النهار طلع على أدهم ونهال اللي ما ناموش ولا لحظة بسبب ابنهم اللي بيزن زيادة عن اللزوم. أدهم كان رايح جاي في الأوضة وهو شايل ابنه، ونهال كانت نايمة على السرير بتعب. "هنروح امتى؟ أنا تعبت من السرير ومن ريحة المستشفى ومن كل حاجة، عايزة أروح." قالت نهال بصوت مرهق. بصلها أدهم وقال بصبر: "الدكتورة بس تيجي تطمني عليكم وهنمشي. اللي خلاكي صبرتي الليل كله تصبري ساعة كمان."
تنهدت نهال بتعب: "مش قادرة أصبر أكتر من كدا. عايزة أروح أنام في سريري بدل ما الزنان مخليني ما أنامش دقيقة واحدة من الليل." باس أدهم جبين ابنه براحة: "هي تربية العيل بالساهل يا نهال؟ أمال بيقولوا الضنى غالي ليه؟ عشان تتربي بطلوع الروح." غمضت نهال عيونها: "مش قادرة أقوم النوم. ولو نمت مش هصحى غير المغرب، والجدع يصحيني بقى."
قال أدهم بهدوء: "نامي شوية. ولو حكمت أشيلك وأركبك العربية وأنتي نايمة هعملها، بس ارتاحي أنتِ شوية." بعد ساعة، كانت الدكتورة دخلت على نهال وطمنت أدهم عليهم وكتبت لهم على خروج. أدهم صدق إن ابنه نام وراح جنب مراته يصحيها بحنان. "تعبانة.. مش هقوم، متحاولش. روح أنت وتعالى خدني المغرب." قالت نهال بنوم وتعب، وغرقت في النوم من تاني. ابتسم أدهم عليها وبصلها: "طب والعمل معاكي يا ست نولة."
أبوه وصلاح خبطوا، وأدهم سمح لهم بالدخول. قال سالم بحذر وهمس: "صحّيناكم ولا إيه؟ رد أدهم بهدوء والارهاق واضح عليه: "جيتولي من السما والله. حد فيكم يشيل عيسى وأنا أشيل نهال، لأنها تقريباً في غيبوبة بسبب قلة النوم." شال صلاح عيسى بهدوء: "يالله، حاسس إني شايف كوكتيل أدهم على نهال." وبصلهم: "يلا هاخده، وأنت هات مراتك، وأبوك يجيب الشنط وحاجاتكم."
وفعلاً، أدهم شال نهال براحة. كانت حاسة بيه بس مش قادرة تتوجع حتى. سالم أخد حاجاتهم، وأدهم ركبها ورا وركب جنبها وهي في حضنه. سالم شال عيسى من صلاح عشان يسوق، ومشوا على البيت. *** في بيت سالم، نوال وسلوي واقفين بيعملوا أكل مع بعض وبيكلموا لأول مرة بهدوء. قالت سلوي وهي بتحمر لسان العصفور: "المهم، روحت الفجر فرن العيش. أجيب العيش لقيت جوز نسوان بيطحنوا في بعض. رجعت تاني."
ضحكت نوال: "والله العظيم فرن العيش دا مسخرة. عاملين طابور لرجالة وطابور لستات. الرجالة بتسيب طابورها وييجوا يقفوا في طابور الستات." قالت سلوي بغرور: "أنا بروح، ما بقفش في طوابير. بروح أدخل أضرب البطاقة وأجيب العيش بتاعي وأجي. والجدع يتكلم وأنا أقطع وشه بالشبشب." ضحكت نوال، بعدين قالت: "بحس إن أم نهال وليه مش سهلة. مش عارفة ليه...
رغم إنها كانت طيبة يومين الخطوبة، بس تحسيها بعد جوازهم كدا اتغيرت، ولا أنا بس اللي حاسة كدا؟ قالت سلوي بتنهيدة: "لأ، مش أنتِ بس اللي حاسة كدا. أنا كمان حاسة الولية دي مش طبيعية كدا، وكلامها كله تلقيح ومن تحت لتحت كدا." قالت نوال بحيرة: "طب وليه التغير المفاجئ دا؟ يعني ما كانت حلوة وزي العسل، إيه اللي غيرها كدا؟
بصتلها سلوي: "والله ما أنا عارفة." وبدأت تحط لسان العصفور في الشوربة. "هي حرة، حلوة وحشة لنفسها. المهم إننا بُعاد عنها وخلاص. أمال شفشق اللبن راح فين؟ كنت سايباه على الحوض عشان أغليه؟ قالت نوال: "أنا حطيته في التلاجة، خوفت يروب لو اتساب برا. معرفش إنك هتغليه على طول. غليت كوباية لغزل فطرت، والباقي في التلاجة." قالت سلوي: "طب طلعيه اغليه عشان البت الوالدة دي تشرب منه، ينزلها لبن بدل ما هي بتطلع في الروح كدا." دخلت غزل
بسرعة وهي بتسقف بسعادة: "ماما! بابا جاب النونو برا! طلعت سلوي بسرعة على برا تستقبلهم بلهفة. ونوال حطت اللبن على النار وغسلت إيدها وطلعت وهي بتنشف في قميصها بعفويتها المعتادة. عيونها اتقابلت مع صلاح اللي بعد نظره عنها بسرعة، والحركة دي قتلتها. "اطلع براحة، بموت من الوجع." قالت نهال وأدهم شايلها. كان أدهم طالع
بيها وهو شايلها بحنان: "استحملي بس كمان سلمتين وهترتاحي خالص يا نولة." وفعلاً طلع السلالم براحة جداً وهو شايلها. قالت سلوي وهي بتفتح باب البيت: "أدهم، دخلها أوضتك اللي تحت ترتاح فيها بدل ما تطلع التالت، شايلها وهي مش قادرة تستحمل أصلاً." أدهم شالها ودخلها على أوضته ونزلها في السرير براحة جداً، وهي رجعت ضهرها لورا بتعب. وسلوي جابت بطانية خفيفة فرشتها عليها. وقفت
نوال جنبها وهي شايلة عيسى: "حمد الله على سلامتكم يا حبيبة قلبي، يتربى في عزكم وخيركم يا رب." قالت غزل وهي بتشد في هدوم أمها بزن: "عايزة أشيله يا ماما. هقعد جنب نهال وحطيه على رجلي عشان خاطري." وبصت لأدهم بستعطاف: "قولها يا عمو أدهم." شالها أدهم على رجله وباسها: "قلب عمو أدهم وحياته." وقعد جنبها. "ربّعي رجلك كويس." ربّعت غزل رجلها بحماس، وأدهم أخده من نوال وحطه على رجلها، لكن فضل ماسكه. قالت نوال
باعتراض على اللي بيحصل: "شيله من على رجليها بقى، دا لحمه حمرا لسه، مينفعش البهدلة دي." بصلها أدهم بحنان: "آخده يا ست غزل ولا أسيبه شوية؟ قالت غزل بابتسامة: "خلاص، شلته شوية، خُده بقى." أخده أدهم وبصله: "آه، نايم ولا داري بحاجة عشان يسهر على اللي جابوني بليل." وبص لنهال: "ما ترضعيه شوية." بصتله نهال بتعب: "هو نايم، هرضعه إزاي؟ هاتيه بس جنبي، وأول ما يعيط هرضعه على طول."
حطه أدهم جنبها من الشمال وقعد هو على طرف السرير وإيده على كتف نهال، اللي ساندت راسها على صدره. نوال تلقائي أخدت بنتها وخرجت برا بحجة هتساعد حماتها. قالت نهال بابتسامة: "مين كان يصدق إن أنا أتجوز وأخلف وأعشق جوزي كمان؟ لحد دلوقتي مش قادرة أصدق إن عندي عيلة جميلة كدا يا أدهم... أدهم!
استغربت عدم رده، فرفعت وشها تشوفه. كان ساند راسه للحائط ورجل على السرير والرجل التانية تانيها تحته، وإيده على كتفها. غمض عينيه وغرقان في النوم. نهال ابتسمت على شكله المرهق وشدت الغطا عليه تغطيه، وسندت راسها على صدره تشم ريحته اللي بتعشقها، وغمضت عيونها ونامت بعد دقايق. ***
في شقة صلاح، نوال دخلت الشقة بحذر وقفلت الباب. دورت بعينيها عنه، عرفت من صوت الدش إنه في الحمام. راحت وقفت قدام باب الحمام على طول وسرحت في الكلام اللي عايزة تقوله. صلاح بيفتح الباب اتفاجئ بيها في وشه، فرجع لورا شوية بتلقائية: "واقفة كدا ليه؟ مش فاهم؟ نوال بصت عليه، كان لافف فوطة على وسطه وفوطة في إيده بينشف شعره بيها، فقالت بتوتر: "ك..كنت جاية أشوفك لو محتاج حاجة، عادي يعني."
بصله صلاح شوية وسابها ودخل أوضة النوم من غير ولا كلمة. فتح الدولاب وبدأ يلبس هدومه بلا مبالاة لوجودها. دخلت نوال شالت الفوط من على السرير علقتها على الشماعة تنشف، وبصتله كان بيسرح شعره. فقالت بحزن واضح من نبرتها: "صـلاح.. صلاح بصلها في المرايا وهو بيسرح: "يا نعـم." راحت عنده نوال ووقفت وراه وحضنته بقوة من ضهره: "حقـك علـيا يا حبيبي، أنا آسفة." غمض صلاح عينيه وجمد مكانه وقال بهدوء: "أسفة على إيه يا نوال؟
على إنك كنتي قاعدة في شقة راجل غريب شهرين كاملين؟ ولا آسفة على حرقة قلبي اللي اتحرقتها على غيابك؟ ها؟ قالت نوال بحزن: "آسفة على كل حاجة... قولي إيه يرضيك وأنا أعمله يا صلاح، بس تسامحني." تنهد صلاح بقوة ولف وشه ليها وقال بهدوء: "أنا مسامحك يا نوال، مسامحك عشان خاطر غزل." قالت نوال برفض: "لأ، متسامحنيش عشان خاطر حد. سامحني علشاني أنا، عشان أنا مراتك وحبيبتك وبس...
والله والله ما كان ليا علاقة بيه، بس مجرد قاعدة عنده كأني مأجرة بيت لفترة معينة. والله يا صلاح صدقني." دموعها نزلت. "كل حاجة كانت جاية عليا، وأولهم أنت... مشيت مفكرتش في أي حاجة غير إن لازم أبعد وبس. لكن يشهد عليا ربنا إن بصونك في غيابك قبل حضورك يا صلاح." رق قلب صلاح على عياطها ولمس الصدق في كلامها. فقال بهدوء: "ممكن تهدي وتبطلي عياط؟
عيطت نوال أكتر بانهيار، فمقدرش يقاوم إنه يحضنها، فحضنها المرة دي جامد. حضن لوم، عتاب، اشتياق، وجع. حضن كان يكفي إنه يشرح حالتهم الاتنين. قالت نوال بهمْس باكٍ: "مقدرش أعيش من غير حضنك، مقدرش أكون موجودة معاك وأنت مش ضاممني يا صلاح." قال صلاح بهدوء: "هش، هدي، أنا معاكي أهو، مش هسيبك خلاص." وبدأ يمسح دموعها بإيده. بعدت نوال وكملت مسح عيونها، وقالت بنظرة حلوة: "مسامحـني؟
ابتسم صلاح غصب عنه وحضنها: "مسامحك يا مطلعة تلاته ميتين أهلي." ضحكت نوال وهي في حضنه: "صلاح، أنا عايزة بيبي يكون عسول وصغنن شبه عيسى كدا." غمز صلاح: "فكريني بليل بالموضوع دا، نتناقش فيه." قامت نوال وبدأت تفك طرحتها وترميها على الأرض: "ليه بليل... غزل ملهية بعيسى تحت، وأنت وأنت وتالتنا الشيطان اللي في الشقة." اندهش صلاح منها، ولسه هيرد، اتفاجئ بشفايفها على شفايفه، وغابوا مع بعض. ***
فات أسبوع. أدهم حلف إنه أصعب أسبوع مر في حياته. صعب مراته اللي ديماً تعبانة، وابنه اللي دايماً بيعيط، وهو اللي تقريباً شبه مبقاش بينام. صلاح ومراته علاقتهم رجعت أحلى وأقوى من الأول. العيلة كلها عاشت بسلام وهدوء. الفجر بيأذن في كل مساجد العزبة. نهال شايلة ابنها اللي عمال يزن وبتتمشى في الشقة بيه بتعب ونوم: "أنت طالع لجدتك يلا، بتصحي قبل ديك الحارة... هااا." أدهم قاعد على السرير فارد جسمه ومربع
إيديه ودماغه كلها نوم: "عيل 4 كيلو بيربيني من أول وجديد، يعالم." وقال بقهر: "دا أنا مش عارف أحضن أمك، يلا، الحضن اتحرمت منه." راحت عنده نهال وأدته عيسى: "كل اللي همك قلة الأدب. ابنك معاك أهو، تصبح على خير، مش قادرة أفتح عيني. لو استنيت دقيقة واحدة هقع من طولي." شال أدهم ابنه اللي زن أول ما حس إن أدهم قاعد. أدهم بصله بتعب وفضل يهز فيه وقال برجاء: "ارحمني بالله ونام."
وقال بتوعد: "عليا النعمة لما تكبر لطلع كل دا عليك، بس اتقل عليا." نامت نهال على السرير وقالت بضيق: "ابنك سكت أخيرًا، حضرتك بقى اللي هتزن." بصلها أدهم بغيظ وشد المخدة من تحت راسها وضربها بيها: "اتخمـدي يا بلوة عمـري." اتوجعت نهال بضحك ودورت وشها ليه وبصتله بحرمان: "عايزة أنام في حضنك، بس الأستاذ عيسى واخده لوحده، ما شاء الله."
ابتسم أدهم وشدها: "تعالي نامي على كتفي." وفعلاً نهال نامت على كتفه وهو لف دراعه حوالين وسطها وباس راسها. "قوليلي، بتتمني إيه دلوقتي؟ تنهدت نهال وقالت بصدق: "تفضل طول العمر جنبي، ونفضل طول العمر نحب بعض وحبنا يزيد ميقلش. وأنت؟ قال أدهم بعشق: "رغم التعب وقلة النوم والبهدلة اللي سببها الأستاذ عيسى، بس أتمنى أخلف منك عشيرة كاملة، أنتِ أمهم ويخدوا ملامحك كلها، ريحتك فيه."
ضحكت نهال بخفة وافتكرت كل مرة رفضت أدهم فيها وهو كان قابلها، برضو كل مرة جرحته بالكلام وهو احتواها، كل مرة عذبته وهو استحملها. باست كتفه برقة: "طريقنا كان طويل أوي يا أدهم، لكن النهاية كانت تستحق كل خطوة مشيناها." ضمها أدهم وضم ابنه لحضنه بسعادة: "كنت مستعد أمشيلك مليون خطوة، ولسه زي ما أنا مستعد. ربنا رضاني بيكي أنتِ وعيسى يا نهال."
قالت نهال وهي في حضنه: "ربنا يخليك ليا. كل اللي فات ميهمنيش، مدام النهاية كانت معاك أنت." وبعد كل العثرات، جاءت النهاية تبتسم لهم كأنها تقول، كنتم تستحقون هذا السلام.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!