الفصل 8 | من 18 فصل

رواية جوهرة بين اغلال الشيطان الفصل الثامن 8 - بقلم منى ابو اليزيد

المشاهدات
17
كلمة
1,519
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 44%
حجم الخط: 18

فتحت روحها من جديد كالزهرة في فصل الربيع، لم تكن تعلم المصائب التي سوف تحدث لها فور سعيها وراء مرام. السعادة داخل قلبها تعزف طربًا، نادرًا. خرجت جوهرة من المطبخ ولم تكمل إعداد الطعام، فرحتها غمرت المكان. أرادت أن تفرح والدها، هرولت كالحصان عند والدها. وجدته ينام في ثبات عميق، تملك اليأس داخلها. أسرعت بخطواتها للمطبخ، استدارت بجسدها للخلف عندما اخترقت أذنيها صوت يقول: -فرحانة ليه كده.

طالعته بنظرات تعجب، يتدخل بحياتها بكل سهولة. ردت بتحدي: -أصل مرام اتصلت بيا عشان في دكتور هيكشف على بابا ولو ليه عملية هيعملها بمبلغ قليل. دس الشك داخل قلب محمد، لكنه لم يملك أي دليل على شكه. اضطر أن يصمت. استخدم خدعة أخرى تستطيع من خلالها أن تكشف الحقيقة، أو يملك الشك داخلها. بادرها الحوار متسائلاً: -طيب سؤال بس هو باباكي لما تعب وكشفتي عليه حد قال إن محتاج عملية؟ أجابت عليه بنفي:

-لا بس ده دكتور كبير هيشوف لو ليه عملية أحنا كنا بنكشف تبع الحكومة مش في عيادة خاصة. عقله لم يقتنع بتلك الأقوال، مازال الشك مسيطر عليه. اكتفى أن يتفوه بكلمات قليلة، ومعناها أكثر من عددها: -ركزي مع مرام كويس بلاش تثقي فيها. قوست فمها بابتسامة، كانت وجهة نظرها أنه يرى المشاهد من وجهة نظره، دون أن يملك دليل على حديثه. ليس يوجد بشر عاقل يثق في حديثه، من المحتمل أن يراه البعض السن أثر على أفعاله، قراراته، وحديثه.

قالت بسخرية: -تاني كلامك ده لو تعرف حاجة أقولها علطول مش عارف لامؤاخذة مش همشي وراء أوهام. ضغط على سنانه من الغيظ، حدث نفسه بصوت منخفض: -ياريت كنت أعرف حاجة واثق فيها كله شكوك. سمعت حروف لم تستطع تكوين كلمة واحدة، قالت بعدم فهم: -بتقول إيه؟ لوح بيده في عدم رضا مثل تعبيرات وجهه التي كست عدم رضاه، قال بحسرة: -مش بقول خلاص أمشي وأنا هتصل بأصيل أطمن عليه مشفتوش النهاردة.

أومأت رأسها بالموافقة، كادت أن ترحل، لكنها تذكرت سؤال هام، ألقته على الفور: -أنت ليه مش بتقول عليه المظلم ده هو بيقول على نفسه كده؟ كست ملامح وجهه بالحزن، لا يحب أن يرى حفيده حياته باللون الأسود من ملابس، جدران، ستار، ديكور، إلخ. حاول إرسال بث شعاع الأمل الممسك بطيفه لها بقوله: -عشان دايما يفتكر إن اسمه أصيل مش المظلم وتتلون حياته من جديد. الفضول استحوذ عليها لكي تعرف إجابات الأسئلة التي تروضها دائمًا اتجاه أصيل.

تذكرت مجيئه إلى البيت، وحواره مع والدها، انتهزت أن تكون هي الفرصة التي تحصل على إجابات للأسئلة. قالت بحماس: -ليه مش عايز تقولي حاجة عنه طيب ما أنا ممكن أقوله أنك جيت عندنا البيت واتكلمت مع بابا عشان يقتنع يجيبني أشتغل هنا. هبطت آمالها على الأرض، عندما تحرك من أمامها بابتسامة وهو يتفوه: -قوللي له ممكن يفرح. يا ويل من تلك الأيام، عندما تختار الأمان وراحة البال، لم تعجبها الدنيا، فتجلب له اليأس والوجع.

هؤلاء ما كانت تفكر فيه حنان بعد خسارتها بالأمس عملها. قررت الذهاب إلى المستشفى، لتلقي نظرة على الشيطان، الذي سبب كل شيء في حياتها. دخلت بسرعة من البوابة، فرست بعينيها لليمين واليسار، لم تجد له أثر. اضطرت أن تتحدث مع الفتاة عند الاستقبال، التي تذكرتها على الفور، فقد كانت تأتي كثيرًا إلى المستشفى قبل الطلاق. نهضت الفتاة بقلق على الفور بوجه يملأه القلق قائلة: -مدام حنان. ضربت بيدها على سطح المكتب، عينيها تشع غضبًا،

قالت وهي تضغط على أسنانها: -هو فين؟ صمتت ولم تعقب، أدركت حنان أنها تهاب لتخسر عملها. خطت بعض خطوات للأمام، فتحت الباب باندفاع، ألقت حروفًا مبعثرة، تكاد تكون خارقة من أعماق قلبها. لم تشعر بنفسها، أين هي؟ ماذا تقول؟ كل ما تريده إخراج الشحنة السلبية التي تكتمها كل يوم: -أنت عايز مني إيه حرام عليك مش كفاية اللي عرفته عنك برده مش سايبني في حالي.

هب واقفًا، غير مرحب لزيارتها وكلامها، تتحدث عن شيء حدث بالفعل، لم يفعله هو قط. هدر بعنف: -أسيبك في حالك إيه أنا معرفش حاجة عنك بقالي كذا يوم إيه اللي حصل عايزة تدبسيه فيا. رفعت إصبع سبابتها لأعلى تحذره، بل نبرته كانت توحي بالتهديد: -أنت عارف لو ملقتش شغل مناسب مش هسيبك في حالك. ضرب كفًا على الآخر، وقف أمامها يتأمل ملامحها عن قرب. حقًا، براثن الغضب تشع منه، لكن ليس هذا الذي يبحث عنه.

أراد رؤية الإرهاق والتعب، وجهها خالي من الذي يريده، فقال متسائلاً: -أنت كويسة مش تعبانة؟ جزت على أسنانها من الغيظ، هدرت بعنف: -أنت هتستعبط إيه الكلام ده اللي بقوله هو! لم تستطع إكمال حديثها، قطعه بسرعة عندما أمسك معصمها. غرس أنامله بقوة لتدر آهات متتالية بالألم، لم يبالي أي شيء، وصل إلى قمة الغضب بسبب توبيخها له. قال بسخط: -حنان أنت نسيت نفسك ولا إيه أزاي تشتميني ولا شكلك نسيت أيام زمان.

لوت شفتيها بحسرة على الزمن، فقدت زهرة شبابها مع إنسان، بل شيطان مخيف قائلة: -بلاش تفكرني بزمان لأن زمان سبب في اللي أنا فيه. أبعد يده عنها، أشار بكف يده بهدوء، طلب منها ليرضي فضوله، لاكتشاف ما هو مبهم أمامه: -احكي لي اللي حصل أما معرفش حاجة عنك الأيام اللي فاتت عشان مشغول في شغل مهم ولسه مخلصتوش. فرصتها جاءت عندما أخطأ بحديثه، أي شغل مهم سوى تجارة الأعضاء؟ الانتقام حان وقته. لكن يبقى السؤالين، كيف تنتقم؟ متى الموعد؟

نفضت تلك الأفكار مؤقتًا من رأسها، منع ظهور ملامح الأمل بدلًا من ملامح الغضب. هتفت بوهن: -أترفد من شغلي هصرف منين دلوقتي. استغل هو الفرصة، يرى أنها الوحيدة الشيء النظيف الذي ليس عليه غبار في حياته. على الرغم من معاملته السابقة لها، لكن نظرة منها تشبعه وقار واحترام لذاته، ولو للحظات بسيطة. فهتف: -هديكي فرصة أرجعك لذمتي. وكزته بصدره بخفة، عكس ما تريد من داخلها، تود أن تقتله على كل لحظة مرت فيها من أسي وحزن.

رقرقت عبراتها بالعبرات، ردت بصوت مكتوم من أثر البكاء: -أرجع للعذاب تاني وكنت عايشة معاك ومعرفش أنك شيطان وقاتل. كاد أن يصفعها على وجنتيها، لتظهر علامة تفكرها به، تخلى عن تلك الفكرة. استدار بجسده للخلف دفعة واحدة، بألم يعتريه كليًا. تتمنى أن ترجع له مرة أخرى، غادرت هي المكتب فقد أطلقت بعض الكلمات المكبوتة داخلها. اختلج وجه مرام بفرحة مزيفة حين سمعت ما يريده أصيل.

حاولت مع لسانها العثور على الكلام المناسب في هذه اللحظة، مشاعرها كانت لها سيطرة الأكبر على عقلها، فلم تجد غير كلام يعرقل طلبه. فقالت: -بس لسه معداش على ذكرى أختي سنة مش هينفع نتجوز. ذكرياته مع زوجته كانت تمر أمامه، وصل إلى قمة الاشتياق واللهفة، فقدها منذ بضعة أشهر في مشهد لا يمكن أن يتصوره بشر. الدماء تهطل من عنقها بشراهة، كأنها صنبور دماء لا يغلق.

أغمض عينيه ليطرد تلك الذكريات المؤلمة من رأسه، لم يستطع، فزحلقت العبرات رغما عنه على وجنتيه كالبحار. قال ببكاء: -الحي أبقي من الميت وأنت عارفة جوازنا ليه لأزمة نعرف أزاي حصلها وحصل لأبننا كده وليه. تلك المرة الأولى التي يرى فيه الحزن واضحًا بشتى وجهه. كرهت نفسها اللعينة، أرادت أن تكون القتيلة ليست القاتلة. كل ما فعلته دموع هبطت من مقلتيها بعنف، لا أحد يستطيع كبتها ومنعها.

غرقت في نوبة من اللوم والعتاب، لأول مرة منذ أن عرفت الحقيقة كاملة. رفضت تلك الزيجة، لم تجد غير هذا الحل الوحيد. فاقت من عالم البكاء إلى عالم الحقيقة، نزعت الحلقة الذهبية من إصبعها، عينيها تشع راحة بال، وقالت بنبرة عادية عكس ما في داخلها من فرحة تغمر قلبها بالسعادة: -أنا آسفة مش هقدر أتجوزك. باغتها بسؤاله: -ليه؟ لم تجد غير إجابة واحدة يستطيع من خلالها التهرب من قول الحقيقة حتى تستطيع المواجهة:

-مش هقدر أخد مكان أختي في يوم من الأيام هساعدك من غير جواز. دب الفرح يغلغل قلبه، ويفرش ملامح وجهه. لا يعرف السر، لكن الأكيد أنه لم يحبها، ولا يريد من زيجتها سوى أخذ الحق، فالحصول على الحق بينهما مشترك، لأبد من المشاركة في العهد أن يستمرا سويًا، وليس مشروطًا بعهد زواج. الخطبة كانت خطأ من الأول، الآن تم إصلاحها، ليعاد كل شيء مثل السابق. شعور بالعطش سيطر على جوهرة في منتصف الليل.

مدت يدها على الكومود لتلتقط زجاجة المياه، تذكرت أنها لم تجلبها معها قبل النوم. نهضت عن الفراش بخطوات ثقيلة، نظرت على والدها النائم في ثبات عميق قبل خروجها إلى المطبخ. روت عطشها الشديد، ثم خطت خارج المطبخ. لمحت طيف شخص يسير بعد دخوله من البيت، ظلت تراقبه حتى أيقنت أنه أصيل. لم يعد اليوم مبكرًا، وطلب أن الجميع ينام في موعدهم إذا تأخر. ظلت تراقبه وهو يلقي بجسده على أقرب مقعد جابه عينيه، وجهه مليء بالإرهاق.

باغتها حين نزع الحلقة الفضية من إصبعها، تأملها لبضع ثوان قبل أن يلقيها على الأرض. اقتربت منه بحذر واضح، فركت يديها من التوتر. تحق لها أن تسأل أم لا، فضول البشر يدفعهم ليفعلوا ما ينافي الأخلاق في بعض الأحيان. فسألته: -ليه قلعت الدبلة شفتك وأنت بتقلعها. ألقى مرامي بصره عليها، أجابها إجابة تعمقت داخل قلبها: -بحاول أصلح كل حاجة وأرجع زي زمان. تعمق الأمل كيانها، تلون قلبها كالفراشات الملونة الطائرة حول الزهور بحرية.

وقالت بحماس: -هتلون حياتك. رده عليها كانت ضحكة ساخرة من حديثها، ثم هتف: -مش قبل ما أثر الدم تروح ده لو لونت أصلًا. لغز يتفوه به، فشلت في الفهم، الجميع لا يخب رها بالحقيقة. لكن لما لا، لو تعلم سوف تنقذ حياة والدها، إلى متى تظل حمقاء وتنخدع في الجميع؟ نطقت بعدم فهم: -يعني إيه؟ نهض عن المقعد، وهو يسند على مسنده الضخم، تفوه بألم:

-قلت لك قبل كده بلاش تفتحي في جروح قديمة لو على الألوان لو على اللون الأسود هو بقى جزء من حياتي مش هلبس غيره وهيفضل لون حياتي. عقدت مرفقيها أمام صدرها بتحدي، وضعت نفسها في فخ كبير، ويبقي السؤال هل هي تستطيع الانتصار أم لا؟ هتفت: -أنا هقدر أخلي حياتك ألوان. ابتسم ابتسامة عارمة، وقال وهو يصعد السلم: -هنشوف مين هيكسب. أعلن موافقته على تحدي، اليأس لم يتملك منها في يوم من الأيام.

سوف تحاول مرارًا وتكرارًا، حتى تنجح في تحويل حياته من الأسود إلى شتى الألوان.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...