كنت كطائر الكناري الطليق يتلولب في الهواء، حيث كان واثقاً فوق الشجرة عالية، ويغني للأغصان بصوته الرائع كل صباح، فصادف أن شاهدته من بين الأغصان، فأعجبت به وانجذبت نحوه، مما جعلك لا تستطيع أن تقاوم جماله الرقيق، فأحببت أن تحظى بإمتلاكه، لذا فكرت بصيده، فألقيت فتافيت الخبز إليه بمنتهى الرقة والحنان حتى اطمأن إلى يدك الممدودة إليه، ثم على حين غرة أدخلته في قفص ذهبي وأغلقت بقفل وردي، حرمانًا إياه من الغناء والحرية مرة أخرى يا ملاذي الملعون.
أما بعد. نحن لا نقع في الحب باختيارنا، لكن الابتعاد عن من نحب قرار يمكن اتخاذه. عند ريهام "مش هتحصل مصيبة يا ماما.. ابريل هترجع لمصطفى وقريب قوي." جحظت عينيها بدهشة، وهي تتساءل بسرعة: "هي قالتلك حاجة؟ رفعت ريهام حاجبها
بغطرسة مجيبة إياها بثقة: "من غير ما تقولي.. ابريل مش هتكمل مع باسم، لأن لو مش واخدة بالك هي وافقت على الخطوبة مش حبًا فيه زي ما هي عايزة تقنعنا.. كل الحكاية إنها عايزة تضايق مصطفى مش أكتر.. يعني فترة بسيطة وهيسيبوا بعض." عبست ملامحها في استنكار، وأسندت مرفقيها على فخذيها، وشبكت أصابعها ببعضها البعض، وهي تتساءل بنفاذ الصبر لا تخلو من الارتعاب: "وانتي جايبة الثقة دي منين؟!
نهضت سلمى من مكانها، وهي تتحرك ذهابًا وإيابًا، وقصفتها بالمزيد من الاستفسارات التي كانت تتماوج في رأسها بتوتر: "ماهي حتى لو سابته هنضمن إزاي إنها ترجع لمصطفى.. وتفتكري مصطفى أصلًا هيبقي لسه عايزها بعد اللي عملته فيه؟ وقفت ريهام في وجهها، ورفعت يديها لتضعهما فوق ذراعي والدتها، وشرحت لها بنفس النبرة الواثقة،
ممتصة غضبها: "دي بقي سيبها عليا.. أنا كلمت مصطفى امبارح ورايحة أقابله النهارده.. ومش بعيد أقدر أخليه يغير رأيه ويتمسك بيها أكتر." انفرجت أساريرها بتفاجؤ، وقرع قلبها ينبض بأمل جديد، فهتفت تشجيعًا: "تبقي بنت أمك بصحيح إذا نجحتي في كدا يا ريمو." تعالت ضحكاتها بخبث، وهي تطمئنها بغرور: "ماتخافيش يا ماما الأفكار عندي كتير أوي بس محتاجين شوية صبر.. يلا يدوب أروح الأتيليه أخلص اللي ورايا وبليل هروح أقابله أوكي."
وهكذا أنهت حديثها معها، وهي تتحرك من أمامها، تأخذ حقيبة اليد من فوق طاولة الزينة، بينما سلمى جالسة على السرير تتنفس الصعداء، ثم قالت بابتسامة: "طيب يا حبيبتي ماتنسيش تطمنيني بأخبار كويسة." خلال هذا الوقت عند عز تململ في نومه، وهو يعقد حاجبيه بانزعاج من تلك اللمسات الناعمة، كما لو كانت تخبره بهدوء أنها بجانبه. فتح عز عينيه ببطء، ووقع بصره على كف يدها، الذي تداعب به خده صعودًا وهبوطًا بنعومة.
أدار عز رأسه إليها، فأغلقت عينيها على الفور متظاهرة بالنوم، تأملها بحاجبين معقودين، قبل أن تلوح شبه ابتسامة متعجبة على فمه من هيئتها، عيناها مغلقة، وإحدى يديها تحت رأسها، ولا تزال تمرر أطراف أصابعها على لحيته في آن واحد. ساورها الفضول حيال صمته، ففتحت عين واحدة ببطء، لتراه يحدق بها قبل أن يهمس بصوت خشن ممزوج ببحة النعاس: "صباح الخير.. بطتي الشقية قايمة من بدري وعمالة تعاكس فيا." نظرت إليه من خلف جفونها نصف المغمضة،
ثم غمغمت بهمس: "أنا لسه نايمة." "والله.. من يوم ما اتجوزنا دي أول مرة أعرف إنك بتتكلمي وأنتي نايمة." جاراه عز بذهول، مستمتعًا بسحر لمساتها الرقيقة، بالإضافة إلى حركاتها اللطيفة التي تخطف الأنفاس من صدره. أجابته منى بابتسامة، وجفونها لا تزال مغلقة: "دي غلطتي عشان خبيت عليك مرضي اللي مالوش علاج." رفع أحد حاجبيه الكثيفين في دهشة مما زاده وسامة، ثم غمغم متسائلاً: "ومن إمتى وانتي على الحال ده؟ "من أول يوم اتجوزتك فيه."
تلقى منها الجواب بنفس الهمس بجانب أذنه، ثم ما لبث أن مالت بوجهها نحوه، وقبلت خده بحنان، مع ابتسامة كسولة علقت على زاوية فمه من حلاوة قبلتها، فيما عادت للنوم على جانبها كما كانت. ضم شفتيه معًا في خط مستقيم، وهز رأسه بخيبة أمل وآس مصطنعين: "لساني مش مطاوعني أقولك ربنا يشفيكي منه.. أنا عايزك كده مريضة بيا على طول." ابتسمت منى بهيام وهي تراه ينحني عليها ليضع رأسه على صدرها، ويلف ذراعه حول خصرها مثل
طفل يتودد إلى حنان أمه: "أنا مش بس مريضة بيك.. أنت الميه والهوا والنفس ليا يا حبيبي." بادر عز بسؤال، وهو يرفع وجهه إليها: "يعني تقدري تعيشي من غيري قد إيه كده بأقصى حد؟ زمت شفتيها المغوّطين بتفكير مصطنع، لتقول بتمتمة ناعمة: "يعني يوم أو يمكن يومين كده." "ما تصيعيش.. تقدري تعيشي من غير ميه أسبوع عادي."
قالها بنبرة مرحة ممزوجة بالضحك، وهو يطبع قبلة خفيفة على شفتيها المزمومتين، ثم سرعان ما غمس وجهه في صدرها مرة أخرى، ليصله صوتها المتحشرج من فرط المشاعر التي تعصف بقلبها النابض بقوة تحت رأسه: "بس مقدرش أستغني عن الهوا لو دقيقة واحدة.. وكل ما يخطر على بالي.. إني ممكن أصحى في يوم ومابقيش في حياتي بتجنن وأترعب." نظراته العاشقة تركزت على مقلتيها الدامعتين بعد أن رفع نفسه نحوها،
ليهمس لها بحزم حنون: "راسك الحلوة دي مش عايزها تفكر في الأفكار دي تاني.. إحنا هنعيش سوا.. ونكبر سوا ولا تقدر أي حاجة هتبعدني عنك." اتسعت ابتسامتها، فازدادت جمالًا مع إشراقة وجهها الجميل، وأحاطت وجهه بين يديها قائلة بنبرة منخفضة جعلت انتظام نبضات قلبه يضطرب لهًا وعشقًا من أجلها: "بحبك قوي." اقترب عز متصنعًا عدم سماع همسها، ليغمغم بجانب شفتيها: "إيه.. ماسمعتش؟ تعالت ضحكاتها بنعومة، ثم ما لبث أن نطقت بحب: "بحبك أوي."
تلمعت عيناه بغرام جارف، متممًا بنفس اللهجة: "على صوتك أكتر." مررت بأطراف أصابعها على لحيته قبل أن تطبع فوقها خده بقبلة هادئة، لتكرر بهمس مفعم بالعشق: "بحبك أوي." أغمض عز جفنيه، وهو يشعر بالنعيم يغلفه وهي بين ذراعيه، مستمتعًا بنبرة صوتها الكناري، وتنهداته المنتشية تشق فمه، وهو يعانق جسدها له أكثر: "أيوه كده سمعت." اتسعت عيناه من الصدمة، وهو ينتشل نفسه من خضم ذكرياته فور أن شعر أنه لا يحتضن سوى الفراغ.
نظر حوله بتيه، ليكتشف أخيرًا أن ما كان يعيشه قبل بضع ثوانٍ، لم يكن سوى ذكرى قديمة مدمجة في دفتر ذكرياتهم. بعد فترة وجيزة سمع عز طرقًا على باب الغرفة، وقبل أن يسمح بالدخول، وجده ينفتح، ليظهر باسم بطول قامته خلفه. وقعت نظراته على الشخص الجالس على السرير، وتحيط به موجة من الدخان المتصاعد من احتراق سيجارته. شعر بالأسى على حالته، فأخذ نفسًا طويلاً قبل أن يهتف بنبرته الهازئة،
وعلى فمه ابتسامة جانبية: "جرى إيه في الدنيا يا أبو الصحاب.. كل ما أسأل عليك يقولولي معتكف.. أنت لو واخد سويت في أوتيل مش هيجيلك التلت وجبات جوه الأوضة كده." داس عز بقايا سيجارته في منفضة السجائر الموضوعة على الطاولة قبل أن يلتفت إليه، صائحاً بصوت منزعج: "الله يخليك يا باسم مش ناقصك.. اخرج واقفل الباب وراك." كتف باسم ذراعيه أمام صدره بعدم رضا،
وقال بصوت ذو مغزى: "لحد امتى هتفضل راكب دماغك كده ومش عارف تهدي من عصبيتك المتخلفة دي شوية." صاح عز بصوت غاضب: "استغفر الله العظيم.. باسم أنا على أخري.. يا تتكلم عدل يا تغور بره.. القرف اللي فيا يكفي بلد بحالة." لاحظ باسم نظرات عز الزائغة على الهاتف بتوتر، فأتجه إليه، ليجلس على السرير أمامه قبل أن يبادر بسؤاله: "عايز تكلمها مش كده؟
اندلعت شرارات من اللهب، يغلفها الشوق الغامر لها في مقلتيه، وهو يتململ في مقعده كأنه جالس فوق نيران تحرقه، وأخبره بنبرة معذبة يملؤها الحزن: "حايش نفسي بالعافية.. هاين عليا أقوم أروح أجيبها من عند أمها ولو بالغصب.. أنا أصلًا معرفش إزاي فاتوا عليا اليومين دول من غير ما أشوفها.. أنا مش متخيل أصلًا إني عايز أكلمها ومش عارف هكلمها بأنهي وش هقولها إيه.. دماغي هتشت مني!!
هكذا تكلم عز، والدموع الحارقة تلمع في عينيه ليربت باسم على قدم الآخر بمؤازرة، وهو يخاطبه بجدية: "تعالى على نفسك شوية واستحمل عشانك وعشانها.. سيبها تقعد مع نفسها كام يوم عشان تفكر كويس وتحس بغيابك وتسأل نفسها أنت روحت فين وليه ماحاولتش تكلمها أو تروح لها.. ساعتها هي من جواها هتحس لأنها محتاجالك.. لكن طول ما أنت اللي هتفضل تطاردها هي هتهرب منك." هز رأسه له بالموافقة على مضض، ثم سأله بسرعة بنفاذ صبر: "يعني أعمل إيه..؟
تطلع باسم حوله بنظرات غير راضية، وهو يدلك ذقنه بأطراف أصابعه مفكرًا، ثم أخبره بهدوء: "تطلع من الحالة الكئيبة اللي حاطط نفسك فيها دي.. وقوم البس هتيجي معايا نروح لخالد.. الراجل متخرشم على الآخر." عقد حاجبيه بإستغراب إحتل سؤاله: "ليه هو إيه اللي جراله..!!! استقام باسم واقفًا، ليسير ناحية الباب، معقبًا عليه بعجل: "انجـز أنت وفي السكة هبقى أحكيلك." كأنه أنهى باسم كلامه في نفس الوقت الذي أغلق فيه الباب خلفه.
تنهد عز بقوة، ونهض من السرير بعد أن أزال الغطاء عنه، ثم توجه إلى الحمام استعدادًا للخروج. في الساعة السابعة مساءً بداخل إحدى المقاهي جلست ريهام أمام مصطفى بمظهرها الأنيق، وعينيها الزرقاوين تتلألأ ببريقهما الخلاب، وقالت بابتسامة ساحرة ينخدع بها أعتى الرجال: "ميرسي ليك يا مصطفى إنك وافقت تيجي ونتقابل." ابتسم مصطفى مجاملًا
إياها بهدوء: "رغم إن مش راضي وعلي أخري من اللي بيحصل من أختك وأبوك.. بس أنتِ معزتك عندي كبيرة يا ريهام." بادلته الإبتسامة، وهي تتحدث بلطف: "وأنت كمان.. إحنا مش بس قرايب إحنا أصحاب وطول عمرنا متربيين مع بعض.. عشان كده مش عايزآك تاخد قرار متسرع يا مصطفى تظلم أبريل بيه." دلت ملامح وجهه الرجولية التي يكسوها احمرار طفيف إلى استيائه فور انتهاء جملتها،
أعقبه تفوه الغاضب: "أختك حولتلي تمن الفستان والدبلة الصبح.. وكل المواقع والأخبار ناشرة صورها في حضنه وتقوليلي ما أظلمهاش.. ده عبث يا ريهام." صمتت ريهام لعدة ثوانٍ، بحثًا عن إجابة ترد به عليه وهي توبخ أبريل سرًا في عقلها، قبل أن تنظر إليه وقالت بنبرة دبلوماسية: "شوف يا مصطفى أنا هكون طرف محايد.. زي ما هي غلطت.. أنت كمان غلطت.. أبريل بنت حساسة جدًا وكرامتها فوق كل حاجة وأنت عارف ده كويس." رمقها بنظرة ممتعضة،
هاتفا بنبرة محتدة: "حساسة إيه وزفت إيه.. بقولك في حضن غيري؟! زمت شفتيها بضيق من لهجته معها، لكنها بصبر بدأت تنسج خيوط قصتها الخيالية حول ذهنه: "الموضوع مش كده خالص.. ده جارنا من زمان وكانت عينه مني.. لما صدّيته حب يستفزني.. وطلب في حفلة أخته إيد أبريل قدام الكل وهي وافقت في لحظة انفعال بعد صدمتها بموضوع جوازك.. لكن هي ما بتحبوش ولا تعرف حاجة عنه أصلًا." زوّى مصطفى حاجبيه
بحنق تطابق مع تلفظه: "أنا كنت عارف إنه واحد حقير ومستغل بس ما تصورتش يبقى منحط لدرجة دي.. وإنتي إزاي ساكتة عليه.. ما عرفتيهاش الحقيقة وقولتي لبابا؟ يسأل مصطفى مستفسرًا في نهاية عبارته، عبست ملامحها الفاتنة بحزن مصطنع ينضح بصوتها الناعم المملوء بالمكر الخفي: "ماكنتش عايزة أعمل مشكلة بينا وبين عيلته.. هما أصدقاء لعيلتنا من زمان جدًا وكمان بعد اللي حصل ثقتها فينا انعدمت.. مكنتش هتصدقني."
يهتف مصطفى محتجًا: "كل اللي قولتيه ما ينفيش إنها غلطانة في حقي أكتر ما غلطت في حقها بكتير.. أختك واتحدتني بكل بجاحة وأنا لآخر وقت كنت كويس معاها واستحالة أنساها اللي عملته." طالعته ريهام بقلق بمجرد ظهور غضبه من أبريل مرة أخرى، وسرعان ما غيرت دفة الحديث بحزن مزيف: "باسم إنسان خبيث.. أنا خايفة عليها منه.. ممكن يضحك عليها ويضرها من غير ما تحس." نفخ مصطفى بإستياء قبل أن يرد
من بين شفتيه المضغوطتين: "أنا هعرف بطريقتي أخليه يبعد عنها غصبن عنه." تجعّدت ملامحها على الفور من كلامه التهديدي، من المؤكد أنها لم تكن تريده أن يؤذي باسم، فغمضت عينيها واستفسرت بصوت يملؤه القلق: "يعني إيه.. أنت ناوي على إيه يا مصطفى؟ ارتشف مصطفى قليلاً من فنجان قهوته قبل أن يجيب بغموض غير مريح: "هتعرفي في الوقت المناسب." تجنبت نظراته الثاقبة لها، حينما نظرت إلى ساعة هاتفها بتوتر،
ثم خاطبته بنبرة لينة: "طيب ممكن تيجي معايا على البيت ونكمل كلامنا هناك بليز يا مصطفى.. ماما أعصابها تعبانة جدًا من بعد اللي حصل وأنا قلقانة يجرالها حاجة." أماء مصطفى إليها بالموافقة على مضض. بعد مرور ساعة بداخل غرفة منى
"استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم.. يارب سامحني واغفرلي ذنبي.. أنا عارفة إني غلطانة وارتكبت إثم في حق نفسي لما حاولت أنتحر.. كانت النتيجة إني خسرت هديتك ليا.. أنا أستاهل عقابك بس سامحني واهديني للطريق الصحيح يارب.. اشفيني منه وخرج حبه الملعون من قلبي يارب.. دي غلطتي أنا اللي حبيته بالشكل ده.. أنا اللي أذيت نفسي وأنا مش حاسة.. يارب سامحني وعوضني خير من عندك يا كريم."
أنهت منى صلاتها، وطوت سجادتها قبل أن تنزع الأسدال عنها، ثم توجهت إلى شرفة غرفتها، تمسح الدموع عن وجهها بأطراف أصابعها المرتجفة، إذ لم تفعل شيئًا منذ يومين إلا البكاء على حالها وعلى قلبها الذي كاد أن يتوقف من شدة الحسرة وألم الفقد الذي تشعر به.
جلست منى على المقعد، وهي تضع يدها لا إراديًا تتحسس بطنها بابتسامة مريرة، هي ليست غافلة عن حقيقة كونها السبب فيما آلت إليه حياتها، فهي التي تخلت عن أشياء كثيرة لإرضاء زوجها، قلبها هو الذي لف حبلاً خانقًا حول رقبتها حتى زهدت روحها بابتسامة عريضة على وجهها. ابتلعت تلك المرارة التي استقرت في جوفها، والذكريات تتضارب في ذهنها، لتغرقها في أعماق بحره العميق. flash back
كانت منى تجلس في حضن عز على الأريكة في غرفة المعيشة داخل منزلهما، بينما كانت تتصفح أحد مقاطع الفيديو على هاتفها أثناء مشاهدة عز لأحد البرامج على التلفاز. جذبت منى انتباهه بصوتها المتحمس مشوب بالحنين: "شايف يا عز البنوتة السكرة دي.. جميلة قوي أوي ماشاء الله.. شايف شايف ضحكتها العسل.. والله دي الواحد ما يشبعش منها أبدًا طول الوقت." "زي ما أنا مش بشبع منك أبدًا كده؟!
همس عز لها بتلك الكلمات بصوت أجش مثير بجانب أذنها، بينما يميل نحوها، وعض وجنتها برفق، فأبعدت رأسها عنه، وهي تتذمر برقة: "يووه من حركاتك دي يا عز.. الفيديو هنا شوف." أدارت منى وجهه نحو الشاشة بيدها، فاخذ منها الهاتف وقال بنبرة غاضبة: "أشوف إيه بس!!
دول شوية ناس مستعبطة أصلًا.. مش فاهم ليه بيستعرضوا عيالهم بالمنظر ده.. كل ده عشان كام ألف لايك وكومنت في الآخر.. أنا لما يبقى عندي بنوتة قمر كده من خوفي عليها هخبيها عن عيون الناس.. محدش عارف النفوس شايلة جواها إيه لبعض؟ ابتسمت منى بحبور، وتسارعت نبضات قلبها شوقًا، سألت بنبرة ثقيلة: "يعني أنت نفسك في بنت؟ غمز لها عز وهو يحدق بها بنظرة وقحة، شعرت بأنها عارية أمامه،
وهو يقول بخفوت عابث: "جدًا.. أنا بموت في البنات.. هو في أحلى منهم." لطمت خده بغيظ، ووبخته بشفتين مزمومتين، أثارت فيه رغبات غير أخلاقية: "احترم نفسك.. أنا بكلم بجد دلوقتي.." لانت ملامحها، وأخفضت بصرها، مع ارتباك شعر به في صوتها فور أن قالت: "يعني أنت موافق إننا نجيب بيبي يا عز وننهي موضوع تأجيل الخلفة اللي اتفقنا عليه في أول جوازنا؟!
شعرت بقبلته الناعمة على جبينها، وهو يحرك خصلات شعرها خلف ظهرها، ليسألها هامساً: "أنتي مستعدة لكده؟ حدقت منى فيه بسرعة، مبتهجة أسايرها، وعيناها تتلألأ بوميض متلهف، ردت مندفعة: "أوي يا عز.. ماتتخيليش قد إيه نفسي أوي أجيب منك بيبي.. ها موافق؟ طال عز النظر إلى عينيها بغموض قبل أن يجيبها بجمود: "مش عارف.. لسه حاسس إني هندم أوي لو وافقت." تضاءلت البسمة فوق ثغرها الفاتن، وهي تسأله بتمهل بلمحة خوف: "ليه بتقول كده!!
هو أنت مش... ظهرت البسمة على شفتيه قاطعًا بقية جملتها بتقبيل خديها بقبلات ناعمة متتالية، وهو يتمتم ببحته الرجولية الزاخرة بالشغف: "أنا كمان نفسي أوي في طفل منك.. بس خايف؟ سألت بعينيها الساحرتين اللتين أذابت روحه في طبقات البندق اللذيذة في مقلتيها، وسرعان ما لف ذراعيه من حول جسدها أكثر بتملك عاشق،
ليتابع عبارته بنفس النبرة: "أنا بس متعود إن اهتمامك كله ليا أنا لوحدي.. ف على قد ما أنا عايز أخلف منك على قد ما أنا غيران من فكرة إنه لما ييجي الطفل ده هيشاركني فيكي وممكن يلهف كل وقتك وتنسيني أنا." أنهى عز كلامه بتذمر طفولي حاد مليء بالتملك، عقدت حاجبيها من جدية كلامه غير المنطقي، لكنها في النهاية تعشق هذا الرجل بقلبه العفوي، فقاربت جسدها منه داخل حضنه،
وشرعت في استرضائه بلطافة: "هو أنت هتغير من ابنك من قبل ما ييجي يا مجنون.. أنا وأنت هنبقى شركاه في النونو.. هنربيه ونحبه ونهتم بيه مع بعض يا زوزو." تلمعت عيناه بوميض ملتحفًا بالشغف، وهو يهز رأسه بالموافقة فيما يسحبها من خصرها، لتعانق رقبته بكلتا ذراعيه بابتسامة مليئة بالفتنة، فهمس فوق شفتيها بإغواء رجولي جذاب: "قدام زوز دي من شفايفك الحلوة تسقط كل أسلحتي وبرفعلك الراية البيضاء بكل حب واستسلام يا بطة قلبي."
اقترب عز منها حتى اختلطت أنفاسهما سوياً، حركت وجهها يميناً ويساراً، في محاولة للتمنع عليه بدلال، لكن قبلاته المحمومة بالجنون، وهمساته لها بهذه العاطفة الجياشة جعلت قلبها يستجيب له بنفس الشغف الملتهب. back خرجت من الانغماس في أفكارها عند شعورها بلمسات ناعمة على قدميها.
خفضت نظرتها إلى القطة الصغيرة التي يمتلكها ابن أخيها، فانحنت والتقطته بلطف من الأرض، ووضعته في حجرها، ودبت رأسه الناعم، وهي تنظر إلى الأمام مرة أخرى في صمت.
لها هي الآن فقدت بآن واحد جنينها وزوجها الذي أحبته أكثر من حياتها، حتى باتت تشعر بأنها لا قيمة لها بدونه، فهو ملاذها ولعنتها في نفس الوقت، لذا لن تلقي اللوم عليه وحده، هي أيضًا ملامة بشدة، ولكن تسمح لنفسها بأن يستهلكها الحزن وتظل عالقة بذكرياته إلى الأبد، عليها أن تتقبل الواقع.. يكفي عناد ودموع. أخذت منى نفسًا عميقًا، وقررت المضي قدمًا وتغيير هذا الشعور المرير إلى شيء إيجابي قريبًا.
ما حدث لن يكون نهاية العالم، ولن تتوقف الحياة حزنًا عليها، ولن ينفعها الاستمرار في البكاء على الأطلال، وعند وصولها إلى هذا الحد من التفكير، قامت من مقعدها عازمة على فعل شيء ما. عند أبريل كانت تجلس على الأريكة في غرفتها، وفي يدها الكتاب الذي أهداها إياه أخيها. فجأة أغلقت، وانحنت إلى الأمام في مقعدها، وقدميها متقاطعتان، وهي تمضغ قطعة الشوكولاتة في فمها بملامح مستاءة
قائلة في دهشة من حالها: "هو أنا شاغلة دماغي ومللهوفة إني أشوفه كده ليه أصلًا.. وإيه القلق اللي حاسة بيه ده!! ما خلاص الجرايد كلها ناشرة صورنا مع بعض.. يعني خلاص بقينا مرتبطين وما يقدرش يخلع." أدارت أبريل مقلتيها بضجر، وهي تلعب بأطراف ضفيرتها وأردفت بإغتيظ: "بس ده باين عليه لعبي وأنا مش مطمنة ليه خالص.. يا ترى هيكون راح فين!!
ده بقاله يومين ولا حاول يجي ولا شفته في الكومباوند كله.. حتى لما مامته شافتني الصبح ما جابتش سيرة عنه وسألت على صحتي وخلاص.. أووف يحصل اللي يحصل بقي.. أنا شاغلة دماغي بيه ليه أصلًا!!! نفخت أبريل وجنتيها بإمتعاض، ثم تذكرت مكالمتها مع جدتها أمس. flash back "إزيك يا سبورة عاملة إيه؟ اختتمت سؤالها بنبرة مرحة، وتلوى شدق صابرين بتذمر زائف قبل أن
تضحك بخفة وهي تسأل بمحبة: "هعديلك سبورة دي يا كلبة المرة دي.. طمنيني كنا قلقانين عليكي أوي." أجابت أبريل بهدوء: "أنا تمام والله." رأتها أبريل تجلس بجوار تحية، وتضع الهاتف على بعد مسافة حتى ظهرت صورة جدتها أمامها وهي تهتف بلهفة: "أبريل يا حبيبتي أنتِ كويسة." ابتسمت أبريل بشوق كبير، هاتفة بحب: "يا توحا وحشتيني أوي." "وإنتي يا روح قلب توحا.. كان قلبي هينخلع من خوفي عليكي."
"بعد الشر على قلبك يا ستي.. ماتعيطيش.. أنا كويسة والله العظيم زي ما أنتوا شايفين أهو." عارضت تحية بعدم اقتناع نابع من خوفها عليها: "كويسة إيه بس.. أنتِ لونك مخطوف يا بنتي وصوتك كمان باين عليه التعب." تدخلت صابرين مستفسرة بعدم فهم: "إيه اللي حصل يا أبريل؟ ليه تعبتي جامد كده.. إحنا مش فاهمين حاجة وأحمد تليفونه مقفول من امبارح ولا بيرد علينا!!
تجاهلت إبريل الرد على كلامها الأخير، ولم تخمن كثيرًا، إذ عرفت أن ذلك بسبب استفزازها له، لكنها اضطرت لذلك حتى لا يتصاعد النقاش بينهما، ويؤدي إلى مشاجرة مع باسم، كان عليها أن تجعله يستيقظ على حقيقة أنها لم تعد بحاجة إليه منذ فترة طويلة. نفضت ابريب تلك الأفكار من ذهنها، مبررة بكذب: "كانوا شوية تعب خفاف.. أنتوا عارفين تغيير الجو بيأثر عليا وكمان أنا فسخت خطوبتي من مصطفى."
اتسعت أعينهم من الصدمة، وقبل أن يطرحوا عليها المزيد من الأسئلة، بدأت تروي لهم أحداث اليومين الماضيين، وعندما انتهت صاحت صابرين بإستشاطة: "ابن الـ... منه الله اللي معندوش ضمير.. هو فاكر إن بنات الناس لعبة.. وإزاي أبوكي ومراته الحربوقة يعملوا كده!! تحية بقلق: "أبريل ارجعي يا بنتي وخليكي هنا معانا ووسطنا.. أنا مش هستحمل يجرالك حاجة وإنتي معاهم لوحدك.. ما بقتش آمن تقعدي مع الناس دول بعد عملتهم السودة دي.."
فركت إبريل طرف أنفها متوترة من جدية جدتها في الحديث، ثم همهمت بخفوت: "مش هينفع يا ستي." ردت صابرين بدلاً من والدتها بإمتعاض: "استني إنتي يا ماما.. يعني إيه مش هينفع يا أبريل.. أنتِ بتفكري ترجعيله ولا إيه؟! هزت أبريل رأسها بقوة نافية على الفور: "استحالة أرجع للبني آدم ده.. أنا بعتله كل حاجته وموضوعه بالنسبالي اتقفل." صابرين بتصميم: "يبقى خلاص واحد.. مافيش حاجة اسمها تفضلي عندهم يوم واحد تاني."
ربتت تحية على ذراع صابرين، حتى تسيطر على انفعالها قبل أن تتحدث إلى أبريل بحنان: "خالتك بتتكلم صح يا حبيبتي.. تعالي وعيشي معانا بقي وبكرا يجيلك عدلك يا حبيبتي وتتهني." ازدرت ابريل بإرتباك وتردد: "ماهو فيه حاجة كده حصلت لسه ما حكتلكوش عليها... تكلمت صابرين بعدم ارتياح من تحركات أبريل المضطربة، التي تعرفها جيدًا كلما ارتكبت كارثة: "إيه حصل تاني.. ماتكلمي على طول يا مزغودة.. أنا أعصابي ساحت منك."
فركت ابريل كفيها معًا قبل أن تتحدث بسرعة، كما لو كانت على وشك أن تلقي نفسها في البحر: "أنا هتخطب." صابرين بإنشداد: "تتخطبي!! هو أنتِ لحقتي؟! أبريل بتذمر: "يا ستي ما تسكتيها بقي.. كل شوية بتقطعني.. ماتسمعي للآخر يا صابرين." لوحت صابرين بكلتا يديها مستاءة بعبوس: "أسمع إيه ونيلة إيه!! تفسخي وتتخطبي وأهلك معندهمش خبر.. هي دي أخرتها يا جزمة." تضاحكت أبريل بخفة، وردت بسلاسة: "هو أنا بقولك اتجوزته!!
هو كلم بابا من يومين بس." رمقتها صابرين بزاوية عينيها بنظرة ذات مغزى، فيما استفسرت الجدة بصوتها الهادئ: "ويطلع مين ده يا أبريل؟ أبريل بمراوغة: "شاب ابن ناس كويسين ومحترمين أوي.. جيرانا.. لما تعبت هما اللي اهتموا بيا وجابوني على المستشفى.. يبقوا جيرانا بالكومباوند.. هو أصلًا بتاعهم وعندهم شركة مقاولات كبيرة." صابرين بسؤال مباشر: "المهم هو إيه نظامه؟ ردت أبريل بثقة كاذبة: "هو كويس ومحترم جدًا ووسيم كمان."
"يلا أنا هقفل شوية عشان أستريح وهرجع أكلمكم تاني." back زفرت أبريل بقوة، وهي تضرب إحدى كفيها بأخرى، ساخرة من نفسها: "معرفش أنا هقصر أكتر من كده إيه تاني من كتر الكذب اللي عمالة بكدبه من ساعة ما شفت البني آدم ده." وصل إلى أذنيها صوت غريب من خلف شرفة غرفتها المفتوحة، فأدارت رقبتها إلى الوراء في دهشة لتعرف ما هذا الصوت.
اتسعت مقلتيها بذعر يدب في قلبها، حالما رأت ظلًا طويلًا يتحرك من خلف الستائر البيضاء، فنهضت من مكانها بهدوء، وعقلها يتخيل العديد من السيناريوهات السيئة حول هوية ذلك الشخص الذي يختبئ في الظلام ويريد اقتحام الغرفة بهذه الطريقة.
بدأت تفكر بسرعة إذا كان عليها أن تصرخ طلبًا للمساعدة ممن في المنزل، سيمر قدر لا بأس به من الوقت حتى يتمكنوا من الوصول إليها، مما يمنح هذا الشخص المجهول وقتًا كافيًا لإيذائها فعليًا، لذلك ليس أمامها وسيلة للدفاع عن نفسها سوى مهاجمته أولًا، لتسرع في خطواتها، وتلتقط مضرب بيسبول شقيقها بجوار الخزانة، وتغلق مقبس الكهرباء، فتغرق الغرفة في الظلام باستثناء شعاع ضوء خافت يتسرب من فتحة الشرفة، والتي بمجرد أن استدارت نحوها مرة
أخرى، وجدت أنه على وشك الدخول منها، فمشت على أطراف أصابع قدميها حتى لا تحدث أي ضجيج، ووقفت خلف الجدار، بجانب باب الشرفة، ورفعت المضرب بين يديها، وفور أن دخل الغرفة، هبطت على رأسه بكل قوتها فخرج صوت أنين متألم من فمه، تزامنًا مع سقوطه على الأرض كجثة هامدة.
ركضت إلى الزر الكهربائي، وضغطت عليه، ثم عادت إلى مكانها ببطء، ممسكة بالمضرب بشكل دفاعي، تريد أن تعرف من هو قبل أن تنادي من في المنزل. جحظت عيناها بهلع، وعلامات الصدمة بادية على ملامحها، وهي تشهق بحشرجة مرعبة: "يااااالهوي!!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!