتحت بسرعة باب الحمام المتصل بصالة الألعاب الرياضية ، وسارت عبر الممر الصغير باتجاه باب الخروج.
تلاشت الابتسامة عن وجهها ، لتحتل الصدمة قسمات وجهها ، بمجرد سماعها صوت أنثوي هامس يتردد في المكان : صلاح!!
☼بـ-ـقـ-❥ـلـ-ـم نـ-❥-ـورهـ-❥ـان مـ-ـحـ-❥-ـسـ-ـن☼
في ذات الوقت
عند باسم
كانت إبريل تسير بجوار باسم ، تنظر حولها ، وكأنها تبحث عن منقذ لها من براثنه ، ليدخل معها إلى الفيلا حتى يرشدها إلى دورة مياه الضيوف ، وعندما وصلوا إلى حيث كانوا ذاهبين ، لمع في ذهنه سؤال لم يتردد في طرحه للحظة عليها بصوت هادئ : ازاي تبقي مخطوبة وتقولي انك خطيبتي قدام الصحافة مش غريبة دي!!؟
لوت ابريل شدقها بتفكر لوهلة ، قبل أن تجيبه بمراوغة : وقولت كمان اني فسخت خطوبتي السابقة
تمتم باسم بسخرية ، غير مصدقاً ما سردته أمام عائلته : عايزة تقنعيني انك ماكنتيش عارفة ان مصطفي متجوز لما خطبك؟
عقدت إبريل ذراعيها تحت صدرها ، رافعةً ذقنها في حركة غير مبالية ، لتخاطبه بجدية واقتضاب : وانت يخصك في ايه !! ما عنك ما اقتنعت .. تفتكر اني مهتمة برأيك اوي .. ولا تكون بجد صدقت المسلسل اللي انت اخترعته من شوية عليهم
رمق باسم تلك الفتاة العنيدة بردود أفعالها اللاذعة معه بعينين ثاقبتين ، ثم أصلح عبارتها بلهجته الرجولية الثقيلة متحديا إياها أن تتجادل معه : اللي احنا اخترعنا .. وللاسف انا فعلا دلوقتي في حكم خطيبك .. لما طلبتك من ابوكي وماعترضتش يعني اتورطنا احنا الاتنين زي بعض يا بندقة .. ومن حقي مابقاش عامل زي الاطرش في الزفة
ابتسمت ابريل ابتسامة باردة ممزوجة بالشماتة ، وهي تشعر بتشتت أفكاره وتزايد حيرته فى أمرها ، ثم ردت بتحدي : وانا معنديش حاجة اقولها
حالما قالت ابريل ذلك دخلت الحمام فوراً ، وأغلقت الباب على حالها ، دون أن تترك له المجال ليمنعها ، ثم استندت عليه بظهرها ، بينما صدرها يرتفع وينخفض ، وأصبح التنفس بانتظام صعبا وشاق عليها ، لقد صبرت على هذا الشخص الوقح أكثر مما المحتمل ، فحاولت تهدئة عقلها ، وأغمضت عينيها لتصفى ذهنها حتى تفكر في حل للخروج من المأزق الجديد الذي وقعت فيه بسبب غبائها وتهورها.
أما باسم في الخارج ، فضرب الحائط بقبضته ، مفرغاً غضبه من تمردها المستفز ، فأغمض عينيه يصر على أسنانه من الألم فى أصابعه ، ثم التفت ليتفاجأ بخالد الذي كان يقف خلفه مباشرة بملامح حادة قاتمة.
☼بـ-ـقـ-❥ـلـ-ـم نـ-❥-ـورهـ-❥ـان مـ-ـحـ-❥-ـسـ-ـن☼
فى نفس الوقت
داخل غرفة الجيم المصممة على الطراز الحديث والمريح ، بالإضافة إلى قطع أثاث أنيقة مع خزائن للحفاظ على الغرفة منظمة ومرتبة ، مع وجود بعض المرايا في زوايا الغرفة.
_صلاح
التفت صلاح نحو الصوت الأنثوي الرقيق بهدوء ، فاتسعت عيناه بمجرد رؤيتها محدّقاً لثوانٍ في فستانها الأخضر الفاتن ، الذي أذهله منذ أن رآها فيه في الحفلة.
اقترب منها كالمسحور ، فأغمضت عينيها ، واتسعت ابتسامتها بعذوبة عندما اختلطت أنفاسهما ، ليهمس بصوت مثير أمام شفتيها : يا روح صلاح
بدأ معدل تنفسها يرتفع من حرارة أنفاسه ، ثم طوقت رقبته بذراعيها ، وقبلت شفتيه المضمومتين برقة ، وبنفس الهمس تكلمت بلهفة : اتأخرت عليا اوي
سرعان ما تحولت القبلة الصغيرة إلى سلسلة من القبلات الخاطفة بشوق ، ليبادلها إليها بنفس الحرارة ، قبل أن يتمتم ويضحك بصوت عابث : وحشتك اوي كدا يا ديدو؟!
أومأت دعاء بتأكيد ، لتقول بصوت خافت مثقل بالعاطفة : بشكل فظيع وحشتني موت
مال صلاح على خدودها الناعمة ، مبدلا قبلاته بينهما بشغف ليقول بصوته الرخيم : براحة شوية ماتنسيش احنا حوالينا ناس
هزت دعاء رأسها نفياً ، وهي تغمس أناملها في شعره الناعم مم جعله يقترب إليها ، وجبهتها على جبهته ، بينما كان يداعب ظهرها بلطف ، لتهمس بالقرب من أذنه في استرخاء تام : احنا بعيد عنهم بمسافة كبيرة .. ثم انت نسيت الكاميرات هنا متعطلة ومين هيجي صالة الجيم دلوقتي .. يعني خلينا ناخد راحتنا شوية مع بعض بقالي كتير مش عارفة اشوفك يا صلاح
تنهد صلاح بحرارة ، ثم قبّل أسفل أذنها بنعومة أذابتها ، قبل أن يتمتم بصوت رجولي جذاب ممزوج بالتمني : كان نفسي اوي يا حياتي افضل .. بس مقدرش اتأخر علي الضيوف و ممكن وسام تلاحظ غيابي اكيد هي متوترة دلوقتي
ابتسمت دعاء بدلال ، وهي تنظر في عينيه بولهً وأخبرته بثقة : مش هتلاحظ هي مشغولة بولادها وضيوفها
كان على وشك الرد عليها ، فأسكتته مطبقة على شفتيه بخاصته وقبلته بشغف واشتياق ، لتتصاعد الرغبة في عروقه من حلاوة شفتيها فهى منذ زمن طويل ، أثارت بداخله مشاعر سحرية لم يستطع مقاومتها حتى الآن.
استمروا في تقبيل بعضهم البعض بنهم كبير حتى قرر فصل القبلة ، حالما خطر في باله أن هذا المكان ليس آمنًا ، فهو دائماً يراعي التفاصيل الصغير قبل الكبيرة ، وخاصة في شؤونه معها ، حتى لا ينكشف سره ، لذا فأنه شديد الحرص.
سيطر على نفسه بصعوبة ، وهو يبتعد عنها ، ويتمتم بصوت جدي لاهث : خلينا نأجلها شوية وأوعدك في اقرب فرصة هكون عندك وناخد راحتنا
أطرقت دعاء رأسها أرضا ، وهي تحاول التملص من ذراعيه لتقول بنبرة منزعجة : طيب يا صلاح اللي تشوفه
سألها صلاح مستغربا وهو يلف ذراعه حولها بسرعة حتى لا تبتعد عنه : ايه دا انتي زعلتي ولا ايه؟!
رفعت دعاء رموشها لتنظر في عينيه ، مستغربة من دهشته ، لتقول باللوم والغيرة الشديدة المصحوبة بالسخرية من النفس : عادي يعني هزعل ليه المفروض أني اتعودت .. مش انا اللي وافقت على كدا من الأول يبقي لازم افضل ساكتة .. وكالعادة هي اللي بتحضر معاك الحفلات وايدها في ايدك قدام كل الناس وانا واقفة اتفرج عليكو من بعيد .. مش برده دي حدود العشيقة
كل هذا الحديث دار بينهما دون أن يعرفا شيئاً عن لميس التي اتسعت عيناها البنيتان من الصدمة القوية وهى تستمع إلى كلامهم ، ، شاهدة على هذه الجريمة المنشودة ، والخيانة المأساوية فى حق الجميع.
☼بـ-ـقـ-❥ـلـ-ـم نـ-❥-ـورهـ-❥ـان مـ-ـحـ-❥-ـسـ-ـن☼
في غضون ذلك
عند باسم
التفت باسم ليتفاجأ بخالد الذي يقف خلفه مباشرة بملامح حادة قاتمة ، فتحدث باسم بدهشة : في ايه!!
أخرج خالد الهاتف من جيبه ، وأعطاه إياه على مضض : انا اللي جاي افهم في ايه؟!
أخبره باسم بإيجاز : موضوع طويل هشرحلك كل حاجة بس هات موبايلك هعمل مكالمة ضروري
أخرج خالد الهاتف من جيبه ، وأعطاه إياه على مضض.
نقر عليها باسم عدة مرات ، ثم وضعها على أذنه منتظراً رد مدير أعماله الذي جاء سريعاً ، فقال باسم على الفور : ايوه يا تيمو .. ركز في الكلام اللي هقوله كويس مفيش وقت!!
(تيمور) مدير أعمال باسم ، شخصية هادئة جاد فى العمل ، لديه مهارات اتصال بالتكنولوجيا ممتازة ، ويتمتع بالقدرة على إدراة مهام متعددة في آن واحد ، ويقوم بأداء جميع الاعمال الموكلة إليه من باسم بنجاح وكفاءة عالية لذا يعتمد عليه كثيراً لإخلاصه وأمانته ، وهم أصدقاء بشدة.
☼بـ-ـقـ-❥ـلـ-ـم نـ-❥-ـورهـ-❥ـان مـ-ـحـ-❥-ـسـ-ـن☼
عند ابريل داخل المرحاض
تحركت ابريل بخطوات بطيئة نحو حوض الماء ، وبدأت بفتح الصنبور لتملأ كفيها بكمية منهم ثم ضربت الماء البارد على وجهها عدة مرات متتالية ، لتمحى الحرارة المشتعلة به.
أمسكت بعدة مناشف ورقية ، لتجففه ببطء حتى تجلب الهدوء إلى نفسها التي كانت مشتتة تمامًا بسبب قربه المهلك منها طوال هذا الوقت ، دون أن تملك القدرة على دفعه بعيدًا عنها.
فتحت أبريل فيروزيتها لتواجه انعكاس صورتها في المرآة المعلقة متوسطة الحجم أمامها ، ثم نهرت حالها بصوت حاد في انزعاج كبير : جيت اخرج نفسي من حفرة وقعت في بير مالوش قرار .. بقي انا اهزئه من كام يوم عشان افتكرته بيلعب بمشاعر واحدة بنت .. وانهاردة اقول عليه خطيبي واورط نفسي معاه
غليت دماء أبريل في عروقها باستهجان ، حالما تذكرت لقاءهما الأول ، فرفعت قبضتها تلقائيا ، وضربت رأسها عدة ضربات متتالية بحنق بالغ ، فكيف سمحت لنفسها ، في لحظة من الزمن ، أن تصدقه أو تثق به؟ لتردد بتأنيب لذاتها : غبية .. غبية .. غبية
تنهدت ابريل بقوة ، وهي تحاول تنظيم تنفسها حتى هدأت قليلا ، ثم نظرت في المرآة مرة أخرى وبدأت تفكر بصوت عالٍ وهي ترفع يديها بقلة حيلة : بس كان ايه البديل ومعملتوش .. ماقدرتش اسكت علي حبسهم ليا .. كنت المفروض ايه يحصل اوافق اتجوز واحد كداب ومنافق انا ماستحملتش الاهانة دي علي كرامتي .. كانوا كلهم بيلعبو بيا .. بأي حق يقرروا حياتي تمشي ازاي .. عايزين يضيعوا كل حاجة تعبت فيها ..
ولت ظهرها إلى المرآة ، واستندت على المغسلة بكلتا كفيها ، تجعدت ملامحها من الحزن ، ثم همست بتيه : اعمل ايه انا محتجاكي يا ستي؟! كان المفروض اسافرها .. بس ازاي بعد اللي قاله الغبي اللي برا قدام الناس
أدارت إبريل رأسها إلى أنعكاسها قاطبة الحاجبين ، وهتفت في استنكار لنفسها : ايه!! لسه تاني عايزة تسيبي ناس يمشولك حياتك ماتعلمتيش من اللي بيحصلك
إخيراً اتخذت القرار بأنها ستسافر إلى جدتها ، تاركة الجميع هنا ليضربوا رؤوسهم فى أكبر حائط ، فلا أحد يستحق أن تجعل حياتها مرهونة عليه ، ثم زفرت بقوة وهى تفرك شعرها ، فمن المستحيل أن تمر من الباب الرئيسي للفيلا أمام الجميع ، إذ لن يتركوا لها مجالاً لتفعل ما تنوي عليه.
إذن ماذا عليها أن تفعل الآن؟ يجب عليها أن تجد أي طريقة ممكنة في أسرع وقت ممكن.
استدارت ابريل بجسدها ، متكئة على الحوض مرة أخرى وعينيها تبحث تلقائيًا عن مخرج آخر ، حتى ثبتت عينيها على نافذة الحمام الزجاجية ، فإذ فكرة شيطانية تلمع في ذهنها ، بينما ارتسمت ابتسامة كبيرة على شفتيها.
☼بـ-ـقـ-❥ـلـ-ـم نـ-❥-ـورهـ-❥ـان مـ-ـحـ-❥-ـسـ-ـن☼
فى نفس الوقت
عند عز
هزها عز كقطعة ورق مهترئة بعنف بين يديه ، يحثها على الرد بضراوة متوحشة : ها .. ماتردي!
ردد عز بصوت غاضب ، والغيره تفتك به : مش انتي اللي مش عايزاني اقرب منك بتستفزيني ليه بالطريقة دي ليه؟
فجأة صاحت منى بصوت مليئ بالكثير من الغضب والقهر ، متشبثة بكفيه فوق ظهر يده على ذراعيها : بتقرب مني لما تكون ليك مزاج في كدا .. غير كدا مابتهتمش انا حاسة بإيه .. مابتسألنيش مالك ايه حصل انهاردة في يومك في حاجة مزعلاكي ولالا؟! ولما بصدك في السرير من كسرة خاطري منك بتتقلب عليا
سقطت يدي عز من كتفيها من الصدمة ، وهي تردف بنبرة معذبة وسخرية ممزوجة بالدموع التي تنهمر من مقلتيها لا شعوريا : بس معاك حق هو ليه مثلا تقدر اللي انا فيه وتكون حنين ومتفاهم معايا!! الاسهل تفكر اني من تعب جسمي ونفسيتي اني مش عايزاك تقربلي .. لا وكمان ابقي بقرف من لمستك زي مابتقول .. برافو يا باشمهندس تحليل رائع الحقيقة .. وانا اللي محولة حياتك جحيم يا عز .. انت حتي مابتحاولش تعرف اي حاجة عن من اللي بحس بيه؟!
أخرج عز نفسه من صدمته المؤقتة ، ليغمغم بمكابرة : مني انتي بأسلوبك دا هتوصلينا لحيطة سد مع بعض
هسهست منى بشراسة وجنون ، وهي تضربه بقبضتها في منتصف صدره عدة مرات متتالية : انا .. انا .. انا!!
استأنفت مني حديثها بصوت حانق ، لتفرغ أخيرا ما فى جعبتها بعد أن خرجت من شرنقة الخرس الزوجي ، الذي ظلت عالقة فيه لفترة طويلة ، فانفجرت الآن دون أن تأخذ في الاعتبار العواقب الوخيمة التي ستلحق بهم بعد ذلك : كل حاجة انا السبب فيها كل حاجة انا اللي بعملها .. انت مابتعملش حاجة خالص .. انت ماتعرفش حاجة اصلا عني .. انا تعبت من اسئلة الناس البايخة ليا في كل مناسبة بكون فيها معاك .. عشان لسه ماخلفتش واللي بتعرف اني اتأخرت في الحمل مع ان معندناش مشكلة بتمصمص في شفيفها وبتواسيني بشفقة .. وامك اللي دايما عايزاك تتجوز عشان يكون ليك اطفال وامي اللي من خوفها انك تطلقني كل يوم والتاني توديني لدكتور شكل وافضل احاول واحاول .. مابطلش محاولة عشان ماتفكرش تتجوز عليا .. وسايب افعالك وماسك في ردود فعلي انا !!!
تابعت منى صائحة بثورة غضب كثيفة الدخان : انت ايه يا اخي!! مابتحسش!! نازل فيا انا اتهامات وعمال تحاسب وتلوم فيا وانت مابتعملش حاجة .. خلاص انا تعبت ومابقتش قادرة استحمل العيشة .. مش قادرة تعبت منك و جبت اخري خلاص
ظل عز واقفًا بجسد متيبس ، ووجهه متصلب غير مصدق ، ثم سيطر على نفسه وتنحنح وهو يردد بهدوء مريب ، وقد تحولت نيران الغضب المشتعل بداخله إلى رماد : لدرجة دي مابقتيش طيقاني طيب وانا هريحك..!!!
رمشت منى بإضطراب ، وبدأت نبضات قلبها تتزايد بعنف من التوتر ، وشعرت بعدم الارتياح من نبرة صوته الجليدية ، وتردد داخلها صوت يشبه نعيب الغراب ، كما لو كان حدسها يتنبأها بأن كارثة ستحل بهم ، متأكدة أن ما سيخبرها إياه بعد لحظة هى ليست على إستعداد له.
عز :...
رواية جوازة ابريل الفصل الرابع 4 - بقلم نورهان محسن
داخل غرفة العناية المشددة
كانت إبريل ترقد غائبة عن الوعي في سكون يتناقض مع ثوران الغضب المشع في مقلتي ريهام، المثبتة بهدوء ظاهري على تلك النائمة، وهي واقفة بجوار سريرها وذراعاها مطويتان.
بينما على الجانب الآخر من السرير يقف يوسف ووجهه متغضن من الأسى، وعيناه الحزينتان تجوبان ملامح إبريل البيضاء بشيء من الشحوب. نزولاً إلى أنبوب التنفس الرفيع الذي تم تثبيته داخل فتحتي أنفها، وصولاً إلى الإبرة التي تخترق كف يدها اليمنى ومتصلة بمحلول معلق أعلى السرير.
دنى منها يقبل جبهتها بخفة، لتتجه نظرات ريهام نحوه، وتقوس فمها، وهي تخاطبه بهمس ناعم مليء بالسخرية:
"تصدق أول مرة آخد بالي إنك بتحبها وبتخاف عليها أوي كده."
عدّل يوسف من وقفته، ونظر إليها وقد عقد حاجبيه باستغراب قبل أن يقول بصوت رجولي منخفض يملؤه الحزن:
"وإيه الغريب في كده؟ مش أختي.. من ساعة ما عرفت إننا كدبنا عليها وهي ما بصتش في وشي."
خفض نظره إلى وجه إبريل مردفاً بذات النبرة:
"كنت خايف يحصلها حاجة وهي مش مسامحاني."
هزت ريهام كتفاها، وهي تلوّي فمها متشدقة بتبرم:
"ما تـأفــورش، خلاص ما إحنا اطمنا وكلها شوية وتفوق."
زفر يوسف بانزعاج، فهو يعلم جيداً أنها تشعر بالغيرة من اهتمام الجميع بتلك الفتاة المسكينة. ثم تمتم بضيق:
"أنا بكلم معاكي ليه أصلاً!"
استدار يوسف متحركاً من مكانه، وهو على وشك الخروج من الغرفة، في نفس الوقت الذي فتح فيه الباب، ثم ظهرت من خلفه ممرضة شابة قائلة بنبرة هادئة:
"من فضلكم يا ريت تخرجوا وتسيبوا المريضة تستريح، ولما تتنقل لغرفة عادية تقدروا تدخلولها."
هز يوسف رأسه بالإيجاب، وخرج من الغرفة، وتتبعه ريهام التي ألقت نظرة أخيرة على أبريل في غموض قبل أن تغادر.
حمدلله على سلامتها.
قالتها وسام بلطف بعد أن وقفت بجوار سلمى التي استدارت رأسها نحوها لترد بصوت أنثوي هادئ:
"الله يسلمك، قلقناكم وتعبناكم معانا."
ابتسمت وسام في وجهها بمودة، وتحدثت بذوق:
"ما تقوليش كده.. إن شاء الله تقوم بخير وسلامة وتتطمنوا عليها."
قالت سلمى ببسمة صغيرة:
"ربنا يخليكي يا قلبي."
عند باسم
أغلق خالد جواز سفر أبريل بعد أن فحصه بسرعة، ثم استفسر عنه بذهول:
"وصلك إزاي ده؟"
أجاب باسم يقول بنبرة ملتوية:
"لما قابلتها قريب من البيت ووقعت قدام عربيتي.. وقع الباسبور من شنطتها، فاخدته من غير ما تحس."
سأل مستنكراً فعلته بنبرة أجشة:
"بس تاخده ليه؟ مش فاهم؟"
هز باسم كتفيه ثم أجابه بتلقائية، في حين ارتعد بداخله شعور غريب عندما تكرر مشهد لقائهما الليلة في ذهنه مرة أخرى، مع تسلل بعض وخزات الندم على ما فعله بعد ذلك:
"شكلها كان غريب بتجري ومعاها شنطة كبيرة، ما استريحتش، فـ لاقيت نفسي باخده."
صمت باسم لثوانٍ قبل أن يستكمل موضحاً له أكثر:
"وتيمور قالي إن في وقت تدريبها العملي في شركة مقاولات عرضوا عليها تشتغل في فرعهم بدبي بعد التخرج.. هي اعتذرت عن العرض لأنها هتتجوز، وكانت هتتعين في الفرع اللي هنا."
نظرة شك إلتمعت بعينين خالد الخضراوين الواسعتين قبل أن ينطق بسؤال مريب:
"يعني كانت هربانة عشان تسافر؟"
رفع باسم حاجبيه بترفع، وهو يرد بصوت واثق:
"بما إن ده معاها يبقي أكيد كان في نيتها تسافر على هناك بعد ما فسخت خطوبتها من مصطفى الترابلسي من غير ما تقوله، أصل."
رفع خالد حاجبه الأيسر مع رد باسم، ليهتف بخشونة:
"يعني كلامي كان مظبوط وزي ما قولتلك، البت دي وراها حوارات كتير وأنت بتعقدها زيادة."
عند هالة
"أنا أول ما لاقيت دراعه كله دم اترعبت.. وأول واحدة فكرت فيها هي انتي.. عشان كده جبته على هنا على طول."
كانت مرام تدردش مع هالة أثناء دخولهما غرفة الفحص قبل أن تتركها الأخيرة، لتذهب إلى الممرضة التي سألتها بنبرة جادة:
"وضعه إيه؟"
ردت الممرضة بصوت عملي:
"جرح في الدراع اليمين وداخل فيه شظايا إزاز يا دكتورة، وفي خدوش في الرقبة وفوق الحاجب الشمال."
"دول مش مهمين."
جاءت تلك الكلمات الواثقة بصوت رجولي عميق لفت انتباهها، فأدارت رأسها نحو الشخص الجالس على سرير الفحص، ذو الجسم الرياضي والأكتاف العريضة، لتمعن النظر إلى وجهه لأول مرة منذ دخولها. وإلتقت سماء عيناها الزرقاوان الداكنتان بالشهاب الذهبي في مقلتيه. أما هو كان ينظر إليها بريبة بعد أن فهم أنها طبيبة من سؤالها للممرضة، فتدحرجت عيناه بتعجب كبير على فستان السهرة الذي كانت لا تزال ترتديه.
عقدت هالة حاجبيها في عدم فهم، لكنها لم تعلق، ظناً منها أنه يهذي، فيما جاءت الإجابة على سؤال فريد الداخلي من مرام التي وضحت له بابتسامة:
"دي دكتورة هالة صحبتي.. معلش أصل النهاردة كانت خطوبتها."
ازدادت الدهشة في ذهنه دون تعليق على الأمر، في حين حدقتها هالة غير راضية عن ثرثرتها، ثم ما لبث أن نبست بذوق:
"سلامتك."
أماء بخفة، وهو يرد بتحفظ بارد:
"الله يسلمك، متشكر."
تابعت مرام التعريف بينهم بعذوبة، مشيرة بكفها نحوه في امتنان وإعجاب إلتمع في حدقتاها:
"ده أستاذ فريد اللي أنقذني، لولاه كان الله أعلم كان جرالي إيه؟"
عند عز
"عز!"
لم ينتبه عز لنداء وسام التي اقتربت من خلفه بخطوات هادئة، وهو يواصل النظر إلى هاتفه شارد الذهن أمام نافذة القاعة.
تقوّس فم وسام باستغراب، ووقفت بجواره، تربت على ظهره بحنان، فالتفت إليها بنظرات ضائعة، لتبتسم بخفة وهي تسأل بصوت حاني:
"إيه يا عز.. مش هتروح؟"
زفر عز بثقل مجيباً إياها:
"مستني ماما ترجع أوصلها وبعديها أروح."
عارضت وسام حديثه تأمره بلطافة:
"لا، أنا وعمك والبنات هنروح دلوقتي ومامتك هنوصلها طريقنا.. أنت روح لمراتك."
ردد عز بآسى:
"مراتي!"
ابتلعت وسام لعابها، وهي تنظر إليه بحزن، ثم بنبرة حذرة استفسرت:
"هو أنت محاولتش تكلمها؟"
أطال عز النظر أمامه بصمت قبل أن يغمغم بصوت أجش:
"ما بتردش."
نظرت إليه وسام بتعاطف، ولم تعجبها نبرة عز البائسة أو حالته المؤسفة، فقالت بجدية:
"اسمع، أنا لسه معرفش إيه الحكاية.. بس أنا مربياك على إيدي دول وعارفك كويس.. دايماً مندفع ومش بتفكر كويس في عصبيتك ولا بتحسب حساباتك صح.. بس انتو الاتنين بينكم حب كبير، ماتضيعوش من إيدكم يا عز."
رمش عز عدة مرات متتالية، وعلق بنبرة قلقة:
"كل مرة كنا بنتخانق هي ما كانتش بتسيب البيت.. بس المرة دي غير كل مرة، وخايف أروح مالقهاش."
ربتت وسام على كتفه بحنو، متفهمة تشتته، ثم نظرت إلى ساعة هاتفها، لتجد أنها قد اقتربت من الثانية صباحًا، لتقول بسلاسة:
"إن شاء الله تلاقيها، الوقت متأخر دلوقتي.. وافترض مالقيتهاش روح على بيت أهلها وصالحها، بس ماتسيبوش الأمور بينكم تخرب كده."
قرأت وسام التردد في ملامحه دون أن يضيف تعليقاً على كلماتها، فأردفت بنفس النبرة وهي تدفعه للتحرك:
"أنت لسه واقف؟ ماتضيعش الوقت.. وأنا مش هقول لمامتك حاجة.. بلاش تعرف أحسن."
هز عز رأسه بالموافقة، قائلاً بنبرة صادقة ممتنة، فكانت كلماتها شعلة من نور ممزوجة بالأمل الذي أضاء الطريق لعقله، ليحاول استعادة ما دمرته عصبيته:
"ماشي، ربنا ما يحرمنيش منك يا سوما."
في الردهة داخل المستشفى
كتفت دعاء ذراعيها، وهى تتساءل بتهكم:
"ما بتردش على رسايلي ليه؟"
تجنب صلاح النظر في عينيها، وأطلق تنهيدة طويلة من فمه قبل أن يرد عليها بتبرير:
"أنتي شايفة إن اللي إحنا فيه دي حالة تسمح أرد؟"
اشتعلت عيناها بالغضب الجامح من إجابته، وقاطعته بنبرة أنثوية حادة:
"الحالة ماتسمحلكش تعبرني بس تفضل ماسك في إيد وسام وحاضنها طول الوقت، مش كده؟"
عقد صلاح حاجبيه، وسألها مستغرباً من عصبيتها الزائدة:
"دعاء، فيكي إيه؟ من إمتى بتدقيقي على الكلام ده؟"
رفعت دعاء حاجبيها باستنكار تجلى في نبرة صوتها وهي تعلق على سؤاله بسؤال غاضب:
"هو أنا عشان مابكلمش ولا ببينلك ضيقتي بقيت في نظرك ست باردة معنديش إحساس؟"
صاح صلاح دون وعي من نفاد صبره، منزعجاً من حدة حديثها معه:
"أنتي مزوداها أوي في العصبية.. وأنا مش رايقلك دلوقتي.. عندي كم مصايب فوق دماغي مش طبيعي.. من ناحية مشكلة هالة مع خطيبها ومن ناحية مشاكل باسم اللي جابها فوق دماغي والناس اللي هخسرهم بسبب طيشه."
هتفت دعاء بنبرة ذات معنى يتخللها الحقد:
"ليك حق، ما عيلتك وولادك رقم واحد عندك دايماً.. وإحنا دايماً آخر ناس بتفكر فيهم."
جحظت عيناه مستنكراً كلماتها المستهجنة المليئة بالاستهزاء في موقف كهذا، فهو لم يكن يعهدها بهذا الاضطراب العصبي، لذا خرجت الحروف بنبرة تحذيرية من فمه:
"وطّي صوتك، أنتِ اتجننتي!"
أمام غرفة أبريل
نظر فهمي إلى ريهام التي تجلس بجواره في صمت قبل أن يتحدث بهدوء:
"ريهام، يلا ما فيش داعي تفضلي قاعدة كده، روحي لابنك."
هزت ريهام رأسها نفياً، وهى تخبره بخفوت:
"لا يا بابا أنا هفضل معاها.. وأنت وماما روحوا ارتاحوا."
تدخلت سلمى بالحديث موافقة ابنتها الرأي:
"ريهام عندها حق يا فهمي.. أبريل نايمة جوه ولمتنا حواليها كده مش هتفيدها.. الصبح بدري نبقى نيجي وبالمرة نجبلها معانا غيار نضيف."
هز فهمي رأسه دون تعليق، فيما نهضت ريهام لتتجه نحو شقيقها، وطرحت سؤالاً ذا معنى وهي واقفة بجانبه، تريد أن تجعله يغادر حتى تتاح لها الفرصة، لتتحدث مع باسم على انفراد قبل رحيله، بعد أن رأته من النافذة قبل قليل واقفاً في حديقة المستشفى مع صديقه:
"وأنت مش هتروح توصلهم؟"
تبصّر يوسف فيها ملياً ببرود، ثم دحرج عينيه لينظر إلى أبريل من خلال نافذة غرفتها الزجاجية، وهو يجيبها بهمس أجش:
"مش هتحرك من جنبها غير لما تفوق، ولا عايزاني أسيبها لوحدها والبني آدم ده هنا؟"
لكزته ريهام في ذراعه مهسهسة بتوبيخ:
"وبعدهالك ما تعقل، مش عايزين مشاكل، ومش معقولة تصرفاتك معاه، يعني هيكون عملها إيه؟"
هز كتفيه معاً دليلاً على جهله بمعرفة إجابة سؤالها، ثم التفت إليها بقلب غير مرتاح، ليقول بريبة:
"معرفش، بس الموضوع فيه إن.. فجأة كده اللي كان بينه وبين الجواز مصانع الحديد في يوم وليلة يقرر يتجوز وهي بالذات.. ده كلام ما يدخلش مخ عيل صغير."
عند وسام
عاد وسام إلى لميس التي كانت تنتظرها أمام غرفة العناية المركزة، ويبدو الشرود إلى ملامحها، فرفعت وسام حاجبيها في حيرة من حالة الجميع غير الطبيعية هذا اليوم.
جلست وسام بجانبها، ووضعت يدها على كف لميس الناعمة وسألتها بلطف:
"مالك يا لميس؟ مساهمة كده ليه؟"
"مفيش يا سوما، أنا تمام."
تحدثت وسام بعدم اقتناع من نبرة صوتها المبحوحة، وعيناها تسير على ملامحها:
"مش عارفة، حاسة فيكي حاجة.. وشك مصفر كده وباين عليكي الإرهاق.. لا تكوني تعبانة؟"
سألتها بقلق حنون، فسارعت لميس بالنفس مبررة ذلك بشيء من الصدق:
"لا خالص يا سوما.. صدقيني أنا كويسة.. بس مابحبش جو المستشفيات ده، ما بيريحنيش خالص."
فضلت وسام عدم الضغط عليها، قائلة بإبتسامة عذبة:
"ماشي يا قلبي.. اومال فين هالة؟"
"معرفش، هكلمها."
"خلاص كلميها وحصلوني على تحت.. أنا رايحة أشوف فين صلاح."
عند باسم
حدّق خالد بوجه عابس متحدثاً بحزم:
"أظن كفاية لعب لحد كده."
أغمض باسم عينيه للحظات، وهو يتنفس بحدة، ويطقطق رقبته، قبل أن يتمتم من بين أسنانه بسخط:
"خالد، أنت صاحبي من سنين طويلة.. بس أنت عارف أكره، كره العمى اللي يدخل في حياتي الشخصية، وأقدر أتصرف وأحل أموري."
أطلق خالد زفيراً يائساً، وأدار وجهه بعيداً مغمغماً بخفوت:
"براحتك يا باسم."
عاود خالد النظر إليه خالد، وتابع بجدية، وهو يضع يده على صدره:
"بس عشان أرضي ضميري وأبقى عملت اللي عليا للآخر.. بقولك اللي أنت ناوي عليه ده أكبر غلط وهيسبب مشاكل كتير ليك ولأبوك وللغلبانة دي.. اللي كنت عارف إنها مريضة ومع كده مرحمتش ضعفها."
ضرب باسم بيد فوق الأخرى متعجباً من اتهامات صديقه له، وهو يعلق بصدمة:
"محسسني إني سفاح وكأني كنت قاصد اللي حصلها!!"
جاء جواب خالد حازماً قاطعاً:
"ما فرقتش حاجة عن السفاحين.. تنكر إنك أنت كنت بتفش غليلك من ريهام فيها؟"
زفر باسم زفيراً حاراً، وهو ينظر حوله، وبعد صمت قصير أخبره بصوت منخفض واثق، وكأنه يتحدث إلى نفسه:
"ودلوقتي بقيت عارف إنها مالهاش دعوة باللي عملته ريهام.. بس كمان دي فرصة وجت لحد عندي وأبقى مغفل لو ما استغلتهاش لمصلحتي.. منها أسكت الإشاعات عني عشان أركز في شغلي ومنها أبعد ريهام عني."
قست تعابير وجه خالد خلال تذكير الآخر بنبرة تحذيرية:
"بس أنت كده بتدوس على واحدة في سكتك مالهاش ذنب وأضعف من اللي ممكن تتعرضله بسببك أنت وأخته."
لمعت عيناه بمكر بينما يخبره بثقة:
"صدقني أنا متأكد إنها كمان مش سهلة.. بس هبقى واخد بالي أكتر في التعامل معاها بعد كده."
ابتسم خالد مقهقهاً، وتحدث بشماتة:
"ده إذا رضيت تبص في وشك بعد عملتك يا حلو."
"أنا عارف هعمل إيه عشان ده يحصل، ماتشغلش بالك أنت."
عبست ملامح خالد من لهجته الواثقة، مستفهماً بصوت أجش:
"والله بالسرعة دي حسبت حساب كل حاجة؟"
نكس باسم رأسه، وفي داخله شعوران متضاربان بين الحماس لمغامرة جديدة، والتردد الذي يحذره من الخطر المتوجه إليه، ليزفر بحرارة، حاسماً أمره، الذي جاء من خلال إجابته له قائلاً بنبرة جادة يتخللها حماس:
"زي ما أنا بقيت محتاجلها.. هي كمان محتاجاني، يعني المصلحة مشتركة.. وهنعتبر اللي جاي.. ماتش ودي هنلعبه فترة بالاتفاق.. وبعدها جيم أوفر وكل واحد يرجع لحياته."
نظر خالد إليه لوهلة بحاجب مرفوع، فهو يعرف صديقه كيف يعمل عقله بدهاء، حالما يتحمس لشيء، ولا يستطيع أحد إيقافه، لذا سأله بابتسامة ساخرة:
"وما فكرتش إيه ممكن يحصل لو اللعبة قلبت جد؟"
ضحك باسم بصوت عالٍ قبل أن يعلق على سؤاله بنبرة متغطرسة:
"إيه خايف عليها لا تتعلق بيا وتحبني وتتوجع لما الجيم يخلص؟"
حك خالد ذقنه، مستطرداً بذات النبرة، دون أن تتلاشى ابتسامته الساخرة من استهتار باسم بالأمر:
"أو يمكن تيجي تصيبها فتصيبك كل شيء ممكن."
عند هالة
كانت هالة تقف بجانب المكتب بعد أن ارتدت معطفها الطبي، وقبل أن ترتدي القفازات الطبية، جاءها صوت مرام تخبرها بإستعجال ممزوج بالنعومة حيث تريد لفت الانتباه الجالس بتعبير مبهم على وجهه:
"هالة.. أنا رايحة الاستقبال، طلبني هناك."
أومأت هالة بخفة دون النظر لها، وقالت بهدوء:
"تمام."
أغلقت مرام الباب خلفها بإحباط من عدم التفاته لها، بينما تحركت هالة نحوه بخفة، وهي تحمل الإبرة بين أصابعها، فسألها بلهجة ثقيلة يشوبها الكثير من الشك، فهو يعاني من الوسواس القهري فيما يتعلق بنظافة الأدوات الطبية تحديداً:
"الإبرة دي معقمة؟"
رفعت هالة نظرها إليه بذهول واستنكار لسؤاله، لتجيبه ببساطة:
"طبعاً!!"
توقفت يد هالة في الهواء فور أن شعرت باهتزاز هاتفها في جيب معطفها قبل أن يرن صوته في المكان، فوضعت يدها فوقه تلقائياً، وهمست باعتذار:
"عفوا.. ممكن تيجي تخيطي الجرح؟"
وجهت هالة حديثها إلى الممرضة، بينما كان فريد ينظر إليها بحاجب مرفوع ونظرة حادة، غير راضٍ عن إهمالها في أداء عملها من وجهة نظره الصارمة في تلك الأمور، بينما هالة لم تنتبه لأنها ولت ظهرها له، وابتعدت عدة خطوات قبل أن ترد عليه برقة:
"أيوه يا لميس."
عند صلاح
تأفف صلاح داخليًا من هذا الهراء الذي تهذي به في هذا المكان تحديداً، لكنه حاول أن يتكلم بنبرة هادئة بعض الشيء:
"كفاية جنان يا دعاء.. أنتِ عارفة إنك.."
كانت دعاء مستمرة في هز جسدها بعصبية، وهى تلعب بأظافرها بتوتر، لتحاول قمع امتعاضها من عدم فهمه، لكنها لم تستطع الصمت طويلا، إذ نظرت إليه بعينين تشعان بحدة قبل أن توبخه بنبرة مقيتة:
"كفاية.. أنت إيه؟ ما بتزهقش من.. أنا خلاص زهقت بجد من العيشة.. وزهقت من نفس الكلام اللي بتسكتني بيه كل مرة."
أنهت دعاء جملتها بضيق شديد، وهي تدور بجسدها راغبة في الرحيل، لكن يده أمسكت بمعصمها، يمنعها من الذهاب وهو يسأل بتعجب:
"رايحة فين؟"
سحبت يدها منه بنفور، مدمدمة بعنف مكبوت:
"سيب إيدي."
أردفت بنبرة ساخرة، والإنزعاج يملأ تعبيرات وجهها:
"راجعة عند وسام، ولا عايزاه تلاحظ غيابنا إحنا الاتنين وتشُك فيك، وحياتك اللي تعبت عشان تبنيها تتهد فوق دماغنا كلنا؟"
"في إيه؟ صوتكم عالي كده ليه؟"
جاء صوت وسام المذهول التي كانت تتجول بين الممرات بحثاً عن زوجها، ولم يكن معها هاتفها لتتصل به، حتى رأت كلاً من صلاح ودعاء يقفان مقابل بعضهما البعض، وبدا من أصواتهما وأظهرت ملامحهما العابسة أنهما يتشاجران.
تدحرجت أعينهما عليها، وبحثا داخل أذهانهما المشتتة عن كلمات التبرير الواقفة على طرف ألسنتهما.
أضافت وسام متسائلة في شك من صمتهم المفاجئ منذ قدومها، وهى تحدق في ملامحهم المبهوتة، لتعقد ذراعيها منتظرة الجواب:
"إيه اللي هيتهد وفوق دماغ مين بالظبط؟"
رواية جوازة ابريل الفصل الخامس 5 - بقلم نورهان محسن
يقال إن الرجل الذي يحب امرأة واحدة قد عرف معنى الحب الحقيقي.
فالحب لا نتقنه بالتعداد ولا يكبر بالتكرار.
بل أن الحب هو أن تزرع زهرة، وتقوم برعايتها، ثم تبني بها وطناً وتسكن فيه.
الحب لا يعني أنك تتجول بين المرافئ، أو تتسكع كالنحل بين الأزهار.
الحب هو انتماء، احتواء، واكتفاء بزهرتك.
***
في الساعة الثانية صباحاً
عند يارا
كانت يارا مستلقية على السرير، وقد جف النوم مقلتيها من حدة الصداع في رأسها.
وبينما كانت تحدق في شاشة الهاتف المضيئة وسط الظلام المحيط بها، انطلقت نغمة تنبيه مع وصول رسالة من صديقتها على تطبيق المراسلة الفورية.
قرأتها يارا بعينيها قبل أن تتصل بها.
وسرعان ما تلقت الرد من صوت أنثوي مرح:
قلبي.. شوفتك أونلاين قولت أشوفك.. إيه الأخبار؟
يارا بحشرجة باكية:
الأخبار زفت.
باين على صوتك.. إيه اللي حصل؟
***
خلال ذلك الوقت
في منزل عز
دخل عز المنزل الذي كان يملأه الصمت.
وزع نظره حول المكان الهادئ، وبصدر ينبض بالأمل، توجه مباشرة إلى غرفة النوم عندما رأى الضوء الكهربائي يسطع فيها.
جحظت عيناه في ذهول فور دخوله الغرفة التي كانت مليئة بالفوضى.
وقف عز مصدومًا، وهو ينظر إلى وسائد السرير الملقاة على الأرض، والصور الممزقة بجانب السرير، ناهيك عن الزجاج المكسور والمتناثر لإطار صورة زفافهما الذي كان معلقًا على الحائط، ويستقر الآن على الأرضية.
قرع قلبه وتخبط بين جنبات صدره بعنف من هذا المشهد، قبل أن يجبر قدميه على التحرك للبحث عنها في أرجاء المنزل.
حتى تمكن من رؤية ضوء من تحت عتبة باب الحمام، فركض بسرعة مباشرة إليها ووقف أمام الباب، يطرقه بقوة وهو يهتف بقلق:
مني.. مني حبيبتي افتحي الباب.
أدار عز ظهره للباب، وانزلق ببطء ليجلس على الأرض، ويثني ركبتيه المتباعدتين على صدره ويسند عليهما ذراعيه.
ظل عز ينظر أمامه، وعيناه الصلبتان مملوءتان بالدموع المحبوسة في مقلتيه.
أخرج الهواء الساخن من بين شفتيه، وبدأ يتنفس بعمق، لعل الألم في قلبه يهدأ قليلاً قبل أن يستأنف كلامه بصوت مختنق:
مني.. أنا عارف إني غلطت واتسرعت.. بس أنا عشمان تسامحي المرة دي كمان.. والله أنا معرفش إزاي طلع مني الكلام اللي قولته.. عشان خاطري افتحي.. أنا ماليش غيرك ومقدرش أستغني عنك.
***
في تلك الأثناء
عند فريد
مد فريد كفه الكبير أمام الممرضة وهو يتحدث بنبرة آمرة:
اديني الإبرة.
تدحرجت الممرضة ببصرها بينه وبين الإبرة التي تمسكها، ثم سألت بتوجس:
ليه يا فندم؟
رد فريد ببرود:
خيطه بنفسي.
هزت الممرضة رأسها برفض، وهتفت بصدمة معارضة:
إيه الكلام ده يا أستاذ ماينفعش طبعاً؟!
مسح فريد وجهه بضيق، محاولاً أن يستدعي الهدوء لنفسه، ناهيك عن أنه يشعر بالانزعاج من الأحداث المقيتة التي حدثت في تلك الليلة الطويلة.
فبدأ بالشرح لها بنفاذ صبر بعد أن نظر إليها مرة أخرى:
لأ إله إلا الله.. أنا دكتور يا ستي مش أستاذ.. بصي على إيدك بترعش إزاي.. هاتيها.
انتبهت هالة إلى صوته الصاخب، فعقدت حاجبيها في دهشة، وهي تتمتم على الفور:
طيب.. هقفل دلوقتي.. باي باي.
أغلقت هالة المكالمة مع لميس، ووضعت الهاتف في جيبها، لتتجه إليهما بسرعة، وتخاطب الممرضة بصوت هادئ:
خلاص انتي اتفضلي.
خفضت الممرضة وجهها من الحرج من ذلك الموقف، وابتعدت عنهم بسرعة.
بينما وجهت هالة سؤالها إلى فريد في تعجب:
هو فيه إيه حضرتك؟
أجابها فريد بفظاظة ولهجة واثقة:
فيه أڤورة مالهاش لازمة بتحصل.. الجرح صغير مايستاهلش أصلاً.. أنا هقطبه لنفسي وخلاص مافيش داعي تتعبي نفسك.
أحست هالة بأنه يسخر منها من خلال نظراته الثاقبة لها، لتشتعل شرارات الغضب في عينيها الزرقاوين بسبب وقاحته، وعدم احترامه في معاملته لها ومع الممرضة.
وبغتة أمسكت بقطعة من القطن، لتضعها على جرحه، مما جعل ملامحه تنزعج من الألم المفاجئ، ليخرج منه أنين خافت انقطع في مهده، وهو يضغط على أسنانه بعنف قبل أن يحذرها:
حاسبي!
رفعت هالة حاجبيها، وهي تلوي فمها بابتسامة صغيرة، قبل أن تتابع بسخرية:
وهتقطبه إزاي؟ الجرح الصغير محتاج يتنضف كويس قبل الخياطة.. عشان لسه فيه حتت إزاز فيه ولازم نخرجهم وإلا هيلتهب.
أستعدت هالة في ذهنها لكلمات الغضب منه، وهي تتفحص الجرح بعناية.
لكن صوت ضحكته الرجولية وصل إليها، فنظرت إليه بنظرات حادة متفاجئة، وتساءلت بشك ممزوج بالارتباك:
عفواً.. بس إيه يضحك في كلامي؟
زفر فريد الهواء من صدره بنفاذ صبر، من كونها كانت مشغولة بالحديث عبر الهاتف، ولم تنتبه لتعريفه عن مهنته.
لذا غمغم بتحذير غريزي:
أمر الله يا ستي.. بس خفي إيدك لو سمحتي.
أخذت هالة نفساً عميقاً، ثم ازفرته على مهل، وهي تبدأ عملها، قائلة بنعومة عفوية يتخللها جدية:
تمام.. ممكن ماتتحركش.
***
في ذلك الوقت
عند يارا
هدّرت صديقتها توبخها بصوت غاضب، منصعقة من يارا التي انتهت من سرد تفاصيل تلك الليلة لها للتو:
إنتي أكيد اتخبلتي في مخك أكيد.. إزاي تعملي عملة سودة زي دي؟
همست يارا بصوت باكي معربة عن ندمها وخجلها من نفسها:
غصب عني يا نيرة.. والله ما أعرف إزاي عملت كدا؟
تنفست نيرة بعمق، وتكلمت بنبرة صوت ملامة:
بجد إنتي غلطانة واوي كمان.. ما تزعليش مني أنا مش عشان صاحبتك هطبلك في الغلط.
استطردت نيرة بإيماءة تدل على التفكير بعمق:
وهو صدق من صدمته.. بس عارفة الخوف بقى من إيه؟
استفهمت يارا بصوت مرتعش:
إيه؟
تابعت نيرة بجدية:
إن بعد ما يستوعب اللي حصل.. يفكر إنه ياخدك تسلية.. يعني مش كفاية إنه موقف لك حياتك تحت بند الصداقة.. لا وكمان بقت مشاعرك مكشوفة قدامه يا خايبة ويمكن يستغل حبك بطرق كتير.
عضت يارا شفتها بعد أن تسلل القلق إلى أعماقها، وبالدموع ردت بضياع:
أنا مفكرتش في كل اللي بتقولي عليه ده.. وما افتكرش ياسر ممكن يفكر فيا كدا؟
قالت يارا العبارة الأخيرة في إنكار ونبرة دفاعية.
ثم جاءها صوت صديقتها قاطعاً ممزقاً جميع حساباتها القديمة:
الأيام الجاية هتبين كل حاجة.. مش بتقولي بعد اللي حصل منك ده قال لك مش عايز أخسرك وننسى اللي حصل.. ما ظنش إنه هينسى.. والأسوأ كمان لو قبل حبك ده وهو لسه خاطبها.. وقتها هيبقى عايزك تظهري حبك ده أكتر.. عشان يرضي غروره ورجولته من غير مقابل منه.. ودا بيحصل من معظم الرجالة الأيام دي.. بيرتبطوا بواحدة وبتكون في حياتهم بنت تانية باسم الصداقة.. بس ورا الستارة بيستنزف حبها وعمرها منها على الفاضي.. خصوصاً لو قدمت حبها بدون أي تمن.. وبتكون هي الطرف التالت في قصة حب أنثى تانية.. والراجل بيشوفها مرهم لجروحه بيهرب لها من زهقه ومشاكله مع حبيبته.
شعرت يارا بالتجمد، وهي تستمع إليها، كما لو أن دلوًا من الماء المثلج قد سكب على رأسها دفعة واحدة، مما جعل عقلها يهيم من الصدمة، وهي تتخيل أن هذا يمكن أن يحدث لها.
وهذا لن تتحمله أبداً، ليزداد الألم في قلبها وهمست بصوت ضعيف:
للي بتقوليه ده إذا حصل أنا معرفش ممكن أتصرف إزاي؟
تابعت نيرة بصوت حازم:
مفيهاش غير تصرف واحد.. هو إنك تبعدي يا يارا تقطعي معاه خالص طول عمرك.
تضاعفت العبرات على خديها، وهي تخبرها بحقيقة ما تشعر به، وما يدور في خلدها بتخبط شديد:
أنا حاسة إني اتحبست في خانة اليك.. وعلى قد ما أنا نفسي يحس بيا.. بس.. بس ياريت ينسى اللي حصل الليلة.. عشان آخر حاجة بتتمناها إني أكرهه يا نيرة إذا فكر فيا بالطريقة دي أنا أكيد هكرهه وهكره نفسي.
شعرت نيرة بالأسف عليها، فلم تضغط عليها، وقالت بنبرة لينة:
إنتي أعصابك تعبانة ومحتاجة تنامي.. خلينا نأجل الكلام لحد ما أعدي عليكي بكرة أحسن.
طيب تصبحي على خير.
وإنتي من أهله.. باي.
***
في نفس الوقت
في المستشفى
فتحت لميس باب أحد ممرات المستشفى، وأثناء سيرها في الردهة نظرت للأسفل، لتضع هاتفها داخل حقيبة يدها الصغيرة بعد أن أنهت مكالمتها مع هالة منذ دقيقتين.
"حاسبي يا حوادث."
حذرها باسم بنبرة ضاحكة في نفس الوقت الذي أمسك بذراعيها، وهو يثبتها في مكانها قبل أن تصطدم بصدره، ليواصل حديثه بمشاكسة عفوية، دون انتباه إلى وحش الغيرة ذو العينين الخضراوين الذي يقف بجمود بجانبه:
دايماً ماشية مش باصة قدامك كدا!!
تركها باسم، بينما يتابع بقية كلامه، وهو يتراجع خطوتين إلى الوراء، ويضع يديه داخل جيوبه.
أزاحت لميس خصلات شعرها خلف أذنها دون تعليق، وأشاحت وجهها في إرتباك حتى لا تتقابل عيناها في عيون خالد، الذي لا سلط نظره عليها بغموض.
بينما تابع باسم بسؤال حائر:
أومال فين الناس؟
لميس موضحة برقة:
هالة في الطوارئ.. وطنط وسام راحت تشوف عمو صلاح وبعديها هنرجع على البيت.
أسند باسم بمرفقه على سطح طويل ومستوٍ يجلس خلفه الموظفون، ثم همهم بهدوء وهو يلقي نظرة خاطفة على خالد:
ماشي.. إحنا ليلتنا طويلة هنا.. ابقي عرفيهم.
تمام.. أنا.. هروح أستناهم في الاستراحة.
الكلمات خرجت على عجل متلعثمة من فم لميس، قبل أن تغادر هرباً من عيون الوحش الخضراء التي لم تتزحزح عنها.
"إيه ده؟"
التفت إليه خالد متعجباً من سؤاله المفاجئ.
فقوس باسم فمه بابتسامة ملتوية، وهمس بتسلية:
كأني شامم ريحة شياط من هنا.
برقت عينان الذئب الماكر، وهو يشير بإصبعه السبابة إلى موضع قلب خالد في نهاية حديثه.
ليدفعه خالد من كتفه بقسوة، وقد سيطر الانزعاج على ملامحه، فازداد الوحش وسامة برية، من استفزازه له، ليقول بنفاد صبر:
أبو أم لذاتك يا ظريف.
أخذ باسم يضحك ساخراً من استيائه، ثم هدأت ضحكته سريعاً وخرج صوته هادئاً:
طيب أنا طالع أشوف إيه الأخبار فوق؟
نظر إليه خالد بنظرة تحذيرية مفادها "لا تثير المشاكل".
لكنه لم يتلق منه شيئاً سوى اللامبالاة، فأدار عينيه في يأس وأخبره بنبرته العميقة في استسلام:
خلاص أنا هطلع أشرب سيجارة برا.. شوية وهحصلك.
***
خلال ذلك
عند صلاح
أضافت وسام متسائلة في شك من صمتهم المفاجئ منذ قدومها، وهي تحدق في ملامحهم المبهوتة، لتعقد ذراعيها منتظرة الجواب:
إيه اللي هيتهد وفوق دماغ مين بالظبط؟
شعر صلاح بتوقف عقله عن العمل لثوانٍ معدودة، ولم تساعده الحروف الأبجدية على الإطلاق.
فيما كانت وسام تنظر إليه تارة وتارة إلى دعاء التي ازدردت ريقها، وهي تحاول الابتسام لتتغلب على توترها، وتبادر بالتحدث بصوت طبيعي قدر الإمكان، على الرغم من شعورها بقشعريرة باردة تسري في جسدها:
تعالي شوفي جوزك كان بيقول إيه؟
التفتت وسام، لتنظر إلى زوجها الذي كان لا يزال على حالته المتجمدة، مما أثار الشكوك في ذهنها، وتسلل القلق إلى قلبها، فألحت بإنفعال طفيف:
إيه الحكاية يا جماعة!! فيه إيه يا صلاح.. إنت مخبي عني حاجة؟
جفل كلاهما من الصدمة، عندما ألقت وسام سؤالها الأخير على صلاح.
فتبادل النظرات مع دعاء التي كانت تبحث في ذهنها عن مبرر مقنع لإخراجهما من هذا المأزق الصعب، لتخبرها بلهجة متماسكة إلى حد ما:
هو أصله.. خايف إن علاقة باسم بنت فهمي تبوظ له شغله مع أبو مصطفى يا ستي ويخسرهم.. وكان بيدور عليه عشان يعاتبه لولا إني وقفته.
رفعت وسام حاجبيها، وهي تسمع كلامها، لتخاطب صلاح بنبرة متذمرة ممزوجة باللوم:
مش وقت ولا مكان الكلام ده خالص يا صلاح.
قام صلاح بإخراج الهواء من صدره بعنف بعد أن حبسه داخل رئتيه لفترة لا بأس بها.
ولحسن حظه، ترجمت وسام ذلك على أنه سخط وغضب على ابنه.
بينما تابعت دعاء على عجل، وهي تنظر يميناً ويساراً بتوتر:
ده اللي كنت بقوله بالظبط مش وقته.. يلا هروح أشوف عز عشان يروّحني.
ابتسمت وسام وهي تخبرها بصوت هادئ:
لأ عز روح على بيته.. وإنتي هتيجي معانا نوصلك في طريقنا.
أومأت دعاء لها برأسها بالموافقة.
وقبل أن تبتعد نظرت بسخرية إلى صلاح الذي توقف عن عد المواقف المشابهة لهذا الموقف، ولقد تمكنوا من الخروج منهم باستخدام أكاذيب دعاء الماكرة والمراوغة، والتي سرعان ما تقتنع بها زوجته الساذجة التي تعتبرها صديقتها المقربة.
كيف يمكن أن تشك بها أو تحسب للخيانة حساباً من ناحيتها، وهي التي ظلت تحثها على الزواج، لسنوات طويلة بعد وفاة زوجها ولم تكن تتلقى منها سوى الرفض، حتى استسلمت وهي تجزم أن هذه المرأة وفية جداً لذكرى أخيه التوأم.
***
عند هالة
بعد مرور عدة دقائق
"مدي إيدك."
قال فريد كلماته الغامضة بنبرة عملية، مما جعل هالة تنظر إليه بحاجب مرفوع وهي تسأله بتوجس غريزي:
أفندم!!
أشار فريد إليها بعينيه إلى الأسفل، حيث ظهر ضوء الشاشة بوضوح من خلف قماش جيب بنطاله الأيمن، قبل أن يفسر لها بصوته الرجولي العميق:
موبايلي بيرن في جيبي.. مش هعرف أطلعه والإبرة غرزة في دراعي.
قال فريد ذلك بينما تتدحرج عيناه على ذراعه اليسرى.
فاتسعت حدقتاها من الدهشة، وتدلى فكها من الصدمة قبل أن تهتف مستنكرة بصوت مرتبك:
بس ده ما يصحش.. أكيد مش هعمل كدا.
جاء صوت الممرضة الهادئ من خلفهما:
ممكن يكون حد من أهله عايزين يطمنوا عليه يا دكتورة.
ارتجفت هالة بداخلها، وهي تومئ برأسها موافقة وتمتمت على مضض:
طيب.
ازدردت هالة لعابها عدة مرات متتالية، لاحظ فريد ذلك من حركة بلعومها، واهتزاز حدقاتها المتوترة، وهي تحني جسدها قليلاً، وتمد أصابع يدها النحيلة بتردد وحذر شديدين، وتدفعها داخل جيب بنطاله لتسحب الهاتف بأطراف أصابعها.
أخذ فريد الهاتف من يدها التي شعر بها ترتجف، متأكداً أنه سبب لها توتراً كبيراً.
ودون أن يبدو على وجهه تعبير مقروء، ظل يحدق في الشاشة المضيئة التي تحمل اسم والدته زهيرة لعدة لحظات، وهو يعلم أنه إذا أخبرها الآن بما حدث، فسوف تصر على المجيء إليه، وهذا غير ضروري على الإطلاق.
تعجبت هالة من تحديقه المستمر في الشاشة دون أي ردة فعل.
فسألته بحيرة:
هتقدر ترد ولا أرد أنا؟
أجاب فريد بحسم بارد، وهو يرمي الهاتف بجانبه بلا مبالاة:
مش هرد.
"مش طبيعي."
همست هالة بصوت غير مسموع، ثم سرعان ما خرج صوتها تلقائياً بسؤال محمل بالدهشة واستنكاراً:
أومال خليتني أطلعه ليه؟
وقبل أن يفتح فمه ليتحدث، سمعا طرقاً خافتاً على باب الغرفة، ودخل أحد الممرضين وهو يوزع نظراته بين فريد وهالة، ليخبرها بصوت لاهث:
دكتورة هالة.. وكيل النيابة برا وعايز ياخد أقوال الأستاذ.
***
في خلال ذلك
عند خالد
في حديقة المستشفى
تبصر إليها خالد ملياً، وهي تقف وظهره إليه، واضعة يديها داخل جيوب معطفها الطويل الأنيق فوق فستان السهرة الذي يصل إلى الكاحل.
تذكر المرة الأولى التي التقيا فيها.
حدث ذلك عندما سافر مع باسم في زيارة قصيرة إلى الفيوم عند جدته منذ أكثر من عام.
وبسبب حبه الكبير للخيول، كان أول مكان يذهب إليه هو الإسطبل لرؤيتهم.
ثم التقى لها، كما لو كان قدره على موعد معها.
انفرجت ابتسامة صغيرة على شفتيه القاسيتين، حينما عادت تلك الذكرى إلى ذهنه مرة أخرى، فجعلت قلبه يخفق، وكأنه تحول إلى حصان يعدو بسرعة البرق عندما رأى بندقيتها المذهلة، دون أن يفكر فيما سيجده في نهاية هذا المطاف.
أثناء ذلك
زفرت لميس بحرارة، ففاح عبقها العطر، وانتشرت ذراته في الهواء، لتجري على بساط من السحر يلتف حول ذلك المتيم بالهوى، ليفقد السيطرة على خفقاته، ونار الحب تضرم بلا رحمة في قلبه بسبب جاذبيتها الفاتنة، ورغماً عنه انتقل عقله إلى هذا المشهد القديم.
flash back
وقف خالد بطوله المهيب، وأكتافه العريضة، يرتدي بنطالاً أبيض وقميصاً فضفاضاً أخضر داكناً بأكمام قصيرة تظهر عضلاته، متكئاً على باب إسطبل الخيل، يتأمل من تحت النظارات الشمسية فوق عينيه الجنية التي كانت تقف، وظهره إليه غير منتبهة لنظرته الفضولية، إذ كانت مشغولة بتفحص عيني الحصان الذي أمامها بحذر واهتمام شديد.
رفع خالد يده نحو فروة رأسه، ليغرس أطراف أصابعه في خصلات شعره السوداء الناعمة، ليجذبه تلقائياً عندما فعلت لميس نفس الشيء مع الحصان حيث رفعت يدها، لتداعب رأسه الأسود ذو الشعر الكثيف الحريري بنظرات حزينة على حالة هذا المخلوق مهيب الجسد والمظهر، لكنه مع ذلك حساس للغاية، ويحتاج فقط للاهتمام والرحمة، ليطمئن لك ويشعر بالأمان معك.
جاء صوت من خلفها أخرجها من تفكيرها، كانت قشة انشقت تحت قدمي خالد، الذي تحرك قليلاً من مكانه، فحمحمت بخفة تنقي بلعومها، قبل أن يخرج صوتها الرقيق بجدية:
ناولني المحلول يا عم متولي.
ودون أن تلتفت من مكانها مدت كفها الناعمة إلى جانبها منتظرة أن يفعل ما أمرته به، لكن الصمت ساد المكان، لتتأفف بصوت متذمر:
ماتيلا يا عم متولي.. مش عاااا..
التفتت لميس بجسدها فجأة، فتصلبت عيناها على هذا الشخص الغريب قبل أن تخطو خطوة تحذيرية نحوه لتواجهه بسؤال مليء بالتوجس:
انت مين؟
انفرجت شفتيه قليلاً، وحرج شديد اعتر اه، ليحاول العثور على رد مناسب:
اا..
جمجمت لميس من بين شفتيها ببرم:
عملتيها يا تفيدة.
قطب خالد بين حاجبيه متعجباً من كلماتها المبهمة، ثم خلع نظارته فرأت بريق خضراوتيه الجذابة في ضوء الشمس الذي يتسرب من إحدى فتحات الإسطبل، متسائلاً بغرابة:
نعم؟
"واضح إن جدتي نفذت كلامها وبعتت لك تيجي.. مع إني قولتلها إني أقدر أتصرف لوحدي."
أنا مش..
قاطعت لميس حديثه بانزعاج للمرة الثانية في نفس الدقيقة، ولم تمنحه مهلة للرد:
مش محتاج تبرر ماهي مش غلطتك انت.
لم يعلق على حديثها في الحقيقة، بدا الأمر مسلياً له، وظهر شبح ابتسامة مرحة على شفتيه، لكنه حاول إخفاءها بسرعة، حالما حدقت به لميس بعينين ضيقتين، وهي تسحب أطراف بلوزتها البيج إلى الأسفل، ثم وضعت يديها على خصر بنطالها البني الواسع وتابعت تستجوبه باستغراب:
وجاي فاضي ليه؟
رفع خالد حاجبيه الكثيفين بتعبير مندهش، ثم سأل بصوت أجش عميق:
تقصدي إيه؟
عقدت لميس ذراعيها أسفل صدرها، وهي تتساءل بنبرة ساخرة:
فين أدواتك وشنطتك الطبية يا دكتور؟
تقدم خالد منها عدة خطوات واثقة، والحماس يزداد في أوردته، ليقول بنبرة ثقيلة:
ممعيش أي حاجة.
وقف خالد أمامها مباشرة، مما جعلها تشعر بهالته أقوى، بينما كانت تخاطب نفسها سراً بسخط:
كمان يا تفيدة.
عقصت بيدها خصلة شعرها خلف أذنها، وهي تعض على شفتها بغيظ، لتغمغم بصوت منخفض:
فهمت.. هي مش بعتاك عشان تعالج كرم.. بعتاك عشان تشرف عليا وأنا بعالجه.
أضافت تلك الكلمات بثقة شديدة وعدم الرضا، دون أن تشعر بالفوضى العارمة التي تسببها حركاتها العصبية في قلب ذلك الجبل الشامخ أمامها، ليتنحنح خالد قبل أن يسأل بصوت هادئ، يخفي وراءه انجذاباً قوياً نحوها:
مين كرم؟
"ده كرم."
ابتسم خالد مع تفسيرها، وهو ينظر إلى الحصان الأسود الذي كانت تقف أمامه وتداعبه برقة قبل قليل.
حسده عليه، وقبل أن يتمكن من الرد، جاء صوتها الناعم باستفهام:
انت كنت فين يا عم متولي كل ده تأخير؟
قالت لميس ذلك وهي تتجه نحو الحصان بينما متولي يبرر بصوته الغليظ:
ما تأخرتش والله يا دكتورة.. مسافة الطريق وجيت.
تدحرج بصره على خالد الذي التقى به قبل قليل بالخارج ليهتف ببشاشة:
عجبك الإسطبل يا ا...
"هات المحلول من عندك وتعالى امسك راس كرم."
بترت لميس بقية جملته دون أن تنظر إليهم، وهي تربط شعرها البني إلى الأعلى بربطة سوداء حتى لا يزعجها وهي تبدأ عملها.
وقبل أن يتحرك متولي أشار له خالد بالتوقف قائلاً بحزم:
خليك.. أنا همسكه.
جحظت عينا متولي بعدم فهم، ونظر إليه خالد، الذي ابتسم بمغزى، فأومأ له الرجل ببلاهة في صمت.
اقترب خالد من الحصان بحرص، ووقف بجوار تلك التي ولت كامل انتباهها لعملها، بينما بدأ الآخر يمسد ظهر الحصان برفق، قبل أن يمسك رأسه بين كفيه الكبيرتين، وهو ينظر إلى عين الحصان المصابة.
وكانت هذه هي المرة الأولى التي يرى فيها الدموع في عيون حيوان وكأنه يبكي، فوجد نفسه يتمتم تلقائياً:
دي أول مرة أشوف فيها دموع الخيل؟
"دي إفرازات من نشارة الخشب اللي دخلت في عينه.."
توقفت عن الكلام العفوي، ثم أردفت بتساؤل متعجب:
أول مرة!! إنت تقصد إيه؟
لمعت في عينيها نظرة شك، وهي تنظر إليه عن كثب، بينما كان هناك شيء في نظرتها يسحبه لا شعورياً إلى أغوار بندقيتها.
لكنه استعاد السيطرة على نفسه، وهمس لها بصوته الدافئ العميق:
كملي.
ارتعش بداخلها شعور غريب، وهي تشعر بضآلة حجمها أمامه، وقد تناست ما قاله منذ قليل.
وفي الدقائق التالية، قامت لميس بعلاج الحصان بمساعدة خالد الذي سأل بهدوء:
كده خلصنا؟
"أيوه.. تقدر دلوقتي ترجع لجدتي وماتنساش تقولها تقييمك.. بس بضمير انت حالف قسم."
نظر خالد إليها بحاجب مرفوع، وهو يسمع كلماتها التحذيرية الممزوجة بالحزن على عدم ثقة جدتها في عملها.
فأخبرها بثقة وابتسامة جذابة:
يوصل.
دخل متولي في الحديث ببلاهة تامة:
تقييم إيه ويوصل إيه؟ ماتفهمني يا ابني بدل ما أنا زي الأطرش في الزفة كده وسطك.
وأخبره خالد موضحاً بنبرة خشنة مستمتعة:
مفيش حاجة.. ده سوء تفاهم بسيط.. الآنسة كانت فاكراني الدكتور.
سألته لميس بتعجب، وهي تحدق في ملامحه بصدمة:
فاكراك.. أومال إنت تطلع مين؟
جاءتها الإجابة بصوت متولي الغليظ:
ده الأستاذ خالد يا ست لميس.. جاي ضيف من مصر مع الأستاذ باسم.
شعرت لميس بمزيج من الغضب والحرج، حالما أدركت أن كان يجاريها فقط.
مما جعلها تهتف بضيق:
وماقولتش كده ليه من الأول.. ماكنش ليها لازمة الاشتغالة السخيفة دي.
اقترب خالد منها خطوة، وضيق عينيه الخضراوين، التي انعكست فيها علامات إعجابه بها، ليجيبها بصوت هامس عميق ضاعف من حرجها:
إنتي اللي مابتديش لحد فرصة يقول حاجة.
back
كل هذا كان يدور في ذهن خالد بلا هوادة، وبتلقائية تامة وضع كفه على صدره كأنه يمنع قلبه من الهروب إليها من بين ضلوعه، ليضمها في حضن دافئ من الشوق الغامر الذي يحرمه من النوم ليلاً من التفكير فيها.
هز خالد رأسه بخفة، طارداً كل هواجسه الحالمة بها، وهو يتقدم للأمام، وكلما اقترب منها يشعر وكأنه يسير على الغيوم المحملة بعطرها السحري.
استدارت لميس، تنوي الاطمئنان على زوجة عمها التي تأخرت، مما جعل شعرها البني يتطاير بخفة في الهواء من حولها.
لكن سرعان ما تراجعت خطوة إلى الوراء متفاجئة به خلفها.
***
في قاعة المستشفى، تحديداً أمام غرفة العناية المركزة
جسد يوسف ممدود على كراسي الانتظار وهو في نوم عميق، واضعاً إحدى يديه على بطنه والأخرى متدلية على الأرض.
بينما كانت ريهام تجلس على أحد المقاعد في الجانب الآخر، وعيناها لا تفارقان شاشة الهاتف حتى وصل صوت أقدام تقترب منها إلى أذنيها.
فرفعت عينيها وأدارت رأسها بفضول لترى باسم يتقدم منهم بخطواته الهادئة الواثقة، ودون أن يكلف نفسه عناء النظر إليها، وقف في صمت تام، يحدق إلى أبريل مطولاً عبر زجاج الغرفة شارداً في أفكاره الخاصة.
استقرت ريهام براحة يدها على كتفه برقة، ظهرت في صوتها الهامس عندما سألته:
الكل روحوا.. إنت مش هتروح؟
أزاح باسم كفها من فوق كتفه بضيق، وهو يجيب بإيجاز حازم:
لما تفوق.
التوى شدقها بعدم رضا، ثم ازدردت ريقها لتقول بنبرة مترددة، وكأنها تسير في حقل ألغام، وتخشى أن ينفجر بها في أي لحظة:
باسم.. ممكن أكلم معاك شوية!!
استدار باسم بجانب وجهه، وأومأ لها على مضض دون أن ينظر إليها لأنه يحملها مسؤولية ما حدث، فإذا لم تخرج عن نطاق السيطرة، وتحاول تهديده بالقتل بعد التدخل في شؤونه، لما حدثت هذه الفوضى الكارثية معهم جميعاً.
مما جعله يرمي سؤالاً بنبرة هادئة ساخرة:
وهو لسه فيه كلام عندك يتقال؟
شعرت ريهام بحالة من الانزعاج جراء أسلوبه البارد تجاهها، لكنها تكلمت بنبرة متماسكة لطيفة:
خلينا نروح الكافيتريا نشرب قهوة ونتكلم.
مرر باسم أصابعه على فكه، وهو يفكر في عرضها، قبل أن يتمتم في استسلام:
طيب.
***
بعد فترة وجيزة
عند عز
رفع عز يده، ليضرب الباب مرة أخرى قائلاً بندم ورجاء:
طيب ردي عليا خليني أطمن.. مش معقول هتباتي الليلة كلها في الحمام.
أدار عز عينيه من الملل والسخط لتجاهلها له، فواصل حديثه بذات النبرة، وهو يرتكز بظهره للباب، وأسند رأسه إليه:
مش ناوية تبطلي العادة دي أبداً.. افتحي بقى بلاش شغل عيال خلينا نتكلم يا حبيبتي ونتفاهم.
قالها بتنهيدة عميقة، فهذه أول مرة يتوسل لها كل هذه المدة، ولا يتلقى منها إيماءة بسيطة تجعله يطمئن.
فأخذ عز يطرق الباب عدة مرات متتالية بإلحاح، وهو يهتف بوعيد وتهديد:
إنتي زودتيها كدا.. طيب يا مني دي آخر مرة أقولك فيها افتحي.. أنا تكلمت بالذوق كتير أهو وما جابش نتيجة.. مش هانيها تاني وهاكسر عليكي الباب.. بس يكون في معلومك لو دخلت بالشكل مش هعديهالك على خير.
مسح عز وجهه، مستدعياً الهدوء لنفسه بعد أن بدأت بوادر الغضب تطغى عليه من تجاهلها المتعمد له.
ليستأنف طرق الباب، وأحس بالتوتر والخوف يسيطر عليه من صمتها المقلق، فخفض من لهجته قائلاً بحنو لعلها تستجيب له:
طب خلاص.. بلاش نتكلم لو مش عايزة.. بس افتحي قعدتك في الحمام دي غلط يا حبيبتي.
مرر عز يده في شعره في اضطراب عندما لم يتلق منها أي إجابة تطمئنه، فبدأ القلق يحفر مخالبه في قلبه بعنف، ولم ينتظر ثانية أخرى.
إذ أخذ نفساً عميقاً قبل أن يدفع الباب بكتفه بقوة عدة مرات، لكن محاولات فتحه باتت بالفشل.
فتراجع خطوتين إلى الوراء، ثم بكل عزم ركل الباب بركلة واحدة، فكسر القفل، قبل أن يولج إلى الداخل سريعاً، وهو ينظر بشكل عشوائي في المكان، حتى رآها ملقاة على الأرض، لا ترتدي إلا ملابسها الداخلية، في إحدى زوايا الحمام، ساكنة تماماً، بجانب حوض الاستحمام.
وهذا المنظر المفاجئ جعل قلبه يتزعزع من محله والخوف يتغلب عليه.
ركض عز نحوها، وركع على الأرض الباردة بجانبها.
بينما رفع بأطراف أصابعه خصلات شعرها التي تساقطت على وجهها تحجب عنه رؤية ملامحها، وهو يناديها بصوت أجش مهتز، يقنع نفسه بإنكار للواقع أنها نائمة من الإرهاق:
مني!!
حبس أنفاسه بصدمة فور أن لاحظها شاحبة الملامح وحبيبات العرق الباردة على جبهتها.
فاحتوى جسدها الساكن على صدره، وهو يضرب على وجهها بأصابعه، مع مسحه على جبهتها بيده الأخرى عدة مرات.
وارتعش بدنه من القلق، وهو يحاول إيقاظها دون استجابة منها.
***
في قسم الطوارئ
عند فريد
خرجوا جميعاً من غرفة الفحص برفقة ضابط الشرطة الذي تكلم بصوت جهوري غليظ، موجهاً حديثه إلى كل من فريد ومرام، وهو يدخل كفه في جيب بنطاله:
زي ما قولتلكم هستناكم في القسم عشان نكمل المحضر.
أومأت له مرام برأسها بصمت، بينما فريد يشكره بصوت هادئ واثق:
تمام.. شكراً يا فندم.
العفو.. عن إذنكم.
لمعت عيون مرام بوميض من الإعجاب، رغم علمها بخطوبته، بعد أن لاحظت الخاتم الذي يزين يده اليمنى.
لكن وسامته مع شخصيته التي كانت من الواضح أنها ثقيلة، عززت بداخلها شعور بالمغامرة حتى تتمكن من سرقة نظرات الإعجاب منه حتى ترضي غرورها الأنثوي.
فقالت بنعومة، والابتسامة تعلو وجهها:
حقيقي موقفك الشهم عمري ما هنساه ومش عارفة أشكرك عليه إزاي.
ضيق فريد في عينيه على هالة التي لم تتدخل في الحديث بتاتاً، بل كانت تنظر إلى شاشة هاتفها بتركيز، وهي تقرأ رسالة أرسلها ياسر قبل قليل.
قبل أن يرد عليها بنبرته هادئة وجذابة:
مفيش داعي للشكر.. معملتش غير اللي كان أي حد غيري هيعمله.
"لأ أنا متشكرة جداً يا دكتور.. رغم الظرف كان مش لطيف بس أنا مسرورة إني اتعرفت على شخصية محترمة زي حضرتك."
متشكر جداً.. شرف ليا أكتر معرفتك.
تحدثت مرام باندفاع، حالما شعرت أنه على وشك الرحيل:
تصدق كنت حاسة إنك هتطلع دكتور.
نظر إليها كل من فريد وهالة بنظرات الدهشة والاستنكار قبل أن يتمتم بتعجب:
اشمعنى!
احتل الحماس ملامح مرام التي أوضحت الأمر برحابة صدر وصوت أنثوي رقيق يغلله الانبهار:
أصلك أول حاجة عملتها قطعت حتة من تيشرتك وربطتها على الجرح عشان توقف النزيف.
صمت حاصرهم جميعاً لثوانٍ.
ثم بادرت مرام بسؤاله:
هتقدر تسوق مش كده.. ولا تحب نوصلك.. إحنا كنا هنمشي دلوقتي مش كده يا هالة؟
حدجتها هالة بحاجب مرفوع في عدم رضا، وهي في حالة لم تسمح لها بالرد أصلاً، لأن ذهنها مشغولاً بطريقة تفر بها من ياسر الذي كان من المنتظر أن يأتي في أي لحظة، كما قال لها في رسالته، وهي لا تطيق رؤيته مرة أخرى هذه الليلة فأعصابها على المحك.
أحس فريد بارتباكها من مراقبة انفعالات جسدها المتوتر، فأجاب بصوت رجولي ثابت:
متشكر.. هقدر أسوق.
تفاجأوا جميعاً، حالما دخل عدد من الممرضات والممرضين من باب طوارئ المستشفى، يركضون مع السرير المتحرك الذي يرقد عليه جسد رجل طويل وضخم البنية، غارقاً في دمائه.
رواية جوازة ابريل الفصل السادس 6 - بقلم نورهان محسن
بين الأحلام واليقظة، قصص عشق كثيرة، غرام موشوم على جدران الأعماق، خالد في العقل كخلود الأديان.
منها حكاية كان فيها وجع عميق لم يُنسى ولم يلتئم الجرح على الرغم من مرور السنوات.
ومنها حكاية قلوب كالأكؤوس إن أرادوا ملأوها حباً، لكنهم اختاروا أن يملأوها حقداً وطمعاً، وسيشرب كل منهم مما وضع.
ومنهم حكاية كتبت بحروف عشق ذهبي، فحافظت بالوفاء والصدق على سطورها الجميلة بالقلب على مدار الزمان.
أما بعد، الحكاية الرئيسية لها قلوب تكتبها الآن بصمت.
دعونا لا نفكر في النهاية، ونستمتع بتفاصيل حكايتهم التي بدأت للتو.
عند خالد
تراجعت لميس خطوة إلى الوراء، بعد أن تفاجئت بخالد خلفها، مما جعل الذعر يظهر على ملامحها.
لذا تكلم على الفور:
"آسف، ما قصدتش أخوفك."
ضاق خالد مقلتي عينيه، ملاحظاً خدودها تلمع نتيجة بللها من الدموع التي سقطت من عينيها لا إرادياً، وهي غارقة في التفكير.
فسألها بصوت رجولي يدل على الاهتمام والتعجب في نفس الوقت:
"هو انتي كنتي بتعيطي في حاجة ولا إيه؟"
رفعت لميس عينيها، لتنظر إليه في ذهول من علمه رغم أن المكان كان شبه مظلم حولهما.
ثم هزت رأسها بالنفي، وردت تكذب بلجلجة:
"لأ، دا أنا حسيت بشوية دوخة وقولت أخرج أشم هوا.. على الأغلب نزل ضغطي من الإرهاق."
وخزة عنيفة استهدفت قلبه، وغريزة خوفه عليها طغت على حواسه.
فقال بصوت مليء بالحزم الممزوج بالحنان وهو يقترب منها خطوة:
"طيب خلينا نروح نقيس ضغطك ونطمن أحسن."
عارضت لميس كلامه برعشة في جسدها حاولت السيطرة عليها، وهي تعض شفتها السفلى:
"مش مستاهلة، أنا كويسة دلوقتي."
عقص خالد أصابعه على بعض، وكبت رغبة دفعته إلى الإمساك بمعصمها، وسحبها إلى الداخل رغمًا عنها.
فارتفع صوته بشكل لا يمكنه السيطرة عليه، وهو يقول بانفعال وقلق:
"بلاش إهمال في الصحة.. انتي مش شايفة وشك مصفر إزاي ولا عايزة تقعي من طولك فجأة زي المسكينة اللي فوقت."
ذكّره لها بهذه الدخيلة على حياتهم، جعل قلبها يحترق بنار غريبة، أعمته عن رؤية القلق الحقيقي في حدقتي هذا الرجل العاشق لها.
ووجدت نفسها تسأله بنبرة حادة:
"انت ليه مكبر القصة؟ ومتعصب عليا ليه كدا؟"
قست تعابير وجهه، ودون أن يفكر مرتين أجابها بصوت عميق نابع من أعماق روحه، جعل قلبها المسكين يخفق بجنون:
"حقي أتعصب من خوفي على الناس اللي بحبهم."
***
لميس
استسلمت الخيبة إلى قلبه المشتاق بعد أن قطع صوت وسام تكملة كلامه، بعد أن نادت على لميس من داخل السيارة، تحثها على الحضور.
مما جعلها تلبي النداء بعد أن ظلت تحدق به مطولاً إلى خضراوتيه المذهلتين بنظراتهم العميقة، بأعين ضاقت من شدة ضوء مصابيح السيارة، وخفقاتها في تفاقم قبل أن تعي على نفسها، لتتحرك بسرعة.
وهو يتبعها بعينيه اللامعتين حتى رحلت تمامًا، وبقي شاردًا في أثرها.
***
في ذات الوقت
داخل المستشفى
عند هالة
تفاجئوا جميعًا، حالما دخل عدد من الممرضات والممرضين من باب طوارئ المستشفى، يركضون مع السرير المتحرك الذي يرقد عليه جسد رجل طويل وضخم البنية، غارقًا في دمائه.
هرولت هالة خلفهم، لتسأل بسرعة:
"إيه اللي حصله؟"
أجابتها الممرضة على الفور بصوت لاهث:
"واخد رصاصة يا دكتورة.. نزف كتير والنبض ضعيف."
هتف فريد بصوت قوي، فيما يركض إليهم:
"على العمليات حالا."
استرسل فريد مسرعًا، وهو يحث إحدى الممرضين على الركض أسرع بصوت آمر، مما جعل هالة تلتفت إليه بنظرات مليئة بالتعجب:
"بسرعة شوية.. استعجل يلا.. استعجلوا."
ازدادت دهشة هالة حالما كاد يدخل من باب العمليات، لكن إحدى الممرضات أوقفته وهي توشك على إغلاق الباب، وقالت بنبرة عملية:
"عفوًا يا أستاذ.. ممنوع دخول غرفة العمليات."
وضع فريد يده بسرعة على الباب قبل أن تغلقه، وسأل بجدية:
"هما في المستشفى دي بيمنعوا الدكاترة من دخول العمليات ولا إيه؟"
سرعان ما هتفت هالة بنفس الجدية بعد أن كانت تتابع هذا الحديث من الداخل باستغراب:
"بس انت مش دكتور."
دفع فريد الباب بقوة، ليدخل رغماً عن الممرضة، هو يرد عليها بصوته الواثق:
"الدكتور دكتور في أي مكان."
نظرت إليه هالة في ذهول، وهو يقترب منها بخطوات واسعة، ليستأنف كلامه بثبات:
"لو عايزة تنقذي حياة الراجل اللي جوا من الموت."
وقف فريد بجانبها، فأدارت رأسها إليه بترقب، ليشمل هيئتها الجميلة بعسليته الكهرمانية، وأضاف باستهزاء:
"اتعقمي وحصليني."
أدارت هالة جسدها، وتتبعته بسرعة دون أن تنطق بأي شيء، دون أن تعطي لنفسها فرصة للتفكير، فهذه حالة طارئة يجب أن تتعامل معها بحكمة وبأعصاب هادئة، حتى تسيطر على الوضع مهما كان كما تعلمت.
***
عند باسم
في كافيتريا المستشفى
يجلس باسم مرتاحًا قبالتها، وهي صامتة، تحدق به تارة، وتارة أخرى تحدق في فنجان قهوتها الذي لا يزال بخاره المنعش يتصاعد حولها، لكن في داخلها لا تشتهيه بسبب اضطرابها.
"هنفضل نبص لبعض كتير!!"
قال باسم بتعجب بارد، مع رفع فنجان قهوته إلى شفته، وهو يرتشف منها فاستطيب مذاقه، وفي نفس الوقت كان منتبه لحالتها المتوترة بسبب نقرها المستمر على سطح الطاولة.
فأضاف سؤالاً، لكي يفتح المجال لها:
"كنتي عايزة تقولي إيه يا ريهام؟"
وضعت ريهام يدها في حجرها، وتململت بتوتر في مقعدها، ثم سألته بهدوء بذلت قصارى جهدها، لتظهر عليه:
"عايزة أفهم إيه خلاك تعمل اللي عملته؟"
"وإنا عملت إيه؟"
سألها باسم سؤالاً مماثلاً، وهو يقطب بين حاجبيه بتركيز، بعد أن وضع كوبه على الطاولة:
"كلمي دغري بلاش أسلوب المراوغة بتاعك ده."
اتسعت عيناها بصدمة، وهي تشير نحو قلبها الهادر بقوة، وسألت بصوت متعجب:
"أنا اللي براوغ؟"
تابعت ريهام تتساءل، وهي تبتسم بعصبية يشوبها السخرية:
"ماتستهونش بعقلي يا باسم.. منين كنت هتخطب البت الموديل اللي كنت ماشي معاها.. ودلوقتي فجأة بتتقدم لأختي.. إمتى عرفتوا بعض أصلاً؟"
"ده السؤال اللي قولتي المقدمة دي كلها عشان توصلي له؟"
رد باسم ساخراً، بابتسامة ظهرت على جانب فمه بخبث منتصر بعد أن جعلها تعترف بما أرادت قوله منذ لحظة جلوسهما.
رفع باسم حاجبيه للأعلى، واستطرد قولاً بنفس السخرية:
"كنت متأكد إن محروق دمك عشان في تفصيلة عني عدت من تحت إيديكي."
لمع الغيظ في عينيها بشدة، إذ فهمت محاولاته الخبيثة للنيل من ثقتها في التحدث، فأومأت برأسها وأكدت كلامها السابق بصوتها الأنثوي الناعم:
"وأنا متأكدة من اللي بقوله.. لأ هي عمرها جابت سيرتك ولا أنت عمرك ما اتكلمت عنها.. ماتجيش تعمل المسلسل الهندي ده.. ومنتظر إني أصدقك بالبساطة دي يا باسم الكل لو دخل عليه."
قاطع باسم فمه، وهو يستمع إلى حديثها، ثم قال لها بجدية رغم هدوء لهجته:
"اللي استهون بالتاني كان إنتي.. افتكرتي بغباء إنك تقدري تقتحمي حياتي بالساهل كده وفي أي وقت."
أضاف باسم بتهكم فظ غلف نبرته مع تعابير وجهه:
"مش معني إني كنت بتسلى شوية.. وسيبتك عايشة في جو العميلة السرية الخايبة بتاعك ده اللي بتخطط وتراقب وتتجسس على مكالماتي وعلاقاتي.. إنك تتخيلي بالسذاجة دي إن خلاص بقيتي عارفة عني اللي محدش يعرفه."
ازدادت عصبية ريهام، واشتعلت عيناها الزرقاوان بلهب حاد من ثقته المفرطة في نفسه، فضلاً عن أسلوبه الاستفزازي القادر على إصابة أعتى الرجال بالجنون.
من هي لتصدم أمامه؟
خرجت الكلمات من فمها بشكل اندفاعي غير محسوب عندما سألته:
"تقصد إيه يعني؟ كنتوا تعرفوا بعض من زمان وبتخدعونا كلنا بما فينا خطيبها.. عشان كده كنت رافض رجوعنا."
***
عند عز
حبس أنفاسه بصدمة فور أن لاحظها شاحبة الملامح وحبيبات العرق الباردة على جبهتها، فاحتوى جسدها الساكن على صدره، وهو يضرب على وجهها بأصابعه، مع مسحه على جبهتها بيده الأخرى عدة مرات.
وارتعش بدنه من القلق، وهو يحاول إيقاظها دون استجابة منها، ليهتف بصوت مترجّي، وهو على وشك الانهيار:
"مني جرالك إيه بس يا حبيبتي.. ماتوقعيش قلبي بقى عشان خاطري ردي عليا!!"
أخفض عز بصره، وهو يضيقهما في عدم استيعاب على قنينة عقار، لأحد الأدوية ملقاة تحت جسدها، وكانت هناك عدة حبوب بسيطة متناثرة حولها، لتحظ عيناه من الهلع، ودقات قلبه تجاوزت المعدل الطبيعي من شدة خوفه.
نظر عز إلى وجهها بفم مفتوحًا، وهو يكذب هذا الهاجس الذي طرق في عقله، أنها لن تفعل هذا الشيء بنفسها.
ولا شعورياً صرخ باسمها بصوت مذعور بينما يهزها بقوة:
"مـنـي!!"
انحنى عز فوقها بعد أن مددها على الأرضية، ليفحص نبضها، فوجد أنه ضعيف جدًا، بالكاد يسمع.
وبسحابة كثيفة من الكلمات تغشي عينيه أخرج هاتفه من جيب بنطاله، ثم نقر على عدة أرقام بأصابع مرتعشة، وهو يحدق فيها بينما قلبه يرتجف من الرعب داخل قفصه الصدري، ليردد بخوف:
"عملتي إيه في روحك يا مجنونة."
هتف بصوت مهتز مليء بالرعب، بمجرد أن أجابه الطرف الآخر على الهاتف:
"أيوه لو سمحت عايز عربية إسعاف بسرعة.. العنوان.. العنوان."
تابع عز يخبره بالعنوان، قائلاً بعجالة:
"بسرعة بسرعة الله يخليك."
رمى الهاتف من يده وهو يجذب شعره بتوتر شديد، ثم أحاطها بذراعه ليقربها منه.
ابتلع غصة مريرة في حلقه، والدموع تنهمر على خديه، وهو يشعر بالعجز التام، ليتساءل بصوت خافت بجنون كأنه بداخل كابوس:
"ليه؟ ليه تعملي كده في نفسك.. لــيــــه؟"
صرخ بكل صوته في الكلمة الأخيرة بانهيار قبل أن تتدحرج نظراته على فستانها الذي كانت ترتديه في الحفلة، مستلقياً بجانبها، ممزقاً تماماً بالمقص.
تشكلت الإجابة على سؤاله على الفور في ذهنه، وجسده كله ارتجف بعنف، كما لو أنه تعرض لصدمة كهربائية، وتردد في ذهنه بمرارة وندم ساحق، أنه هو الذي أوصلها إلى تلك الحالة، أو بالأحرى، الغيرة في الحب مثل الماء للورد، القليل ينعشه، لكن الكثير يقتله.
***
عند باسم
تملكت منه حالة من الغضب، وهو يستمع إلى كلامها الأحمق الذي يسيء إلى أختها.
إلا أنه رد عليها بصوت هادئ لا يخلو من حدة، مع الحفاظ على رباطة جأشه:
"الزمي حدودك يا ريهام.. بس هقولك إيه يعني! حتى مش مستغرب إنك بتقولي كده على أختك."
عبست ملامحها، وساد الصمت من الجانبين للحظات قبل أن يبادر باسم ليقطعه، مضيفاً بجدية وهو ينظر في عينيها:
"خلينا نتكلم على المكشوف يا ريهام.. اللي كانت بتخدع اللي حواليها هو انتي وأهلك.. هو مش برده كنتوا عايزين تجوزوها لواحد متجوز من غير ما تعرفوها عشان شوية المصالح اللي بينكم وبينه؟"
جالت الصدمة على ملامحها بوضوح أمام عينيه الرماديتين، فابتلعت لعابها بصعوبة، وسألت بصوت خافت:
"انت منين جبت الكلام ده؟"
تطلع باسم بها للحظات معدودة قبل أن يهز كتفيه بلا مبالاة، وتمتم ببرود غامض:
"مش مهم.. هتفرق في إيه؟"
زمّت ريهام شفتيها بغضب، واحتد تنفسها، وتحدثت بنبرة حادة واضحة، رغم انخفاض صوتها:
"باسم.. انت لو فاكرني هسكت على اللي بتعمله تبقى غلطان.. أنا لأ هخليك تلعب بأختي ولا هسمحلك تخليني مجرد نزوة في حياتك وإبريل هعرفها حقيقتك."
استقر باسم بعينيه عليها مباشرة، ومال بجذعه إلى الأمام، وأسند مرفقيه على الطاولة، ثم شبك أصابعه ببعضها، ليتحدث بتأنٍ:
"دور الأخت الكبيرة اللي خايفة على أختها من الراجل الشر ده مش لايق عليكي يا ريهام.. وإنتي حتى ماحصلتيش نزوة في حياتي عشان لأ كان في حاجة بينا ولا هيكون في يوم.. ده أول هام."
حدق باسم في محتوى الفنجان على الطاولة، ثم رفع عينيه إليها وأكمل حديثه بعد وهلة صمت:
"ولو عايزة تقولي لها حاجة.. ممكن تحكيلها مثلاً عن اللي كنتي بتعمليه معايا.. مثلاً مجيتك لحد بيتي وترمي نفسك عليا بكل سهولة.. وعشان يكون عندك إثبات لكلامك مستعد أجيبلك فيديو وإنتي داخلة للعمارة وإنتي طالعة لي وتوريهولها ساعتها هتصدقك بس."
أصابها الارتباك من علمها مقصده، وتوالت الضربات من مطرقته القاسية فوق رأسها، وهو يقترب أكثر من خلال الطاولة، مما جعلها تحبس أنفاسها تلقائياً داخل قفصها الصدري ترقباً، بينما يهسهس بصوت جاف ومخارج حروفه واضحة، تزلزل أركان قلبها جراءها رعباً وهولاً:
"بس قولي هيكون شكلك إيه قدامها وقدام أهلك؟ وقتها هتطلعي خسرانة سمعتك وكرامتك ومش بعيد طليقك ياخد ابنك منك."
أشاحت ريهام وجهها المحمر عنه، بعد أن اختفت قوتها الواهية التي كانت تتشبث بها أمامه، قبل أن تنظر إليه مرة أخرى، لتسأله بمرارة تغطي على صوتها المصدوم، وتشعر بآلام تهاجم ثنايا صدرها:
"معقولة بقيت بتكرهني أوي كده؟ لدرجة إنك عايز تردلي القلم بتاع زمان بالقسوة والجحود ده؟"
نظر باسم إليها بوجه غير مقروء تعابير وجهه قبل أن يعتدل في مقعده، ليخبرها بصوت هادئ صادق:
"بالعكس أنا مش بكرهك ولا في نيتي حاجة تضرك."
تجمعت الدموع في مقلتيها، وهي تعقد ذراعيها على صدرها، وتكمل بقية جملته بدلاً عنه:
"بس كمان بطلت تحبني مش ده اللي هتقوله؟"
نظر باسم إليها طويلاً، وكأنه يرتب كلماته التالية في ذهنه أولاً، قبل أن يأتيها رده بثبات:
"اللي كنت حاسه نحيتك ما كانش هو الحب يا ريهام.. كانت مشاعر مش ناضجة.. والكلام في الماضي مش هيفيد.. وأنا اللي بقولك كفاية نضايق في بعض أكتر من كده.. إحنا مهما كان هيبقى في بينا نسب وهبقى جوز أختك."
قال كلماته الأخيرة مشدداً على كل حرف للتأكد من فهمها الكامل لحديثه، لكنها كانت تنظر إليه بملامح غامضة غير مقروءة، ولم يدرك أنه مزق كبرياء الأنثى داخلها، وكأنه يضعها في وسط النار، ويطلب منها أن تتنفس بعمق لدرجة الموت والاختناق، وهذا ما زادها غضباً وحقداً أكثر فأكثر.
***
عند صلاح
في السيارة أمام الفيلا
لكن صلاح ركن سيارته جانباً أمام مدخل الفيلا، ولم يطفئ محركاتها، فأدارت وسام رأسها متسائلة:
"انت مش هتنزل معانا يا صلاح؟"
أجاب صلاح بعد وهلةٍ من الصمت:
"لأ يا حبيبتي.. أنا راجع على المستشفى."
أفاقت لميس من شرودها، فتحدثت بسرعة من المقعد الخلفي، حيث لم تعد تحتمل الجلوس معه في مكان واحد أكثر، إذ تستشعر بغريزتها الأنثوية أنه يكذب ويخدع تلك المرأة الطيبة:
"طب أنا هسبقكم.. يلا تصبحوا على خير."
أومأت وسام لها بالموافقة، قائلة بهدوء:
"وإنتي من أهله يا قلبي."
"راجع هناك ليه؟"
"هكلم مع ابنك وأشوف هحل المشكلة اللي وقعنا فيها دي إزاي؟"
"ما أنا فهمتك الحكاية عاملة إزاي.. هي بلسانها قالت إنها فسخت خطوبتها من مصطفى قدام أهلها."
سألها صلاح مستفسراً:
"إنتي سمعتي من أهل مصطفى إنه سابها يعني؟"
هزت رأسها بالسلب، متحدثة بتخمين عقلاني:
"لأ.. بس جايز متكتمين على الموضوع.. واعتقد مش كتير يعرفوا بموضوع خطوبتها منه إلا القريبين.. شوف هما أحرار.. بس بصراحة تصرف مصطفى ده أبداً معجبنيش.. إزاي يخطب واحدة ويخبي عليها إنه متجوز.. إيه العك ده؟"
رد صلاح بصوت منفعل:
"مش ده موضوعنا يا وسام.. اللي حصل ده ممكن يخسرنا علاقتنا بالناس.. كان لازم باسم قبل ما يتصرف من دماغه يدينا خبر إيه شغل المفاجآت بتاعه ده!!"
أومأت بالإيجاب، لتقول بصوت هادئ:
"في دي معاك حق.. بس من فضلك يا صلاح ما تدخلش البيزنس بتاعكم في الأمور الشخصية.. أنا حاسة إن باسم معجب بجد بالبنت دي.. انت ماشوفتش إزاي كان ملهوف عليها؟"
اقتربت وسام منه أكثر، وبنبرة صوت لينة حاولت إقناعه، وهي تربت على كفه:
"عشان خاطري يا صلاح."
رد صلاح عليها بابتسامة، وهو يرفع يدها إلى مستوى فمه ويقبلها بلطف، ويوافقها بهدوء:
"طيب يا عمري.. بس خليني أروح أشوفه وبعدين نفكر هنعمل إيه؟"
"على راحتك حبيبي."
***
عند أبريل
في غرفة العناية
كانت أبريل مستلقية على السرير الأبيض مغمضة عينيها، ومن يراها من بعيد يظن أنها لا تشعر بأي شيء حولها.
لكن الحقيقة هي أنها في عالمها الخاص كانت تصارع عقلها الذي لا يتوقف عن التفكير.
إذ رأت أبريل نفسها في أرض واسعة، وهناك الكثير من الناس يحيطون بها كالدائرة، وكانت واقفة في المنتصف تستمع إلى أحاديثهم بنفس واحد بعقل مرتبك حائر.
استطاعت أبريل تمييز صوت والدها الذي من المفترض أن يكون أقرب شخص إليها، وهو يقول بصوت قوي:
"هو لعب عيال ولا فاكرة نفسك مالكيش كبير.. يعني تسيبي تفسخي خطوبتك من غير موافقتي؟"
أدارت أبريل رأسها، حالما سمعت صوت أنثى ناعم يردد:
"أنا حنين.. أبقى مرات مصطفى الترابلسي.. خطيبك."
سرعان ما تحدثت ريهام بصوت عالٍ، مما جعل إبريل تنظر إليها:
"دي واحدة غيرانة منك وعايزة تبوظ فرحتك."
ردت حنين بصوت منتحب:
"مش عايزة بيتي يتخرب مش عايزة بناتي يتربوا بعد عن أبوهم ولا بعيد عني."
جاءها صوت وسام تخبرها بتحذير:
"ما تصدقيهاش يا أبريل دي استغلت فرصة غيابه عشان تيجي وتقهرك."
صاح فهمي بصوت غاضب يملأه النقمة:
"اسمعي يا بنت إلهام فرحك بعد كام يوم.. ولا عايزة تصغري عريسك وتفضحين اكلنا قدام الناس."
"اخرسوا.. كفاية."
صرخت أبريل منهارة، تهز رأسها بالرفض وهي تركع على الأرض، تغطي أذنيها بكلتا يديها، لتحاول منع أصواتهما من التسلل إليها، فلا فائدة من الوقوف بشموخ إذا كانت الروح جاثية على ركبتيها.
بعد لحظات قصيرة، فوجئت بكفين فوق يديها، رفعت رأسها ببطء، وامتلأت عيناها بالدموع حالما رأت وجه جدها البشوش، وانحدرت العبرات على خديها شوقاً إليه قبل أن تهمس بصوتٍ مكسورٍ مذعورٍ باكٍ:
"جدي.. ماتسيبنيش هنا.. أنا محتاجالك.. أنا اتأذيت منهم كلهم يا جدي.. خلاص مابقتش عايزة أفضل في الدنيا دي بعد كده.. أنا تعبت.. أنا خايفة ووحيدة يا جدي وسطهم.. خليك معايا عشان خاطري أو خدني معاك عشان خاطري."
رد عليها بصوته الحنون دون أن يخلو من الحزم:
"اللي انتي بتعمليه هو الغلط.. الهروب جبن وأنا مربيتش جبانة.. واجهي يا أبريل وإلا هيفضلوا يطاردوكي زي الأشباح.. خدي حقك.. وماتسمحيش لحد يأذيكي."
"قومي على حيلك."
قالها الجد، وهو يساعدها على الوقوف مرة أخرى، قبل أن يرفع بكلتا يديه وجهها المملوء بالدموع، ليمسحهم بإبهامه بحنان، ثم ظهرت البسمة على وجهه الطيب، ليقول بحنو مفعم بالجدية ملأ خلاياها بالقوة:
"اقفي قدام أي حد بثبات يا أبريل.. ماتنزليش عينك في الأرض.. عشان محدش كسرها ولا حد يقدر إلا إذا انتي سمحتيله.. خليكي دايما صلبة طولك.. وخليهم هما مايقادروش يحطوا عينهم في عينك.. اخرسيهم.. وماترضيش بقليلك اللي يرضى بقليله بيعيش ويموت محدش فاكره.. ولا بيعملوا له قيمة والكل بيدوسه من غير رحمة."
ساد حولهم الصمت تستوعب كلماته، ولم تكد ترد حتى تشوشت صورته أمام بصرها، واختفى تماماً كهواء.
***
خلال ذلك الوقت
أبريل بجسد مسطح في صمت، قامت بتحريك جفنيها المغمضين قبل أن تفتحهما بصعوبة، وظهرت فيروزيتها المليئة بدموع من خلف ستار محفوف بالرموش، لترفرف بهم، وهي تشعر أن هناك ثقلاً كالجبال فوقها، وكأنها نامت دهرًا، وليس ساعات قليلة فقط.
ظلت نظراتها ساكنة لعدة لحظات، وهي تتذكر تفاصيل حلمها ورؤية جدها الحبيب، وتمنت لو كانت محظوظة بما يكفي للبقاء معه لفترة أطول قبل أن يغادر بسلام كما جاء، ففي الكثير من الأحيان، عندما يأتي الفراق، يتمنى القلب أن تتجمد اللحظة حتى لا يودع من يحب، فالفراق قطعة من الجحيم تجعل النفس تشعر بالغربة والضياع.
شعرت أبريل بألم حارق في يدها اليمنى، مما جعل عينيها تتجهان نحوها، رفعت كفها ببطء لترى الإبرة تخترق وريدها، وتتصل بمحلول معلق أعلى السرير، وقبل أن ترفع ذراعها اليسرى، ولمست بأطراف أصابعها أنبوب التنفس الرفيع الذي تم تركيبه داخل فتحتي أنفها، ليساعدها على إيصال الأكسجين بسلاسة إلى رئتيها، وبالإرهاق ضغطت بإصبعها على جرس الإنذار الصغير بجوار الفراش.
مرت لحظات قليلة حتى استجابت الممرضة للنداء، ودلفت إليها قبل أن تتقدم منها، وهي تبتسم لتقول بلطافة:
"الحمدلله على سلامتك."
صدرت عن أبريل إيماءة صامتة، قبل أن تتجعد جبهتها بخطوط الغضب، حالما ظهر وميض مثل شريط سينمائي للمجموعة الأخيرة من أحداث الليلة الماضية، والذي مر فجأة في ذاكرتها بوتيرة سريعة، ما إن أدارت رأسها والتقت فيروزيتها برماديتيه، وكان قد أتى مؤخراً مع ريهام من الكافتيريا، ليروا يوسف واقفاً أمام زجاج غرفة العناية قبل أن يخبرهم أنها استعادت وعيها، وأنهم سينقلونها إلى غرفة عادية خلال فترة قصيرة، مما جعلهم يقفون، وينظرون إليها بمشاعر مختلفة غمرتهم.
لم تستطع أبريل حبس دموعها أكثر، فقد انزلقت واحدة تلو الأخرى مبللة الوسادة، وهي تتذكر ما فعله بها هذا الشخص الحقير الذي يقف بكل برود وثقة بعد أن كان سبباً في وصولها إلى هذا المكان، وهي لا تدري أن نظراتها الكارهة له، بمثابة طعنة في قلبه فعلت به الأفاعيل، وعيناها من بعيد تديران المعركة بكل قوتها، دون عدالة أو رحمة.
أغمضت أبريل عينيها بضيق شديد، وهي تدير رأسها إلى الجانب الآخر، فرؤيته شيء لم تستطع تحمله في الوقت الحاضر.
***
بعد مرور فترة وجيزة
توقفت سيارة باهظة الثمن أمام الفناء الخارجي للمنزل، ثم ترجل منها فسقط ظله الطويل على الأرض، وسار عدة خطوات متوازنة حتى وصل إلى الدرج المؤدي إلى باب الفيلا، لكن بدلاً من الصعود، انحرف إلى اليمين، وأحنى ظهره، ليجلس على عقبيه أمام حوض الزرع.
مد أصابعه، وفتش فيه بخفة حتى أخرج المفتاح، ونظفه بمنديل، ثم مسح كفه به من آثار الطين، وبدأ يصعد الدرج بخفة.
دخل المنزل بعد دقيقة، تقدم إلى الأمام، وهو يبحث عنها بعينيه، فلم يجد أحداً، فواصل سيره بخطوات تشير إلى أنه يعرف كل شبر وركن من هذا المكان.
صعد إلى الطابق العلوي، وفتح باب غرفة النوم، فجاءت عيناه عليها، وهي مستلقية على السرير تشاهد التلفاز، قبل أن تدير رأسها في اتجاهه فور دخوله بنظرة مذهولة، سرعان ما أخفتها وهي تنظر إلى الأمام، وتسأل ببرود:
"إيه اللي جابك يا صلاح؟"
اقترب صلاح من دعاء، يستشعر غضبها الرقيق، ثم توقف أمام السرير، يتأملها بعينين شاردتين، يغطي جسدها شبه العاري ملاءة خفيفة.
دعاء غلبها فضولها، فرفعت بصرها نحوه، لترى عينيه الحادتين تلتهمان تفاصيلها الساحرة، وصولاً إلى عينيها التي عاتبته بصمت.
رواية جوازة ابريل الفصل السابع 7 - بقلم نورهان محسن
في المستشفى داخل العناية المشددة
أغمضت أبريل عينيها بضيق شديد، وهي تدير رأسها إلى الجانب الآخر، فرؤيته شيء لم تستطع تحمله في الوقت الحاضر.
نظرت إلى الممرضة بتشوش وعدم تركيز، قبل أن تسأل بنبرة ضعيفة مشوبة بسعال خفيف: "إيه اللي حصلي؟"
الممرضة بنبرة لطيفة: "جاتلك أزمة ربو شديدة والحمدلله جابوكي في الوقت المناسب، وحاليًا أنتي بخير بس..."
أشارت بطرف عينيها نحو النافذة الزجاجية للغرفة، وسألت بجفاء: "دول بيعملوا إيه هنا؟"
التفتت الممرضة نصف استدارة للخلف، مقطبة حاجبيها، قبل أن تبتسم وهي تروي بثرثرة: "أيوه أهل حضرتك يا آنسة، كانوا مستنيين يطمنوا عليكي.. ربنا يخليهم ليكي.. الحقيقة كانوا عاملين قلق كبير قدام العناية من شوية من خوفهم عليكي."
لم تبد أبريل أدنى اهتمام بما قالته، وهي تنظر إلى سقف الغرفة في صمت. ظنت الممرضة أنها متعبة، فتحدثت بهدوء: "هسيبك تستريحي شوية.. وأنا هخرج لهم أطمنهم عليكي.. لحد ما ننقلك أوضة عادية بعد شوية."
عند صلاح
دعاء غلبها فضولها، فرفعت بصرها نحوه، لترى عينيه الحادتين تلتهمان تفاصيلها الساحرة، وصولاً إلى عينيها التي عاتبته بصمت.
أجاب صلاح على سؤالها بكل صراحة، وهو يشرف عليها بجسده مقبلاً قمة رأسها: "شوقي اللي جابني ليكي."
أنهى صلاح جملته بصوت ذكوري مثير، وهو يجلس بجانبها على السرير، مما جعل قلبها يخفق بقوة داخل ضلوعها بسبب تلهفها له. لكنها قاومت بعناد مشاعرها المتيمة به، لتتسلح بدرع السخرية الذي مزجته بسؤالها المشوب بالغيرة: "وإيه الاختراع اللي اخترعته عليها المرة دي عشان تقدر تسيب حضنها وتجيني متسحب زي الحرامية؟!"
استمع لها صلاح بشرود ذهن، وعيناه تدحرجان بإفتتان على الفتحة الواسعة جدًا لقميص النوم الحريري، الذي كشف عن جزء كبير من مقدمة صدرها، قبل أن يحمحم بخشونة، محاولًا التركيز بعد أن نظر إليها مرة أخرى وهو يقول كلماته التبريرية: "دعاء.. حبيبتي ليه بتعامليني كده وإيه لازمة الكلام ده؟"
وجد منها نظرات عدم رضا، لكنه قابلها بنظرات لينة قبل أن يقبل وجنتيها بلطف اعتذارًا، مواصلاً سلسلة اعتذاراته التي لا تنتهي، وكانت هذه طريقته في إرضائها بسبب إهماله الدائم لحقوقها عليه: "أنا عارف إنك زعلانة مني.. بس أنا مقدرتش أعدي الليلة وإحنا متخانقين، جيتلك مخصوص عشان أصالحك، خلاص سامحيني."
قرأت دعاء الاستعطاف على ملامحه، فلم تستطع إخفاء مشاعرها تجاهه، إذ تنفلت رغماً عنها أمامه، ويرق قلبها إليه سريعاً، فقالت بتنهيدة عميقة تدل على يأسها وضعفها أمام نفسها: "عايزني أقولك إيه ها؟ مشكلتي معاك هي هي، ما بتتغيرش. فات أكتر من تلاتين سنة دلوقتي وأنا مبعملش حاجة غير إني بسامحك وعايشة أحبك يا صلاح وعاجزة أبعد عنك."
سحبها صلاح من ذراعها نحوه، وأحاط خصرها بذراعيه القويتين، وضمها بينهما، وقبل رأسها كاعتذار ثان، وهمس بملكية بالقرب من أذنها: "ومش هسمحلك مهما يحصل بينا تبعدي عني."
ضمها إليه بحنان أكثر، فتمسكت به بشدة كما لو أنها تخشى أن يتبخر من بين يديها، وأخذت تشبع روحها برائحة من أحبته وعشقته حد الجنون والمجون، بينما عيناها تقطران بالدموع لا إرادياً من شدة الألم الذي يمزق صدرها من فكرة خسارة وجوده في يوم. لذا كانت متفاعلة مع قبلاته الملحة وهمساته المعسولة بطريقة ملتهبة مليئة بالشغف واللهفة، وكأن حياتها تعتمد على هذا.
ولعل السبب في ذلك هو طبيعة علاقتهما التي يغلفها العشق الممنوع والسرية التامة، مما يجعلهما يندفعان تجاه بعضهما البعض رغماً عنهما في شوق عارم كلما اختليا ببعضهما.
في ممر المستشفى
خرجت الممرضة من إحدى الغرف، تحديداً التي كان الجميع يقف أمامها، وقالت بنبرة عملية: "تقدروا تدخلوا.. بس لو سمحتوا ماتجهدوش المريضة.. عن إذنكم."
دخل كل من ريهام ويوسف على الفور، وعندما تحرك باسم للانضمام إليهم، أوقفه خالد وخاطبه بخفوت: "أجلها شوية يا باسم."
رفع باسم حاجبه إلى الأعلى بدهشة جالت على ملامحه، متحدثاً بأسلوبه الساخر، الذي يختبئ وراءه رغبة قلقة لا تزال كامنة في روحه المهشمة، حتى يطمئن أنها بخير: "هبص عليها بس مش هاكلها يعني."
خالد بتحذير: "الأحسن ليك ماتدخلش.. ولا ماشوفتش أول ما فتحت عينيها بصتلك إزاي.. ولا نظراتها ليك من دقيقة.. شكلك مهبب معاها مصيبة.. ماتعقدش الموضوع أكتر من كده."
لوح باسم بيده نافخاً الهواء بسأم: "يوووه."
"معلش اسمع مني، خليها مع أخواتها دلوقتي.. وتعالى نقعد في الكافيتريا لحد ما أعصابها تهدى."
وضع باسم إحدى يديه على خصره، وهو يفرك ذقنه بيده الأخرى بطريقة عصبية، قبل أن يعترض بنبرة ساخطة غلفت صوته الرجولي الجذاب: "مش رايح كافيتريات.. خلاص هروح أعمل كام مشوار لحد ما سموها تهدى."
حرك خالد رأسه بإشارة تشير دعمه بهذه الكلمات، قائلاً بإرهاق: "يكون أحسن. وأنا خليني أروح أنام عشان خلاص بسقط مش شايف قدامي."
أومأ باسم له بعينه، ثم تحرك يمشي معه محاولاً تجاهل نبض قلبه المضطرب، إذ يشعر بالخوف من رد فعلها ورفضها لمقابلته بعد ما فعله. ورغم نفاد صبره الدائم، إلا أنه أقنع نفسه أنه لن يخسر شيئاً بانتظارها حتى تصبح مستعدة للحديث معه بهدوء، والأهم أنه مطمئن على أن حالتها استقرت.
لكن كان داخله شعور بالغضب تجاهها، لأنها جعلته يعاني من آلام نفسية قديمة تجددت في هذه الليلة الرهيبة. وهكذا أخذ يبرر لنفسه معنى المشاعر المتضاربة بداخله.
في غرفة أبريل
داخل المستشفى
"خليني أعدلهالك."
نطق بها يوسف، وهو يعدل بسرعة الوسادة خلف ظهر أبريل حتى تتمكن من الجلوس بشكل مريح: "مرتاحة كده يا أبريل.. تحبيني أساعدك في حاجة، أعملك حاجة؟"
هزت أبريل رأسها بالرفض قائلة بنبرة مقتضبة ومنخفضة وهي تتجنب النظر إليه: "أنا كويسة.. شكرًا.. تقدروا تروحوا، مفيش داعي تقعدوا، أنا بقيت كويسة."
اعترض يوسف، قائلاً لها بإصرار حنون، وهو يربت على كفها: "لا، هفضل معاكي ومش هتحرك لحد ما نخرج من هنا مع بعض يا حبيبتي."
سحبت كفها البارد من تحت يده الدافئة دليلاً على رفضها لأي لمسة منه، مما جعله يشعر بالحزن والذنب أكثر. رفعت رأسها، ورمقته بنظرة حادة مرددة بإصرار: "وأنا قولت مفيش داعي."
ضيقت ريهام عينيها بعدم رضا على طريقة أبريل الجافة، وسألت بدهشة مختلطة بالقهر منها على ما حدث الليلة: "مالك يا أبريل.. حساكي قافشة علينا وشكلك واخدة موقف مننا.. على فكرة أنا ويوسف مالناش أي دخل في حاجة."
أنهى يوسف النقاش قبل أن يحتدم حينما قال بصوت هادئ: "ريهام، خلاص روحي انتي.. أنا هستنى معاها."
استمعت أبريل إلى كلامه الذي أساءت فهمه، مما أثار حالة من الغضب سيطرت عليها، وسخرت تسأل بصوت محتدم: "إيه!! خايفين عليا وخايفين أهرب؟!"
رفعت ريهام حاجبيها باستنكار وردها، ولمع الذهول في عيون يوسف، وهو ينظر إلى ريهام محذراً إياها من الرد. ولأن دورها في حياة أختها سلبي، فهي لا تهتم مطلقاً بما يتعلق بأمورها، تمالكت أعصابها بصعوبة بسبب استفزاز أبريل لهم، لتقول بانزعاج مشوب بالبرود: "لأ، انتي باين أعصابك تعبانة قوي ومحتاجة وقت تهدّي وتستريحي.. عموماً، أنا هروح وهجيلك بكرة أطمن عليكي تكوني روقتي.. يلا سلام."
"أبريل اا..."
قطعت أبريل بقية عبارته، وهي تدير رأسها إلى الجانب الآخر قائلة في همس مرتجف: "يا ريت تسيبني أنام لأني فعلاً مرهقة قوي.. ولا حتى دي مش من حقي كمان؟"
سارع يوسف بالقول: "مقصتش.."
صمت يوسف فجأة عندما رأى التعب واضحاً على وجهها، فأردف مع تنهد: "طيب، على راحتك.. أنا جنبك هنا لو احتاجتي حاجة."
أغمضت أبريل عينيها بضعف بعد زوال القوة الواهية التي كانت تتسلح بها، لأنها خائفة ولا تشعر بأي أمان، مثل قطة مذعورة تاهت من أمها في شارع واسع، مما جعلها عرضة للإيذاء من كل الكائنات الحية الأخرى.
جلس يوسف على الأريكة متعباً، وسرعان ما نام من شدة إرهاقه.
بعد مرور عدة ساعات
في المنصورة
داخل منزل تحية
قطع رنين الهاتف تحية عن مواصلة قراءة القرآن بخشوع. أغلقت المصحف، وأنزلت النظارة الطبية من عينيها الفيروزيتين اللتين لم تخفت إشراقهما رغم مرور الزمن، لتستقر على صدرها وهي ترد بصوت هادئ.
"السلام عليكم."
"الحجة تحية معايا؟!"
"أيوه أنا.. انتي مين يا بنتي؟"
"اسمي تقي بنت الست خديجة اللي بتشتغل عند أبو الآنسة أبريل."
"أبريل.. مالها؟ هي كويسة؟ حصلها إيه؟ ومابتردش عليا ليه من إمبارح؟"
"اهدّي يا حجة.. أنا كنت واخدة رقمك من عند أبريل، ماعرفتش أتصل بحضرتك غير دلوقتي عشان في حاجة مهمة لازم تعرفوها."
"قوليلي بنتي جرالها حاجة؟!"
في منزل دعاء
مرت الساعات التالية في أجواء حميمة جمعتهما كالعادة، يسرقوها خلسة من الزمن، حتى يروا عطش شوقهم الغامر ببعضهما، وهو يحتويها شغفاً وتلهفاً إليها، وهي غارقة بين أحضانه في الدفء.
انكسرت هالة العشق التي كانت تحيط بهم، بسبب رنين هاتف دعاء، لتنهض ببطء، ووضعت يدها على مقدمة صدرها، تمنع الملاءة الذي تغطيها من الانزلاق. فسألها صلاح بسرعة متعجباً: "مين هيكون بيتصل في الساعة دي؟"
أجابته دعاء بلهث: "دا عز.. أكيد في حاجة؟!"
"ردي.. مستنية إيه؟!"
أومأت دعاء له قائلة قلقاً وتحذيراً: "ط.. طيب.. طيب.. ماتتكلمش."
استلقت دعاء المكالمة، ووضعت الهاتف على أذنها، قائلة بصوت مرتعش، حاولت أن تجعل الأمر طبيعياً قدر الإمكان: "آآ.. أيوه يا عز.. اهدا.. اهدا عشان أفهم؟!"
عقدت دعاء جبهتها غير مصدقة، وقالت شاهقة بفزع: "بتقول إيه!! انتحرت إزاي دي.. وحصل إمتى دا؟"
سلط صلاح نظره إليها باهتمام، وانجذب للحديث، فيما أمالت دعاء بجسدها إلى الأمام قليلاً بسرعة، والتقطت قميص صلاح الذي كان أقرب ما وصلت إليه يدها وارتدته بإهمال، وهي تقول على عجل: "حاضر.. حاضر.. جيالك على طول.. مسافة السكة بس وهبقى عندك."
رمى صلاح بسؤاله الحائر: "فيه إيه؟"
ردت دعاء بتلعثم من فرط اضطرابها، دون أن تنظر إليه بعد أن قامت من السرير، ووقفت أمام خزانة الملابس، تبحث عما سترتديه دون تركيز: "مرات عز دخلوها العمليات.. بيقولوا انتحرت.. لازم نروحله بسرعة."
استدارت دعاء، ورمت الملابس على السرير، ونظرت إليه ورفعت حاجبيها معبرة عن استهجانها من لامبالاته وسألته بشك: "انت جاي مش كده؟!"
أجاب صلاح بنظرة حذرة على سؤالها: "هاجي طبعاً بس.."
نظرة التردد في عينيه تعلمها جيداً، بينما لاحظت الارتباك الذي ظهر على وجهه، مما جعل الدموع تتجمع في مقلتيها. لن يتغير، طالما أن الأولوية ليست لهم ولن تكون أبداً. لكن هل كلمة "ليتني لم أحبك" مفيدة بعد كل هذه السنين؟ هذا هو خيارها وحدها، وها أنتِ يا دعاء تحصدين ما زرعتيه. قاطعته بصوت خافت مفعم بالانكسار والخيبة: "طالما فيها بس يبقى متكملش.. مش عايزة أسمعه."
تلفظ صلاح بثبات زائف بعد أن نهض سريعاً، متقدماً منها محاولاً الإمساك بذراعها: "دعاء.. اسمعيني.."
دفعته بعيداً عنها، ورفعت وجهها إليه بنظرة ساخطة وهي تصرخ بانفعال: "أسمع إيه؟! بقولك ابنك واقع في مشكلة وانت زي عادتك متردد تقف جنبه وتساعده.. إيه.. انت مابتتعبش من الحسابات والتحليلات بتاعتك.. انت إيه.. مافيش عندك أي ذرة أبوة ناحيته أبداً؟!"
دعاء كانت تتحدث بصوت حاد أزعجه وأربكه كثيراً، حتى بين عبارة وأخرى، قامت بنخزه في صدره وكتفه، مما أثار أعصابه وتحدث بنرفزة: "لزومه إيه كل الكلام ده دلوقتي.. أنا قولت إيه يخليكي تثوري بالشكل ده؟"
أشارت دعاء بإصبعها إليه متهمة، وهي تخاطبه بصوت هادر بعد أن طفح الكيل بها: "ترددك وبرودك وإهمالك هما بس اللي بشوفهم منك يا صلاح وخلاص.. أنا تعبت من إني أفضل على هامش في حياتك أنا وابنك."
تلفظ صلاح مبرراً: "دعاء ااا.."
بترت دعاء بقية جملته بصوت بارد كالثلج ومليء بالجفاء، فهو لم يكن يفعل شيئاً سوى استنزاف طاقتها التي لم تعد تحتمل ما يحدث، بينما ارتفع صدرها وهبط من قعقعة أنفاسها المضطربة: "ماتبررش.. كفاية.. معنديش وقت أضيعه في سماع كلام متكرر ومتعاد.. في الوقت اللي لازم أكون فيه جنب ابني."
استدارت دعاء، تنوي الذهاب إلى المرحاض هرباً من وجودها معه، والدموع تسيل على خديها، لكنه قبض على ذراعها يعيدها أمامه، ممسكاً بذراعها الأخرى قبل أن يخاطبها بحزم لاهث: "اسمعي.. أنا مراعي قلقك وخضتك دي، عشان كده.. مش هحاسبك على الكلام ده، ويا ريت ماسمعوش تاني منك يا دعاء.. يلا ندخل ناخد شاور سريع ونروح لابننا."
في المنصورة
بمنزل أحمد
رن صوت رنين الهاتف في الغرفة، فدخل أحمد وهو يجفف يديه المبللة بالمنشفة، متوجهاً نحو مصدر الصوت ليستقبل المكالمة، بعد أن رأى اسم المتصل بنظرة متعجبة، قال ببحة خشنة: "أيوه يا ستي؟!"
"لأ، أنا يدوب لسه صاحي، كنت هصلي الفجر وأمشي.. فيه إيه؟ حاسة إنك تعبانة ولا حاجة؟"
اتخذت الصدمة درباً عميقاً بعقله مع تضييق نظرة عينيه المستفهمة، قبل أن تنبث شفتاه بكلمة واحدة: "أبريل؟!"
لم يلاحظ دخول نادية خلفه بعد أن انتهت من الوضوء، كان يعطيها ظهره، لكن أذنها تمكنت من التقاط اسمها على لسانه الذي كان مثل خنجر ذو نصل مسموم مغروس في قلبها، بينما استمع أحمد لتحية لثوانٍ معدودة قبل أن يخبرها بسرعة، والخوف ينهش خلايا قلبه دون هوادة: "حاضر، هصلي ونازلك على طول."
عند ياسر
نظر ياسر إلى ساعة معصمه، وعندما رأى أنها قد تجاوزت السادسة صباحاً، قام من المقعد، وهو يشعر بالتعب من ملل الجلوس والانتظار، فهو أمضى عدة ساعات في انتظار انتهاء هالة من عملها حتى يتمكن من التحدث معها، وحتى الآن لم تخرج من غرفة العمليات.
في تلك الأثناء أمام غرفة العمليات
خرج كل من فريد وهالة بعد نجاح العملية، ونجاة المصاب من الموت بأعجوبة.
الآن تشعر أن أعصابها هادئة، وتنفسها منتظم بعد أن سيطرت حالة من التوتر على الأجواء بالداخل.
"زين كويس يا دكتور، طمنا لو سمحت؟"
أغمض فريد عينيه من الألم، وهو يفركهما بخفة بأصابعه قبل أن يجيب والدة المصاب بصوت رزين: "ادعيله يا حاجة، وضعه صعب.. الساعات الجاية هتحدد، وكله في إيد ربنا."
كررت العجوز سؤالها بجزع: "بس هيبقي كويس، مش كده؟ هيعيش؟!"
ردت هالة عليها بصوتها الهادئ: "إن شاء الله.. بس أكيد محتاج متابعة لأنه معرض يحصله مضاعفات بعد العملية، عشان كده هيكون تحت ملاحظتنا يا حاجة."
"ربنا يطمنك يا بنتي.. طيب، أمتى نقدر نطمن عليه ونشوفه؟"
فريد بنبرة حازمة: "مش قبل يومين لحد حالته ما تستقر."
ترجته السيدة العجوز بإلحاح: "طيب، حتى نشوفه من بعيد بس يا بني."
ردت هالة بدلاً منه بصبر محذرة إياها بلطف: "الأفضل تسيبوه يرتاح وتبعدوه عن أي حاجة ممكن تتعبه.. ادعوا له يقوم منها بخير بس."
وافقها الشاب الواقف بجانب والدته بصوت هادئ: "كلام الدكتورة مظبوط يا ماما.. عن إذنكم عشان النيابة عايزة تاخد أقوالنا."
اقترب منهم رجل مسن ذو هيئة أنيقة، فسلم عليه فريد بتحية احترام: "إزي حضرتك يا دكتور جمال؟"
ابتسم جمال قائلاً بترحيب مازح: "أهلاً وسهلاً بيك يا دكتور.. أنت شكلك مستعجل جداً على الشغل معانا ولا إيه؟"
فريد بابتسامة جذابة: "يشرفني طبعاً، بس الحكاية كلها كانت صدفة."
"خير، خير.. جهودك أثبتت كفاءتك بسرعة جداً.. إنقاذك لحياة المريض رغم صعوبة الجراحة واستقرار الرصاصة عند القلب تستحق عليه التقدير."
أدار فريد نظره إليها لوهلة وأضاف بهدوء: "متشكر جداً يا دكتور، بس الحقيقة الدكتورة هي اللي قدرت تسيطر على الوضع."
أخفضت هالة رأسها في خجل من إطرائه اللطيف على أدائها في العمل، قائلة بجدية: "شكراً، انت كمان كان ليك الفضل الأكبر في نجاح العملية يا دكتور."
"طبعاً بلغني مجهودك انتي كمان يا دكتورة هالة.. مع إني استغربت أوي لما عرفت إنك هنا يوم خطوبتك.. يلا عموماً، ألف مبروك."
ابتسمت هالة بمجاملة، وقالت بهمساً منخفض: "الله يبارك فيك يا دكتور.."
أنهت كلامها عندما لاحظت ياسر يسير في نهاية الممر، فتحدثت بسرعة في حرج: "معلش، هستأذن منكم."
اقتربت منه هالة بخطوات سريعة، تنادي باسمه مما جعله ينتبه لها، فتوقف عن المشي واتجه نحوها، فسألت في دهشة: "ياسر.. أنت هنا من إمتى؟"
تطلع ياسر بها طويلاً، ثم قال بنبرة غامضة: "بقالى شوية."
بررت هالة بصوت رقيق: "معلش، أنا كنت فـ..."
ولم يمنحها الوقت الكافي لتكمل جملتها، إذ نظر إليها بسرعة على ساعة هاتفه: "لازم أرجع البيت أغير هدومي وأستريح شوية قبل معاد العيادة.. خلينا نتكلم لحد العربية."
"طيب، يلا."
سارت معه إلى الخارج في هدوء تام، رغم أن طاقتها كانت على وشك النفاذ بعد تعرضها للإرهاق الجسدي من جهة، وعدم حصولها على الراحة الكافية لها، وكذلك التعب النفسي من جهة أخرى، بعد ليلة خطوبتها، التي كانت بشعة بالنسبة لها بكل المقاييس.
في نفس المستشفى
اقتربت دعاء مسرعة من عز الذي كان يجلس على أحد كراسي الانتظار، هتفت بخوف وقلق وهي تضع يدها على كتفه: "عز.. طمني يا حبيبي على مراتك.. إيه أخبارها؟"
رفع عز رأسه إليها بعد أن لاحظ وصولها، فقام ببطء وأجابها بندم كطفل مذعور، واغرورقت عيناه بالدموع: "أنا السبب.. أنا اللي عملت فيها كده.. بس والله ما كنت أقصد."
"مالوش فايدة الكلام ده.. سلمها على ربنا يا عز وادعيله وهتبقى كويسة.. فين الدكتور؟"
نظر عز إلى صلاح الذي لاحظ وجوده للتو، ولكن من ارتباك تفكيره لم يعط الأمر أهمية، ابتلع غصة في حلقه قبل أن يرد عليه بالألم: "لسه محدش عايز يطمن."
جلس الثلاثة عدة دقائق في صمت يملأه التوتر قبل خروج الطبيب، فسارع عز إليه ليسأله بلهفة: "طمني يا دكتور.. مني كويسة.. عايشة.. عايشة مش كده؟"
رد الطبيب بثبات: "الحمدلله، قدرنا ننقذ الموقف.. لو كنتوا اتأخرتوا عشر دقايق ما كناش عرفنا نعملها حاجة، خصوصاً مع النزيف الشديد اللي حصلها، بس قدرنا نوقفه وننقذ حياتها.. لكن للأسف هي وصلت هنا بعد ما فقدت الجنين و.."
قاطعت دعاء استرسال كلام الطبيب بسؤال متعجب، وهي توجه نظرها في صدمة نحو عز: "جنين إيه يا دكتور.. هي مني كانت حامل؟!"
رد عليها الطبيب بتأكيد، مما جعل عز يشعر بسحابة داكنة تتكون أمام عينيه، وتصلب في الأرض من قوة الصعقة التي استهدفت روحه نتيجة هذا النبأ المفجع: "أيوه يا فندم.. الجنين كان لسه عمره تلت أسابيع.. بس دي محاولة انتحار ولازم تعرضوها على أخصائي نفسي بأسرع وقت.. هي هتكون في أمس الحاجة له."
وبعد عدة ساعات، أشرقت شمس يوم جديد، ومعها المزيد من الأحداث الصاخبة للجميع.
عند أبريل
أغلقت المكالمة مع ريم الطبيبة النفسية، بعد أن أخبرتها أنها ستزورها قريباً لأنها تشعر بالحاجة إلى التحدث معها، ثم اتصلت برقم آخر كانت تحفظه، ووضعت الهاتف على أذنها وانتظرت الطرف الآخر ليجيبها. أتاها صوت أنثوي نائم لتجيب على سؤالها بحشرجة: "أنا أبريل.. معلش لو صحيت يا أميرة."
أتاها صوت أميرة تقول بإندفاع: "أبريل.. انتي كويسة؟ انتي فين؟ وإيه الرقم ده.. أنا بكلمك من يومين وتليفونك مقفول."
مسحت أبريل على صفحة وجهها، وردت بصوت مجهد: "تليفوني مش معايا.. دا تليفون يوسف.. وأنا في المستشفى."
"مستشفى ليه؟ انتي إيه.. بيحصل معاكي بالظبط وإيه الكلام المنشور عليكي ده؟"
اتسعت عيناها في دهشة مصدومة، وهي تشير إلى نفسها، وتسأل دون فهم: "عليا أنا!! كلام إيه اللي منشور؟"
سردت لها أميرة بمزيج من الحيرة والتعجب: "الأول قالوا إنك اتخطبتي للمخرج اللي هزقتيه في المطعم، وبعد كام ساعة اتنشر إنك سبتي مصطفى بعد ما خليتيه يطلق مراته عشان طماعة فيه، وبعديها روحتي ترتبطى بالمخرج."
وضعت أبريل يدها على فمها، لتمنع شهقة قوية كادت أن تمزق حلقها، وهي تستمع إلى ما تقوله صديقتها بصدمة شديدة وشعرت أنها على حافة الانهيار.
في بيت كبير رائع التصميم
بقامته الطويلة، ووقاره المميز دخل بهو المنزل، وسلم الخادمة حقيبة صغيرة بعد أن رحبت بعودته سالماً.
أشار مصطفى لها بابتسامة قبل أن يواصل طريقه نحو غرفة الطعام، رأى عائلته مجتمعين حول المائدة يتناولون الإفطار في صمت، قاطعه حمحمة رجولية قائلاً بهدوء: "صباح الخير."
ابتسمت والدته قائلة بترحيب: "حبيبي، حمدلله على السلامة، صباح الورد."
انحنى مصطفى وقبل يدها بمحبة، ثم رفع نفسه ووضع قبلة أخرى على رأسها قائلاً مبتسماً بشوق: "عاملة إيه يا ست الكل؟ وحشاني جداً."
نهضت سمر، البالغة من العمر سبعة عشر عاماً، ممتلئة الجسم، وشعرها بني داكن قصير، من كرسيها، ثم استدارت حول الطاولة، لتقترب منه قائلة بحزن مصطنع: "هي بس اللي وحشتك يا بيه؟"
اتسعت ابتسامة مصطفى، عندما احتضنته بحب أخوي، فقال بإسترضاء وهو يربت على شعرها: "أنا أقدر على الكلام ده.. وحشتيني جداً يا سمسمة."
"حمدلله على سلامتك يا أبو الدراويش.. نورت القاهرة وضواحيها."
هذا ما قاله شقيقه معتز توأم سمر، الذي كان يتصفح إحدى وسائل التواصل الاجتماعي على هاتفه، واكتفى برفع يده ملوحاً له، ليرد عليه مصطفى بضحكة: "أنت لسه واخد بالك إنّي هنا؟"
حثته والدته بحنان بعد أن جلس في مقعده: "يلا افطر يا حبيبي."
مصطفى بلامبالاة: "ماليش نفس.. سمر عايز فنجان قهوة من إيدك يهدي صداع الطريق ده شوية."
هتفت سمر بتأفف متذمر: "هو إنتو معندكوش غير سمر بتاعت القهوة يعني؟"
أكملت سمر بمرح بعد أن رمقتها والدتها بنظرة تعلمها جيداً: "بس عشانك بس هعملها يا بيه، وأمري لله."
مصطفى بسؤال: "أومال بابا فين؟ لسه نايم ولا إيه؟"
"لأ، دا صاحي من بدري وراح يجري شوية حسب تعليمات الدكتور."
فجأة غص معتز بالطعام، واهتز الهاتف في كفه، وسرعان ما قدمت له والدته كأساً من العصير أمامها قائلة بخوف أمومي: "اسم الله عليك يا حبيبي، خد اشرب."
سارع معتز بتجرع العصير بعد أن وضع الهاتف فوق الطاولة.
"إيه اللي حصلك؟"
أجاب معتز على والدته بصوت مختنق ممزوج بالتوتر: "مم.. مفيش.. أنا تمام."
نظرت إليه والدته باهتمام، وفسرت شحوبه المفاجئ أثر الغصة، قبل أن توبخه بنبرة ساخطة: "بطل تبص في الزفت ده وكل زي الناس.. ما بتسيبش الموبايل حتى وهو بياكل."
أضافت والدته تشكو لمصطفى، الذي هز رأسه غير قادر على إيجاد حل للأمر، موضحاً ذلك بابتسامة جانبية: "السوشيال ميديا دي بقي زي الهوا والميه بالنسبة للكل خلاص."
أضاف مصطفى بحيرة: "بالحق، ماكلمتيش سلمي؟ وعرفتي إيه حكاية أبريل وتليفونها مابيردش ليه؟"
"لأ ا..."
قاطع معتز الحديث بنظرة متوترة، قائلاً بخوف حذر: "بيه.. في كلام مكتوب عنك وعنها مالي المواقع كلها."
سألت والدته بدهشة: "كلام عن مين يا معتز؟"
اعتدل مصطفى في جلسته، وقال بأمر بينما يمد يده نحوه: "هات دا وريني؟"
نظر مصطفى إلى شاشة الهاتف بوجه واجم، وضاقت عيناه بشكل خطير، مما جعل الآخرين يبتلعون لعابهم، وهم ينتظرون رد فعله التالي.
عند أبريل
انزلقت العبرات على خديها واحدة تلو الأخرى، فأغمضت عينيها بإحكام، وشعرت بضيق شديد يغمر رئتيها، فرفعت القناع فوق فمها ووضعت راحتيها على صدرها، ثم بدأت تستنشق الهواء بشكل متقطع، وقلبها ينبض مثل الطبول، وأحنت رأسها ووضعته بين كفيها، واستسلم عقلها لهواجسه، مما تسبب في تصاعد الذعر في خلاياها، لتتمتم معنفة نفسها بقسوة: "أنتي اللي عملتي في نفسك كده!! حطيتي نفسك في موقف زي الزفت.. كنتي منتظرة تكون إيه النتيجة؟"
هل كان هناك سبيل آخر حتى تسلكه؟ فهي على وشك الزواج برجل تتمنى العديد من الفتيات أن تنال منه نظرة فقط، لكنه اختارها لتكون زوجته رغم فارق السن بينهما. وهذا جعلها سعيدة بحبه ورعايته لها، والاهتمام الذي يغدقها به، حتى اكتشفت قبل أيام قليلة من زفافها، سراً مهماً أضمره عنها عمداً، لينقلب موقفها منه تماماً. وفي الوقت الذي تمردت رافضة الزواج منه حتى لا تكرر ماضي والدتها، زوجة أبيها لم تهتم برفضها، بل حبستها لإجبارها على الموافقة رغماً عنها، لتزعم هي على التملص من القيود والأقفال، وقررت الهروب وكتابة مصيرها بخط يدها. لكنهم كانوا وراءها بالمرصاد، فانزلقت في خدعة رسمتها الظروف، لكنها انغمست فيها بإرادتها، وأنها الآن عليها مواجهة العواقب. فلم يعد هناك مجال للفرار بعد أن أصبح معلناً للجميع.
انقطعت أفكارها ما أن سمعت طرقاً خافتاً على باب الغرفة، فرفعت رأسها، واتسعت عيناها بذهول، وفاضت بالدموع أكثر، وهي تلقي عليه نظرات فيروزية حادة في نفور واضح. لم يستغرب منه، بل أخذت رماديتيه تطوف كامل هيئتها الباكية دون تعبير مقروء على وجهه، وقبل أن يتمكن من الكلام، أنزلت أبريل القناع، وصاحت في وجهه بعدائية بينة للأعمى: "انت إيه اللي دخلت هنا؟!!!!"
رواية جوازة ابريل الفصل الثامن 8 - بقلم نورهان محسن
رواية جوازة ابريل (2) الفصل الثامن 8 - بقلم نورهان محسن
الفصل الثامن ( دقت طبول المعمعة ) ج2
لا يوجد شخصا يلائمك تماما ،
بل يوجد شخص تنازل من أجلك ،
لأنه ترغب بالبقاء معك ،
وهنا يبقي السؤال ، هل سيستمر في التنازل للآبد
قريباً جداً سنرى..!!
❈-❈-❈
عند ياسر
_ايه الاخبار؟!
سأل ياسر ببرود ، وهم يسيرون نحو السيارة القريبة من المستشفى ، فأجابت هالة بهدوء : الحمدلله كانت العملية ناجحة
غمغم ياسر بلا مبالاة : تمام مبروك
أخرج المفتاح من جيب بنطاله ، وتابع مع إيماءة بعينه إلى السيارة : محتاج اتكلم معاكي خلينا نقعد في العربية
نظرت هالة إلى ساعة معصمها بتهرب ، فلم تكن لديها رغبة في الحديث في هذا الوقت ، هزت رأسها قائلة برفض هادئً : معلش يا ياسر ممكن تأجل اي كلام انا بقالي اكتر من اربع ساعات واقفة علي رجليا
تغضن جبينه قائلا بإستياء : وانا هنا عشانك من ساعتها وفضلت مستنيكي وماروحتش علي الاقل قدري دا
رفرفت رموشها في ذهول ، ورددت بصوتها الرقيق كلماته في محاولة فاشلة تصديق ما قاله : اقدر!! هو انت بجد تقصد اللي بتقوله انت هنا .. عشاني
فتح ياسر فمه عازما على الرد ، لتتابع بطرح سؤالاً بغضب مكبوت ممزوج بالأسى : انت من يوم ما اتعرفنا علي بعض امتي كنت موجود عشاني؟!
_لما بيكون عندي مشكلة انت بتبقي فين؟!
ياسر مبرراً : هالة انا لو ماقدرتش اجي بسرعة فأنا كنت..
أوقفت هالة سيل الأعذار التي تكاد تنهمر من شفتيه ، وهي جردته من هذا السلاح الضعيف الذي كان يستخدمه درعا لنفسه ، متحدثة ببرود حاد : كنت تقدر تبعت صحبتك مع حد من اهلك يوصلها في سكته .. كان في مية خيار قدامك تحترم مشاعري بيه .. بس للاسف انت حتي مابتحاولش
تجمدت الحروف على طرف لسانه ، مخفضا عينيه تجنباً لنظراتها المعاتبة، مما جعل الشعور بالذنب يتزايد بداخله ، خاصة بعد أن علم بمشاعر يارا تجاهه ، لكن رغم إرادته وجد نفسه ينكر أقوال هالة قائلا بنفى : انتي مش فاهمة ولا عارفة حاجة انا كنت..
واصلت هالة إكمال بقية الجملة بنبرة محتدة ، وإحتقان داخلي كان مخزونا منذ فترة ، وها هي الآن قد استنفدت كل محاولاتها للصبر عليه بسبب برودته ، ليبدأ هذا الشعور المقيت يطفو على السطح : كنت مع صحبتك بتوصلها و خطيبتك في مشكلة .. تعرف الممرضات من لحظة ما دخلت المستشفي عملو سيرتي لبانة بيسلوا بيها نفسهم لحد النهار مايطلع
هرب ياسر من نظراتها بعد أن عجز عن الدفاع عن نفسه ، فأضافت بنبرة زاخرة بخيبة الأمل : وكل مرة هكون فيها بمشكلة انت هتكون معاها و النظام دا انا مش هقبل بيه
❈-❈-❈
فى نفس الوقت
عند باسم
أخذت رماديتيه تطوف كامل هيئتها الباكية دون تعبير مقروء على وجهه ، وقبل أن يتمكن من الكلام ، أنزلت ابريل القناع ، وهى تراه يغلق الباب ، فصاحت في وجهه بعدائية بائنة للأعمى : انت ايه اللي دخلك هنا اطلع برااااا؟!!!!
كاد باسم أن يتحرك نحوها ، لكنه جفل من صراخها الهجومى زعزع شجاعته لوهلة رغماً عنه ، وقطب جبينه انزعاجاً يخشى أن يلاحظ أحد صوتها في الخارج.
أشار باسم لها بالصمت ، وهو يتحدث سريعاً محاولاً طمأنتها : وطي صوتك .. انا جاي اطمن عليكي وخارج علي طول
سقطت من عينيها دمعة ساخنة تشمل الكثير من الحزن ، لكنها لم تسمح لها بالنزول على خدها الناعم ، حيث امتدت أصابعها لتمسحها سريعا ، وهي تبتسم نصف ابتسامة ساخرة ، وهمست بمرارة مشوبة بالاتهام : تطمن عليا ولا تشوفني اذا كنت موت ولا لسه؟
عبس باسم بشدة ، يستوعب كلماتها قبل أن يصدح صوته الرجولى بشكل دفاعي ، ممزوج بالغضب الذي سيطر عليه في لحظة : ايه الهبل دا .. وايه يخليني اتمني موتك!!
أنهى باسم حديثه ، مندهشًا من تفكيرها ، وسلط رماديتيه المستهجنة على فيروزيتها الدامعة ، التي كانت تنظر إليه بسخرية مستاءة ، ثم بخطوات واثقة ، سار نحوها ، ليسحب الكرسي ، ويضعه قبالة السرير ، ويجلس عليه ، واضعًا ساقًا فوق الأخرى بعنفوان يليق به ، ليتمتم بشفتين مزمومتين بغطرسة : تصدقي انا غلطان عشان كنت خايف لا يجرالك حاجة!!!
استندت ابريل على الوسادة خلف ظهرها ، ونظرت بحدة إلى ملابسه التي كان يرتديها الليلة السابقة ، نفس القميص القرنفلى الداكن والبنطلون الرمادي دون سترة البدلة ، وشعره منثور بطريقة عفوية وجذابة.
أسبلت ابريل جفونها بعد أن ظبطت نفسها تتأمله بشرود ، لتعقد ذراعيها أمام صدرها ، ومصححة له بنبرة متهكمة يشوبها التشفى : قصدك خايف علي نفسك .. ماهو لو حصلي حاجة هتشرف في السجن ..
حدقت ابريل به بقوة تخفي وراءها وهناً عظيماً يتفاقم بعنف داخلها ، لأنها تجلس بمفردها معه ، فأشارت إليه بإصبعها السبابة تهديدًا وتحذيرًا وأردفت : اوعي تفكر ان اللي عملته دا هسكت عنه واعديهالك بالساهل .. انا هوديك في ستين داهية وهرفع عليك قضية وهفضحك واخرب بيتك
ابتسم باسم لها بجفاء ممزوج بالمكر ، وعقد ذراعيه بنفس حركتها ، وقال بصوت ضاحك : حقك تعملي كل اللي انتي عايزاه و تقولي اكتر من كدا ومش هلومك ابدا .. ماشي تقدري ترفعي قضية عليا
مال باسم إلى الأمام في مقعده بتحفز مفاجئ جعلها ترتد متوترة رغما عنها ، بينما هو واصل حديثه بهدوء ، مرتديا قناع الجدية والجمود : بس نصيحة مني دوري علي محامي شاطر عشان هينفعك الفترة الجاية .. لاني هرفع عليكي قضية تشهير بسبب الخبر اللي اتنشر عننا وهطلب منك تعويض كبير و يادفع يا الحبس ودا حقي انا كمان ادافع عن اسمي وسمعتي ولا ايه!!!
نظرت إليه أبريل بشراسة ممزوجة بالإنزعاج ، لتقول بتلقائية :.....
❈-❈-❈
بذات الوقت
عند عز
خرج عز بوجه حزين من غرفة منى ، فنهضت دعاء بسرعة من مقعدها ، واقتربت منه لتربت على كتفه بخفة ، وتسأل بقلق : انت كويس يا حبيبي
أومأ عز لها برأسه ، ومسح وجهه بخفة ، وأجاب بصوت منخفض : كويس كويس بس مرهق جدا
دعاء بسؤال : هي لسه علي حالها
_ايوه الممرضة قالت شوية وهتفوق بس هتخرج علي بليل عشان نزفت كتير ومحتاجة راحة
مرر حدقتاه في المكان قبل أن يسألها : اومال فين عمي صلاح؟!
زمت دعاء شفتيها متظاهرة بعدم المعرفة ، قائلة بلا مبالاة : معرفش .. يمكن راح يشوف باسم فين؟
_صحيح نسيت اسألك يا ماما .. هو عمي عرف منين وجه معاكي استغربت لما شوفته اخر مرة كان مروح مع طنط وسام ؟
أخفضت دعاء نظرها إضطراباً ، وأجابته بكذب ، مختلقة قصة خيالية كالعادة : ااا لا ما هو شكله رجع تاني علي هنا بعد ماوصلوني .. ولما صادفته وانا طلعالك مخضوضة قلق قام طلع يجري ورايا من غير مايفهم
هز عز رأسه متفهمًا ، ثم قال وهو يتنهد بعمق ، محاولًا إخراج التوتر الذي يرتعش في كيانه : طيب انا رايح الحسابات وجاي مش هتأخر عشان اهل مني قربوا زمانهم علي وصول
أومأت دعاء رأسها بالقبول ، قبل أن تراه يغادر بخطوات هادئة.
❈-❈-❈
فى منزل مصطفي
أخفضت سمر جفونها بتوتر إلى المكان المتناثر به زجاج فنجان القهوة المكسور الذى حطمه شقيقها من فرط إستهجانه.
عقدت سمر حاجبيها بجزع من صوت أخيها الهادر بالشتائم والألفاظ النابية القادمة من الحديقة.
حدقت في الخادمة التي كانت تنظف بإرتعاب ، ووقفت مضطربة تنتظرها لتعطيها أوامر أخرى ، فهزت سمر رأسها لها بلا مبالاة قائلة بصوت خافت : ثانكيو ماريا
غادرت الخادمة مسرعة ، وتقدمت سمر نحو توأمها لتجلس بجانبه، وقلبها متقلقل من غضب أخيها الأكبر.
أما مصطفى فقد أمضى الدقائق القليلة الماضية يتحرك ذهابا وإيابا في حديقة المنزل ، بملامحه مكفهرة من شدة غضبه وهو يمسك هاتفه ، ويجري اتصالات هاتفية في محاولة للوصول إلى مصدر هذه الأخبار التي تملأ الصحف والمواقع الإلكترونية ، لكن الإجابات موحدة ، ولا أحد يعرف من يقف وراء هذا الهراء الذي أثار هذه الضجة الكبيرة ، والتى أثرت بالسلب على أسهم شركاته ، فتراجعت بشكل ملحوظ صباح اليوم.
ظل عقله يدور في دوامات حلزونية من التفكير الزائد ، مم جعله يشعر بأنه على حافة الجنون من الغضب من السخونة التى تسيطر على رأسه ، وضع قبضته أسفل ذقنه ، فلابد أن أحد المنافسين قام بفبركة هذه القصة البشعة من أجل تدمير سمعته ، لكن ما ذنبها أن يقترن اسمها بمثل هذه الفضيحة الدنيئة؟
تحرك ذهاباً وإياباً بإضطراب ، وتوالت الأسئلة فى عقله ، فهل وصلها الخبر وعلمت بزواجه؟ لهذا السبب لم ترغب في التحدث معه لمدة يومين!!
زأر مصطفى بحنق بالغ ، وهو يشعر بالعجز أمام نفسه ، تزامناً مع خروج أمه من الشرفة ، لتقترب منه وهي ترنو بصوت هادئ : يا حبيبي اهدا اكيد الموضوع في حاجة غلط وهتتحل..
رد مصطفى بصوت خشن مشحون بالإنفعال ، بعد أن التفت إليها وعيناه محتقنة ، والعروق في جبهته ويديه ظاهرة من شدة سخطه : مش ههدا الا لما اعرف جابو الكلام دا منين وازاي ينشروا كلام وسـ خ زي دا .. ابريل ايه علاقتها بإبن الشندويلي من الاساس
أنهى مصطفى جملته بتشوش تام ، حيث كاد أن يفقد صوابه ، ليتخطى والدته وتوجه إلى الداخل : مصطفي رايح فين استني يا بني .. بس اقعد طيب عشان نفهم
أشرق العزم القاسي فى سواديتيه كالليل الحالك ، وهو يتوعد إلى مرتكب هذه المؤامرة بشدة في داخله قبل أن يقرن أفكاره مع حديثه ، مزمجرًا بصوت يثور من الغضب : نفهم ايه!! انا هطربق الدنيا فوق دماغ كل اللي مسؤليين عن الاخبار المقرفة دي
ربتت على كتفه بحنان ، محاولةً حثه على التعقل والصبر : هو اكيد الموضوع في سوء تفاهم او يمكن ناس عايزين يعملولك شوشرة يا بني
نظر مصطفى إليها مصطفى بذهول وقال بسؤال : قصدك مين يا ماما؟
رفعت الأم كتفيها مشيرة إلى أنها لم تكن متأكدة من ستقول ، لكنها قالت ما قادها إليه مشاعرها : انا مش عايزة اظلم بس الله اعلم يمكن تبقي حنين
رأت ملامحه تتغير فوراً ، وهو ينفي بالإنكار التام : لالا مستحيل حنين تعمل عملة زي دي
عارضت والدته كلامه ، مذهولة من موقفه غير المفهوم : وليه مستحيل ؟! وانت ايه مخليك واثق كدا انها مش هي اللي ورا العملة دي يا مصطفي؟! يا بني انت ماتعرفش الستات في غيرتهم ممكن يعملوا ايه ويطلع منهم ايه
قال معتز ساخراً بتنهيدة : امك في التسخين ايه لوز اللوز وشكلها كدا هتقوم القيامة انهاردة
أشارت له سمر ، تحثه على الصمت : هششش لو سمعوك هيمسكو فيك انت
لوح معتز بيده دون اهتمام ، وقال ببرود ينهض صاعدا غرفته : لا وعلي ايه انا رايح علي اوضتي
همهمت سمر بفم ملتوي ، وهي لا تزال تتابع ما يحدث بهدوء : يكون احسن
تحرك مصطفى نحو باب المنزل ، فنادته الأم قائلة بضيق وأسف : يا مصطفي رايح فين يا بني دا انت مالحقتش تاخد نفسك من السفر
دخل الأب من الباب ، وهو يستمع إلى صوت مصطفى الصارخ غاضبًا ، ليتساءل في ذهول : ايه في ايه حصل ايه يا مصطفي؟
قبل مصطفى رأس والده بخفة ، ثم هتف بسرعة ، وعيناه ممتلئتان بالعزم : مفيش وقت ..معلش يا بابا ماما هتبقي تحكيلك .. بس انا مش هقدر اقعد هروح لإبريل وافهم ايه اللي حصل في غيابي واعرف مين مطلع علينا الكلام الزفت دا..!!!
❈-❈-❈
فى هذا الوقت
عند ابريل
اتسعت عيناها مفاجأة ، ثم استبدلت نظراتها المندهشة بنظرات شرسة ممزوجة بالانزعاج ، وتحدثت بتلقائية لعدم تصديقها لوقاحته : يا بجاحتك يا اخي .. انت كمان جاي تهددني بعد ما كنت هموت في ايدك بسبب تحرشك بيا .. اطلع برا .. اطلع بكرامتك مش طايقة اشوفك
أشارت بإصبعها نحو الباب ، فهزّ باسم رأسه لها بالنفي ، قائلاً بهدوء واستفزاز : انا شايف انك تتعودي تشوفيني من هنا ورايح دا هيسهل عليكي حاجات كتير الفترة الجاية .. ولو مش عايزة انا مش طالع واعملي اللي انتي عايزة .. خلي اهلك يكتشفوا كل حاجة
رمقته ابريل من أعلى إلى أسفل بنظرات ازدراء واضحة ، وهى تبتلع غصة ألم فى حلقة ، بعد أن شعرت أنها ستنخرط مرة أخرى في نوبة بكاء ، لكن آخر شيء أرادت حدوثه هو ان تعرى انكسارها أمام هذا العابث ، لذا بشراسة قامت بصب جام وجعها عليه بتهور ، وهى تتكلم بين أسنانها بقهر مرير : خليهم يكتشفوا ما خلاص اتفضحت ومستقبلي اللي كنت بحاول ابنيه عمري كله بقي كوم تراب في لحظة واحدة بسبب واحد حقير ومنحط زيك
للحظات أحست ببهجة النصر ، وهي ترى العبوس ارتسم على ملامحه ، وقد نجحت في إزالة ابتسامته الاستفزازية من وجهه الوسيم.
أضاءت عيناه الرماديتان بنظرة شرسة جراء إهانتها لكبريائه ، لماذا تقذفه بهذه الاتهامات المسمومة ، وتحمله مسؤولية ما حدث ، الخطأ الذي ارتكبه ما هو إلا رد فعل على ما أقترفته فى المقام الأول ، عند هذا الحد من التفكير الثائر ، هب واقفاً من مقعده فجأة كالذئب المفترس ، وفي أقل من ثانية كان يواجهها ممسكاً بذراعيها بقوة ألمتها ، وملامحها تتقلص في ذعر مفاجئ ، ليهسهس بنفاذ صبر بعد أن فقد آخر ذرة عقل كان يتمسك بها أمام تلك المتمردة : المنحط دا هو الوحيد دلوقتي اللي يقدر يخرجك من الورطة اللي اتورطنا فيها كلنا .. بعد المصايب اللي حصلت من ورا كدبتك يا هانم
تضاعفت إنتفاضة جسدها أكثر بين يديه ، وغامت عيناها بالدموع من جديد ، لتنهمر بلا إرادة على خديها قبل أن تصرخ في انهيار شديد ، وهي تحاول أن تدفعه بعيدا عنها : ابعد عني انت اتجننت ماتقربليش كدا .. اخرج برا قبل ما اصرخ واعمل ليك وليا فضيحة جديدة و..
سارع باسم بوضع كفه فوق فمها ، قاطعاً بقية تهديداتها الشرسة ، وبغتة تحولت نظرته الحادة إلى نظرة أخرى مختلفة ، وبقلب مستهام حدق في عينيها المتسعة ، وكأنها ألقت عليه تعويذة سحرية ، جعلته يقربها منه كما يجذب المغناطيس قطعة معدنية نحوه ، ويميل بوجهه حتى صفعت أنفاسها الساخنة وجهه ، فاجتاحه شعور غريب لم يكن لديه الوقت الكافي لاكتشافه ، قائلا بصوت خرج رخيمًا لا إراديا ، وعيناه الرماديتان مثبتة فى عينيها الفيروزيتين بنظرات عميقة تسببت في ارتعاشات متوترة في جسدها : ماقبلتكيش الا كام مرة .. وكلهم كانوا مواقف ملخبطة وسخيفة ورغم ان كل مرة كان نفسي بجد اقص لسانك فيهم .. بس مش عجبني دلوقتي بصتك ليا اللي كلها خوف دي..
ابتلعت ابريل لعابها بضطراب ، وهي تنظر إليه بعينين مهتزتين وحاجبين مقعدتين ، دليل على عدم رضاها عن كلامه وقربه المربك منها ، لكنه شوش عقلها بحديثه ، فهدأت شهقاتها تدريجيا.
تابع باسم ، وعلامات الجدية بدت على وجهه ، مؤكدا كلامه السابق : والله مابتريقش دا بجد .. نظراتك ليا اللي كلها تحدي وتمرد هي بس اللي عايز اشوفهم
❈-❈-❈
عند أحمد
كان أحمد جالسا في القطار السريع ينتظر وصوله إلى القاهرة بفارغ الصبر ، لقد سئم الانتظار والتفكير فيما حدث لأبريل.
صرف الأفكار السلبية عن عقله المنهك ، وهو يتصفح أحد التطبيقات على الهاتف دون اهتمام
ضاقت عيناه قليلا ، حالما لفت انتباهه شيء ما ، متوقفاً عنده متحققاً مما رآه جيدا ، إذ تظهر إحدى صورها على العديد من المواقع الإلكترونية ، فأخذ بإعادة قراءة المقالات أكثر من مرة حتى تأكد مم فهمه جيداً.
جحظت عيناه بهلع ، وتجمد جسده كأن أحدهم سكب فوق رأسه دلو ماء بارد فى شتاء قارص من قوة الصدمة عليه ، كما لو أنه انفصل بوحشية عن العالم من حوله.
❈-❈-❈
خلال ذلك الوقت
عند هالة
سأل ياسر بسأم ، وعلامات الامتعاض تعلو وجهه : انتي ليه مكبرة الحكاية كدا دا كان مجرد ظرف اتحطيت فيه.. ؟!
صمت ياسر للحظة ، وهو يتنفس بغضب ، بينما كانوا يتبادلون النظرات ، قبل أن تظهر ابتسامة ساخرة على فمه إقترنت بكلماته التالية مصحوبة بالبرود والازدراء : اللي بجد ماكنش يصح هو الاستهتار والاستخفاف منك ومن اهلك ليلة امبارح .. حفلة خطوبتنا باظت بسبب وحدة مانعرفهاش وكمان فضايحها انهاردة مالية المواقع
عقدت هالة حاجبيها بإستغراب مما سمعته ، وتساءلت بعدم فهم : فضايح ايه اللي بتكلم عنها انت .. مش فاهمة حاجة من اللي بتقوله؟
مد يده إليها بالهاتف الذي أخرجه من جيب بنطاله الخلفي ، قائلا بنبرة بطيئة جامدة : خدي اقرأي وهتفهمي يا دكتورة
❈-❈-❈
عند باسم
رفع باسم يده عازمًا على دفع خصلة شاردة على جبهتها خلف أذنها ، لكن قبل أن تصل أصابعه إليها ، دفعتها بحدة بعد أن استيقظت من تشتتها بنظراته المربكة ، لتهتف بنفس الصوت المبحوح : ماتلمسنيش وقولتلك اخرج برا انت مابتسمعش
افاق باسم أيضا من غيبوبته المؤقتة ، وهو يرتد إلى الوراء بإرتباك محملقاً في وجهها الذي يكاد ينفجر من الحرارة والخجل ، وهي تزحف إلى الخلف بتوجس ، وأخذ صدرها يرتفع ويهبط من انفعالها ، وتنفسها يرتجف ، ممَ جعله يأخذ بسرعة كوب الماء الذي تم وضعه بجوار السرير ، وسلمها إياه قبل أن يشير بيده لتهدأ ، وهو يحاول طمأنتها قائلا بقلق وحذر : خلاص خلاص مش هاجي جنبك .. بس بما ان بقي عند علم باللي بيحصل حواليكي محتاجين نتكلم
تناولت ابريل منه الكأس بتردد ، تستشعر نبضها بأطراف أصابعها دون هوادة دون أن تدرى أن من الآن دقت طبول المعمعة قلبها ، وهو لم ينتظر ردها ، بل جلس أمامها مرة أخرى بعد أن مسح شعره بحركة مضطربة ، ونظر إليها بإصرار.
أشاحت ابريل ببصرها بعيدًا ، وهي تزفر بيأس ، قبل أن تشرب كوب الماء ببطء ، وهي تتكئ على الوسادة باستسلام إجبارى ، بعد أن ارتخت ملامحها ، فمن الواضح أنها مهما عبرت عن الغضب والرفض ، تحتج على سماع شيء منه ، فهو لن يصغى إليها.
❈-❈-❈
عند دعاء
أغلقت دعاء باب الغرفة بهدوء ، ثم اتجهت نحو السرير الذي كانت منى مستلقية عليه ، والتي لا تعلم شيئا عما يدور حولها.
جلست دعاء على الكرسي بجانب سريرها ، تنظر إليها ، وتجمعت العبرات في عينيها ، وقلبها يتألمها من الحسرة والندم على ما كانت تخطط له من أجل تزويج ابنها من امرأة أخرى ، هي التي جعلتها تستمع إليها ، وكانت تعلم جيدًا أن ما هي عليه الآن صنعته بيدها في المقام الأول ، وها هى أضافت سبقة جديدة بجانب السوابق الماضية بهذا الفعل الشنيع.
كيف يمكن أن تكون أماً صالحة ، وهي ترتكب جرائم إنسانية بحق كل عزيز عليها؟
ابتسمت دعاء وسط دموعها بحزن ومرارة ، وهي تكلم نفسها قائلة بنبرة باكية : أذيتي نفسك يا دعاء وكل اللي حواليكي اتأذو منك حتي حياة ابنك خربتيها .. خلتيه هو يدفع تمن انانيتك بس ليه بتعيطي ومش مبسوطة ليه؟!!!
زادت الانقباض فى صدرها من الضيق ، والشعور بالذنب يمزق قلبها ، وشعور مرعب يسيطر على كيانها ، وكأن الكون ينهار من حولها ، ولا تستطيع فعل أي شيء لمنع هذا الانهيار ، وهمست بحزن : ياريتك تسامحيني يا مني .. بس ازاي هتسامحيني وانا مش قادرة اسامح نفسي .. وياريتني قادرة اطلب منك اتغفريلي .. بس انا اجبن من اني اقول اني غلطانة .. انا اللي وصلتك اللي انتي فيه وخسرتي ابنك مع انك تستاهليه .. انا اللي ماستاهلش ابقي ام .. انا احقر ام في الدنيا وماستاهلش حب ابني ليا..
ارتفعت شهقاتها الممزقة ، لتتردد صداها في أرجاء الغرفة قبل أن تقطع كلامها ، تزامنا مع شهقة عنيفة أطلقتها ، حالما فوجئت بشخص ما فتح باب الغرفة من خلفها.
❈-❈-❈
رواية جوازة ابريل الفصل التاسع 9 - بقلم نورهان محسن
التفتت دعاء نحو الباب، فوجدت أم منى تتوجه نحوها بقسمات يغلب عليها الخوف، وعيناها مرتكزة على منى التي كانت مستلقية على السرير شاحبة الملامح بعد إجراء العملية لها، فهتفت بلهفة:
"دعاء!! بنتي مالها فيها ايه؟"
تنفست دعاء الصعداء عندما أدركت أنها لم تنتبه لما كانت تقوله لمنى للتو، بينما تابعت والدة منى بعتاب:
"ينفع كدا يا دعاء يرضيكي مني تبقي في المستشفي من الفجر وعز متعرفنيش الا دلوقتي"
أنهت كلماتها بأنفاس متسارعة وهى تضغط براحة يدها على صدرها، لذا سرعان ما اتجهت دعاء إليها وأسندتها من ذراعها، قائلة بهدوء نسبى:
"علي مهلك خدي نفسك بس.. وماتخافيش هي كويسة الدكاترة طمنونا.. واهي قدامك بدأ تأثير البنج يروح وهتفوق بس نبهنا الدكتور ان غلط عليها الاجهاد والانفعال يا سوسن امسكي نفسك"
نظرت إليها بدموع، وقالت بصوت منخفض مملوء بالأسى والحزن:
"قالولي وانا داخلة ان الطفل مات مش كدا.. يا حبيبتي يا بنتي مالحقتش حتي تفرح بالخبر بعد كل الوقت دا يوم مايجي تخسره قلبي حرقني عليها اوي"
تقلصت ملامحها بالبكاء، هامسة بتحشرج يفوح منه الندم:
"امسكي نفسك يا سوسن انتي ست مؤمنة.. الحمدلله انها بخير وربنا قادر يعوضهم يا سوسن يلا خلينا نكلم برا احسن"
هزت سوسن رأسها بالموافقة، وهي تجر قدميها لخارج الغرفة بخطوات بطيئة بسبب صدمتها.
❈-❈-❈
في نفس الوقت داخل منزل فهمي الهادي
صاحت سلمى مناشدة، وهي تنزل الدرج الرخامي، بينما تنظر إلى ساعة معصمها التي تشير إلى العاشرة صباحا:
"تقي انتي يا بنتي"
جاءت تقي مسرعة إليها من المطبخ، لترد مبتسمة بأنفاس متلاحقة:
"نعم يا ست سلمي"
وبّختها سلمى، وهي تتجه إلى طاولة الطعام التي أعدتها تقى قبل دقائق:
"يا ام مخ طخين مية مرة اقولك ماتقوليش ست تقوليلي مدام سلمي"
كانت تقى تسير خلفها، مقلدة إياها بطريقة سيرها بمرح قبل أن تجيبها مشددة على الكلمات محاولة كتم ضحكتها:
"اوامر حضرتك.. يا.. مدام.. سلمي.. كويس كدا"
استدارت إليها فجأة بنظرة رادعة، مما جعل تقى تجفل، وتتسمر في مكانها، لتخفض رأسها باحترام خائف، بينما تخاطبها سلمى بنبرة آمرة:
"اسمعي ابريل راجعة من المستشفي انهاردة.. حضريلها اوضة الضيوف اللي تحت وانقلي جهاز فلتر بتاعها هناك لازم تتنفس هوا نضيف دايما"
"حاضر فوريرة"
أشرقت ابتسامة تقى، وأضاءت وجهها بالمحبة الصادقة والسعادة لسلامتها، وعلى الفور أومأت برأسها عدة مرات متتالية، هاتفة بحماس عفوي، لم تستغربه سلمى التى هزت رأسها بقلة حيلة، لعلمها بمحبة الإثنان لبعضهما.
همت تقي بالتحرك، لكن استوقفها مواصلة سلمى بالحديث محذرة إياها:
"بت يا تقي.. ابريل ماتطلعش اوضتها خالص لحد ما تتهوي كويس وتروح منها ريحة الدخان.. والله يسامحها علي اللي عملته"
قالت جملتها الأخيرة مع تنهيدة مستسلمة، فأطرقت تقى رأسها نحو الأسفل، وتمتمت بهمس مضحك مليء بالاستياء:
"ماهي معملتش كدا من فراغ يا اهل قريش"
تساءلت سلمى التي كانت منشغلة قليلاً بالنظر إلى محتويات الطاولة، قبل أن تستمع إلى همهمة غير مفهومة من خلفها فتدير وجهها نحوها باستياء:
"بتبرطمي بتقولي ايه؟!"
هندمت تقى حجابها بتوتر، ورسمت ابتسامة بلهاء على وجهها، لتجيبها بالكذب ممزوج بالقلق:
"في قراقيش عملتها بإيدي ولسه سخنة اجيب منها لحضرتك مع لشاي؟"
برقت عيناى سلمى بإشتهاء، وكادت تجيب بالموافقة، لكنها تذكرت الحماية الغذائية الخاصة بها فقالت بتبرم:
"لا مش عايزة.. روحي علي شغلك"
"تمام يا مدام سلمي.. حلو كدا!!"
تأففت سلمى بضجر من تلك المشاكسة الصغيرة، وأشارت لها بالمغادرة متمتمة بتذمر:
"والله معرفش مين اللي شغال عند التاني في البيت دا هتجننوني خلاص"
غادرت تقي بخطوات مهرولة، لكن قبل أن تدخل المطبخ، شعرت بالهاتف يهتز في جيب تنورتها، وتبادر إلى ذهنها خطيبها حسن، مما جعلها تلقي نظرة سريعة على والدتها في المطبخ قبل أن تسحبه من جيبها.
نظرت تقى إلى الشاشة، وعقدت حاجبيها متعجبة من رؤية هذا الرقم الغريب، فقررت أن تتلقى المكالمة بسرعة قبل أن تلاحظها والدتها:
"السلام عليكم.. مين معايا؟"
أتاها من الطرف الأخر صوت رجولى واثق أجش:
"وعليكم السلام.. انا احمد ابن خال ابريل"
❈-❈-❈
في مكانا ما داخل مدينة دبى
"داغر باشا"
قالها أحد الحراس باحترام، وهو يسير بخطوات متوازنة في أرض خضراء واسعة.
استدار نحو مصدر الصوت، رجل بملامح حنطية تتصف بالجاذبية والرجولة الطاغية، يحمل مضرب الغولف ويرتدي ملابس رياضية بيضاء تبرز جسده العضلي الطويل، ذو لحية خفيفة تخطف أنفاسه، ليحدق فى الحارس بعيون عسلية بها لمحة لا بأس بها من الخضار تتميز بنظراتها الحادة التى تبث الخوف فى من يتطلع بهم، ليقف على بعد خطوتين منه، وهو يمد يده إلى سيده بالهاتف، فأشار إليه داغر بطرف عينه ففهم الآخر الإشارة، فأعطاه سماعة سوداء ليضعها خلف أذنه، ثم جعل الحارس يغادر على الفور بحركة من يده.
"ها ايه اخر الاخبار ابن الشندويلي زمانه بيلف حوالين نفسه مش كدا؟?"
قالها مستفسرا، بصوت ثقيل خطير، ممزوج بالسخرية والشماتة، وعلى وجهه ابتسامة جانبية.
أتاه الرد بصوت رجولى شديد الثقة:
"تعليمات سعادتك اتنفذت بالحرف يا باشا ومحدش في البلد الا وشاف وسمع عن الفضيحة"
"اها.. وايه كمان؟"
تمتم بها داغر، مثبتًا عينيه الثاقبتين على الحفرة الضيقة التي على بعد أمتار قليلة منه، بينما الرجل يستكمل حديثه بجدية:
"بلغنا الصبح وصول مصطفي التربلسي من السفر واللي منتظره زمانه بيحصل دلوقتي ومحدش هيقدر يعرف مين ورا الشوشرة دي"
"كمان شركة الشندويلي والترابلسي كل ساعة بتمر اسهمهم نازلة واحنا متقدمين عنهم كتيرا"
استمع إليه بتركيز شديد، وكانت الريح تلعب بشعره الأسود، وهو يضرب الكرة بالعصا بمهارة، وتدحرجت بسرعة إلى الحفرة، فاتسعت على فمه ابتسامة منتشية انتصاراً، تحولت إلى ضحكة رجولية جذابة ترددت صداها فى الملعب قبل أن يهمس بأسف ساخر:
"العروسة شكلها قدمها نحس علي الاتنين.."
تغيرت لهجته إلى نبرة جدية آمرة، مما يدل على قوة الشخصية المسيطرة والشرسة التي يتميز بها هذا الرجل الخطير:
"اسمع تفضل متابع كل تحركاتهم.. عايز كل معلومة صغيرة وتفصيلة عن حياة اصغر واحد لأكبر واحد كل حاجة سامعني!!"
لم ينتظر رده، بل تابع محذراً اياه بقسوة:
"ومش محتاج افكرك مش عايز اي مجال للغلط وترجعلي في كل تصرف.. مفهوم كلامي يا عز"
"مفهوم سعادتك"
خاطب داغر نفسه بنبرة ماكرة مشحونة بالتوعد، وهو يضع مضرب الغولف على كتفه:
"دا مجرد تسخين يا ابن الشندويلي.. لسه مابدأتش معاك الماتش"
خفض نظره إلى الهاتف، وأضاء خلفية الشاشة ليكشف عن صورة، فأخذ يتمعن النظر إليها عن كثب، ولمعت عيناه بشوق شديد بزغ في صوته الهامس بثقة:
"هانت كلها فترة بسيطة وهنبقي مع بعض ومفيش قوة هتبعدني عنك ولا حد هيخرجك من حضني"
❈-❈-❈
عند هالة
مد يده إليها بالهاتف الذي أخرجه من جيب بنطاله الخلفي، قائلا بنبرة بطيئة جامدة:
"خدي اقرأي وهتفهمي يا دكتورة"
قرأت هالة الخبر بعينين متسعتين من الصدمة، وهي تضع أطراف أصابعها على ثغرها، وسرعان ما رفعت رأسها من الهاتف لتنظر إلى ياسر بتساؤل واستنكار:
"ايه العك دا؟!"
رفع ياسر منكبيه في إشارة إلى افتقاره إلى المعرفة، بينما التقط الهاتف منها بهدوء، وتحدث ببرود:
"والله اسألي اخوكي"
هزت هالة رأسها بالنفي، عاقدة ساعديها أمام صدرها، متكلمة بعدم تصديق:
"الحكاية مش زي ماهي مكتوبة.. قطعا الكلام دا متفبرك!!"
ارتفع جانب فمه بابتسامة تنضح بالإستهزاء من ثقتها فى الحديث بدون دليل، بينما ضيقت عينيها وهي تفكر في كلامه عن أخيها وأبريل، وتابعت باستفسار مفعم بالريبة:
"وانت كنت تقصد ايه باستخفاف واستهتار مننا!! ايا كان المكتوب عنهم.. بس اللي حصل ليلة امبارح دا مكنش بإيد حد.. يعني كنا نسيبها تموت مثلا ولا ايه؟"
ألقت سؤالها بدهشة شديدة منه، فأومأ إليها بالسلب، وابتسم بعصبية، ثم صاح بسخرية مليئة بالتوبيخ:
"لا ازاي!! انما ماجاش علي بالك شكلي هيبقي ايه قدام اهلي وحفلة خطوبتنا بتبوظ بالمنظر دا؟"
كان السخط واضحا في صوته، فواصل حديثه مشيراً نحو نفسه، يليه إلى الهاتف بسبابته:
"وانا ابررلهم بإيه الكلام المكتوب عن اخوكي دا.. ومش اول مرة تطلع عليه اشاعات وفضايح"
رفعت هالة حاجبيها مع تعبير يملأه التعجب من إهانته الصريحة لأخيها، فزمت شفتيها لتكبح لسانها من الرد القاسي الذي كاد أن يفلت منها على هذا الحشو الفارغ الذى يتفوه به، مستفسرة بنفاذ صبر:
"انت عايز توصل بالكلام دا!! وليه متعصب عليا كل العصبية دي"
رد ياسر عليها بصوت حاد:
"لأن بسبب انا اخوكي بقيت محطوط في موقف سخيف قدام اهلي"
صمتت لثواني معدودة، ولم تنكر أنها شعرت بالحزن، وهناك نغزة آلم إستهدفت قلبها من جملته، فوجهت له سؤالا بترقب ممتزج بالجمود:
"واخويا ايه دخلو باللي بيني وبينك؟!"
شعرت هالة بغصة مريرة تتشكل فى حلقها وهي تنطق بهذه العبارة، حيث طرأ في ذهنها سؤال زاد من الألم في قلبها، فهل أعاد النظر في خطوبتهم ويريد الآن الانفصال عنها بحجة هذه الكلمات المنشورة عن شقيقها؟
الطريقة التي يتحدث بها أوحت لها بأنه يرغب فقط أن يلقى اللوم عليها، ومن الواضح أنه نسي فعلته الأصلية فى حقها، لذا يجب عليها تذكيره، وما الفائدة من تأجيل ما تنوي قوله له، عليها حسم هذا الأمر حتى يعرف كليهما على أي أرض يرتكزان؟
لم تمنحه فرصة للرد، إذ رفعت أنفها بكبرياء، وإلتمعت عيناها الزرقاوان الداكنتان بغضب بارد، وأخذت نفساً عميقاً ثم تابعت بنبرة جادة:
"اذا في حد كان عنده استهتار واستخفاف بالتاني فهو انت يا دكتور.."
❈-❈-❈
في المستشفي
داخل غرفة ابريل
أفرج سراح جفنيه بتثاقل، بعد أن كان مغمضاً عينيه للحظات، يستعيد رباطة جأشه ليواصل الحديث بصبر مع هذه الشخصية العنيدة وصعبة المراس، ليسخر من الوضع المقلوب تماما، حيث كان عليها أن تكون مكانه الآن، وتطلب منه الصفح عما فعلته، وتوريطه في خدعتها السخيفة، ولكن كيف سيحتال على ذاته؟ إذا كانت هي التي وضعت حجر الأساس لهذه الكذبة؟ فهو من بنى قصة مزيفة وجعل منهما أبطالها ولهذا السبب يطلقون عليه ملك الأكاذيب، لكن ترى متى ستسدل ستار النهاية لهذه المسرحية حقا لا يعلم.
تطلع باسم إليها، وهو يزفر بهدوء قبل أن يسألها بترقب:
"حاسة انك هديتي شوية وقادرة تكلمي؟"
نظرت أبريل إليه بحاجب مرفوع، لترد على سؤاله بسؤال، بصوتها الهامس مبحوح:
"هقول ايه؟ معنديش حاجة أقولها؟"
قالت ابريل العبارة الأخيرة بإيجاز مقتضب، بينما تبعد نظرها الحاد عنه، فسحب نفسا عميقا، ثم خاطبها بصوت لين، مليئا بالحذر:
"طيب خليني اكلم انا واسمعيني.. بس من غير انفعال"
تململت ابريل بتوتر على السرير دون أن تجيب، وتطلعت أمامها بتعبيرات واجمة فهم منها أنها لا تحبذ فتح أي نقاش معه.
برم باسم فمه، وهو يفرك ذقنه بإرتباك وحيرة من صمتها، شارداً بأفكاره في حركاتها الجافة التي تقصد استفزازه بها، أو بالأحرى أنها كانت تثير ضجره حتى ينصرف، لكن هذا الأمر مستبعد في الوقت الحاضر، لذلك فضل التحلى بالصبر عليها، فإن الشدة لا تنفع في كل حال، ليسحب نفساً عميقا، ثم زفره على مهل، وهو يقول بصوت دافيء:
"خلاص لو مش قادرة مش هضغط عليكى.. انا مقدر الحالة اللي انتي فيها ومش عايز اتعبك اكتر"
قوست ابريل فمها ساخرة:
"لا انسان بصحيح"
تبخر صبره أدراج الريح مع استمرارها المميت لإستفزازه، إذ اعتدل فى جلسته بانفعال، وضيق مقلتيه بحدة جذابة، وهو يهتف بها متذمراً:
"هو انتي يا تتخانقي وتصرخي في وشي يا تقلبيها تريقة"
أدارت ابريل وجهها بعيداً بتوتر حتى لا تأتى حدقتيها المهتزة فى عينيه المثبتة عليها، متجاهلة عن عمد نبرة الغضب في صوته، ممَ جعله يقفز من مقعده، ويتقدم في لمح البصر، ليجلس قبالتها على السرير.
تراجعت ابريل بجسدها إلى الخلف في انزعاج، وعدم ارتياح مما فعله، لكنه لم يبالي، إذ رفع وجهها إليه رغماً عنها بوضع إصبعه السبابة تحت ذقنها، ليثبت نظراته على عينيها الواسعتين بريبة من جرأته.
ارتخت ملامحه الحادة قليلاً، وسرعان ما أنزل يده ووضعها على السرير وأكمل حديثه بصوت حازم وجدي:
"انتي بإرادتك اللي شركتيني في حياتك وبقيت متورط زي زيك.. لحد امبارح كان ارتباطنا خبر فني ارتباط مخرج معروف بمهندسة.. لكن الحكاية وسعت واخدت اكبر من حجمها.. والاخبار اللي اتسربت دي اكيد من حد قاصد يشوه سمعتنا ويأذينا مش انا بس بالتحديد وكمان اللي كنتي مخطوباله"
كشف باسم عن أفكاره بإريحية وصوت عالٍ، فذهلت أبريل مما يقوله، ولم تستطع التظاهر بالجمود أمامه، إذ رفرفت برموشها تباعاً في دهشة، وأجابت بعدم استيعاب:
"انت عايز تقول ان ممكن حد عايز يأذي مصطفي في شغله و هو اللي استغل الاخبار دي عشان يدمر سمعته"
قوس باسم شفتيه إلى الأسفل، مغمغماً بتفكير:
"ممكن كل شئ جايز؟"
هزت ابريل رأسها بعدم اقتناع لتحليله اللحظى، وهي تخبره باعتراضها:
"بس..!! ازاي!! محدش كان عارف حاجة عن خطوبتي منه غير اهلي واهله وناس تانية قليلة جدا و مرا...ته"
تلعثمت ابريل فى نطق الكلمة الأخيرة بصدمة، وهي في وسط أفكارها المتضاربة مالت بجسدها نحوه أكثر، كزهرة عباد الشمس، حينما تميل بعودها نحو ضوء الشمس، محدقة به بعينيها الفيروزيتين المذهولتين اللتين تشبهان عيون القطط، ولم تكن منتبهة إلى كف يدها التي وضعتها بعفوية فوق يده على السرير دون سابق إنذار، مما أدى إلى تصلبه كالتمثال في مكانه جراء إحساسه بملمس بشرتها الناعمة.
❈-❈-❈
في صالة الإنتظار بالمستشفي
وجهت سوسن حديثها إلى عز ودعاء بصوت منفعل من فرط قلقها علي ابنتها:
"لا انا مش فاهمة حاجة ولا دا كلام يدخل العقل.. يعني ايه حاولت الانتحار وهي حامل يا عز.. ليه تنتحر ليه ماتفهموني يا جماعة قبل ما اجنن؟"
أنهت سوسن كلامها، وهي تربت على قدميها بجزع ونفاذ صبر، بينما مرر عز يده في شعره، وهو يشعر بالاضطراب الشديد من كثرة الأسئلة المتدفقة من لسانها، والتي كان يعرف إجاباتها جيدًا، ولهذا السبب أخذ يتهرب من نظرات سوسن المتوجسة من سكوته.
لاحظت دعاء حالته المتوترة، التي فهمت منها أن هناك شيئا خاطئا لا يريد الكشف عنه، خاصة أنها أيضا لم تفهم بعد ملابسات الحادثة، فسألت بشك مترقب حثته على الكلام:
"انت مخبي ايه علينا يا عز ما تكلم يا بني"
أحس عز بأنفاسه محبوسة بقسوة داخل رئتيه، وهو يجمع الكلمات على شفتيه بصعوبة شديدة، جعلت المرأتان تنصعقان بقوة:
"انا طلقت مني"
رواية جوازة ابريل الفصل العاشر 10 - بقلم نورهان محسن
هناك قلوب تميل، والإقتراب منها مستحيل. هل علي أن أذكرك مرارًا وتكرارًا أن قلبي جريح؟ رغم أنني أشتاق يومًا ما إلى أن أستريح على راحة يدك الدافئة، لكني أفتقد الأمان وأخشى أن تخدعني مثلك مثلهم. أخاف أن أثق فيك، وأتلقى طعنة جديدة تسكن صدري الذي ينزف بشدة. فدعني وأرحل بعيدًا، لأن المشاعر ستبقى ضائعة بيننا كالطير المهاجر الذي ترك ملجأه وهرب، بحثًا عن وطن جديد، تاركًا عشه القديم مثقلًا بألم الخذلان، ويشعر بكمية هائلة من الفراغ بعد الغدر. دعني أجلس وحدي تأنسني خفقاتي المتألمة في الطرقات، وأنا أنظر إلى خيبات قلبي المنكسر على يد طائري الذي تركني مشتتًا بلا مأوى ولا أمان. ارحل سريعًا قبل أن أراك أملًا جديدًا، وبكل ضعفي وغبائي، أتشبث بك.
هذه مجرد شرارة حب صغيرة قدحت للتو بين امرأة عنيدة ورجل ذو كبرياء. لمن سينتظر كل منهم من يبدأ برفع راية السلام، ولمن النصر؟
في غرفة فهمي
ولجت سلمى إلى الداخل، ورأت زوجها جالسًا على السرير وظهره منحنيًا أثناء عقده لرباط حذائه، فهتفت بنبرة منذهلة:
إيه يا حبيبي.. انت لحقت تصحى وتلبس كمان مش عوايدك؟
_ مفيش وقت للشرح، يلا البسي بسرعة وحصليني على تحت.
أنهى كلامه بسرعة ملحوظة، ثم نهض من مجلسه، وخرج من الغرفة تحت نظراتها القلقة من عجلته، فتبعته على الفور، وهي تصيح من خلفه بلا فهم:
إيه يا فهمي مالك قلقتني؟
نزل فهمي الدرج، وهو يتأكد من أن ساعته الفضية مثبتة بإحكام على معصمه الأيسر، بينما يجيبها بإختصار لم يشبع فضولها:
لازم حالا نروح المستشفى.
***
في المستشفى
عند عز
_ أنا طلقت منى.
شهقت المرأتان بإنصعاق من وقع كلماته الصادمة، ثم هتفت دعاء باستنكار وعدم فهم:
إيه الجنان ده.. يعني إيه طلقتها يا عز.. إمّتى الكلام ده وإزاي ماتقول...
قاطعها عز بانفعال شديد ونفاذ صبر، بسبب فرط توتر أعصابه التالفة:
ماما.. لو سمحتي كفاية، نطمن عليها في الأول.. أنا مش ناقص ولا قادر على تحقيقاتك دي خالص.
ابتلعت دعاء صدمتها بعبوس، وظلت صامتة على مضض، لكن سوسن لم تستطع الصمت لتتساءل بنبرة محتدة:
ولما إنت خايف أوي كدا عليها كنت بتطلقها ليه يا عز.. بنتي كانت عملتلك إيه عشان تطلقها؟
زفر عز بقوة، وأغمض عينيه محاولًا السيطرة على انفعالاته، لكن قدرة هذا العز على الحفاظ على هدوئه والتوازن غير مجدية، خاصة أن ما يحدث يدفعه إلى الجنون. فبدأ يزرع الأرض ذهابًا وإيابًا، يقتله شعوره بالذنب والألم في قلبه، وهو يقول بصوت معذب:
كل حاجة حصلت في لحظة نرفزة.. اتخانقنا وزعقنا مع بعض.. ومعرفش إزاي طلعت مني الكلمة دي غصب عني.
إعتصر الحزن قلب دعاء على حالة وحيدها الذي تراه على وشك الانهيار، لينخر عذاب الضمير خلاياها، لأنها السبب الأكبر فيما وصل إليه. فنظرت إلى سوسن، لتقول بهدوء وجدية:
دي أكيد كانت ساعة شيطان بتحصل بين أي اتنين متجوزين يا سوسن، إحنا المفروض نحل بينهم براحة.
تنهدت سوسن بحرقة تعتمر قلبها، والدموع تتجمع في عينيها، ثم تحدثت بنبرة حزينة:
من حرقة قلبي على بنتي اللي كانت كل مناها في الدنيا تجيب منك عيل.
_ المريضة فاقت، تقدروا تتفضلوا عندها.
قالتها إحدى الممرضات بابتسامة هادئة، ثم ذهبت إلى عملها، لتنتعش روحه متلهفًا لرؤية معشوقته، وتفوقت على شعور التردد الذي اجتاح ذهنه محذرًا له، فوجد خطواته تقوده نحو غرفتها، لكنه استوقفه سماع صوت والدتها التي تناديه بهدوء لا يخلو من الصرامة النابعة من شعورها الأمومي الغريزي الذي دفعها إلى إبعاد هذا العاشق الضاري عن ابنتها ولو مؤقتًا:
معلش يا عز، اعذرني في اللي هقوله.. بس أنا شايفة إنك تأجل مقابلتك بمنى لحد ما يوصل أخوها.. ونفهم سبب طلاقك ليها كان عشان إيه وليه عملت كدا في روحها طالما مش عايز تقولنا.
رفع عز حاجبيه مستنكرًا منعها له من الدخول على زوجته التي لا يريد إلا أن يشبع عينيه المشتاقتين لرؤيتها والاطمئنان عليها، حتى يهدأ ذلك الثائر داخل ضلوعه، طالبًا القرب منها بإلحاح، ليرد بإنفعال حارق:
وأنا عايز أشوفها، مش مضطر أستنى..
_ خلاص يا عز، سيبها تدخل تطمن عليها في الأول، معلش، اديها فرصة تستوعب اللي حصلها.. الخبر أكيد هيبقي صعب عليها وهتكون محتاجة أمها أكتر.
أطلق زفرة قوية عبرت عن مدى استيائه قبل أن يهز رأسه بالموافقة في استسلام متوتر لهم، وذهب ليجلس على أقرب مقعد، وعيناه لم تفارق سوسن التي اتجهت إلى غرفة ابنتها وأغلقت الباب خلفها.
أحنى عز رأسه، ووضعه بين كفيه، وأغمض عينيه بألم حاد يدق كالطبول في خلايا عقله، ليتمتم بصوت مختنق مليء بالندم، وكأنه يتحدث مع نفسه، فوصل إلى أذني دعاء:
جرحتها أوي بكلامي.. معرفش إذا حتى هتبص في وشي تاني ولا هتقولي إيه.
حاولت دعاء أن تنقل له كلمات تمنحه القوة والصبر، بصوت هادئ حنون:
اسمع.. أياً كان اللي قولته ووصل الأمور بينكم للمرحلة دي.. أفضل وراها لحد ما تسامحك يا عز، وخليك صبور وهادي، فهمني يا عز.. ماتنفعلش من أول ردة فعل ليها، هي أكيد مجروحة وتعبانة يا حبيبي.
ابتلع عز غصة الألم العالقة في حلقه بصعوبة، وامتلأت عيناه بالعبرات الحارقة، يحاول بكل طاقته أن يتمالك نفسه ويستجمع الرد على لسانه، لكن عينيه المحتقنتين منعته، وأعرب عن أسفه لخسارته:
خايف عليها.. وخايف منها.. مش عارف هتسامحني إزاي بعد اللي عملته معاها.. تفتكري ممكن تسامحني بعد ما خسرت الحاجة الوحيدة اللي كانت هتشفعلي عندها؟ خايف تكرهني وماترضاش تديني فرصة وتسامحني.
انهمرت دموعها على خديها بأسف، وهي ترفع يدها المرتعشة بتردد على رأسه المنحني، وتمسح على شعره بحنان، وهي تقول بهمس حزين:
اللي يحب مابيقدرش غير إنه يسامح ويغفر لحبيبه، ومهما عمل مابيعرفش يكرهه. ممكن يقسي عليه بس مابيقدرش يمحي معزته وحبه من جواه.
همس عز بصوت أجش نابع من قلبه المفطور، وشعور مظلم بالألم ومرارة القهر تجتاح روحه بمنتهى القسوة، مما زاد من وخز قلب أمه عليه دون أن يدرك عذاب الضمير الذي انتابها متأثرة بشدة بعبارته التالية:
مش عارف ليه حاسس أوي إني محتاج بابا في اللحظة دي.. محتاج يكون جنبي ويقف معايا.. ومحتاجه ينصحني يوجهني أو حتى يضربني.. عايزو يقولي أعمل إيه.. حاسس إني تايه أوي من غيره.
وكانت دموعه تتساقط الواحدة تلو الأخرى مع كل كلمة تخرج من شفتيه من شدة الألم والاحتياج. لم تحتمل دعاء رؤيته على هذه الحالة الضعيفة، فازدادت تعابيرها بالحزن والخزي، وهي تحتضنه بذراعيها المرتجفتين بحنان بالغ، ولا تدري هل تواسيه أم تواسي نفسها بهذه اللحظات القريبة فيها منه، وهي تخشى بشدة من عدم غفرانه لها، حينما يعلم الحقيقة المستترة حتى الآن.
***
خلال ذلك الوقت
عند أبريل
نطقت بالكلمة الأخيرة بتلعلع مصدوم، وهي في وسط أفكارها المتضاربة تميل بجسدها نحوه أكثر، محدقة به بعينيها الفيروزيتين المذهولتين اللتين تشبهان عيون القطط، ولم تكن منتبهة إلى كف يدها التي وضعتها بعفوية فوق يده على السرير دون سابق إنذار، مما أدى إلى تصلبه كالتمثال في مكانه جراء إحساسه بملمس بشرتها الناعمة. بالطبع لم تكن المرة الأولى التي تتودد إليه امرأة وتمسك يده، لكن عنصر المفاجأة من تلك القطة الغامضة المزاجية أثار حب الاستطلاع لديه حتى يكتشفها على مهل.
_ ممكن تكون هي اللي عملت كدا؟
استطردت تهمس بصوت مذهول دون أن تنظر إليه، فلم تكن تستوعب بعد أن المرأة التي زارتها، لتحذيرها من خطر هذا الزواج، هي ذاتها وراء هذه الفضيحة المشينة التي قد تؤدي إلى ضياع مستقبلها.
بلل شفتيه بطرف لسانه بتوتر، مستمعًا إليها بقلب مضطرب، وبتلقائية بحتة وجد نفسه يقترب منها، وكفه لا يزال أسير قبضتها، وكأنه لا يريد أن يبذل جهدًا ليسحبه بعيدًا، أو ربما يريد أن يطيل الاستمتاع بلمستها اللطيفة.
استقر براحة يده الأخرى على ذراعها، يربت عليه برفق قبل أن يرفع ذقنها به حتى تتمكن من النظر إليه مباشرة، خاطبها بقساوة صوته الرجولية المتأنية:
مش ده اللي المفروض يشغلنا دلوقتي.
انخفضت نبرة صوته أكثر، وتحولت إلى طبقة عميقة أشد جدية كان لها تأثير مغناطيسي خاص على مسامعها، إذ تختلف بشكل واضح عن طريقته الساخرة في التحدث:
الأهم أننا مغلطناش في حاجة عشان نداريها، ولا الهروب من المشكلة اللي واقعين فيها هيخليها تتحل لوحدها زي ما كنت بتخططي.
_ ومعلش لو حظك كان ضدك ووقعتي معايا أنا بس مابقاش فيها رجعة وصعب نغير كلامنا.. إذا مكنش في حاجة رسمي وبسرعة ولو بشكل مؤقت بينا قدام الناس.. هيتأكد الخبر، عندك استعداد أن سمعتك ومستقبلك هيدمروا.
نسيت للحظات من هو، بل تاهت بإنجذاب في أعماق تلك الفضة الذائبة داخل مقلتيه، واستمعت إليه بنصف عقل، لكن حالما وصل إلى منتصف حديثه أضاءت إنذارات اللاوعي الحمراء في رأسها، وتحديدًا عند ذكره أن الانخراط في هذه اللعبة معه أمرًا حتميًا عليها بلا رجعة، وهي ترفض بشدة أن تُجبر على شيء لا تريده.
***
في منزل فهمي الهادئ
اندفعت سلمى خلفه على الدرج بخطوات سريعة، لتراه يتجه إلى إحدى الطاولات في الردهة، فسألت بصوت منزعج وهي تقترب منه:
لسه بدري، مش لما نفطر الأول، ليه السربعة دي يعني؟
أثناء كلامها جلس فهمي على الأريكة، يعبث بشكل عشوائي بين صفحات الصحف، قبل أن ينقل لها خبرًا بمثابة قنبلة موقوتة، وكان كلاهما يعلم أنها سوف تنفجر حتمًا:
مصطفى لسه مكلمني بيقول رجع من السفر.
فغرت فاهها بمفاجأة، عندما رأته يواجهها بنظرات تحمل القلق في أغوارها، لوهلة هربت الحروف من طرف لسانها، ثم سرعان ما تغلبت على الصدمة وهي تصرخ بتساؤل مرعوب:
قالك إيه؟ عرف حاجة؟ أوعى تكون قلتله حاجة يا فهمي!
_ الدنيا كلها عرفت الخبر، مالي الجرايد والنت يا هانم.
قال لها بصوت حانق، وهو يمد لها الجريدة، فأخذتها منه بتردد، وما إن قرأت المقال حتى جحظت عيناها حتى كادت تخرج من تجاويفها، وتجمد الدم في عروقها، مما جعلها تشعر وكأنها انسلت عن الواقع، وكل ما طرأ في مخيلتها أن هذه الكارثة ستدمر بالتأكيد كل المشاريع المستقبلية التي بدأت بالفعل في تنفيذها. لم تستفق إلا على صوت زوجها الذي زمجر بنفاذ صبر:
إنتي لسه واقفة؟ يلا اطلعي البسي، خلينا نروح لإبريل قبل ما مصطفى يوصل عندها.
أومأت سلمى له بملامح شاحبة قبل أن تصعد بهرع إلى الطابق العلوي، تاركة فهمي يزرع الأرض تحت قدميه ذهابًا وإيابًا بقلق بالغ.
***
عند هالة
_ إذا في حد كان عنده استهتار واستخفاف بالثاني فهو انت يا دكتور.
ارتبك لوهلة من هجومها المضاد، ثم رفع حاجبيه باستعلاء، ونطق بنبرة رجولية متعجبة:
أنا!
_ وهو أنا عملت إيه يخليكي تقولي كدا عني؟
طرح هذا السؤال بلهجته واثقة حد الاستخفاف، ليبلغ غضبها أقصى درجاته، وردت بضحكة هازئة:
ليك حق.. ما إنت لو واخد بالك من تصرفاتك عاملة إزاي ما كنتش سألتني عملت إيه!
استفسر ياسر بتوتر من أسلوبها الغامض في الحديث، مما جعل ابتسامتها الساخرة تتسع على شفتيها:
إنهي تصرفات اللي بتتكلمي عليها؟ وضحي كلامك وفهميني.
بذلت هالة جهدًا مضاعفًا للحفاظ على ثباتها الانفعالي، تسأله دون قناعة:
والله مش فاهم..
أومأ ياسر لها بالإيجاب بتأنٍ، إذ تجلت علامات الحيرة على وجهه، منتظرًا أن تكمل حديثها، لتقوس شفتيها بتعبير مليء بالأسى الساخر، قبل أن تأخذ نفسًا عميقًا، لتشرح له بحدة خافتة لأول مرة يسمعها منها، لكنها لم تقلل من جاذبية صوتها:
تمام.. اللي اتحط في موقف سخيف يا دكتور قدام أهله وقدام الناس كان أنا.
رفعت هالة يدها لإبعاد خصلات شعرها البني الكثيف المتطايرة عن عينيها بسبب الريح، وأشارت باليد الأخرى نحو نفسها، مكررة بصوت منخفض الطبقات مفعم بالقهر على ذاتها، ضاغطة على كل كلمة خرجت من شفتيها:
أنا اللي حفلة خطوبتها اتقسمت نصين.. خطيبي شوية بيرقص معايا وشوية مع البيست فريند بتاعته.. ولما شفتها بترقص مع واحد تاني انت ماتحملتش رحت تضربه.
تجمعت العبرات في مقلتيها كطبقة بلورية متلألئة بشكل رائع، رغم نظراتها الحزينة دليل على حالتها النفسية السيئة، لتنقر بإصبعها السبابة على موضع قلبه، وهي تسأل بإنفعال مرتجف:
ليه وقتها ما فكرتش في الناس؟ ليه ما همكش خطيبتك؟
ازدرد لعابه بصعوبة، يشيح ببصره عن عينيها الدامعتين، محاولًا تجاهل نبرتها الحزينة، لكن كيف سيفعل، إذ أن الوجع لا يحتاج إلى حديث طويل، أحيانًا تكون نبرة الصوت نصف الكلام. ليستجمع الرد المناسب في ذهنه، لكن تفكيره لم يسعفه على النطق بكلمة، فهو يعلم مدى صدق حديثها، لكن من ناحية أخرى هناك صوت يهتف داخل عقله، يحثه على الإنكار والصمت.
أما هي فكل ما أرادته هو أن يطمئنها، يربت على كفها المرتعش بحنان، نظر إليها بحب، يقضي على كل الشكوك التي تنخر في خلاياها مثل ما يفعل السوس في الخشب، لا أن يتهرب من التحديق بها كما يفعل الآن.
ابتلعت غصة مريرة في حلقها كالعلقم، ورغم الخوف الذي يرتعد في أعماقها من معرفة حقيقة مشاعره، إلا أنها أرادت إجابة حاسمة، ولو كانت قاسية، لكن صمته الطويل صب الوقود على هواجسها، فاشتعل غضبها بقوة، ولم تتمكن من السيطرة على انفعالاتها أو إظهار عكس ما تشعر به كعادتها، بل تابعت بصراخ أجش:
رد عليا!
***
عند باسم
تفاجأ باسم بها، تحدقه بفيروزتين تقدحان شررًا من الغضب، الذي تناقض مع هدوء ملامحها الوديعة منذ لحظة واحدة، لدرجة جعلته يشرد فيها لا شعوريًا، ولم يكن يعلم أن جزءًا كبيرًا من هذا الحنق كان موجهًا إلى نفسها عندما لاحظت يدها تستريح على يده، كأنها تستمد منه بعض الأمان.
أصبحت وجنتاها محتقنتين بالدماء من فرط خجلها، وكم كرهت هذا الشعور؟
من بين كل الناس، وقع اختيارها الأحمق على هذا الباسم، الذي توهجت عيناه الفضية ببريق غريب، ومر شبح ابتسامة على شفتيه بمجرد أن لاحظ تلون خديها الشهيتين، ونظراتها مثبتة على يديهما.
تجهمت ملامحه فور أن أبعدت كفها عنه سريعًا، وفركتها بعنف في الغطاء، وكأنه يحمل وباء خطيرًا قد يصيبها به، قبل أن تحدق به برأسها المرفوع بشموخ ونظرات قوية، متحدثة بنبرة باردة:
إذا قاصد تخوفني بكلامك فأنت غلطان، أنا مش محتاجاك ولا محتاجة لأي حد، وزي ما قولت أنا مغلطتش في حاجة عشان أخاف واستخبى منها.
أشارت أبريل نحوه بإصبعها السبابة بازدراء، لتتابع بحدة ناعمة:
واوعى تفكر لو لثانية إني ممكن أثق فيك بعد اللي عملته معايا ده، مستحيل.
اختتمت أبريل كلامها بتأكيد وأنفاس متسارعة، فرفع باسم ذقنه بغطرسة، لتظهر اللامبالاة جلية على ملامحه، وداخليًا يغلي من الاغتياظ، ها هي ذا مرة أخرى ترمي سهامًا مسمومة في منتصف جبين كبريائه، لكن هذه المرة لن يتهاون معها، لأنها استنفدت بالفعل كل طاقته، ليرد عليها بجمود مخيف:
إنتي حرة.
وبعينيه ذوات نظرات باردة التي لم تحيد عن عينيها المستهجنتين، ليتابع من بين أسنانه بصرامة مذكّرًا إياها بكلامه السابق:
بس افتكر وضحتلك الصورة وقولتهالك، إني لو بإيدي كنت خليتك تتعاقبي على تصرفاتك الغبية اللي خلت الكارثة دي تحصل.
كانت عيناه الرماديتان تتلألأ ببريق قاسٍ جعل أي كلمات لاذعة على لسانها تفر هاربة، بعد أن عبثت مع هذا الذئب الذي قرر إظهار أنيابه الحادة مرة أخرى أمامها حتى يحجم تمردها عليه، لتزيد تفاصيله شراسة ووسامة فائقة، وهو يضيف باستخفاف جاف، مشيرًا نحو الباب:
زمان أهلك هيوصلوا في أي لحظة.
رمقته أبريل بغيظ ممزوج بالتوجس، ليقابله بنظرات تبرز برقًا مهتاجًا، ولقد استفزه كثيرًا الازدراء الذي يلوح في أفق فيروزيتها الرائعة، وانذهل أكثر من تهاونها في هذا الأمر الجلل، في حين كان ينبغي لها أن تطلب منه المساعدة، لا أن تصده عنها كما تفعل الآن.
لوى باسم شدقه بسخرية، وهو يميل برأسه نحوها، حاولت الابتعاد لكنها تجمدت مكانها، حالما واصل الهمس العميق بجوار أذنها، مستوطنًا بين أوتاره تحذيرًا غامضًا:
كملي على العناد وتنشيف الدماغ ده قدامهم.. هتفهمي معنى كلامي لما يشيلوكي مسؤولية كل اللي هيحصل بسبب الإشاعات اللي كل ثانية بتكتر علينا.
نبرته الماكرة المغلفة بالقسوة، وأنفاسه التي ترتطم برقبتها بلا رحمة أصابتها بقشعريرة غريبة رغم ادعائها بالصمود أمامه، لكنه بسهولة أحس باحتراق أعصابها، التي استنشق رائحتها من خلال لهاثها المحتقن، ورفعت فيروزيتها إليه بنظرة متحدية، لتبرهن له بإستماتة، عدم اكتراثها بقولها البارد:
سبق وقولتلك ما يهمنيش، انت مابتسمعش.
تثخنت بها خفقاتها المتصاعدة بارتباك لقرب وجهيهما من بعضهما البعض، إذ يستمر هذا الرجل الوقح في انتهاك حدود خصوصيتها بلا هوادة، ونيران التحدي المشتعلة بين السطور جعلته أكثر حماسًا لإخضاعها تحت سيطرته على طريقته الخاصة، فوجد نفسه يرد بذات البرود:
ماشي.. يلا واجهي ده كله لوحدك.. انتي مش محتاجاني وأنا هقف معاهم وأتفرج عليكي.
أنهى باسم كلامه بابتسامة مغلفة بالتلاعب لينجح في استفزازها، وبدلاً من أن تثير غضبه وتأجج حنقه، ليرحل بلا رجعة، انقلب الأمر ضدها، لتتأكد أن خلاصها محكومًا بقبضة يده، وبكل برود وتريث، وجدته ينهض عن الفراش ويتحرك نحو الباب، ليتركها خلفه، والخوف يحفر مخالبه في نياط قلبها المرتعد، فيفجره بقسوة، مما جعل نبضات قلبها تتوقف جراء حديثه الصحيح، وتزايد سخطها تجاهه بشكل كبير، مما جعلها تنبس من بين أسنانها بقهر مكبوت:
في ستين داهية.
***
في المنصورة
كادت خالة أبريل صابرين أن تفتح باب شقة والدتها، لتتفاجأ بهبوط نادية على السلم، فتركز نظرها بذهول على الحقيبة الكبيرة التي كانت تحملها بصعوبة بسبب ثقلها، وعلى ذراعها الأخرى، كانت تحمل ابنتها النائمة، لتهتف بنبرة ودودة:
صباح الخير يا نادية.
ابتسمت لها نادية، وقالت بنفس النبرة بعد أن توقفت أمامها:
صباح النور.. إزيك يا صابرين؟
بادلتها صابرين الابتسامة قبل أن تقول بتساؤل:
أنا كويسة.. إنتي عاملة إيه.. وإيه الشنطة دي يا نادية.. حصل حاجة ولا إيه؟
ربتت نادية على ظهر الطفلة تهدهدها، وهي تشيح ببصرها بعيدًا هربًا من نظرات صابرين القلقة، وأجابت نادية بنبرة كافحت، لتبدو طبيعية رغم شعورها الشديد بالاختناق، إلا أنها اعتادت إلى الكتمان داخلها، رافضة الكشف عن شكواها لأي فرد من أسرة زوجها، لأن ببساطة ستكون الملامة الوحيدة بينهم:
لأ مفيش، ما إنتي عارفة أحمد سافر.. قولت أروح لماما كام يوم أقعد عندها.
شعرت صابرين بالشفقة عليها، عندما رأت الألم يتبلور في انعكاس حدقتي عينيها، فقالت بلطف:
ولزومها إيه البيات يعني يا نادية! زوريها ورجعي.. كدا كدا أحمد رايح يوم وراجع على طول.
تابعت صابرين حديثها بتريث، وهي تضع يدها فوق كتف نادية برفق:
نادية ماتزعليش، ده واجب، أبريل مالهاش غيرنا، إنتي طول عمرك عاقلة، ماتخديش على خاطرك وتحطي في نفسك، أحمد مالوش غيرك إنتي وبنته.
نادية سخرت سرًا في قلبها الممزق من القهر على ما سمعته، هل هي تكذب عليها أم على نفسها؟ الجميع يعرف الحقيقة الواضحة للأعمى، فابتلعت الغصة التي تشكلت في حلقها، وردت بنبرة مهزوزة:
أصل ماما صحتها تعبانة شوية وأسيل مشغولة في بيتها، قولت أكون جنبها الفترة دي.
أومأت لها صابرين بتفهم ظاهري، حيث انتبهت لعلامات الكذب الواضحة عليها، ولم ترغب في الضغط عليها أكثر لتخاطبها باستسلام:
ألف سلامة عليها.. طيب يا حبيبتي على راحتك روحي.. وابقي طمنيني عليها.
هزت نادية رأسها بالموافقة، ونبست بصوت خافت:
إن شاء الله. سلامو عليكو.
وما أن قالت الكلمة الأخيرة حتى رفعت الحقيبة عن الأرض، واختفت عن نظرها، قبل أن تتدفق دموعها، التي تملأ عينيها بأسى شديد على حالها.
***
عند باسم
فور خروجه من غرفة أبريل، انمحت ابتسامته، وأطلق زفرة قوية، وهو يحاول السيطرة على عاصفة غضبه الهوجاء التي سببتها تلك الهرة العنيدة.
فرك باسم جبهته، وهو يشعر بألم يفتك بجمجمته من التوتر وقلة النوم، بالإضافة إلى تصرفاتها وتحديها المستمر له وكأنه ألد أعدائها. نظراتها لغز غامض خليط بين القوة والضعف بنفس الوقت، لم يفهم لماذا عاملته بهذه الشراسة التي تقوده للجنون وتروق له في آن واحد.
وفي غمرة تشتت أفكاره لم ينتبه لإشارة إحدى الممرضات التي كانت واقفة على بعد مسافة منه.
راقبته بعينين حائرتين، فرأته يستدير إلى الجهة المعاكسة ليغادر الردهة بخطوات هادئة، لكنها اتخذت قرارها عازمة على التحرك فورًا لتنفذ ما أمرها به مسبقًا.
***
في نفس الوقت
سار صلاح في الرواق، وهو يتحدث عبر الهاتف مع مدير مكتبه:
مشي أنت الدنيا عندك مع باقي المديرين وبلغني بالجديد معاكم.
هتف مقاطعًا الطرف الآخر بنفاذ صبر، حالما رأى باسم مقبلًا نحوه:
طيب اقفل يا حسام خليني أفكر في الكارثة اللي وقعت على دماغنا.. يلا سلام.
وصل صلاح إليه، وسأل بلهجة مطوقة بالغضب والسخرية:
رايح على فين البيه؟
رد باسم بإيجاز متعجب:
الكافيتريا.. حضرتك هنا من إمتى؟
أجابه صلاح ساخرًا:
من بدري يا بيه.. عمال ألف على سيادتك من الصبح وتليفونك مقفول.
أغمض باسم جفنيه بتعب للحظات، فهو غير مستعد لعاصفة التوبيخ التي هبت بكلام والده، على مضض فتح عينيه، ونظر إليه بلا مبالاة قائلًا بلسان ثقيل الحروف:
فاصل شحن.
أجج لهيب غضبه بقوة من برود ابنه، فصاح بصوت أجش حانق جعل المارة يلتفتون نحوهم في دهشة:
يا برودك! هو إنت مش مقدر حجم الكارثة اللي وقعنا فيها بسببك وشغلنا اللي خرب من تحت عمايلك وطيشك!