عندما تتوقف المرأة عن كونها "شرسة" معك، تُجيب على اتهاماتك بمنتهى الجمود، لا تعاتب، لا تبرر، لا تلوم. عندما تقول "نعم" أنت ربحت دون حتى مناقشتك، تأكد أنك لم تعد بحوزة قلبها، لم تعد تعنيها. فالأنثى داخل الحب لا تشبه نفسها وهي خارجه. حين تتوقف عن فعل يثبت لك خطأك في حقها فأنت خسرتها. -في مكتب مصطفى. "زودي على كدا إنك أنانية وغدارة... وخاينة!
ابتلعت أبريل ريقها بشق الأنفس من كلماته التي طوقت عنقها بعقد من الشوك السام، سلب منها القدرة على التفكير للحظات. وقفت في مواجهته تمتزج نيران حقده الحارق مع نار التمرد المتأجج بتحدٍ متوهج على أمواج عينيها الفيروزية المستهجنة في صراع مستعر. "خاينة!!! " رددتها خلفه بصوت يفيض استنكارًا، غير مصدقة إلى أي مدى وصلت حقارته. هل يحاول تحميلها وزر أكاذيبه الآن؟ سرعان ما رسمت ابتسامة باردة
على شفتيها متمتمة بهدوء: "هو أنت إزاي مصدق نفسك كدا وانت بتقولها؟ رمقته أبريل بازدراء، وأشارت بإصبعها باستخفاف تجلى في جملتها بما يكفي لتنهش كبرياءه بخنجر مسموم: "عمومًا آخر حاجة ممكن تهمني هو أنت شايفني إزاي! كنت يعني هانتظر إيه من واحد ساب فعله هو ومسك في رد فعلي اللي كان طبيعي؟! تقوست زاوية فمه بسخط مكبوت. أدارت له ظهرها وتقدمت نحو أحد المقاعد أمام المكتب، جلست بهدوء، وأرست حقيبة يدها برفق على قدمها، بينما أبقت
نبرتها مشبعة بسخرية لاذعة: "سبتني أبني قصور من رمل واتخيل إني هعيش فيها مع راجل محترم في استقرار... اتوهمت إني معاك هلاقي الأمان والحنان اللي اتحرمت منهم... سبتني أرسم أحلام في الهوى طلعوا كلهم سراب... تدفقت الكلمات من شفتيها كاعتراف متأخر، وصوتها خافت كهمس سر محاط بالأشواك، لكنها مضطرة لتفريغ شحنات الألم والغضب المكبوت. بينما هو ظل واقفاً
بثبات صامت: "اتهدم دا كله في اللحظة اللي نزلت بجري بفستان الفرح وأنا بضحك بفرحة، صحيت منها على صوت واحدة ست وهي بتقولي أنا مرات مصطفى... خطيبك!! "وبعد دا كله بتقول عني أنانية وغدارة وخاينة؟!
كررت أبريل كلماته بهدوء مشبع بالاحتقار، كسيف مسنون مزق ما تبقى من احترامها له. انهار صورته في عينيها كقلاع رملية تحت أمواج الخداع. أما هو يدرك أنه ظلمها، لكن صراعه مع ضميره تلاشى أمام طغيان مارد غروره، حالما اخترق صوتها أذنه بتحدٍ يخدش كبرياءه الذي يعتز به. خطى مصطفى في اتجاهها بخطوات حثيثة، جالسًا أمامها بشموخ، بينما نظراته تتوغل في عمق عينيها بحدة تنافي هدوء ملامحه الخارجية، مؤكدًا
لها بإصرار محتقن بالقهر: "أيوه وهفضل أقول... انتي اعتبرتيني عدوك وفسختي خطوبتك مني من غير ما تديني فرصة وتسمعيني. افتكرتيني قاصد أذيتك وخربشتي بضوافرك في كرامتي ورجولتي قدام الدنيا كلها. نسيتي إني كنت أحن عليكي من أبوكي نفسه. نسيتي لي كل الحلو اللي عملته معاكي. حسستيني إني شيخة بين صوابعك ورميتيها زي دبلتي." أخذ صوته يرتفع أكثر، غير قادر على كبح غضبه العارم: "حرقِتِ كرامتي زي فستان فرحك!
جبتي حد تاني في مكاني في نفس الساعة اللي قلعتي فيها دبلتي. وكان مطلوب مني في الآخر أخنع وأخرس عشان الفضايح." هو ظلمها بغدر، لكنها تعترف أن رد فعلها كان أشبه بقنبلة موقوتة في صميم رجولته. فأخذت نفسًا عميقًا، وقررت أن تضع عنادها جانبًا، عازمة على إنهاء هذا الفصل المظلم من حياتها. فما الحكمة من مواصلة صراع لن يؤدي إلا لمزيد من الكوارث.
"عارفة إني اتسرعت في اللي عملته، وكان في طرق كتير يتحل بيها الموضوع. بس كنت مجروحة مش شايفة غير خداعك ليا. أنا معترفة بكل ده... وأسفة يا مصطفى إني مديتكش الفرصة اللي تدافع فيها عن نفسك. بس لو سمحت كفاية كده... ونقفل الصفحة دي." أنهت أبريل جملتها بتهدج مغلف بشفرة حادة غمرت نبرتها. بينما اتكأ بمرفقه على حافة المكتب، وأخذت أصابعه تتلمس جانب جبهته، ومض في ذهنه هاجس تزامن مع استفساره
المشوب بتملك صارخ: "أفهم من كدا إن عندك استعداد تسيبيه وترجعيلي؟! "مش فاهمة... قصدك إيه؟! ارتسم على ملامحها خليط من براءة متصنعة وتوجس خفي، وسؤالها الهادئ حمل شرارة انفجار على أعتاب معركة وشيكة. فيما اعتدل في جلسته، مع انحناءة صغيرة نحوها، موضحًا لها بثبات: "قصدي واضح. آن الأوان ترجع الأمور لموازينها الطبيعية. مابقاش له لزوم تكملي معاه. افسخي جوازك منه وأنا مستعد أنسى وأغفر لك."
صمت مصطفى عدة ثوانٍ، عيناه تتفحصان وجهها، بحثًا عن أي إشارة تدل على استسلامها. لعله يستعيد السيطرة التي تسربت من بين أصابعه كخيوط تلك الدمية الجالسة أمامه، متابعًا بنبرة أكثر هدوءًا مع رغبة تتزايد في استعادتها بأي وسيلة: "أنا لسه عاوزك يا أبريل وهعوضك بكل اللي تطلبيه عشان تحسي بالأمان من تاني معايا وا... طوت أبريل ذراعيها تحت صدرها، ولوت فمها بابتسامة استفزازية، لتقاطع
حديثه بسؤال ساخر متعجب: "يعني أنت لسه عندك استعداد تدفع فيا فلوس تاني عشان أكون معاك؟! جف مصطفى حلقه عقب أن تلقى كلماتها كصفعة غير متوقعة، فتراجع قليلاً وعيناه ارتجفتا للحظة، قبل أن يستعيد توازنه ويرسم قناعًا جليديًا على وجهه، يخبئ خلفه سيلًا من المشاعر المضطربة. بينما وضعت قدمها فوق الأخرى بثقة واضحة، وثمة سخرية لئيمة تتسرب من بين شفتيها: "إيه مالك!! انصدمت كده ليه؟ مش هو ده سر تمسكك بيا؟!
مش بابا ومراته باعوني ليك عشان الديون اللي اتراكمت عليه والأوتيل اللي دخلوك شريك فيه... رفعت إبريل ذقنها عالياً، بنظرة احتقار تتلألأ في عينيها، تقابلها نظراته القاسية المشبعة بالتوتر. حاول السيطرة على أعصابه، لكن السخرية في حديثها كانت مثل قبضة فولاذية اعتصرت طغيانه بتحدٍ. هزت كتفيها بلا مبالاة، وأخذت أناملها تعبث بقلم فوق المكتب، وهي تتابع بنبرة أشبه بالهمس: "ده طبيعي مستثمر كبير زيك...
ما يحبش يدفع فلوس في بضاعة مايعرفش يستنفع من وراها. حتى لو هيخسر فيها مستعد يدفع بزيادة. بس الصفقة ماتروحش لإيد منافس تاني." جزّ مصطفى على أسنانه بغضب جلي يسري في عروقه ينذر بتفجر ثورة بداخله. في حين كانت تذكرت حديث أخيها الذي كشف لها جميع هذه التفاصيل، ثم بضحكة تفيض ألمًا وازدراءً، أضافت مسلطة فيروزيتها نحوه: "مش أنا كنت بالنسبالك صفقة مجرد سلعة في مزاد عمالين تبيعوا وتشتروا فيها!!
وعارف ليه لحد دلوقتي محدش فيكم كان عايز يقولي ولا حاولتوا تضغطوا عليا بالكارت ده... عشان أنت متأكد زيهم إن مش هيفرق عندي ولا يصعب عليا اللي باعني ليك وقبض تمني يفلس. يداين... أو يتسجن." أنهت أبريل كلماتها بهدوء قاسٍ ثم انحنت قليلاً بظهرها صوبهُ وواصلت بنبرة مفعمة بالجدية: "مش كنت سألتني أنا جاية ليه؟
أنا جيت عشان أنهي الخلاف بينا باحترام واعتذرتلك رغم كل اللي عملته معايا. بس أنت عاوز تستغل ده وفاكرني هتخدع تاني فيك... للأسف ده مستحيل يحصل ومش محتاجة أفكرك إني دلوقتي ست متجوزة وبحب جوزي ومش هسيبه. فوفر وقتك وابعد عننا. وروح خد فلوسك من اللي اديتهالهم ده ما يخصنيش." صدى كلماتها كان كالرصاص يخترق هدوء المكان، وصمته يعلن انتصارها في تلك المواجهة. استقامت بجسدها من الكرسي لتمشي نحو الباب بخطوات ثابتة.
"الفلوس دي هعرف آخدها بطريقتي مش ده اللي شاغلني. بس أنت فاكرة بعد كلامك ده هتقدري تحميه مني؟ منعتها كلماته الباردة التي نبضت بتهديد صارم قيد حركتها عن الخروج. ولا تنكر أن شعورها بالخوف على باسم، هو السبب الرئيسي لمجيئها. لكنها عندما رأت الكدمات تملأ وجهه، اطمأنت لوجود ذئب شرس بجوارها، قادر على حمايتها من هذا الثعلب الخبيث.
استدارت بجسدها إليه. ودق قلبها بعنف خلف ضلوعها، حالما رأته يقف من مكانه ويسير في اتجاهها. فتجلت نظراتها على الكدمة الواضحة أسفل عينه وبجانب فكه، مشيرة نحوه بإيماءة من حاجبها، نافية بتحدٍ: "لأ... هو مش محتاج مني أحميه. وأكبر إثبات باين على وشك."
تشكلت ابتسامة ساخرة على شفتيها في نهاية عبارتها، مما أغضبه أكثر. انحنى قليلاً نحوها مما شكل جسده سحابة داكنة تغمرها بظلها الداكن، مثبتًا عينيه في فيروزيتها المتحدية، بينما يتحدث بصوت عدائي من بين أسنانه المضمومة: "دي كانت الفرصة الأخيرة ليكي عندي يا أبريل... اللي من بعدها مفيش حاجة هتحوشني عن اللي هعمله فيكي ولا هتاخدني شفقة عليكي. ووراكي لحد ما أندمك كويس أوي...
عشان مش اللي تستهواني بيه ولا هتعرفي تضحكي عليه باعتذار بارد زي اللي قلتيه." "صحيح خالف تعرف... هي دي حقيقتك... جواك أسود والحمد لله إن ربنا بيحبني عشان قدرت أخلص منك."
"تبقي غبية لو فاكرة إنك هتخلصي مني. أنا زي السرطان يا أبريل هفضل لابد في دمك وأنخر في حياتك لحد ما أدمرها بالبطيء. وصدقيني كل ذرة فيا متشوقة للحظة ما تجي لي وأنتي ندمانة ومكسورة وبتطلبي رحمتي عشان أسامحك. ساعتها هدوسك تحت جزمتي زي أي لعبة تافهة مالهاش أي قيمة." "سبق وقلت لك وفر تهديداتك دي عشان مش هتقدر تخوفني بيها."
قاطعها مصطفى بإصرار عنيف: "بس المرة اللي فاتت قلتي إن ماعندكيش حاجة تخسريها ودي كانت كدبة لأن عندك حاجات كتير أوي ممكن تخسريها بسبب العناد اللي سايق فيه قدامي. بس خلاص شوية الصبر اللي كنت محوشهم ليكي خلصوا ومن اللحظة هتشوفي إزاي أقدر أقلب حياتك جحيم ومش بالكلام زي كل مرة. الأفعال." "نفذيها بدأردت أبريل بحسم غاضب: "الأفعال اللي بتهددني بيها دي مش رجولة... دا دليل على جبنك وخستك اللي ما كنتش شايفاهم قبل كده."
عينيه لمعت بنار لن تخمد بسهولة. ثم بعزم مخيف هتف: "التهديد أوانه فات... من إنهاردة هطلع لك جوا كل كابوس هتشوفيه في نومك يا أبريل. هخليكي دايما خايفة تصحي من عز نومك على خبر موت حد عزيز عليكي... أخوكي أو ابن أختك ويمكن النسوانجي بتاعك... وأنا هكون أكتر من مبسوط بتعذيبك وحسرتك عليهم. وأوعدك بتاع النسوان مش هيكون جنبك عشان يحميكي من طاقة جهنم اللي فتحتيها على نفسك وعلى أهلك."
كلماته إنهالت على قلبها كالسياط مزقته بعنف مرتعب، وقد وصلت المعركة إلى ذروتها، لكنها بالتأكيد لن تكون المنتصرة بها. *** عصراً. سارت إبريل نحو شقة باسم بخطوات بطيئة، وهي تشعر بثقل في قلبها، وكأنها تحمل جبالًا من القلق فوق كتفيها. فتح باسم الباب بابتسامة دافئة، تشبه حرارة حضنه الذي غمرها به، دفء نبع من أعماقه ليذيب جليد التوتر الذي أحاط بقلبها، بينما ذراعيه نسجت حولها خيوطاً لا تنفك بسهولة،
وهمس في أذنها بنبرة هادئة: "وحشتيني يا إبريل... اليوم كان طويل من غيرك." كانت جملته كالنسيم الحاني على قلبها، لكنها شعرت أن الصمت بينها وبين نفسها كان أكثر ارتفاعًا من الكلمات، فاكتفت بإبتسامة خجولة ردًا عليه، وهي تخرج من بين ذراعيه.
أمسك باسم بيدها بحنان، وقادها إلى طاولة الطعام التي رتبها بنفسه، لتتفاجأ بالطاولة مزينة بأطباق شهية بعناية، والشموع تضيء بلمسة ساحرة، ورائحة العطر تفوح منها، تخلق جوًا خياليًا، وكأنهما في عالم خاص بهما مع إضاءة خافتة تشع من مصابيح صغيرة بالأركان، والستائر المغلقة تعزلهم عن العالم الخارجي.
بحركة مليئة باللباقة، سحب لها كرسي على اليمين لتجلس عليه، ثم جلس على رأس الطاولة، بدأوا في تناول الطعام، ويبادلان أطراف الحديث، لكن في عوالمهم الخفية كلاهما مستغرق في أفكاره.
إبريل غارقة في دوامة من التردد، تخشى أن يكون الاعتراف بما فعلته شرارة تشعل غضبه، في اللحظة الحالية التي تشع بالسعادة، حيث تدللت على نسمات حبه وعاطفته، وكل كلمة منه كالعطر الذي ينعش روحها. لا ترغب في إفساد هذه اللحظة الثمينة، رغم أنها تدرك أن الصمت قد يمزق الثقة بينهما، لذا قررت أن تؤجل المسألة، وتخطط لحديث تدريجي في وقت لاحق.
توجه باسم نحو المطبخ، ليحضر أطباق الحلوى، لكن أفكاره كانت تطارده بلا رحمة، تتقافز في ذهنه كظلال متلاطمة، فهو يعلم أنها ذهبت إلى مكتب مصطفى، لم يكن الأمر سرًا بالنسبة له. هاتفه الذي أصلحه اليوم كشف له عبر تطبيق المراقبة أنها كانت عائدة من طريق الشركة. والغيرة والشك كوحشين عنيفين ينهشان قلبه بضراوة، لكنه كبح غضبه بأعجوبة، منتظرًا أن تبادر هي بالحديث.
بعد فترة وجيزة لاحظ باسم شرودها وصمتها الطويل، مما جعله يحاول كسر الجدار بطريقته الخاصة. أمسك بقطعة حلوى صغيرة وقربها إلى فمها بابتسامة دافئة، فتناولتها إبريل مبتسمة بإستحياء، بنبرة هادئة مصطنعة سألها: "إيه يا إبريل... مش هتحكيلي عن يومك؟ عملتي إيه النهارده؟ اتسعت حدقتاها بدهشة، كأنما لم تتوقع سؤاله، بللت شفتيها الجافتين بطرف لسانها محاولة إخفاء توترها،
وردت بكذب عفوي مبالغ فيه: "كنت شغالة على المشروع الجديد اللي مسكته." هزّ باسم رأسه ببطء، وكأنه يصدق ما تقول، ليطلق سؤاله كفخ يخفي خلفه جبالاً من الغضب المكبوت: "ومكنتيش بتردي على تليفونك ليه؟ ابتلعت ابريل ريقها بتوتر يعتصر ملامحها، فقد تاه عقلها بين زحام الأحداث الأخيرة، لكنها أجابت بهدوء صادق: "كنت ناسية أرفع الصوت."
اجتاحت عيناه الرماديتان برود قاتل، كأنهما غيوم داكنة توشك على أن تمطر عاصفة، معتقداً أنها حيلة ضعيفة منها للهروب، ليدمدم بصوت حاد: "كدبتين ورا بعض؟ جراءة زيادة منك يا إبريل." انقبضت شفتيه معًا قبل أن ينفي من بين أسنانه، وهو يشد على قبضته بقسوة: "لأ مكنتيش في الشركة... ولأخر مرة هديكي فرصة تراجعي نفسك وتقولي الحقيقة. كنتي فين؟!
صاح بسؤاله الأخير في صرامة جمّدت إبريل في مكانها، ونبض قلبها تسارع بشدة، لكنها حاولت التماسك، مغمغمة بصلابة هشة، وهي تلهث قليلاً: "عصبيتك دي معناها إنك عارف إجابة سؤالك." مال برأسه نحوها، وهمس بصوت مليء بإنذار خطير: "وما دام فهمتي... ياريت تبطلي اللف والدوران ده... وتقولي لي إيه اللي وداكي عنده؟ "إنت بتراقبني؟!
انبثقت هذه الفكرة في عقلها باستيعاب، مما دفعها للاستفسار بتعجب، وهي ترفع وجهها القريب من وجهه، حتى تلاقت أنفاسهما في لحظة مشحونة بالتوتر تلاحمت مع عواصف عينيه بشيء من الجنون. "بعد اللي جرى امبارح... كنتي متوقعة أسيبك من غير حماية... إزاي يعني؟! هكذا جاء رده مستنكراً، فارتدت بظهرها ناظرة إليه بعدم رضا تجلى في قولها المرتعش: "بس أنا مش طفلة صغيرة عشان تبعت رجالتك يمشوا ورايا."
جزّ على أسنانه بعنف، وعنادها يدفعه إلى حافة الصبر. أطلق زفيرًا قوياً، ليخفي عنها مراقبته لهاتفها: "ما مشيتش حد وراكي... العربية كان فيها GPS." اجتذبها إليه فجأة من ذراعها، فتشابكت أنظارهما معاً، قبل أن يهتف بلهجة تتسرب منها كحمم بركانية: "وما تخرجيناش من الموضوع! بتكدبي عليا ليه؟! انتي اتجننتي تروحيله برجلك؟! إيه؟ مستبيعة؟ ما خفتيش يعمل فيكي حاجة؟! ما فكرتيش فيا أنا؟! وفي اللي هحسه لما تعملي حركة زي دي ومن ورا ضهري؟!
بتخبي عليا ليه؟! حررت إبريل ذراعها من قبضته القوية، بدموع ترتعش بفزع في محجريها، تاهت تبريراتها على لسانها: "أنا كنت هقولك... والله... بس... قاطعها بصوت عالٍ، وضرب الطاولة بقبضة يده بعنف: "إيه؟! هتفضلي تبسبسي كتير؟ ماتكلمي على طول! بدأت الدموع تتساقط على خديها لا إرادياً، ردت بصوتها المختنق: "انت موترني... هكلم إزاي وانت بتزعق كده؟! "انتي بتعيطي ليه؟! هو ضايقك مش كده؟! عملك إيه؟! احكي... ما تجننيش زيادة بسكوتك ده!
زمجر باسم بعنف، وعيناه تبرقان بصواعق جنون الغيرة. فتجمدت للحظة، غير قادرة على الكلام، فضرب الطاولة بقوة وهو ينهض من مكانه، يبحث بعشوائية عن مفاتيح سيارته. "وعزة وجلالة الله... لا أعرف أندمه المرة دي كويس أوي... ومش هستناه يجي لي أنا اللي هجيبه تحت رجلي... ومحدش هيقدر يرحمه من إيدي! قالها بثوران أعمى، وهو يندفع بخطوات غاضبة نحو باب المنزل، فركضت إبريل مسرعة لتقف أمامه، ممسكة بكتفيه، لتهتف
بهلع ينسكب مع حروفها: "استنى يا باسم... إنت مجنون! عايز تروح فين؟! "أوعي من سكتي! قالها باسم بصوت متقطع من غضبه المفرط، وهو يحاول دفعها من طريقه، فنظرت إليه بتوسل، لتحاول تهدئته لم تدرك أنها تزيد الطين بلة: "عشان خاطري... ما تتهورش! هو ما عمليش حاجة والله... أنا اللي روحتله من خوفي عليك." توقف باسم لوهلة محدقًا فيها باندهاش، ثم هدر بتهكم مشوب بالاستنكار: "خوفك عليا!! انتي بتستهبلي صح!! ما تعرفيش إنه وسخ!!
ما خفتيش من اللي ممكن كان يعملوا فيكي وانتي رايحة له برجلك؟! استشعرت إبريل خوفه العميق يتوارى خلف براكين غضبه العارمة، فتضاعف شعورها بالألم ممتزجاً بعبراتها الحارقة، قبل أن تنطق بتقطع: "أنا مفكرتش كدا... مكنتش عايزة اللي حصل امبارح... يتكرر أو يتجرأ ويأذيك تاني... ف روحت أوقفه عند حده وأفهمه يبعد عننا و... التفت قبضته كطوق من نار حول كتفيها، بعينين تقدحان شررًا، وهتف بحدة شرسة: "وإنتي فاكرة نفسك سوبرمان؟!
أنا كنت طلبت منك تعملي حاجة؟! كنت قصرت معاكي في حاجة!! كان حد قالك إني خرع وما أعرفش أجيب حقي وأحميكي منه!!! ابتسمت إبريل بفخر، وقالت بهدوء: "ما بقتش محتاجة حد يقولي حاجة بعد ما شفت اللي عملته فيه... لكن ما لبثت أن انسدلت عبراتها أكثر من فرط خوفها العميق، وهي تكمل بصوت منخفض مليء بالندم الصادق: "باسم... لما عملت دا كله من الأول ما فكرتش إننا هنوصل لكدا... دلوقتي إيه اللي استفدنا غير البهدلة؟
أنا مش عايزة حد يتأذى أكتر من كدا بسببي." تسلل حزنها إلى قلبه، لكنه لم يكن كافياً لإخماد لهيب الشك والغيرة المتأجج في أعماقه، فهزها بقوة وصوته خرج ممتزجاً بالحنق والغيظ منها: "انتي غبية... دا كان هدفه من البداية، يضربني ويلعب على أعصابي عشان يجبرني أجري عليكي زي المجنون فتترعبي! كان كل دا ضغط عليكي عشان يخليكي تتهوري وتروحيله برجلك... وإنتي بكل غباء وقعتِ في الفخ."
تقرّ في داخلها بصحة حديثه الذي زاد من اشتعال نيران القلق في قلبها، بينما زاد ضغطه على أسنانه مستطرداً بصوت مقهور: "عايزة تعرفي قالي إيه ليلة امبارح؟ كان واقف بتحداني إنه هياخدك مني زي ما أنا خدتك منه... كان بيكلم عليكي كأنك لعبة في ميدالية مفاتيحه يا هانم." اجتاحت إبريل نوبة من الاختناق، فخفضت عينيها إلى الأرض، ووضعت كفيها على صدره، همست بصوت مختنق معبر عن قلقها: "باسم... الموضوع معقد أكتر من كده!
قاطعها باسم باندفاع: "إذا كان على فلوسه اللي مديونين أبوكي ومراته ليه أنا هدفعهم عشان نقفل أي سكة عليه." رفعت إبريل رأسها بصدمة تتجلى على قسماتها وهي تسأله بخفوت: "يعني كنت عارف... من أمتي وانت عارف الكلام دا؟! تنهد باسم بعمق، وكأن ثقل العالم يجثم على صدره: "من يوم ما كنت عندك في أوضتك... سمعت ريهام ومصطفى بيكلموا... وكان عايزها تقنعك وتأثر عليكي بموضوع الديون عشان ترفضي جوازك مني."
تزاحمت الشكوك في عقلها، وعادت بذاكرتها إلى أحاديث ريهام السابقة معها، وهي تحاول إقناعها بأن باسم ليس مناسبًا لها، وبدأت تتبلور في ذهنها فكرة مفادها أن أختها كانت تسعى لإبعادها عنه، لكن هل السبب وراء ذلك اتفاقها مع مصطفى أم من غيرتها على باسم. قاطع مصطفى تفكيرها بسؤال ممزوج بالشك: "منين عرفتي الحكاية دي... الحيوان ده اللي قالك؟ ردت أبريل ببساطة نافية: "لأ... يوسف." شعرت بنار الأسئلة تتأجج داخلها، رفعت عيناها تلتقيان
بعينيها الرماديتين: "هو ممكن أسألك سؤال واحد وتجاوبني عليه؟ أومأت برأسه بالموافقة، فاستجمعت شجاعتها، وكلمات مصطفى السامة ما زالت تتوغل في قلبها كالسوس: "هي ريهام كانت هي حبك القديم اللي أنت حكيت لي عنه الصبح، مش كدا؟ تجمدت ملامحه بتفاجئ كأن دلو من الماء البارد صب على رأسه، فانعقد لسانه عن النطق. "هي الإجابة صعبة أوي كدا؟
قالتها بكبرياء حزين، فصمته مثل شعلة جديدة من الشك تحرق قلبها، دفعت يديه برفق من على ذراعيها، وكأنها تحاول التحرر من قيوده، والتفتت لتعطيه ظهرها، فسألها بدهشة، وخوفه يكاد يتسرب من صوته: "رايحة فين؟ "أوقات السكوت بيبقى أبلغ رد على السؤال... وسكوتك كان هو الرد اللي ما تمنيتوش منك." هكذا همست في سرها بخيبة أمل، قبل أن ترد بهدوء مبحوح، وهي تمسح دموعها وتمشي بعيدًا: "محتاجة أدخل الحمام... لو ممكن." تنهد مستسلمًا: "طيب...
خدي راحتك." توارت خلف باب الحمام. فوقف باسم مذهولاً من سؤالها، ثم جلس بهدوء على كرسي الطاولة، محاولاً استيعاب ما حدث، بينما شعوره بالذنب والغضب يتزايد بداخله. فأخرج باسم هاتفه من جيبه الخلفي، يعبث به في محاولة منه لتشتيت ذهنه عن مشاعر الغضب التي كانت تهدد بفقدانه السيطرة، ونيران الحنق لا تزال مشتعلة في صدره، متأكداً أن مصطفى هو من أخبر إبريل عن علاقته القديمة بريهام، ساعيًا بذلك لإحداث فتنة بينهما.
لكن تفكيره انقطع حين وصلت إليه رسالة عبر تطبيق الرسائل النصية من رقم غير مسجل. فضولٌ غريب انتابه ففتح الرسالة، ليجدها صوتية فضغط على زر التشغيل، ليخترق صوتها الرقيق أذنيه، هذا الصوت الذي يتلهف لسماعه بشغف في الآونة الأخيرة، لكن هذه المرة كانت تتسرب من بين شفتيها كأنياب الغدر والخيانة القاتلة تنهش قلبه بشراسة، فانزلقت دمعة لم يتحكم بها من عينيه على شاشة الهاتف، تعبيرًا عن مدى قوة قهره وصدمته العنيفة. "باسم كداب...
ومالوش أمان... وأنا مابحبوش... ومش فارق معايا... وهيجي اليوم اللي هتخلص فيه منه وأبيعه قبل ما يبيعني." بشفتين مضغوطتين كأوتار قيثارة مشدودة، وقلب ينبض بشدة تحت وطأة الخيبة، أخذ يستمع إلى التسجيل الصوتي الثاني لها، بنبرة تحمل اعتذار وندم، وكل كلمة بمثابة طعنة غادرة تنغرس في قلبه، تفتح جراحًا قديمة لم تندمل بعد: "مصطفى حبيبي!! أنا آسفة إني جرحتك ووجعتك كان غصب عني... كنت بنتقم منك... كنت فاهماك غلط...
بس اكتشفت إني ماقدرش أعيش من غيرك ولو كملت معاه هبقى بظلم نفسي... أنا مش هقدر أكمل معاه يوم واحد تاني... هطلق منه وهكون معاك تاني... وننسي كل اللي فات وتعالى نبدأ صفحة جديدة." ضغط على شفتيه بقسوة، وعيناه الرماديتان تعكسان عاصفة من المشاعر المتلاطمة، ويداي تعتصران قلبه بلا رحمة، يشعر بموجة من الغدر والخيانة تغمره، تشل أنفاسه كأنه يغرق في بحر مظلم. هل كانت تحب مصطفى بالفعل؟ هل كان مجرد أداة للانتقام؟
رفع عينيه الممتلئتين بدموع كبريائه المتصدع، وترددت في عقله همسات الشياطين: "كاذبة، كانت تتلاعب بك، كانت تخدعك." بينما كان يغوص في تهلكة أفكاره، انقضت عليه رسالة صوتية ثالثة كالسيف المسنون، ضغط عليها بخفة، فخرج صوت مصطفى الأجش، تتردد نبراته الشامتة مفعمة بالتحدي كقذيفة على رأس الآخر: "اتأكدت دلوقتي من كلامي لما قولت لك هخليها تجي لي برجليها وهرجعها لحضني من تاني...
ظاهر إن الدرس القديم اللي أخدته من ريهام ما علمكش حاجة... بس أنت اللي غلطان يا بيسو كنت متوقع إيه من أختها؟ أكيد هتكون بنفس الطبع... وأديك سمعت بودانك ياريت تكون اتأكدت دلوقتي إن كان ملعوب بيك. من الآخر مكنتش أكتر من كوبري ليها عشان تستفزني." استأنف حديثه بتعاطف مزيف: "بس تصدق دلوقتي أنت صعبان عليا أوي... وتصدق كمان أنا دلوقتي اللي مبقتش عايزها... أصل اللي تسيب راجل وتروح لغيره تعملها كتير...
وعموماً لو عايز تكمل معاها براحتك حلال عليك... سلام يا بيسو."
اعتصر كفه بعنف وكأنما يسعى للسيطرة على بركان مشاعره المتفجرة، تزامناً مع خروج إبريل من الحمام التي تجمدت خطواتها مشدوهة، حين قفزت كلماتها من التسجيل الصوتي إلى آذنيها بعد أن أعاد تشغيله بتعمد. شعرت كأنها تلقت صفعة قوية، قلبت موازين عالمها. وبعدما انتهى التسجيل، نهض باسم بخطوات ثقيلة، يتقدم نحوها كمن يقترب من عدو في ساحة معركة، وعيناه الرماديتان مثبتتان على وجهها الذي خفضته بتوتر. سألها
بنبرة صخرية مفعمة بالشك: "صوتك ده وكلامك ولّا لأ؟ شعرت إبريل بلسعة مؤلمة في أنفاسها، وكأن الهواء المتصاعد قد تحول إلى دخان ملوث يغزو رئتيها مثل سم خبيث، همست بخفوت كمن يسعى لردم هوة عميقة بينهما: "كلامي... بس... اسمع الحكاية... "حكاية إيه المرة دي؟! كدبة جديدة!!! قاطعها باسم بإستهجان حارق كالبركان، وتابع متهكماً، يجلدها بكلمات قاسية كأنها سوط يمزق روحها بسبب جرم لم ترتكبه، مما زاد من عمق جراحها النفسية: "آه...
ما أنا عارف... دا سهل أوي بالنسبالك... انتي بصراحة عندك قدرة على التمثيل والغش والتأليف بسرعة تتحسدي عليها." تأملته أبريل بإحباط يلمع بالدموع في عينيها الفيروزيتين، وبصوت مختنق يطفو على حافة الانهيار، ترجت عقله أن ينفتح لفهم مشاعرها: "انت مش فاهم حاجة؟! "كنت مش فاهم... تراجعت أبريل بخوف مع ارتفاع صوته الحاد بغلظة، لتصطدم بظهرها بالحائط، محاصرة بينه وبين صدره الهادر بهيجان: "وخلاص فهمت؟!
قالها باسم مهسهساً، وعيناه الرماديتان تتوهجان بغضب أسود ليهوي بقبضته على الحائط خلفها بقوة، وكأنه يفرغ جمرة ألمه. ثم تقدم نحو طاولة الطعام، أمسك بمفرشها بقبضة وحشية، ونفضه بعنف، فاندفعت الأطباق في الهواء، ثم تصطدم بالأرض كقلوبهم المحطمة، وتتناثر شظاياها بفوضى عارمة. "كل الحاجات دي مابقاش لها داعي أصلًا." كتمت إبريل شهقتها بألم يتخلله الوجل، مختنقة بالعبرات، حين هتف بهذه الكلمات بسخرية لاذعة من بين أنفاسه المتلاحقة.
سرعان ما احتضنته دوامة حالكة من الضحك الهستيري، مفعم بالقهر وعدم التصديق، وكلماتها عنه تخترق عقله كرصاصة غادرة. ظل باسم يهذي، غارقًا في شلال غضبه: "انتي بتلعبي بيا أنا... انتي اللي عايزة تخلصي مني أنا... إذا كان أنا... أنا اللي كنت بخدعك... أنا... أنا اللي كنت بضحك عليكي...
اتسعت مقلتاها في صدمة، وشظايا كلماته تتسلل إلى أعماق قلبها، تنغرز فيه بوحشية، لتزيد من آلامها جرحًا، بينما كانت ضحكته تتداخل مع كل جملة، تشكل سخرية مريرة تعكس أوجاع الخيانة المتفجرة من أعماق قلبه الجريح، محولة الألم إلى قسوة تشل أنفاسها. حدجها بعينين حمراوين، يحملان بقايا ابتسامة ممزقة، وقال باستغراب ساخر مفعم بالقهر: "إيه مالك مستغربة ليه؟! أيوة... زي ما استغلتيني عشان تنتقمي من أختك...
أنا كمان استغليت لعبتك عشان أنتقم منها." أشار بإصبعه نحوها، متعمدًا إهانتها وتقليل قيمتها، كأنها مجرد أداة في لعبته أيضًا: "كنتي يعني مش أكتر من وسيلة عشان أوجعها... كنتي بالنسبالي زي أي علبة فشار مسلي قدام فيلم سهرة تافه." نظرت إليه من خلف فيروزيتيها التي تخفي مزيجًا من الأسى والاستسلام، ودموعها تنساب دون ضجيج على وجنتيها كوداع أخير من روح منهكة، شفتيها المطبقتان تحبس الكلمات خلف أسوار قلب متألم، بماذا يفيد الإفصاح؟
رمقه باسم بنظرة عاصفة حادة، عيناه تجولان من رأسها إلى قدميها، وكلماته تقطر قسوة واستخفافًا: "وفري دموع التماسيح دي للي هتخدعيه بعدي... خلاص اتكشفتي قدامي... ومعدتش يخيل عليا ولا هيأثر فيا وش البراءة اللي بتمثلي بيه على الكل ده." نظرت أبريل إلى الأسفل، ملامحها لوحة من الألم والحزن، توازت مع نبرتها الخافتة في ليل مظلم: "خلص."
صمت مريب لف المكان لحظات، مما جعلها تظن أن سلسلة إهاناته انتهت. بخطوات مرتجفة، تقدمت نحو الباب، محملة بأثقال لطخت كرامتها، فللتت منها شهقة هشة عندما اجتذب ذراعها إليه، مغتاظًا من برودها وصلابة ملامحها، بينما كانت تلك القشرة تخفي دمار روحها المتصدعة: "على فين؟! إيه... هتهربي كعادتك الجبانة؟! إنتي كدا مابتقدريش تواجهي بعد ما بتتكشفي عشان جبانة وحقيرة؟!
فاض كيلها من عجرته وقسوته المبالغ بها، ونظراته الحارقة التي تخترق كل دروعها، كأنها خلف قفص حديدي، وإتهاماته كالأصفاد تكبل معصميها في انتظار حكم الإعدام الذي سيهتف به في نهاية هذه الجلسة. نفضت قبضته عن ذراعها بجفاء، قائلة بكبرياء مهدور محاولة التمسك بما تبقى لها من شجاعة: "هيفرق في إيه كلامي!! مش المطلوب حصل وانت انتقمت زي ما كنت عايز؟! مبروك عليك نجاحك... اتسلينا شوية!! زعلان ليه؟ أنت ما خسرتش حاجات كتير يعني...
اعتبر نفسك كنت في إجازة وخلصت وهترجع لحياتك تاني بعد ما تطلقني." ابتسامة شيطانية ارتسمت على شفتيه تنذر بالخطر، ثم همس بتهكم جامح، ونيران الغيرة تنبعث من بين أنفاسه تشعل حريقاً في قلبها: "برافو، طلعتي نفسك ضحية للذئب الشرير... بجد اللي يشوفك وأنتي بتداويني وبتعيطي وبتمنعيني من إني أتهور يبصم بالعشرة إنك خايفة عليا... واللي يشوفك وأنتي دايبة في حضني يصدق إنك عاشقاني بحق وحقيقي... انتي بجد ممثلة شاطرة أوي يا أبريل...
بجد برافو عليكي... أنا اللي كنت غبي." ارتد خطوة للوراء، ممرًا يده على وجهه كأنه يحاول مسح الألم الذي استوطن قلبه، مكظمًا انكساره بعنفوان، فهو لن يتقبل الهزيمة بسهولة، ليتمتم ببرود حاد: "يلا... مش هعطلك أكتر من كدا... باين عليكي مستعجلة أوي عشان ترجعي لخطيبك السابق... كان عنده حق لما قال يقدر يرجعك لحضنه تاني... أنا مابحاربش على بضاعة فاسدة... واصلا مبقتيش لازماني... ورقة طلاقك هتوصلك قريب." "يلا...
اتفضلي مع السلامة." "قبل ما أمشي هقولك حاجة واحدة بس!! أنا معملتش حاجة في حقك أستاهل عليها أي كلمة أنت سمعتهالي دلوقتي... قالتها بصوت منخفض، يضاهي تمزق قلبه، ثم نظرت إليه نظرة أخيرة مليئة بالأسى قبل أن تخرج مسرعة من الشقة، وكأنها تُغلق بابًا في قلبها أو هكذا أوهمت نفسها.
انهار جدار الجمود عن ملامحه، وتحولت مشاعره من غضب إلى ألم غريب يغزو قلبه، تاركًا إياه محطمًا، ضائعًا بين شكوكه التي تتغذى على حب ناري لا يمكنه الهروب منه. رمى الهاتف على الأرض، وانهار على ركبتيه، صرخ بحرقة نابعة من قلب عاشق مكلوم، ينطق بما يشعر به بعدم تصديق: "إزاي لحد إمبارح كان عندي استعداد أكون قاتل أو مقتول، ولا حد يقرب لك بسوء، وإنتي النهارده تقتليني بالجحود دا؟
تعمَّد جرحها بضراوة تشعل في قلبها شظايا انتقامه المكسور، عقابًا لكرامته ورجولته المهانة، بينما كلماتها الأخيرة، انطلقت من شفتيها كأشباح تحاصر عقله، فضغط على أسنانه بقسوة صارخاً بقهر: "كدابة." بينما يدفع الكرسي بعنف، كأنه يحاول تحطيم سلاسل الذل التي كبلته. عندما تتوقف المرأة عن كونها "شرسة" معك، تُجيب على اتهاماتك بمنتهى الجمود، لا تعاتب، لا تبرر، لا تلوم. عندما تقول "نعم" أنت ربحت دون حتى مناقشتك،
تأكد أنك لم تعد بحوزة قلبها، لم تعد تعنيها. فالأنثى داخل الحب لا تشبه نفسها وهي خارجه. حين تتوقف عن فعل يثبت لك خطأك في حقها فأنت خسرتها. *** عند أبريل. نزلت من منزله، تسير بخطوات متثاقلة ونظرات مشوشة تغمرها دموع كثيفة كغيمات معتمة، عقلها غارقًا في ضياع لا حدود له، غير قادرة على تحديد وجهتها. كلماته تتردد في رأسها كطنين نحلة عمياء، لا تفارقها، تنخر في أعماقها، تزعزع أركان قلبها، ثم تقذفه بعنف
على صخرة الحقيقة القاسية: "لقد أحبته." توقفت خطواتها، تلمس صدع تفكيرها بصدمة مفاجئة، هل أحبته حقًا؟ جاءتها همسات قلبها كنداء مؤلم: "لا تنكري استسلامك الكامل بين يديه بوداعة." تذكرت لحظات السعادة التي غمرتها بالأمس، كيف كانت نبضاتها تتراقص فرحًا باهتمامه ورعايته كخيوط حرير تلامس جروح روحها بنعومة، لكن العقل سرعان ما قطع هذا الوهم، يعنفها: "انسِ كل ما يتعلق به، لقد أهانك، وكان يتلاعب بمشاعرك كدمية في يده."
بين نيران مشاعرها المتأججة، كانت تشعر بأن حبها له أصبح سلاحًا ذا حدين، يرتقي بها إلى قمة السعادة ويهوي بها إلى قاع بحر مظلم في آن واحد.
زفرت بعمق، يكفيها أن تتوغل في دوامة الوهم، متمسكةً بفكرة أنه كان يكن لها مشاعر صادقة بل كان يتلاعب بها، فهي المخطئة رغم أن الشكوك تراكمت كسحب قاتمة فوق عقلها، لم تصدق حرفًا واحدًا مما قيل عنه، واختارت بإرادتها أن تمنح له الثقة، كمن يمنح مفتاح قلبه لأحد الغرباء، وهي تأمل أن لا تبتلعها غياهب الخذلان مثل كل مرة، بينما هو في انفعاله، سرعان ما تسارع في تصديق ما سمعه.
كيف لعاشق أن يفرط في حبيبته بهذه السهولة، إلا إذا كانت في أعماقه لا تعني له شيئًا؟ لم يعطها فرصة لتدافع عن نفسها، لم يتمسك بها، كأن جراحه القديمة قد تسللت إلى أعماق نفسه، مكونةً درعًا من الجمود والتخلي، ربما خائفًا من أن تتركه كما فعلت شقيقته في الماضي؟ لكنها ليست مثلها، لماذا عليها أن تتحمل دائمًا وزر ما لا ذنب لها فيه؟ استرجعت في ذهنها ما دار من حديث في الصباح داخل مكتب مصطفى. "flash back"
"وأنا هكون أكتر من مبسوط بتعذيبك وحسرتك عليهم... وأوعدك بتاع النسوان مش هيكون جنبك عشان يحميكي من طاقة جهنم اللي فتحتيها على نفسك وعلى أهلك." كلماته إنهالت على قلبها كالسياط مزقته بعنف مرتعب، وقد وصلت المعركة إلى ذروتها، لكنها بالتأكيد لن تكون المنتصرة بها، مما دفعها للتراجع بخطواتها نحو باب المكتب، مصممة على المغادرة، لكن سؤاله الماكر كان كفيلًا بإيقافها: "نسيت أسألك يا تري؟ زي ما عرفتي بموضوع ديون أهلك ليا...
يا تري سيادة المخرج النبيل صارحك باللي كان بينه وبين أخته ريهام ولا... التفتت أبريل نحوه بريبة يغلفها الحذر، وكأنها تقرأ ما خلف نبراته المسمومة: "قصدك إيه باللي بينه وبينها؟ أجابها مصطفى بنبرة ساخرة، وهو يمشي نحو مكتبه، وجلس مستنداً بظهره على الكرسي الفخم: "شكله ماحكاش ليكي قد إيه حبها وكان عنده هوس كبير بيها من أيام مراهقته... بس هي ما كانتش شايفة إه أصلاً وراحت اتجوزت...
ولأنه عنده نقص كبير في رجولته من وقتها وهو بيسعى يرد كرامته منها بأي طريقة... وأنتي كنتي فرصة كويسة ليه... يقرب منك ويتجوزك عشان يقهرها عليه ودا طبعاً لأنها لسه في دماغه ومقدرش ينساه." تشنجت ملامح وجهها بصدمة، لكن لم تدع لسانها ينطلق قبل أن تستعيد زمام الأمور، بينما قهقه مصطفى بخشونة، مستكملاً حديثه: "عارفة بضحك على القدر يا أبريل... بجد غريب أوي وقت لما هربتي مني عشان حسيتي إني هأذيكي...
روحت اتحميتي في اللي أذاه هيصيبك في مقتل... والأيام هتثبت لك إنه هيرميكي بعد ما يزهقك منك." عقدت ذراعيها أمام صدرها، وصدى كلماته يتردد في جنبات قلبها المتسارع بقلق، بينما يردف متلذذًا بكل كلمة يلقيها عليها: "نصيحة مني ماتضحيش بالكل عشان خاطر واحد مخدوعة فيه... دا واحد كداب ومالوش أمان وانتهازي... فكري أحسن في أختك وأخوكي وابن أختك كل دول هيروحوا فين وإيه مصيرهم لما أبوكي يدخل السجن... انتي نفسك هتواجهي المجتمع إزاي!!
هتقدري تحققي النجاح اللي نفسك توصليله إزاي!! هو شخصياً أول واحد هيسيبك غرقانة ويروح بعد ما يبيعك بالرخيص." توقفت أنفاسها للحظة، ليس لأنها صدقت كلامه، بل لأن القسوة التي نطق بها أشعلت نار التمرد في قلبها، فرفعت رأسها، وعيناها كانتا جمرتين تتحديان نظراته المتعالية ثم بثقة لا تخلو من الإزدراء تكلمت: "كل اللي قولته ده ما غيرش نظرتي فيك يا مصطفى... بالعكس حاسة إني بحتقرك أكتر من الأول...
ومهما حاولت تشوه صورته في عيني مش هتعرف... لأن اللي بدأ بالغدر والكدب كان أنت... ومش صعب عليك دلوقتي تكررها تاني وتضحك عليا." "وعشان توفر على نفسك التعب... ولو باسم كداب... ومالوش أمان... وأنا مابحبوش... ومش فارق معايا... وهيجي اليوم اللي هتخلص فيه منه وأبيعه قبل ما يبيعني... دي كلها حاجات ماتخصكش... دي حياتي وأنا حرة فيها أكون مع اللي اختاره."
هكذا اندفعت كلماتها بتهور ممزوج بالتحدي، دون أن تنتبه إلى الابتسامة الماكرة التي ارتسمت على شفتيه بعد أن حصل على مبتغاه من هذا اللقاء دون جهد، مما جعله يقول بعدم اكتراث: "براحتك محدش وقتها هيكون خسران كل حاجة غيرك... انتي مجرد لعبة بيغيظ بيها أخته... وكل اللي همه ينتصر على جروحه ماضيه... وأنتي بتديله الفرصة فاكرة نفسك بالطريقة دي بتستفزيني."
ابتسمت بسخرية تخفي خلفها شعور بالغيظ لا يخلو من الغيرة، ثم أخذت نفسًا عميقًا محاولة الحفاظ على هدوئها، ردت عليه ببرود متحدٍ ونبرة تهكمية: "وأنت بقا منتظر مني لما تقولي الكلام ده هعمل إيه ها!!
هصدقك مثلا.. هحس بالندم وأقولك.. مصطفى حبيبي أنا آسفة إني جرحتك ووجعتك كان غصب عني.. كنت بنتقم منك.. كنت فاهماك غلط.. بس اكتشفت إني ماقدرش أعيش من غيرك ولو كملت معاه هبقى بظلم نفسي.. أنا مش هقدر أكمل معاه يوم واحد تاني.. هطلق منه وهكون معاك تاني.. وننسي كل اللي فات وتعالي نبدأ صفحة جديدة.. مش دي الأوهام اللي بتدور في عقلك عشان كبريائك منعك تعترف إني سبتك ومش راجعالك؟! أردفت
بصوت يتسم بالقوة والعزم: "للأسف أنت غلطان أنا معاه بإرادتي عشان أنا عاوزاه.. واللي بينك وبين بابا أنا مش طرف فيه.. فاهم!؟ حاول أن يخفي غضبه، وهو يلوى فمه بحقد، وقال بهدوء زائف مفعم بالخبث: "طيب يا أبريل.. افتكري إنك أنتِ اللي حكمتي على الكل يتحرقوا بنار أنتِ اللي ولعتيها.. وأول الناس اللي هتنكوي في النار دي هو أنتِ!!! "back" في غياهب الحيرة وقفت حافيةً على جمر الهوس،
لا تدري إلى من تسند لومها: إلى مصطفى الذي أحرقها انتقامه بنيران هوسه، أم إلى باسم الذي لم تكن له سوى أداة لتحقيق ثأره، أم إلى نفسها التي اقتادت روحها نحو حافة الهاوية بتهور، غافلة عن عواقب خطواتها.
وسط دوامة أفكارها المتزاحمة، تردد أزيز الهاتف في أذنيها، يسحبها ببطء من أعماق شرودها، توقفت نظراتها عند اسم المتصل على الشاشة للحظات، شعرت بأنفاسها تتثاقل، فرفعت يدها ببطء وضغطت على زر الرد، محاولة أن تتماسك، لكن صوتها المخنوق لم يخفِ مشاعرها. أتاها صوته الرجولي الهادئ، يحمل في نبراته شيئًا من القلق: "مالك يا إبريل؟ النهارده ما جيتييش الشركة ليه؟ حاولت أن تستعيد بعضاً من رباطة جأشها، فاستجمعت ما تبقى من قوة في صوتها،
وقالت بصعوبة مشوبة بالكذب: "أنا آسفة يا مستر دياب على غيابي.. كان عندي شوية ظروف." نبراتها لم تخدع أذنه الحذرة، فتساءل بلهجة حادة بعض الشيء لا تخلو من الغموض: "مال صوتك؟ إنتي بتعيطي؟ سرعان ما أنكرت بصوت مرتجف: "لأ." جاء رده مصرًا كأنه يستشف الحقيقة من وراء كلمتها: "لأ إيه؟ إنتي بتعيطي؟ فاض قلبها بالكلمات، لكنها اكتفت بهمسة مختنقة: "مخنوقة شوية." ارتفع القلق في صوته الأجش: "ليه؟ إنتي كويسة؟ إيه اللي حصل معاكي؟
إحنا مش بقينا أصدقاء؟ ولا لحقتي تنسي كلامنا الأخير؟ ترددت أبريل للحظات، لكنها اعترفت بصوت خافت: "لأ، مش كويسة." فسألها بحزم: "إنتي في البيت؟ "لأ." "طيب… ابعتيلي اللوكيشن وأنا هجيلك." حاولت التهرب، كأنها تخشى مواجهة أحد بحزنها: "لأ... ما تتعبش نفسك... أنا هروح دلوقتي البيت." لكن إصراره كان واضحًا، قاطعها بنبرة حاسمة: "يلا اسمعي الكلام... ومسافة السكة وهبقى قدامك."
انتهى الحوار عند هذا الحد، فلم تقو على الاعتراض أو الرفض، فهي في حاجة ماسة إلى من يخفف عنها هذا الثقل الذي يوشك أن يحول قلبها إلى رماد من شدة الاحتراق، والدفء في صوته، والاهتمام الجاد الذي لم يخلُ من الحنان الأبوي، تسلل إلى داخلها، ليوقظ بداخلها رغبة في أن تفتح قلبها إليه، وكأنها وجدت أخيرًا من يفهم جراحها دون الحاجة إلى كلمات كثيرة. ***
في الجهة الأخرى، بمكتب دياب، امتدت يده ببطء نحو صورة فوتوغرافية موضوعة على مكتبه، تجمعه بابنتيه التوأم. ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، حينما تذكر حديثه مع إبريل منذ أيام، حين صارحها بأنه توأم داغر، ومتزوج، وأيضًا أب لطفلتين تعيشان مع والدتهما في دبي. رفع دياب الصورة وقبّلها بمحبة، كأنه يستمد منها دفئًا وحبًا مخفيًا خلف ملامحه المهيبة، ثم أعادها مكانها، قبل أن يسرع بخطوات ثابتة نحو الخارج.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!