لا يوجد شخص يلائمك تمامًا، بل يوجد شخص تنازل من أجلك، لأنه يرغب بالبقاء معك، وهنا يبقى السؤال: هل سيستمر في التنازل للأبد؟ قريبًا جدًا سنرى! *** عند ياسر -إيه الأخبار؟! سأل ياسر ببرود، وهم يسيرون نحو السيارة القريبة من المستشفى، فأجابت هالة بهدوء: الحمد لله كانت العملية ناجحة. غمغم ياسر بلا مبالاة: تمام مبروك. أخرج المفتاح من جيب بنطاله، وتابع مع إيماءة بعينه إلى السيارة: محتاج أتكلم معاكي، خلينا نقعد في العربية.
نظرت هالة إلى ساعة معصمها بتهرب، فلم تكن لديها رغبة في الحديث في هذا الوقت، هزت رأسها قائلة برفض هادئ: معلش يا ياسر، ممكن تأجل أي كلام، أنا بقالي أكثر من أربع ساعات واقفة على رجليا. تغضن جبينه قائلاً باستياء: وأنا هنا عشانك من ساعتها، وفضلت مستنيكي ومروحتش، على الأقل قدّري ده. رفرفت رموشها في ذهول، ورددت بصوتها الرقيق كلماته في محاولة فاشلة لتصديق ما قاله: أقدر! هو أنت بجد تقصد اللي بتقوله، أنت هنا... عشاني؟
فتح ياسر فمه عازمًا على الرد، لتتابع بطرح سؤال بغضب مكبوت ممزوج بالأسى: أنت من يوم ما اتعرفنا على بعض، إمتى كنت موجود عشاني؟! -لما بيكون عندي مشكلة، أنت بتبقى فين؟! ياسر مبررًا: هالة، أنا لو مقدرتش أجي بسرعة فأنا كنت... أوقفت هالة سيل الأعذار التي تكاد تنهمر من شفتيه، وهي جردته من هذا السلاح الضعيف الذي كان يستخدمه درعًا لنفسه، متحدثة ببرود حاد: كنت تقدر تبعت صاحبتك مع حد من أهلك يوصلها في سكته...
كان فيه مية خيار قدامك تحترم مشاعري بيه... بس للأسف أنت حتى مبتحاولش. تجمدت الحروف على طرف لسانه، مخفضًا عينيه تجنبًا لنظراتها المعاتبة، مما جعل الشعور بالذنب يتزايد بداخله، خاصة بعد أن علم بمشاعر يارا تجاهه، لكن رغم إرادته وجد نفسه ينكر أقوال هالة قائلاً بنفي: أنتِ مش فاهمة ولا عارفة حاجة، أنا كنت...
واصلت هالة إكمال بقية الجملة بنبرة محتدة، واحتقان داخلي كان مخزونًا منذ فترة، وها هي الآن قد استنفدت كل محاولاتها للصبر عليه بسبب برودته، ليبدأ هذا الشعور المقيت يطفو على السطح: كنت مع صاحبتك بتوصليها وخطيبتك في مشكلة... تعرف الممرضات من لحظة ما دخلت المستشفى عملوا سيرتي لبانة بيسلوا بيها نفسهم لحد النهار ما يطلع. هرب ياسر من نظراتها بعد أن عجز عن الدفاع عن نفسه، فأضافت
بنبرة زاخرة بخيبة الأمل: وكل مرة هكون فيها بمشكلة أنت هتكون معاها، والنظام ده أنا مش هقبل بيه. *** في نفس الوقت عند باسم أخذت رماديتيه تطوف كامل هيئتها الباكية دون تعبير مقروء على وجهه، وقبل أن يتمكن من الكلام، أنزلت أبريل القناع، وهي تراه يغلق الباب، فصاحت في وجهه بعدائية بائنة للأعمى: أنت إيه اللي دخلك هنا؟ اطلع برااااا؟!
كاد باسم أن يتحرك نحوها، لكنه جفل من صراخها الهجومي زعزع شجاعته لوهلة رغماً عنه، وقطب جبينه انزعاجًا يخشى أن يلاحظ أحد صوتها في الخارج. أشار باسم لها بالصمت، وهو يتحدث سريعًا محاولًا طمأنتها: وطّي صوتك... أنا جاي أطمن عليكي وخارج على طول. سقطت من عينيها دمعة ساخنة تشمل الكثير من الحزن، لكنها لم تسمح لها بالنزول على خدها الناعم، حيث امتدت أصابعها لتمسحها سريعًا، وهي تبتسم نصف ابتسامة ساخرة، وهمست
بمرارة مشوبة بالاتهام: تطمن عليا ولا تشوفني إذا كنت موت ولا لسه؟ عبس باسم بشدة، يستوعب كلماتها قبل أن يصدح صوته الرجولي بشكل دفاعي، ممزوج بالغضب الذي سيطر عليه في لحظة: إيه الهبل ده... وإيه يخليني أتمنى موتك!
أنهى باسم حديثه، مندهشًا من تفكيرها، وسلط رماديتيه المستهجنة على فيروزيتها الدامعة، التي كانت تنظر إليه بسخرية مستاءة، ثم بخطوات واثقة، سار نحوها، ليسحب الكرسي، ويضعه قبالة السرير، ويجلس عليه، واضعًا ساقًا فوق الأخرى بعنفوان يليق به، ليتمتم بشفتين مزمومتين بغطرسة: تصدقي أنا غلطان عشان كنت خايف لا يجرالك حاجة!
استندت أبريل على الوسادة خلف ظهرها، ونظرت بحدة إلى ملابسه التي كان يرتديها الليلة السابقة، نفس القميص القرنفلي الداكن والبنطلون الرمادي دون سترة البدلة، وشعره منثور بطريقة عفوية وجذابة. أسبلت أبريل جفونها بعد أن ضبطت نفسها تتأمله بشرود، لتعقد ذراعيها أمام صدرها، ومصححة له بنبرة متهكمة يشوبها التشفي: قصدك خايف علي نفسك... ماهو لو حصلي حاجة هتشرف في السجن.
حدقت أبريل به بقوة تخفي وراءها وهنًا عظيمًا يتفاقم بعنف داخلها، لأنها تجلس بمفردها معه، فأشارت إليه بإصبعها السبابة تهديدًا وتحذيرًا وأردفت: أوعى تفكر إن اللي عملته ده هسكت عنه وأعديهالك بالساهل... أنا هوديك في ستين داهية وهرفع عليك قضية وهفضحك وأخرب بيتك. ابتسم باسم لها بجفاء ممزوج بالمكر، وعقد ذراعيه بنفس حركتها، وقال بصوت ضاحك: حقك تعملي كل اللي أنتِ عايزاه وتقولي أكثر من كده ومش هلومك أبدًا...
ماشي تقدري ترفعي قضية عليا. مال باسم إلى الأمام في مقعده بتحفز مفاجئ جعلها ترتد متوترة رغماً عنها، بينما هو واصل حديثه بهدوء، مرتديًا قناع الجدية والجمود: بس نصيحة مني دوري على محامي شاطر عشان هينفعك الفترة الجاية... لأني هرفع عليكي قضية تشهير بسبب الخبر اللي اتنشر عننا وهطلب منك تعويض كبير، يا تدفعي يا الحبس، وده حقي أنا كمان أدافع عن اسمي وسمعتي ولا إيه؟ نظرت إليه أبريل بشراسة ممزوجة بالانزعاج، لتقول بتلقائية:.....
*** بذات الوقت عند عز خرج عز بوجه حزين من غرفة منى، فنهضت دعاء بسرعة من مقعدها، واقتربت منه لتربت على كتفه بخفة، وتسأل بقلق: أنت كويس يا حبيبي؟ أومأ عز لها برأسه، ومسح وجهه بخفة، وأجاب بصوت منخفض: كويس كويس بس مرهق جداً. دعاء بسؤال: هي لسه على حالها؟ -أيوه الممرضة قالت شوية وهتفوق بس هتخرج على بالليل عشان نزفت كتير ومحتاجة راحة. مرر حدقتيه في المكان قبل أن يسألها: أومال فين عمي صلاح؟!
زمت دعاء شفتيها متظاهرة بعدم المعرفة، قائلة بلا مبالاة: معرفش... يمكن راح يشوف باسم فين؟ -صحيح نسيت أسألك يا ماما... هو عمي عرف منين وجه معاكي؟ استغربت لما شوفته آخر مرة كان مروح مع طنط وسام؟ أخفضت دعاء نظرها اضطرابًا، وأجابته بكذب، مختلقة قصة خيالية كالعادة: آآآ لا ما هو شكله رجع تاني على هنا بعد ما وصلوني... ولما صادفته وأنا طالعالك مخضوضة قلق قام طلع يجري ورايا من غير ما يفهم.
هز عز رأسه متفهمًا، ثم قال وهو يتنهد بعمق، محاولًا إخراج التوتر الذي يرتعش في كيانه: طيب أنا رايح الحسابات وجاي مش هتأخر عشان أهل منى قربوا زمانهم على وصول. أومأت دعاء رأسها بالقبول، قبل أن تراه يغادر بخطوات هادئة. *** في منزل مصطفى أخفضت سمر جفونها بتوتر إلى المكان المتناثر به زجاج فنجان القهوة المكسور الذي حطمه شقيقها من فرط استهجانه.
عقدت سمر حاجبيها بجزع من صوت أخيها الهادر بالشتائم والألفاظ النابية القادمة من الحديقة. حدقت في الخادمة التي كانت تنظف بارتعاب، ووقفت مضطربة تنتظرها لتعطيها أوامر أخرى، فهزت سمر رأسها لها بلا مبالاة قائلة بصوت خافت: "ثانكيو ماريا." غادرت الخادمة مسرعة، وتقدمت سمر نحو توأمها لتجلس بجانبه، وقلبها متقلقل من غضب أخيها الأكبر.
أما مصطفى فقد أمضى الدقائق القليلة الماضية يتحرك ذهابًا وإيابًا في حديقة المنزل، بملامحه مكفهرة من شدة غضبه وهو يمسك هاتفه، ويجري اتصالات هاتفية في محاولة للوصول إلى مصدر هذه الأخبار التي تملأ الصحف والمواقع الإلكترونية، لكن الإجابات موحدة، ولا أحد يعرف من يقف وراء هذا الهراء الذي أثار هذه الضجة الكبيرة، والتي أثرت بالسلب على أسهم شركاته، فتراجعت بشكل ملحوظ صباح اليوم.
ظل عقله يدور في دوامات حلزونية من التفكير الزائد، مما جعله يشعر بأنه على حافة الجنون من الغضب من السخونة التي تسيطر على رأسه، وضع قبضته أسفل ذقنه، فلابد أن أحد المنافسين قام بفبركة هذه القصة البشعة من أجل تدمير سمعته، لكن ما ذنبها أن يقترن اسمها بمثل هذه الفضيحة الدنيئة؟ تحرك ذهابًا وإيابًا باضطراب، وتوالت الأسئلة في عقله، فهل وصلها الخبر وعلمت بزواجه؟ لهذا السبب لم ترغب في التحدث معه لمدة يومين!!
زأر مصطفى بحنق بالغ، وهو يشعر بالعجز أمام نفسه، تزامناً مع خروج أمه من الشرفة، لتقترب منه وهي ترنو بصوت هادئ: "يا حبيبي اهدأ، أكيد الموضوع فيه حاجة غلط وهتتحل." رد مصطفى بصوت خشن مشحون بالانفعال، بعد أن التفت إليها وعيناه محتقنة، والعروق في جبهته ويديه ظاهرة من شدة سخطه: "مش ههدأ إلا لما أعرف جابوا الكلام دا منين وازاي ينشروا كلام وسخ زي دا.. أبريل إيه علاقتها بابن الشندويلي من الأساس؟
أنهى مصطفى جملته بتشوش تام، حيث كاد أن يفقد صوابه، ليتخطى والدته وتوجه إلى الداخل: "مصطفى رايح فين؟ استنى يا بني.. بس اقعد طيب عشان نفهم." أشرق العزم القاسي في سواديتيه كالليل الحالك، وهو يتوعد إلى مرتكب هذه المؤامرة بشدة في داخله قبل أن يقرن أفكاره مع حديثه، مزمجرًا بصوت يثور من الغضب: "نفهم إيه!! أنا هطربق الدنيا فوق دماغ كل اللي مسؤولين عن الأخبار المقرفة دي." ربتت على كتفه بحنان، محاولة حثه على التعقل والصبر:
"هو أكيد الموضوع فيه سوء تفاهم أو يمكن ناس عايزين يعملولك شوشرة يا بني." نظر مصطفى إليها مصطفى بذهول وقال بسؤال: "قصدك مين يا ماما؟ رفعت الأم كتفيها مشيرة إلى أنها لم تكن متأكدة من ستقول، لكنها قالت ما قادها إليه مشاعرها: "أنا مش عايزة أظلم بس الله أعلم يمكن تبقى حنين." رأت ملامحه تتغير فورًا، وهو ينفي بالإنكار التام: "لا لا مستحيل حنين تعمل عملة زي دي." عارضت والدته كلامه، مذهولة من موقفه غير المفهوم: "وليه مستحيل؟!
وأنت إيه مخليك واثق كدا إنها مش هي اللي ورا العملة دي يا مصطفى؟! يا بني أنت ما تعرفش الستات في غيرتهم ممكن يعملوا إيه ويطلع منهم إيه." قال معتز ساخرًا بتنهيدة: "أمك في التسخين إيه لوز اللوز وشكلها كدا هتقوم القيامة النهاردة." أشارت له سمر، تحثه على الصمت: "هش... لو سمعوك هيمسكوا فيك أنت." لوح معتز بيده دون اهتمام، وقال ببرود ينهض صاعدًا غرفته: "لا وعلى إيه أنا رايح على أوضتي." همهمت سمر بفم ملتوي، وهي لا
تزال تتابع ما يحدث بهدوء: "يكون أحسن." تحرك مصطفى نحو باب المنزل، فنادته الأم قائلة بضيق وأسف: "يا مصطفى رايح فين يا بني دا أنت ما لحقتش تاخد نفسك من السفر." دخل الأب من الباب، وهو يستمع إلى صوت مصطفى الصارخ غاضبًا، ليتساءل في ذهول: "إيه في إيه حصل إيه يا مصطفى؟ قبل مصطفى رأس والده بخفة، ثم هتف بسرعة، وعيناه ممتلئتان بالعزم:
"ما فيش وقت.. معلش يا بابا ماما هتبقى تحكيلك.. بس أنا مش هقدر أقعد هروح لأبريل وأفهم إيه اللي حصل في غيابي وأعرف مين مطلع علينا الكلام الزفت دا..!!! *** في هذا الوقت عند أبريل اتسعت عيناها مفاجأة، ثم استبدلت نظراتها المندهشة بنظرات شرسة ممزوجة بالانزعاج، وتحدثت بتلقائية لعدم تصديقها لوقاحته: "يا بجاحتك يا أخي.. أنت كمان جاي تهددني بعد ما كنت هموت في إيدك بسبب تحرشك بيا.. اطلع برا.. اطلع بكرامتك مش طايقة أشوفك."
أشارت بإصبعها نحو الباب، فهز باسم رأسه لها بالنفي، قائلًا بهدوء واستفزاز: "أنا شايف إنك تتعودي تشوفيني من هنا ورايح دا هيسهل عليكي حاجات كتير الفترة الجاية.. ولو مش عايزة أنا مش طالع واعملي اللي أنتِ عايزة.. خلي أهلك يكتشفوا كل حاجة."
رمقته أبريل من أعلى إلى أسفل بنظرات ازدراء واضحة، وهي تبتلع غصة ألم في حلقها، بعد أن شعرت أنها ستنخرط مرة أخرى في نوبة بكاء، لكن آخر شيء أرادت حدوثه هو أن تعري انكسارها أمام هذا العابث، لذا بشراسة قامت بصب جام وجعها عليه بتهور، وهي تتكلم بين أسنانها بقهر مرير: "خليهم يكتشفوا ما خلاص اتفضحت ومستقبلي اللي كنت بحاول أبني عمري كله بقى كوم تراب في لحظة واحدة بسبب واحد حقير ومنحط زيك."
للحظات أحست ببهجة النصر، وهي ترى العبوس ارتسم على ملامحه، وقد نجحت في إزالة ابتسامته الاستفزازية من وجهه الوسيم.
أضاءت عيناه الرماديتان بنظرة شرسة جراء إهانتها لكبريائه، لماذا تقذفه بهذه الاتهامات المسمومة، وتحمله مسؤولية ما حدث، الخطأ الذي ارتكبه ما هو إلا رد فعل على ما اقترفته في المقام الأول، عند هذا الحد من التفكير الثائر، هب واقفًا من مقعده فجأة كالذئب المفترس، وفي أقل من ثانية كان يواجهها ممسكًا بذراعيها بقوة ألمتها، وملامحها تتقلص في ذعر مفاجئ، ليهسهس بنفاذ صبر بعد أن فقد آخر ذرة عقل كان يتمسك بها أمام تلك المتمردة:
"المنحط دا هو الوحيد دلوقتي اللي يقدر يخرجك من الورطة اللي اتورطنا فيها كلنا.. بعد المصايب اللي حصلت من ورا كدبتك يا هانم." تضاعفت انتفاضة جسدها أكثر بين يديه، وغامت عيناها بالدموع من جديد، لتنهمر بلا إرادة على خديها قبل أن تصرخ في انهيار شديد، وهي تحاول أن تدفعه بعيدًا عنها: "ابعد عني أنت اتجننت ما تقربليش كدا.. اخرج برا قبل ما أصرخ وأعمل ليك وليا فضيحة جديدة و.."
سارع باسم بوضع كفه فوق فمها، قاطعًا بقية تهديداتها الشرسة، وبغتة تحولت نظرته الحادة إلى نظرة أخرى مختلفة، وبقلب مستهام حدق في عينيها المتسعة، وكأنها ألقت عليه تعويذة سحرية، جعلته يقربها منه كما يجذب المغناطيس قطعة معدنية نحوه، ويميل بوجهه حتى صفعت أنفاسها الساخنة وجهه، فاجتاحه شعور غريب لم يكن لديه الوقت الكافي لاكتشافه، قائلًا بصوت خرج رخيمًا لا إراديًا، وعيناه الرماديتان مثبتة في عينيها الفيروزيتين بنظرات عميقة تسببت في
ارتعاشات متوترة في جسدها: "ما قبلتكيش إلا كام مرة.. وكلهم كانوا مواقف ملخبطة وسخيفة ورغم إن كل مرة كان نفسي بجد أقص لسانك فيهم.. بس مش عاجبني دلوقتي بصتك ليا اللي كلها خوف دي.." ابتلعت أبريل لعابها باضطراب، وهي تنظر إليه بعينين مهتزتين وحاجبين مقعدتين، دليل على عدم رضاها عن كلامه وقربه المربك منها، لكنه شوش عقلها بحديثه، فهدأت شهقاتها تدريجيًا. تابع باسم، وعلامات الجدية بدت على وجهه، مؤكدًا كلامه السابق:
"والله ما باتريق دا بجد.. نظراتك ليا اللي كلها تحدي وتمرد هي بس اللي عايز أشوفهم." *** عند أحمد كان أحمد جالسًا في القطار السريع ينتظر وصوله إلى القاهرة بفارغ الصبر، لقد سئم الانتظار والتفكير فيما حدث لأبريل. صرف الأفكار السلبية عن عقله المنهك، وهو يتصفح أحد التطبيقات على الهاتف دون اهتمام.
ضاقت عيناه قليلًا، حالما لفت انتباهه شيء ما، متوقفًا عنده متحققا مما رآه جيدًا، إذ تظهر إحدى صورها على العديد من المواقع الإلكترونية، فأخذ بإعادة قراءة المقالات أكثر من مرة حتى تأكد مما فهمه جيدًا. جحظت عيناه بهلع، وتجمد جسده كأن أحدهم سكب فوق رأسه دلو ماء بارد في شتاء قارص من قوة الصدمة عليه، كما لو أنه انفصل بوحشية عن العالم من حوله. خلال ذلك الوقت عند هالة سأل ياسر بسأم، وعلامات الامتعاض تعلو وجهه:
"أنتِ ليه مكبرة الحكاية كدا؟ دا كان مجرد ظرف اتحطيت فيه! صمت ياسر للحظة، وهو يتنفس بغضب، بينما كانوا يتبادلون النظرات، قبل أن تظهر ابتسامة ساخرة على فمه اقترنت بكلماته التالية مصحوبة بالبرود والازدراء: "اللي بجد ما كانش يصح هو الاستهتار والاستخفاف منك ومن أهلك ليلة إمبارح. حفلة خطوبتنا باظت بسبب واحدة ما نعرفهاش وكمان فضايحها النهارده مالية المواقع." عقدت هالة حاجبيها باستغراب مما سمعته، وتساءلت بعدم فهم:
"فضايح إيه اللي بتتكلم عنها أنت؟ مش فاهمة حاجة من اللي بتقوله؟ مد يده إليها بالهاتف الذي أخرجه من جيب بنطاله الخلفي، قائلًا بنبرة بطيئة جامدة: "خدي اقرأي وهتفهمي يا دكتورة." *** عند باسم رفع باسم يده عازمًا على دفع خصلة شاردة على جبهتها خلف أذنها، لكن قبل أن تصل أصابعه إليها، دفعتها بحدة بعد أن استيقظت من تشتتها بنظراته المربكة، لتهتف بنفس الصوت المبحوح: "ما تلمسنيش، وقلتلك اخرج بره، أنت ما تسمعش؟
أفاق باسم أيضًا من غيبوبته المؤقتة، وهو يرتد إلى الوراء بارتباك محملقًا في وجهها الذي يكاد ينفجر من الحرارة والخجل، وهي تزحف إلى الخلف بتوجس، وأخذ صدرها يرتفع ويهبط من انفعالها، وتنفسها يرتجف، مما جعله يأخذ بسرعة كوب الماء الذي تم وضعه بجوار السرير، وسلمها إياه قبل أن يشير بيده لتهدأ، وهو يحاول طمأنتها قائلًا بقلق وحذر: "خلاص خلاص مش هآجي جنبك. بس بما أن بقى عندي علم باللي بيحصل حواليكي محتاجين نتكلم."
تناولت إبريل منه الكأس بتردد، تستشعر نبضها بأطراف أصابعها دون هوادة دون أن تدري أن من الآن دقت طبول المعمعة قلبها، وهو لم ينتظر ردها، بل جلس أمامها مرة أخرى بعد أن مسح شعره بحركة مضطربة، ونظر إليها بإصرار. أشاحت إبريل ببصرها بعيدًا، وهي تزفر بيأس، قبل أن تشرب كوب الماء ببطء، وهي تتكئ على الوسادة باستسلام إجباري، بعد أن ارتخت ملامحها، فمن الواضح أنها مهما عبرت عن الغضب والرفض، تحتج على سماع شيء منه، فهو لن يصغي إليها.
*** عند دعاء أغلقت دعاء باب الغرفة بهدوء، ثم اتجهت نحو السرير الذي كانت منى مستلقية عليه، والتي لا تعلم شيئًا عما يدور حولها.
جلست دعاء على الكرسي بجانب سريرها، تنظر إليها، وتجمعت العبرات في عينيها، وقلبها يتألمها من الحسرة والندم على ما كانت تخطط له من أجل تزويج ابنها من امرأة أخرى، هي التي جعلتها تستمع إليها، وكانت تعلم جيدًا أن ما هي عليه الآن صنعته بيدها في المقام الأول، وها هي أضافت سابقة جديدة بجانب السوابق الماضية بهذا الفعل الشنيع. كيف يمكن أن تكون أمًا صالحة، وهي ترتكب جرائم إنسانية بحق كل عزيز عليها؟
ابتسمت دعاء وسط دموعها بحزن ومرارة، وهي تكلم نفسها قائلة بنبرة باكية: "أذيتي نفسك يا دعاء وكل اللي حواليكي اتأذوا منك حتى حياة ابنك خربتيها. خليتيه هو يدفع ثمن أنانيتك بس ليه بتعيطي ومش مبسوطة ليه؟! زادت الانقباض في صدرها من الضيق، والشعور بالذنب يمزق قلبها، وشعور مرعب يسيطر على كيانها، وكأن الكون ينهار من حولها، ولا تستطيع فعل أي شيء لمنع هذا الانهيار، وهمست بحزن:
"يا ريتك تسامحيني يا منى، بس إزاي هتسامحيني وأنا مش قادرة أسامح نفسي. ويا ريتني قادرة أطلب منك تغفريلي، بس أنا أجبن من إني أقول إني غلطانة. أنا اللي وصلتك للي أنتِ فيه وخسرتي ابنك مع أنك تستاهليه. أنا اللي ما أستاهلش أبقى أم. أنا أحقر أم في الدنيا وما أستاهلش حب ابني ليا."
ارتفعت شهقاتها الممزقة، لتتردد صداها في أرجاء الغرفة قبل أن تقطع كلامها، تزامنًا مع شهقة عنيفة أطلقتها، حالما فوجئت بشخص ما فتح باب الغرفة من خلفها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!