الأمل الكاذب أحيانًا يدفعنا للتمسك به دون رؤية كذبه، هذا القرار الذي اتخذته جوهرة لتلجأ إلى مرام. ما عليها أن تأخذ رقمها، لكن من هو الذي تطلب منه الرقم؟ لقد نسيت تأخذه المرة السابقة.
انشغال وتفكير ذهنها جعل السكين تجرحها جرح بسيط أدى إلى سقوط بعض قطرات الدماء. ركضت إلى صنبور المياه، وضعت أصبعها تحت الماء، يليها سارت للخارج تسأل الخادم عن لأزقة طبية. حركت عينيها لليمين واليسار على أمل أن تجده، لكن دون جدوى. مازال أصبعها يهبط بعض القطرات القليلة. أصدرت صياحًا عاليًا عندما سمعت صوته يقول: -مالك بتبصي يمين وشمال عامله زي اللي عامل عامله.
نفخت من الضيق دون قصد مثل ما فعل بالسابق وحذرته هي من فعل ذلك. فهذه طبيعة البشر. الانفعال والشعور يستحوذ على العقل والمعرفة. لقد تلاشت أصول دينها، وقالت بحنق: -عامله إيه بس من فضلك سبني دلوقتي. لم يترك أصيل الفرصة التي جاءته على طبق من ذهب، انتهزها على الفور لكي يلقنها الدرس الجديد. أصبحت دروس الدين تأديب لكل منهما ليصلحا نفسهم، ولو على خطوات قليلة. فالمعرفة تثبت في العقل، وحب الله يجعلنا ننفذها. رد عليها بغطرسة:
-أنت نفختي مش النفخ مكروه وحرام للوالدين برضه ولا نسيتي مش ده اللي قولت هولي. ضربت يدها على رأسها فظهرت دماء يدها الأخرى. يكره الدم، لا يحب رؤيته. خيال الذكريات في ذهنه. غرق في بحر من الحزن لفترة وجيزة، ثم عاد إلى رشده قائلاً بخوف: -أنت متعورة. أومأت رأسها بالموافقة قائلة بتوتر: -اها عشان كده كنت عايزة عم محمود أسأله على لأزقة طبية عشان أعرف أكمل شغل.
اختفى من أمامها. بعد ثوان معدودة ظهر مرة أخرى يمسك علبة الإسعافات الأولية. أخرج قطنة لتسد دمائها. غمغم بنبرة رسمية: -خدي دي. أخذته منه حتى وضعته على الجرح. سرعان ما كتم الدم. رأته يقدم لها لأزقة طبية. حاولت تضعها مرات عديدة حتى نجحت في فعل ذلك. لا تسمح لأحد يلمسها. ثم قالت بنبرة ممتنة: -شكرا. عن أذنك هعمل الأكل. -لا قضيها أي حاجة بلاش تتعبي نفسك. كلامه شل عقلها عن تشخيصه. هل طيب أم شرير؟
فعل معها الآن كل خير. لم تري أي مكروه. ساعدها وعذرها. أراد مساعدتها في تقديم الراحة. ظهرت الحيرة تقيد تعبيرات وجهها، وهي ترد: -أنت أزاي كده شرير ولا طيب. أبتسم ابتسامة عارمة على ثغره، يفهم مقصدها جيدا. رد عليها بتأكيد: -هو عشان حاطط قوانين لحياتي أبقي شرير. حركت يدها بإشارة الهدوء، لتفهم ما يعنيه أكثر. كانت كالطفلة ذات عمر الثلاث سنوات التي بدأت تكتشف العالم وتفهمه، فتلقي كثير من الأسئلة. قالت بحيرة:
-طيب ليه بتقول على نفسك المظلم. الظلام يعني اللون الأسود. قرر أن تكون لون حياته منذ رحيلهم. كيف تكون حياته سعيدة من غيرهم؟ فهم حياته. اختفت ابتسامة لتحل محلها وجه خالٍ من أي تعبيرات عدا العبوس. قلبه يكاد يقتلع من مكانه. أراد الموت ليلحق بهم، لكن ليس بيده شيء. اكتفى بقوله لها: -بلاش تفتحي في جرح قديم.
رحل بعيدًا عنها. غاص في نهر من الأفكار لعل تفهم شيء. كان من يراقبهم من بعيد جده. فرح لأنها استطاعت أن تجعله يهتم لشأنها، ولو لمرة واحدة. كان لا يهتم لأحد. علاقتهما تمثل الحرب، وفي الحرب يولد الأمل. هذا ما كان يريده، أن الأمل يدخل حياة حفيده لتلون حياته مرة أخرى. شاهدته جوهرة من بعيد. وجدت أن هذه الفرصة المناسبة لكي تأخذ رقم مرام منه. فوالدها أهم بالتأكيد. شبكت يديها لبعضهما البعض، بوجه يمتلئ بالتوتر قائلة:
-ممكن رقم مرام. لم يرد عليها. غادر من أمامها، يعبر عن رفضه بهذه الطريقة. جزت على أسنانها من الغيظ. كيف تصل إلى مرام؟ آخر حديث مع أصيل كان الحزن سيطر على كيانه، لأبد أن تنتظر فرصة أخرى. عندما تتشابك الظروف لبعضها البعض لتخلق طموحًا وأملًا جديدًا، يستطيع أن يكفي أحد ما يحتاجه، فسوف تبتسم الحياة. تلك الظروف تحدث مع حنان. اقتربت من المطعم. وجدت خبرًا ينتظرها. أن حمزة يريدها في مكتبه. أجابت على مضض: -ماشي.
استحوذ القلق داخلها، وبات عقلها مشغولًا بالعديد من التساؤلات. هل فعلت شيئًا سيئًا؟ ماذا حدث؟ لماذا يرغب بها؟ ها هي تقف أمام باب مكتبه. ترددت كثيرًا أن تطرق الباب، لكن ما عليها إلا التنفيذ. طرقت الباب بانتظام. أمسكت مقبض الباب وحركت دائرته، ليفتح الباب بعد أن سمح لها بالولوج. نظرت إلى الأرض، تحاشي النظر عليه، فهتفت بوهن: -تحت أمرك يا أستاذ حمزة. أشار لها بالجلوس قبل أن يتفوه: -اقعدي الأول.
راقب ملامحها جيدًا. رفع حاجبيه لأعلى باندهاش، بسبب القلق المعتلي وجهها. بث فيها الأمان بقوله: -متقلقيش مفيش حاجة. أنا عايزك أستفسر منك في موضوع صغير. حشرج الحديث في لسانها، فقالت بتلعثم: -تحت أمرك. أرخى جسده على ظهر المقعد، شبك يديه لبعضهما البعض ليسندهم على سطح المكتب. ثم قال بحماس: -تحبي تشتغلي في الفترة الثانية عشان ابنك لو الصبح أزمة معاكي. ردت عليه باعتراض مماثل لملامح وجهها التي مليئة بالنفي والاعتراض:
-لا الفترة الأولى أحسن ليا عشان في حد بيقعد معاه وبيبقى نايم بغيب عنه ساعات قليلة. هز رأسه لأعلى ولأسفل بالموافقة على حديثها مع ابتسامة فرشت ثغره لشعوره بالاطمئنان. ثم ردد: -أنا كنت حابب أساعد بس. لأول مرة تشعر بالأمان. أن أحد يشغل باله أمرها وأمر ابنها. أن المال ليس له فائدة. كانت ضحية سطوة المال، ورغبة في زيادة المال من أهلها يليهم طليقها. لكن هنا يبقى السؤال. إلى متى تظل تحت سطوة المال؟ من يعاونها؟
من يقف بجوارها في الأزمات؟ الجميع ينتظر تلك الفرصة كأنهم ذئاب بشرية تأكل لحمها. خرجت من مكتبه سرعان ما أتى إليها اتصال. نجح صاحب الاتصال أن يعكر مزاجها. ما عليها إلا الرد، حتى لا يأتي لها هنا. فهتفت على الفور: -عايز إيه يا سنان. -لا كده أزعل مفيش أزيك. -أعمل إيه عشان أخلص منك. -مش بالسهولة دي. -طيب أنت بتتصل ليه. -عايز أشوف ابني. -هنرجع للأسطوانة دي تاني.
-حنان أنا مش عايز أضغط عليك. جيتلك البيت وبطلبك على الموبايل لازم نتفاهم. -مش عايزك في حياتي ولا حياة ابني. -مش بمزاجك أنا أبوه وهفضل أبوه. -كانت جوازة الندامة. -بلاش تقولي كده أنت الحاجة النضيفة اللي عملتها في حياتي. -طيب حافظ علينا وسبنا في حالنا. سيطرت الغضب عليه فردف بنبرة فحيح الأفعى: -أنا كده عملت اللي عليا استني اللي جاي يا حنان.
تفوه عدد كلمات قليلة معناها أكبر من عددها. يستطيع أن يحطم حياتها في لمح البصر. ارتجفت شفتاه لم أستطع النطق. زادت ضربات قلبها. تجمدت الدماء في عروقها. من يستطيع أن يقف أمام الشيطان وينجح في تدميره.
لم تحدث مقولة تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، بل حدث العكس. فأتت مرام إلى القصر بعد أيام قليلة. لم تنجح فيها جوهرة من الوصول إليها. تعمدت مرام استخدام ذكائها هذه المرة، عندما أكدت للجميع أنها أتت لرؤية أصيل فقط. فقد جاءت برفقة والدتها الكبيرة التي صممت أن تجلبها معها بعد حوارها القديم مع أصيل، عن عدم صحة مجيئها إلى هنا بمفردها.
كانت والدتها حزينة، منكسرة، تنفذ ما يطلبه الجميع منها. أصبحت حياتها بلا هدف، كأنها لم تكن موجودة على وجه الأرض. تريد الرحيل لتذهب عند ابنتها. تلك هي الأمنية التي لا أحد يستطيع تحقيقها بمفرده، منتظرة تلك اللحظة بفارغ الصبر. أخرجت جوهرة بالعصائر توزع على كل منهما. عينيها مشتعلة على مرام التي تعمدت عدم النظر إليها. انتهزت جوهرة تسليمها العصير. اضطرت أن تتفوه هي. هي من تحتاجها فالتالي سوف تبدأ في الحديث. قالت برجاء:
-ممكن أتكلم معاكي. أومأت برأسها بالموافقة، وعينيها تنظر على أصيل، تثبت له أن نفسها صافي، خالٍ من أي سواد تجاه جوهرة. خرجتن للشرفة يتحدثن. اندفعت جوهرة بالحديث عليها كالطفلة التي تنتظر لعبة تريدها، تسأل إذا أحد اشتراها أم لا. فهتفت مسرعة: -عملتي إيه في موضوع بابا. حركت مرام يدها على جبينها، تتعمد التذكر. رسمت وجهًا عابسًا ممزوجًا بالضيق على ملامح وجهها، لتتفوه خلفه بنبرة الضيق: -اها صحيح نسيت مكلمتنيش ليه تفكريني.
ردت عليها باعتذار: -للأسف مش معايا رقمك. ربتت على كتفها ببطء قائلة بابتسامة: -ولا يهمك هديكي رقمي وأخد رقمك بس بصراحة أنا كنت نسيت الموضوع ده أكد لك هكلمه. ربتت على صدرها برجاء، ثم تفوهت: -بس خليها النهاردة. عوجت شفتيها لليمين، تتصنع التفكير في الأمر، لتظهر انشغالها، بسبب وجودها هنا. فقالت بهدوء: -هحاول أنت عارفة هقضي اليوم كله هنا النهاردة على حسب الوقت.
لم يكن أمامها سوى الانصياع لها، ليشفي والدها، يليه مغادرتها لهذا المكان، وصاحبه الذي لم يتحدث معها بكلمة واحدة، منذ اليوم الذي جرحت به بالسكين، واستمر حوار بينهما انتهى بسؤالها، لماذا يطلق على نفسه المظلم؟ المال من جلبها لهذا المكان لعلاج والدها، وموافقة والدها بعد زيارة جده له التي لم تعرف ماذا حدث ليوافق والدها؟
بتلك السهولة استحوذ تفكيرها لاستخدام تلك النقطة لتعرف إجابات عن الأسئلة التي تدور في عقلها كالدراجة وهي تسير. جلس أصيل يقرأ أحد الكتب في هدوء تام. سرعان ما تبدد الأحوال. سمع صوت برق ورعد. هلع جسده بشدة. نهض من مكانه متعجلًا، بعد تركه الكتاب. تقدم اتجاه النافذة يتأكد من غلقها جيدًا. على الرغم أنه لا يفتح أي نوافذ. في حين يحدث حالة الجو السيئة يتأكد بنفسه.
خرج مهرولًا للخارج من الحجرة، يتتبع باقي النوافذ والشرف. جابت عينيه جده يجلس بجوار والد جوهرة، يحاول بث الهدوء داخله. تأمل ملامح والدها جيدًا، فرأى القلق يثري على تعبيرات وجهه. هب راكضًا نحوهم. سأل بنبرة عادية: -هو في إيه. زاد عبوس سعد، بينما رد محمد عليه بتوتر: -جوهرة نزلت تجيب حاجات للبيت من السوبر ماركت ولسه مجتش وأنت شايف الجو عامل أزاي.
تلك الكلمات بعثرت داخله، جعلت الغضب يشتعل في مقلتيه. هذه الفتاة التي تتسم بالعند لا تسمع له. ليس من حقها جلب الأشياء من الخارج. فالحين خرجت دون إخباره من جهة، ومن جهة أخرى عقلها الذي لم تستخدمه قط. خرجت للخارج في حالة الجو المتقلبة. ضغط على أسنانه من الغيظ موجهًا حديثه لوالدها قائلاً: -هي بنتك دي مش بتفكر في نفسها أبدا.
لقي عدة الكلمات في وجهه، كالذي يلقي ماء النار على البشر فيؤذيهم. اختفى من أمامهم في لمح البصر، بعد أن تركهم مشغولين بكلماته. لم يعرف له طريق أين اختفى. هل صعد لحجرته أم خرج للخارج يبحث عنها حتى يعثر عليها؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!