لكل هدف وسيلة، والوسائل أنواع منهم الشريفة والغير شريفة، الوسيلة الغير شريفة هي التي لجأت لها مرام، نفذت الخطة المتفقة عليها مع سنان، عدلت خصلات شعرها بفخر دون اهتمام أن الحجاب فريضة، فرضها الله لتحفظ المرأة، وتزداد جمالاً فوق جمالها
دخلت في حرب مع شفتيها لتكون ابتسامة مزيفة قبل أن تقرع جرس الباب، حين رأتها أمامها هتفت بسعادة متصنعة:
-surprise (مفاجأة)
جابتها جوهرة من رأسها حتى قدميها، عقلها مشتت في تفسير هذا الموقف وتصرفاتها، فقالت بعدم تصديق:
-معقول أنتِ هنا بس على فكرة خطيبك في شغله
أومأت رأسها بالتأكيد، اندفعت للداخل بنشاط زائد:
-عارفة أنا جيالك أنتِ
أشارت إلي نفسها، غرقت في بحر الحيرة قائلة بشك:
-أنا.. جلست على الأريكة بارتياح، أسندت حقيبتها بجوارها، فتحت سحاب الحقيبة، أخرجت منها علبة قطيفة ذات لون أحمر، طالعتها بنظرات سريعة يكسوها الاحتقار لتثبت عدم رضاها قبل أن تفتح العلبة، ثم رددت: - إيه رأيك في الخاتم ده. تأملته بلا اهتمام، عليها أن تجاملها، فهتفت بابتسامة: - جميل مبروك عليكي. نهضت الأخرى من مكانها، تقدمت بعض خطوات بالقرب منها، على وجهها ملامح الرفض، قالت باعتراض: - لا ده مش ليا ده ليكي، عايزة أفتح معاكي صفحة جديدة، انتي عارفة إن أختي توفت من كام شهر محتاجة أخت تمدني للأمام، انتي متعرفيش هي كانت بالنسبالي إيه. كلماتها صادقة حقاً، تشعر بها في بعض الأوقات، لم تجد قلب حنين سوي سنان، لجأت له في البداية سيطر على قلبها، ثم علمت عنه كل شيء، كان الوقت متأخر، أصبح يسيطر عليها من أفعال وحديث، فشلت في الهروب، وفي أخذ الحق. سيطرة العاطفة التي توجد في قلوب كثيفة من البشر، لتجعلهم يغفروا، يسامحوا، ويضحكوا، قالت بابتسامة: - من غير حاجة أنا أختك وتحت أمرك في أي وقت. تحمست مرام جداً، جاءت لها الفرصة لتعرف عنها ما تريد، استخدمت سلاح لين والمحبة قبل أن تتفوه: - طيب أحكي لي عن نفسك. ظلت تتحدث عن نفسها بسلامة نية، لم تعرف أنها تدخل في لعبة تصلها للشيطان، لتبدأ حرب بينهما، من يفوز هو بقوته ونفوذه أم هي الضعيفة الوحيدة، تحدثت عن مرض والدها فكان هو الطعم الذي سوف تستغله مرام، لتطعنه به. دب الفرح داخل قلب جوهرة، أصبح يتطاير كالطائر الحر، رفرفت السعادة كيانها، عندما سمعت كلماتها تقول: - بجد أنا أعرف دكتور كويس ممكن يشوفه وبيعمل تخفيض في الكشف والعمليات أيام معينة في السنة زي مثلاً افتتاح المستشفي وقرب يوم الذكري على الأسبوع جاي، ممكن نروحله ونشوف المطلوب. *** أمسك أصيل صورة صغيرة، تكاد تكون نفس الصورة المعلقة على الحائط في حجرته التي رأتها جوهرة، لمعت أهدابه بالعبرات رغماً عنه، فقدهم منذ بضعة أشهر، عاد للبيت ذات مرة وجدهم مقتولين، لا يعرف السبب، أخذ عهد على نفسه أن يجلب حقهم، مازال لم يصل، اضطر أن يخطب مرام لتعاونه، فهي أخت زوجته، توقع أنها تريد نفس الشيء، ما لم يكن يعرفه أنها وصلت وذابت في حب الشيطان. انتشل من عالم الذكريات على صوت السكرتيرة تخبره إن معاد الاجتماع بعد ربع ساعة، جاء في ذهنه أن يتصل بأحد الضباط المسئولين عن قضية قتل زوجته وابنه، أمسك الهاتف المحمول، ضغط على قائمة الأسماء ليبحث عن اسمه، كالذي فقد شيء هام فيريده، بدأ في التفوه حين سمع صوته: - أزيك يا شريف باشا. - تمام. - وصلت لحاجة. - صدقني أنا عذرك بس لسه مش وصلنا لحاجة. - طيب أمتي من شهور ومحصلش حاجة. - احتمال كبير تتسجل القضية ضد مجهول. رد عليه بنبرة حادة ممزوجة بصريخ، لم يصدق ما سمعه إن المجرم سوف يعيش حياة عادية، بينما هو يذوق النيران بسهولة: - انت بتقول إيه وحقهم أنت عارف يعني إيه أرجع ألاقي مراتي وابني مدبوحين. - ما أنت مش مساعدني بحاجة ومفيش سرقة أحنا بندور على إبرة في كوم قش. - لو أعرف مكنتش بخلت عليك بس أنا معرفش حاجة. - ربنا يقدم اللي في الخير. يعلم أنه ليس يحدث بعد طول المدة، حاول كثير أن يطول في فتح القضية، اقترب موعد النهاية، مازال عند نقطة البداية، تمني النهاية، لتهدأ نيران قلبه ولو دقيقة واحدة، لا يشعر به سوي القليل من يعيش تلك التجربة القاسية. *** انتهت جوهرة من تحضير الغداء بسعادة بعد حديثها مع مرام، تظن أنها كانت تعاملها بسوء الظن، خرجت للخارج تري الأجواء، كان أول من شاهدته والدها يخرج من حجرته، تلك عادته لا يحب الخروج من حجرته، منذ أن أتي للقصر، حتى بعد مجيء محمد الشاذلي لا يهتم، فهو في الأساس بيس صديقه، كل ما جمعهم هي مقابلة ورائها هدف. اقتربت منه ممسكة في ذراعه قائلة بقلق تجمع داخلها: - إيه اللي خرجك من الاوضة. أجاب عليها بابتسامة: - متقلقيش أنا كويس قولت أحرك رجلي شوية. صفقت بيديها الاثنان، قفزت على الأرضية، والفرحة تغمر وجهها، وقالت بتأمل: - عندي ليك خبر حلو مرام خطيبة اللي بيقول على نفسه المظلم مش عارفة هتتجوزه إزاي المهم قالت لي على دكتور هيكشف عليك ولو محتاج عملية هيعملها بتخفيض ومتحتاجش علاج تاني. تقدم بعض خطوات للأمام يفكر في حديثها، الأمل يولد من جديد لديه، كاد أن يتشبث فيه، لكنه تذكر المال على الفور، تبدد حاله من حال إلى حال، أصبح العبوس مسيطر عليه، وقال بتوتر: - والفلوس هنعمل فيها إيه ده انتي بتشتغلي في القصر من فترة قريبة وعلاقتك مش تمام بأصيل بيه علطول قط وفأر يبقي إيه لأزمته نتمسك بالألم. أصبحت حياة البشر، وأمل شفائهم من الأمراض متعلق بالمال، الفقير لا يعالج، لأنه ليس لديه مال، حياة لعينة شهوتها المال فقط، هذا ما فكرت به جوهرة بعد حديثها مع والدها، سرعان ما طردت تلك الأفكار اليائسة التي تجعلها تتراجع للخلف، الله موجود برحمته الواسعة التي تتسع العالم كله، يستطيع أن يقف بجوارها، لذلك هتفت: - يا بابا خليك واثق في ربنا ومرام تعرف الدكتور يعني هيعملها خاطر خلي عندك أمل في ربنا مش بيقول "أنا عند ظن عبدي بي" تفائل. - لا. نفي، اعتراض، اخترقتا أذنيهم تلك الكلمة التي لها مدلولات كثيرة لقوله تلك الكلمة، نظراً لمن تفوه، كان محمد الشاذلي لم يترك لهم له فرصة، ليتحدث بقوة على الفور: - أنا شفتكوا وانتوا بتكلموا استغربت هي عايزة منك إيه بس دلوقتي عرفت متثقيش فيها أنا مش برتاح لها اللي جواها غير اللي براها. عقدت مرفقيها أمام صدرها، تزهر تحديها وعدم اقتناعها بحديثه، فهو لا يملك أي دليل على حديثه، واجهته بحديثها التي قالته لها عن وفاة أختها: - على فكرة هي حزينة على موت أختها محتاجة حد يقف معاها ممكن تكون تصرفاتها راجعة لفقدانها. كان رد عليها سؤال سبب لها الحيرة، شل تفكيرها لتعرف إجابته: - انتي عارفة مين أختها وتبقي لأصيل إيه، أصيل مخطبش مرام مش صدفة. حلت يدها منتظراه أن يكمل قوله بنظرات يكسوها الفضول، حطم أمالها لم يكمل، فاضطرت تسأله: - مين. أصدرت ضحكات عالية، يسخر من سؤالها، كان رده الأغرب: - أمال بدفعي عنها ليه أعرفي بطريقتك مين ما انتي شاطرة وفاهمة الناس. *** جاء ليل ليناسب لونه حياة حنان بعد أن صممت على الطلاق، ورفض أهلها العيش معهم كوسيلة للضغط لكي تتراجع عن تلك الخطوة التي في نظرهم أنها حمقاء، مددت جسدها للفراش بجوار ابنها الصغير، عبثت في شعره ليشعر بالأمان الذي فقده، كان يرى بعينيه المشاكل التي تحصل بين والديه، اضطرت للبعد عنه عندما رن هاتفها المحمول، نظرت إلى الشاشة، كان صاحب الاتصال حمزة، ما عليها إلا الرد، ضغطت على زر الإيجاب، وهتفت: - الو. - عاملة إيه. - الحمد لله. - ابنك كويس معرفش اسمه. - اسمه يحيى. - ربنا يخليهولك أنا حبيت بس أطمن عليه. - شكراً على سؤالك. - لو لسه تعبان خليكي جنبه دي أكتر وقت بيحس الطفل فيه بأمه. - لا مفيش داعي هو بقى كويس. ابتسم وهو يقول: - متخافيش مش هخصم منك. بدلاته هي الأخرى الابتسامة في ردها: - لا بجد هو كويس وجارتي هتبقى معاه. لم يجد أي كلام آخر يتفوه به سوي النصيحة، كثير من الأمهات لا تفهم معنى احتياج الطفل إلا أمه، لأنه حرم من هذا الشعور يحب الجميع أن يذوقه ما حرم منه: - اسمعيني كويس أوعي في مرة تحرمي ابنك من حنانك واهتمامك بيه خليه دايماً فاكر أنك كنت جنبه في كل خطواته لو مش فاهم دلوقتي هيفتكر بعدين ويقدر. - انت صح بس ليه بتنصحني أنت مخلف. - لا أنا متجوزتش لسه. - أمال بتنصحني ليه ممكن أعرف. أغلق عينيه ليخفي عبرة علقت في مقلتيه، وهو يجاوب: - عادي شفت كتير ناس اتحرموا من أهلهم وهم صغيرين وشفت عذابهم لما يحسوا بالحرمان سلام. أغلق فجأة دون أن ترد عليه بكلمة واحدة، باتت عواطفه الحزينة تسيطر على أفعاله وتصرفاته، لا يحب أن يتذكر تلك اللحظات، مع ظهور حنان في طريقه، انفتحت خانة الذكريات مرة أخرى وأقوي مما قبل. *** الفضول والمعرفة استحوذا على النوم، اختفى النوم من مقلتي جوهرة بعد حديثها مع محمد الشاذلي، يدور في عقلها عدم اطمئنانه إلى مرام، ومن هي أختها؟ ما صلتها بأصيل؟ شعرت بحرارة تسير في جسدها، دون تفكير ولجت للشرفة بشعرها، لأول مرة يظهر شعرها البني الغزير ذي اللون البني، فتاج المرأة شعرها. تصرف يفعله الكثير من البنات، ينظرن بالشرفة بشعرهن، دون اهتمام أن أحد يشاهدهن، وسوف يحصلن على سيئات مقابل هذا. هذا ما حدث لجوهرة، ما لا تعرفه أن شخص ما ينظر عليها، كان أصيل، لأول مرة يرى شعرها، لم يقصد ذلك، لكنها من أتاحت له الفرصة، سيطرت شهوة الرجل عليها لبضع ثوان معدودة، ينظر إلى شعرها لكن سرعان ما تذكر أنه لا يجوز شرعاً، استغفر الله ليولج حجرته، فعلتها سبب في سلاح جديد يرد عليها ليلقنها درس في الدين. في الصباح الباكر، قرر أصيل أن يرد جزء مما تفعله، حين جاءت له الفرصة، انتظرها أثناء وضعها الطعام على مائدة الطعام، وهو يضع قدم على الأخرى يردد بعض الشعر، فور ما انتهت رمى ببصره عليها بسؤال لينظر لرد فعلها لينشرح قلبه لعل تتعظ: - متعرفيش شعر لوصف الشعر البني التقيل الطويل أصل بحبه أوي. ها هو شعرها، دب القلق داخلها، دخلت في حرب مع ضربات قلبها وتجعلها تنتظم بدلاً من الزيادة المستمرة، وقفت كالبلهاء لفترة من الوقت، ثم صاحت فيه عالياً: - واشمعني الشعر البني بالتحديد. نهض من مكانه، وقف أمامها أنفاسه لفحت وجهها، يعلن تحديه لها بقوله: - أصل شفت شعر بني خطفني خلاني عايز أقول فيه شعر. سعت عينيها من الصدمة، اعترف بكل سهولة، اشتعلت عينيها كجمرتين من الجحيم، وهي تهدر فيه: - انت إزاي تشوف شعري. أصدر ضحكات عالية، رفع حاجبيه لأعلى يبث فيها الضيق أكثر قائلاً: - هو أنا اللي شفته انتي اللي طالعة البلكونة ناسيه إن أنا موجود وجدي وحرس الفيلا انتي الغلطانة مش أنا. حاولت أن تجادله ليعود عليه الخطأ قائلة: - متعودة على كده وأنا في بيتي. ضرب كفاً على الآخر، رمقها بنظرات عدم تصديق ليبدأ في تلقينها الدرس: - لبسه الحجاب ليه مفيش جيران بتشوفك مفيش راجل ماشي في الشارع يشوفك سواء بقصد أو لا. الحجاب ليه احترامه، مش مكتوب في القرآن: "وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" [النور: 31]. يبقي نتقي الله شوية. أنا رايح أفطر. انتصر عليها هذا المرة. ضغطت على أسنانها من الغيظ لانتصاره عليها من جهة، ومن جهة أخرى تشعر بالضيق لأنه محق. لا يجب الدخول للشرفة بظهور الشعر، لأبد من الاحتشام والتغطية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!