الفصل 20 | من 37 فصل

رواية جراح الروح الفصل العشرون 20 - بقلم روز امين

المشاهدات
30
كلمة
7,356
وقت القراءة
37 د
التقدم في الرواية 54%
حجم الخط: 18

فاقت من نومها بأجفانٍ منتفخة ووجهٍ ذابلٍ وقلبٍ مهمومٍ، محملة بثقل الخذلان والخيبات المتتالية. غصةٌ مرةٌ تلازم حلقها ولم تفارقها منذ البارحة. تحركت لتتدلى من فوق تختها بخمولٍ، شعرت بآلامٍ مبرحةٍ تسكن جميع جسدها. يبدو أن حالتها النفسية قد أثرت على جسدها المسكين. تحاملت على حالها وهاتفت فايز وأبلغته أنها مجهدة ولن تستطيع الذهاب إلى العمل خلال اليومين القادمين. وبالفعل وافق لها على طلب الإجازة.

أما عن سليم، الذي ذهب إلى العمل وعلم أنها لم تأتِ اليوم إلى عملها، كان يجلس داخل مكتبه وقرر الاتصال بها للاطمئنان عليها. وبالفعل أمسك هاتفه. كانت حبيسة داخل غرفتها، وحيدة، حزينة، شاردة، وذلك بعدما ذهب والدها وأشقاؤها إلى دوامهم اليومي. أما عن والدتها، فقد كانت متواجدة داخل المطبخ لإعداد وجبة الغداء لعائلتها، بقلبٍ مهمومٍ لأجل غاليتها.

استمعت لرنين هاتفها. نظرت لشاشته، وإذ بقلبها ينتفض ويدق بوتيرة سريعة متزايدة. ابتسمت بمرارة وتذكرت خيباتها معه هو الآخر، وشعرت كم أنها عديمة الحظ مع ذلك الثنائي. تنفست الصعداء وضغطت زر الإجابة وأردفت بنبرةٍ جادة: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته." استمع لرنين صوتها وشعر وكأن روحه تحوم في الفضاء، هائمةً في عشق صوتها الخلاب. أجابها بصوتٍ حنونٍ أذاب قلبها رغم حزنه وآلامه:

"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أزيك يا فريدة؟ خانها قلبها وانتفض رغمًا عنها بعدما استمعت لنطق حروف اسمها بكل هذا السحر والهيام. فأجابته بصوتٍ هادئٍ متأثرةً بنبرته الحنون: "الحمد لله يا باشمهندس." أردف هو بنبرةٍ تخابثية: "صوتك ماله يا فريدة؟ انتِ كنتِ بتعيطي؟ تنفست بهدوء وأغمضت عينيها وأردفت قائلةً بإنكار: "لا طبعًا، وهعيط ليه. كل الحكاية إني كنت واقفة في البلكونة بالليل وشكلي أخدت دور برد." ابتسم على تلك العنيدة

ذات الرأس اليابس وأكمل: "سلامتك. فريدة، أنا بصراحة محرج منك جدًا ومش عارف أبدأ كلامي منين." وأكمل بألمٍ ملأ صوته: "أنا بجد آسف على التصرف اللي عملته أمي. وصدقيني أنا معرفتش غير يوم عيد ميلاد سولي، وده عن طريق الصدفة البحتة، لما لاحظت نظرات عدم الارتياح اللي كانت متبادلة بينك وبين أمي." انقبض صدرها حين ذكرها بذلك اليوم وإهانات تلك المتعالية لها ولوالدتها. وأكمل هو حين لاحظ تنفسها بصوتٍ عالٍ مما يدل على تشنجها:

"وعلى فكرة بقى، أنا زعلان منك أوي." استغربت حديثه وأردفت قائلةً باستنها: "زعلان مني أنا؟ انتَ غريب أوي يا باشمهندس. ده بدل ما تزعل من اللي مامتك عملته فينا وتهكمها علينا في وسط بيتنا، جاي تزعل مني أنا؟ أجابها بنبرةٍ صادقةٍ ومتأثرة: "زعلان لأني كنت فاكر إني قريب منك أكتر من كده. وإن لما حاجة زي كده تحصل أكيد كنتِ هتتصلي بيا وتبلغيني على الأقل علشان أقدر أتصرف." تنهدت بضيق وأردفت: "هتتصرف تعمل إيه يعني؟ وأكملت بضيق:

"على العموم حصل خير والموضوع بالنسبة لي انتهى." أجابها بصدق: "بس بالنسبة لي لسه منتهوش يا فريدة. أنا مدين ليكِ انتِ وطنط باعتذار شديد بالنيابة عن أمي." وأكمل باستئذان: "علشان كده لو تسمحي لي أنا حابب أجي عندكوا بالليل علشان أعتذر لطنط وأتأكد إنها خلاص مش زعلانه." ارتبكت حين استمعت لحديثه وأردفت قائلةً بتلبك: "خلاص يا باشمهندس قلت لحضرتك الموضوع انتهى. وبعدين بابا ميعرفش الموضوع ومش لازم يعرف علشان الضغط ميعلاش عليه."

انتهزها فرصة وأردف بحماس: "خلاص، أنا هاجي حالًا أعتذر لطنط قبل ما الأستاذ فؤاد يرجع من شغله." لم تجد ما تجيبه به بعد إلحاحه هذا فوافقت مرغمة. وخرجت وأبلغت والدتها تحت استغراب عايدة التي أردفت قائلة: "وإشمعنا إنهاردة بالذات اللي افتكر كلام أمه وجاي يعتذر عنه؟ ثم نظرت إلى فريدة بنظراتٍ تملؤها الريبة قائلة: "التوقيت مش غريب شوية يا باشمهندسه؟ تلعثمت فريدة وأردفت قائلةً بتهرب:

"الحكاية كلها مش أكتر من صدفة يا ماما. اللي في دماغ حضرتك ده بقى أبعد من تفكيره وتفكيري. وبعدين هو ميعرفش أصلًا إني سيبت هشام. أنا داخلة أبدل هدومي علشان أقابله. بعد إذن حضرتك." دلفت فريدة إلى غرفتها. نظرت عايدة إلى طيفها بشرودٍ وتنهدت باستسلام ودلفت هي الأخرى لتبديل ثيابها. ***

داخل إحدى المعامل الخاصة بشركة الحسيني للأدوية، كان يمر ليطمئن على سير العمل. دلف لداخل المعمل، وجدها تجلس بجانب صديقتها سارة، غير واعية لذلك الواقف خلفها بقلبٍ مستشيطٍ غاضب. كاد أن يعنفهما على تركهما للعمل وجلوسهما ملتهيتان بالحديث، لكنه توقف حين استمعها تتحدث بنبرة صوتٍ حزينةٍ ومتأثرة:

"حسام اتغير أوي يا سارة، مبقاش الراجل الرومانسي الشهم اللي حبيته واتحديت أهلي عشانه. أنا حقيقي كل يوم بتصدم فيه أكتر من اليوم اللي قبله، لدرجة إني مبقتش عارفة أحدد مشاعري من ناحيته." وأكملت بتيه: "أنا حاسة إني مشتتة ومش قادرة آخد قرار في موضوعنا." أجابتها سارة متأثرةً بحالة صديقتها: "كل التشتت اللي انتِ فيه ده بسبب كلامه المستفز عن سليم يا ريم. بس أنا مش عايز اكي تبصي للموضوع على إن حسام بيكره سليم." وأكملت بتعقل:

"مش يمكن يكون زعل منه لما فضل البنت اللي بيحبها عليه وأداها الوظيفة اللي كان واعده بيها قبل كده؟ وأكملت بإخلاص: "عايزة نصيحتي يا ريم، خلي حبك لأخوكي واحترامك ليه بعيد عن علاقتك بحسام." كاد أن يتحرك ويعود إلى مكتبه كي لا يزعجهما ويتلصص على حديثهما، لكن من العجيب أنه تسمر بوقفته وأصر على الاستماع لحديثها ومعرفة الكثير عنها وعن حياتها مع خطيبها. لما؟ هو لا يعلم. هزت ريم رأسها بنفي وتحدثت بتفسير:

"مش بس كلامه عن سليم يا سارة، حسام بدأ يتدخل في حياتي بطريقة مستفزة ومرفوضة بالنسبة لي. تخيلي إنه لامني وزعل مني علشان مقلتلوش على موضوع التجربة؟ نظرت لها سارة، فأكملت ريم: "حسام طلع مادي بطريقة قلقتني منه. تخيلي إن الأمر وصل بيه إنه بيلومني علشان مضيت مع شركة الحسيني. بيقولي إن كان ممكن نعرضها على شركات الأدوية الكبرى ونتفاوض معاهم ونمضي مع الشركة اللي هتدفع أعلى سعر." وأكملت باستنكار:

"حسسني إن دماغي دي سلعة وبيفكر إزاي يستغلها ويستفيد منها." تنهدت سارة وأردفت قائلةً بهدوء: "مش يمكن خايف عليكي وعاوز يحفظ لك حقوقك؟ هزت رأسها بنفي وتحدثت: "لو خايف عليا زي ما بتقولي كان فرح لي إني مضيت عقد مع شركة محترمة وليها وزنها في سوق الأدوية زي شركة الحسيني. لو فعلاً بيحبني كان آخر حاجة فكر فيها هو العائد المادي. كان فكر في مستوايا العلمي والأدبي وإيه اللي ممكن يعود عليا من الموضوع ده." تنهدت سارة وتحدثت:

"بس على حد علمي إن حسام مرتاح مادياً ومش محتاج لفلوسك يا ريم؟ أجابتها ريم بأسى: "يمكن حسام فعلاً مش محتاج فلوس ومستواه المادي كويس، بس تفتكري إن ده سبب يمنعه إنه يبص لفلوسي؟ فيه ناس مبتكتفيش باللي معاها وبس يا سارة." ونظرت لها وأردفت قائلة: "هل من مزيد يا دكتورة؟ وأكملت بشرود: "تعرفي يا سارة، أنا بدأت أسترجع كل مواقف حسام معايا من يوم ما اتخطبنا. حسيت إني كنت غبية أوي وزي ما بيقولوا مراية الحب عامية." وأكملت مستشهدة:

"يعني مثلاً موضوع الدوبليكس اللي اشتراه لجوازنا، ماما دفعت أكتر من 70% من تمنه، وهو بكل بجاحة طلب إنه يتكتب باسمه، وللأسف ماما وافقت." كان يستمع إليها بإعجاب بتفكيرها العقلاني وغير المادي بالمرة، وشعر بتعاطف معها ومع حيرتها، وبدأ قلبه يلين لها ويحن. وفي لحظة استفاق على حالة وطرد من عقله ذلك الإحساس اللعين الذي دائمًا يطالبه بالتفكير بها والتقرب إليها. وانتفضت وتجددت داخله نيران الحقد على كل ما هو مرتبط بتاء التأنيث.

وبدون سابق إنذار تحدث بنبرةٍ حادة: "دي بقت قعدة مصاطب مش شركة محترمة دي أبدًا." ارتاع الفتاتان وانتفضتا بجلستيهما واعتدلتا تنظران بهلعٍ إلى ذلك الغاضب. نظرت إليه وتساءلت بهدوء: "فيه إيه يا دكتور؟ نظر لها بعينين تطلقان شررًا وأجابها: "فيه إن دي مستشفى محترمة يا أستاذة، مش جلسة مصارحة نفسية هي." حاظت عيناها بضيق من حديثه الذي يوحي بأنه استمع لحديثها الخاص: "ده حضرتك واقف تتسمع علينا بقى؟ انتفض غاضبًا وأردف قائلاً

وهو يتطلع إليها بغرور: "الظاهر إن سيادتك ناسيه إنك موجودة في شركتي، وإن من حقي أتحرك في المكان والزمان اللي يعجبني. وأكمل بحدة: اللي مرفوض بقى يا حضرة الدكتورة المحترمة هو اللي سيادتك عاملينه انتِ وزميلتك." خرج الدكتور محمود من داخل غرفة المعمل الداخلية حين استمع لتلك الأصوات المرتفعة واستغرب حين وجد مراد وهو يتحدث بتلك النبرة المتعصبة. فتحدث باستفهام: "خير يا دكتور مراد، إيه اللي حصل؟ أجابه بنبرةٍ غاضبة:

"وهيجي منين الخير يا دكتور والهوانم سايبين شغلهم وقاعدين يتكلموا بمنتهى الأريحية ولا اللي قاعدين على المصطبة." نظرت إليه باستغراب وتحدثت بنبرة صوتٍ حادة لم تستطع السيطرة عليها، راميةً بالوعد الذي قطعته على حالها بعرض الحائط: "هو حضرتك ليه محسسني إننا شغالين في مشغل تريكو وفصلين المكن وموقفين الإنتاج لحضرتك وقاعدين نرغي." وأكملت باعتزاز ورأسٍ مرفوع:

"حضرتك إحنا دكاترة ولينا احترامنا وتقديرنا، والمفروض إن سيادتك تعاملنا بأسلوب أرقى من كده." نظر إليها بعينين تطلقان شررًا مما ينم عن اشتعال داخله وأجابها متهكمًا: "المفروض،،، ده انتِ هتعلميني الذوق واللي يصح واللي ميصحش كمان." ثم أكمل وهو ينظر إلى الدكتور محمود وتحدث آمرًا:

"دكتور محمود، من أول الأسبوع الجاي تبعت الأستاذة لأي فرع تاني للشركة. مش عايز أشوفها في الشركة قدامي هنا تاني، رؤيتها بقت كفيلة إنها تعصبني وتقفل لي يومي من أولها." نظرت له بتهكم وردت بقوة: "لو حضرتك مش متحمل وجودي هنا قدامك ورؤية جلالتك لوشي، فأحب أقول لسيادتك إنه شعور متبادل." وحولت بصرها إلى الدكتور محمود وتحدثت بقوةٍ وحدة: "وياريت يا دكتور تنفذ أوامر سعادته وتسرع في إنك تنقلني لفرع تاني." وأكملت بتحدٍ

كي تحرق روحه: "بس ياريت ده يكون من بكرة، مش من الأسبوع الجاي زي ما حضرته أمره." هنا قد أتى الدكتور صادق الذي أبلغه أحد العاملين بالشركة بما يحدث، وذلك بناءً على توجيهات من صادق بنفسه. وتحدث باستسلام من أفعال ولده التي أصبحت عدائية مع تلك الريم بشكلٍ ملحوظ: "خير يا دكاترة، إيه اللي حصل تاني؟ وبعد مدة كان قد استمع لجميع الأطراف كلٌ لوجهة نظره. فتحدث بتعقل ناظرًا إلى ريم:

"أولاً يا دكتورة أنا بتأسف لكِ على سوء فهمك لموقف دكتور مراد. أكيد الدكتور ميقصدش يضايقك بكلامه. كل الحكاية إن دكتور مراد جاد جدًا في شغله وبيقدر وقت العمل وميحبش يشوف حد مقصر فيه، وأكيد فهم قعدتك انتِ وصديقتك غلط." ومن هنا حصل سوء التفاهم. نظر إلى والده بعينين مشتعلتين وكاد أن يتحدث. أوقفته إشارة من عين والده تطالبه بالصمت. وأكمل صادق بهدوء ومهنية:

"ثانيًا حضرتك مش هينفع تسيبي الشركة هنا وتتنقلي لأي فرع تاني، لأن فرع الشركة ده هو الفرع الرئيسي واللي هتتنفذ فيه تجربتك واللي بالفعل بدأنا نستعد لدخولها على خط الإنتاج الجديد." وأكمل لتحفيزها: "فمش من الطبيعي إنك تبعدي ومتشرفيش بنفسك على خط سير العمل وتشوفي وتفرحي بنجاح تجربتك ودخولها لأرض الواقع." نظرت له بتيه، فحقًا حديثه به كل الصحة. وفي لحظة حسمت أمرها وتحدثت بهدوء:

"وأنا موافقة على أي حاجة حضرتك تشوفها في صالح الشغل يا دكتور." نظر لها ذلك المراد بغضبٍ وتحرك كالإعصار متجهًا إلى مكتبه. *** مساءً، بعد مرور حوالي ساعة من محادثة سليم إلى فريدة، كانت تقف بجانب والدتها أمام سليم الذي بدا على وجهه الإشراق والراحة مهما حاول تخبئتهما. تحدثت عايدة وهي تشير إليه بيدها لتحثه على الدخول: "أتفضل يا باشمهندس." تحرك خلفها بقلبٍ يتراقص فرحًا. ولما لا؟

فإنه ولأول مرة يخطو داخل قصر أميرته المصانة ويأمل بأن تكون تلك هي البداية. فكم من المرات التي حلم بتواجده معها بمكان نشأتها والنظر إلى غرفتها الخاصة. وبعد جلوسه نظر إلى عايدة باحترام وأردف قائلاً بأسى: "أنا حقيقي آسف لحضرتك على سوء التفاهم اللي حصل بين حضرتك وأمي. أنا طبعًا مش جاي أبرر اللي عملته أمي، أنا جاي وطمعان في كرم وأخلاق حضرتك إنك تتعطفي وتسامحيها وتقبلي اعتذاري بالنيابة عنها."

نظرت له عايدة بغيظٍ كتمته داخلها وذلك لشدة احترامه الزائد عن الحد. فكم تمنت أن تُكيل إليه بعض الكلمات التي تليق بتلك الحرباء المسماة بوالدته، ولكنها للأسف الشديد لم تستطع الآن لما رأته من احترام بكلمات ذلك الراقي الذي يختلف كليًا عن تلك المتعالية. أردفت قائلةً بهدوءٍ وابتسامةٍ باردةٍ تخفي خلفها نارًا مشتعلة: "وماما ليه مجتش بنفسها علشان تعتذر يا باشمهندس؟ مش المفروض اللي غلط هو اللي يعتذر بردوا ولا إيه؟

وأكملت بتأكيد على حديثها: "الأصول بتقول كده، وانت سيد من يفهم في الأصول." ابتسم لها وأردف بهدوءٍ ووجهٍ بشوش: "أكيد كلام حضرتك مظبوط وجدًا كمان." وأكمل مفسرًا: "لكن خلينا أكلمك بصراحة، أمي من نوعية الناس اللي بيخجلوا لما بيغلطوا، وللأسف مبتعرفش تواجه غلطها." واسترسل حديثه مترجياً: "فلو تكرمتي عليا تقبلي أسفي بالنيابة عنها، وبكدة أكون اتأسفت لحضرتك عن الغلط الغير مقصود، وأكون عفيت أمي من حرج اللحظة."

تنهدت عايدة ثم حولت بصرها إلى فريدة لتسألها كيف هو الحال، فمالت لها فريدة بعينيها بمعنى الموافقة. فأبتسمت عايدة وأردفت بهدوء: "وأنا مجيتك لحد هنا وكلامك وذوقك محوا كل الزعل يا باشمهندس." أجابها بسعادة: "أنا بجد مش عارف أشكر حضرتك إزاي على كرم أخلاقك الزايد ده." وأكمل بتمني: "هو أنا ممكن أتجرأ وأطلب من حضرتك طلب؟ ردت عايدة بترحاب: "طبعًا يا باشمهندس، اتفضل." رد عليها بتمني وابتسامةٍ بشوشة:

"ممكن حضرتك تعتبريني زي ابنك وتندهي لي باسمي من غير ألقاب، سليم كفاية أوي." هزت رأسها بموافقة وتحدث: "ده شيء يشرفني إن يكون عندي ابن في احترامك وذوقك." نظر سليم إلى فريدة وأردف بتساؤل: "أتمنى متكونيش زعلانه انتِ كمان يا فريدة." هزت رأسها بإيماءٍ وابتسامةٍ باهتة، فسألها سليم بتخابث: "مالك يا فريدة، هو أنا ليه من وقت ما دخلت وأنا ملاحظ إنك ساكتة وشاردة. كمان عيونك دبلانة أوي. لو فيه حاجة أقدر أساعد بيها ياريت تقولي."

تنهدت عايدة وأجابت بنبرةٍ حزينة: "للأسف يا سليم، فريدة سابت خطيبها." تهللت أساريره ولم يستطع تمالك حاله. فبرغم أنه يعلم مسبقًا، ولكن استماعه إلى هذا الخبر من والدتها والتأكيد عليه أسعده كثيرًا وأراح قلبه. تمالك حاله بعد نظرات عايدة المستغربة من ذلك الأبله الفاتح الفاه بسعادة وهو يتلقى خبرًا محزنًا كهذا، مما جعلها تنظر إليه باستغراب. وأردف هو قائلاً بصوتٍ هادئٍ وحنونٍ بعض الشيء وهو ينظر إلى فريدة:

"وهو ده اللي مزعلك بالشكل ده، أكيد ربنا شايل لك الأحسن." أجابته عايدة وهي تقف: "ونعم بالله. متأخذنيش يا ابني، الكلام أخدنا ونسيت أقدم لك حاجة تشربها." وتساءلت: "تحب تشرب إيه؟ تحدث وهو يقف: "ياريت متتعبيش نفسك، أنا خلاص ماشية." تحدثت عايدة بإصرار: "ريح نفسك، مش هتخرج من هنا غير لما تاخد واجب ضيافتك. قولي بقى تحب تشرب إيه؟ ابتسم سليم وأردف بهدوء: "طالما حضرتك مصممة يبقى فنجان قهوة مظبوط." أجابته بوجهٍ بشوش:

"بس كده، من عنيا، وعاملة كيكة برتقال لسه سخنة هتعجبك أوي." أجابه وهو يجلس من جديد: "تسلم إيد حضرتك." دلفت عايدة وتحدث هو بوجهٍ مبتسمٍ وسعيد: "أخيرًا خلصتينا من الكابوس اللي اسمه هشام ده." نظرت إليه باستنكار وتحدثت باستنكار ولهجةٍ حادة: "أوعا يكون خيالك صور لك إني سيبت هشام عشانك. لا، دانت تبقى موهوم أوي يا باشمهندس." ضحك برجولة بعثرت داخلها ونظر إليها بعيونٍ عاشقةٍ لكل إنشٍ بها قائلاً:

"أومال حبيبي سابه وروق لي الجو ليه؟ أجابته بحدة: "علشان طلع زيك بالظبط، خاين وكذاب، النسخة المكررة من سعادتك. انتم الاتنين بتمثلوا الخيانة في أبشع صورها، بس كل واحد منكم محتفظ بطريقته الخاصة." نظر لها بعيونٍ عاشقةٍ وأردف قائلاً بنبرةٍ مثيرةٍ أذابتها وبعثرت داخلها: "حد بردوا يقول على حبيبه اللي هيكون جوزه في خلال أيام خاين وكذاب؟ وأكمل بصوتٍ هائمٍ أذابها:

"ما يصحش كده يا ديدا، لازم تحترمي جوزك أكتر من كده. أنا زعلي غبي على فكرة وبحذرك من أولها." وأكمل بوقاحة: "وعشان ترضيني هتضطري تدلعيني كتير، وسليم من دلع مراته مش هيشبع يا قلب سليم." ارتبكت بجلستها وارتعش جسدها بالكامل على أثر كلماته التي نزلت على قلبها العاشق أنعشته وزلزلت كيانه. تحدثت بتلبكٍ ونبرةٍ أنثويةٍ لم تستطع التحكم بها: "اعقل يا سليم، ماما ممكن تسمعك." أجابها بصوتٍ حنونٍ وعيونٍ مشتعلة:

"هي ماما بس اللي هتسمع، ده أنا هصرخ بأعلى صوتي وهسمع الدنيا كلها. هقول لهم إني بعشقك وقلبي دايب في غرامك وبحر عيونك. هقول لهم إني تعبت في بعدك ونفسي أرتاح جوه حضنك. هقو... كاد أن يكمل إلا أن استمعوا لطرقاتٍ عاليةٍ وسريعةٍ فوق الباب. وقفت فريدة والقلق ينهش داخلها وتحركت سريعًا نحو الباب وفتحته. وجدت أمامها آخر شخص تمنت أن تراه بتلك اللحظة الحالمة.

نظرت إلى الطارق وتفاجأت به واقفًا أمامها، ينظر لعيناها بغضبٍ تام لم يستطع التحكم به. إنه هشام لا غير، فقد جاء ليتحدث معها ووالدتها ويقص عليهما ما أخبرته به لبنى. ثم حول بصره إلى الداخل باحثًا بجنون عن سليم بعدما رأى سيارته المصطفة أسفل البناية أثناء صعوده. وجده يجلس فوق المقعد ويظهر على وجهه كم من الراحة والاسترخاء. فدلف دون الاستئذان ناظرًا إليه بعيونٍ تطلق شررًا، قائلاً بغضبٍ واتهام:

"أنا كده بقى اتأكدت إن ظنوني كلها في محلها." نظر له سليم بابتسامةٍ مستفزةٍ ووضع ساقه فوق الأخرى مما استشاط غضب الآخر. أغلقت فريدة الباب وذهبت إليه وتحدثت بحدةٍ بالغة: "انت لسه ليك عين تيجي لحد هنا. هو أنا مش قولت لك امبارح إني مش عاوزة أشوف وشك تاني؟ وأشارت بيدها للخارج قائلةً بنبرةٍ حادة: "اتفضل يا محترم لو سمحت، ويا ريت متضطرنيش إني أفقد أعصابي معاك أكتر من كده." نظر إليها هشام وتحدث باستماةٍ وهو يشير إلى سليم:

"مش همشي قبل ما أعرفك حقيقة المؤامرة الحقيرة اللي لعبها علينا البيه المحترم." في تلك اللحظة خرجت عايدة من المطبخ تحمل بين يديها حاملاً موضوعًا عليه بعض أقداح القهوة مع بعض الحلوى. وقف سليم سريعًا وحمل عنها ما بيدها تحت استشاطة هشام واستغرابه. وتحدث سليم بهدوءٍ واحترام: "تسلم إيد حضرتك يا أفندم، تعبتك معايا." ثم وضعها فوق المنضدة وجلس من جديد بمنتهى البرود. هزت رأسها له وأردفت قائلةً بهدوء:

"مفيش تعب ولا حاجة يا ابني، ده واجبك." ثم حولت بصرها إلى هشام ونظرت إليه بنظراتٍ يملؤها اللوم والعتاب وتنهدت بأسى وتحدثت: "أهلاً يا أستاذ هشام." نظر لها بحزن وأردف متألمًا: "أستاذ هشام؟ وابتلع غصة داخله ثم تحدث بنظراتٍ مترجية: "ممكن يا ماما حضرتك تقولي لي البني آدم ده بيعمل إيه هنا؟ قاطعته فريدة بحدةٍ فقد طفح الكيل بها: "وانت بأي صفة إن شاء الله بتسأل؟ وأكملت بنبرةٍ حادة:

"ياريت يا محترم تتفضل بقا لأن وجودك غير مرحب بيه بالمرة." قاطعتها عايدة بحدة: "عيب كده يا فريدة، مش تربية فؤاد اللي تتعامل مع ضيوفها بالشكل ده." نظر لها هشام بحزن وأردف قائلاً بنبرةٍ حزينة: "هو أنا خلاص بقيت ضيف يا ماما؟ تنهدت عايدة وأزاحت بصرها عنه. حول بصره هو إلى فريدة وتحدث بإصرار: "أنا قولت لك إني مش هخرج من هنا غير لما أكشف لك المؤامرة اللي اتعملت علينا من الحقير اللي قاعد قدامك ده." تساءلت عايدة باستغراب:

"مؤامرة، مؤامرة إيه اللي بتتكلم عنها دي؟ وتقصد مين بكلامك ده؟ أجابها بقوةٍ وهو يشير بسبابته إلى الجالس بمنتهى البرود يتناول قهوته ويرتشفها بتلذذ يظهر على وجهه دون الاكتراث بما يدور من حوله: "المؤامرة اللي الحقير ده عملها عليا عشان يبعدني عن فريدة يا أمي." تحدثت عايدة بحدة: "عيب كده يا هشام، مينفعش تهين الراجل وهو في بيتي." ربعت فريدة ساعديها أمام صدرها وتساءلت بنبرةٍ ساخرة:

"لا برافو، ويا ترى بقى هو اللي جرك من إيدك وخلاك تروح تقعد مع حبيبتك القديمة؟ وهو كمان اللي أجبرك تقول لها كل كلام العشق والغرام اللي أنا بنفسي سمعته بوداني؟ أجابها بنبرةٍ قوية: "أيوه يا فريدة، البيه خلى واحدة تكلم لبنى على أساس إنها واحدة بتكرهك وحابة تنتقم منك وتخليني أسيبك." وبدأ بسرد كل ما حدث على أسماعهم تحت نظرات سليم الباردة وفريدة المشمئزة وعايدة الحزينة. وجه حديثه إلى سليم بعدما انتهى من سرد التفاصيل:

"لو راجل بجد اعترف وقولها على مؤامرتك الدنيئة." وأخيرًا تحدث سليم ببرودٍ وهو يضع قدح القهوة فوق المنضدة: "من الطبيعي جدًا إنك تحاول تبرر موقفك وعملتك الغير أخلاقية بالمرة، بس اللي مش طبيعي ومش مقبول عندي إنك تفترى عليا وتتهمني عشان تخلص نفسك." وأكمل مضيقًا عينيه باستجواب: "وبعدين حتى لو افترضنا إن كلامك ده فعلاً حصل، المفروض إنك بتحب فريدة جدًا، وبناءً عليه مبدأ الخيانة المفروض إنه مرفوض ومستبعد بالنسبة لك."

وأبتسم بطريقةٍ مستفزةٍ قائلاً: "ولا إيه؟ صاح به هشام وأردف قائلاً بغضب: "ده المفروض، بس لما يكون المخرج شيطان زيك ولعبها بمنتهى البراعة والدناءة، لازم النتيجة تكون ممتازة وغير متوقعة." تحدثت عايدة بهدوءٍ وكأنها كانت تنتظر تلك الكلمات: "أنا طبعًا مصدقاك يا هشام ومصدقة إن فيه لعبة اتعملت عليكم من ناس معندهاش ضمير." وأكملت برفض: "بس يا ابني مظنش إن الباشمهندس سليم له صلة بالموضوع." تحدث هشام بحدةٍ وهو ينظر إلى سليم:

"طب لو مش هو اللي خطط ودبر لكل ده تقدري تقولي لي هو هنا بيعمل إيه، وبيأي مناسبة جاي يزوركم في البيت وكمان في غياب عمي فؤاد، وإشمعنا في التوقيت ده بالذات يا ماما؟ حدثه سليم بنبرةٍ جادة: "ياريت يا أستاذ هشام لو عندك مشكلة تحلها بعيد عني وما تقحمنيش فيها ولا تحملني ذنب تصرفاتك الصبيانية ومرقبتك المتأخرة." نظر له بحقدٍ وتحدث غاضبًا:

"متحترم نفسك يا أستاذ انتَ ونقي ألفاظك، إيه مراهقتك المتأخرة دي كمان، على العموم أنا هفضل ورا الموضوع لحد ما أثبت إنك ورا الحقيرة اللي اتصلت وعملت كل ده." وأكمل بإصرار: "وهنتقابل تاني وقريب أوي، أوعدك." ابتسم سليم ساخرًا وأردف بنبرةٍ متهكمة: "وأنا مستنيك." تحدثت عايدة بتهدئة: "اهدوا يا جماعة لو سمحتم، ميصحش تتكلموا مع بعض بالشكل ده." ثم أكملت وهي تنظر إلى هشام مفسرة:

"وعلى العموم يا هشام الباشمهندس سليم جاي في موضوع مهم ومقنع جدًا بالنسبة لي. وبيتهيأ لي أنتَ عندك ثقة في كلامي وعارف إني مش هقول لك كده من فراغ." تساءل بفضولٍ بصوتٍ حاد: "ممكن أعرف موضوع إيه ده يا ماما؟ صاحت به فريدة بصوتٍ غاضبٍ فقد طفح الكيل بها: "وانت مالك، ده شيء ميخصكش لا من بعيد ولا من قريب، ويا ريت يا أستاذ تعرف حدودك الجديدة عندنا وتتصرف على أساسها." قاطعتها عايدة قائلةً بنبرةٍ جادة:

"اهدي يا فريدة واقعدي مع هشام وحاولوا تصفوا الزعل اللي مابينكم. هشام بيحبك وشاريكي ومينفعش تضيعوا اللي ما بينكم وتشمتوا العدو فيكم." انتفض داخله وارتعب من فكرة موافقة فريدة لحديث والدتها. نظر إليها سريعًا بعيونٍ مترجية بألا تستجيب لحديثها. نظرت له وابتلعت لعابها ثم حولت بصرها إلى هشام وزفرت بضيق قائلة: "الموضوع بالنسبة لي منتهي النقاش فيه يا ماما." وأشارت بيدها نحو هشام:

"ولو على مبررات الأستاذ اللي جاي يغني عليا بيها، فأحب أقوله إن كلامك ده لو صح، فهو بالنسبة لي عذر أقبح من ذنب." ثم أكملت بنظراتٍ معاتبةٍ موجهةً حديثها إليه مباشرةً: "جاي بكل بجاحة تبرر لي خيانتك ليا؟ وأكملت بنظرةٍ حزينةٍ معاتبةٍ أشعلت داخل سليم: "يعني إيه تبقى طول الوقت مفهمني إنك بتحبني وإني أغلى حد في حياتك، وأول ما بنت خالتك تشاور لك تجري عليها بكل سهولة." وأكملت بتساؤل:

"أما بتعمل فيا كده وإحنا لسه على البر، أومال لو كنا اتجوزنا وراحت زهوتي عندك كنت هتعمل فيا إيه؟ نزلت دموعها رُغماً عنها وتحدثت بضعفٍ وهي تشير له بالخروج: "أرجوك يا هشام امشي، مش عاوزة أشوف وشك تاني." ثم تحدثت إلى والدتها: "من فضلك يا ماما تلمي حاجة أستاذ هشام وتديها له وهو ماشي." تحدث هشام برجاءٍ وقلبٍ يتمزق: "أرجوكِ يا فريدة أديني فرصة أثبت لك إني ضحية مؤامرة حقيرة." حدثته بدموع:

"أرجوكَ يا هشام كفاية ويا ريت متصعبهاش عليك وعليا أكتر من كده." تساءل بنبرةٍ جادة: "ده آخر كلام عندك يا فريدة؟ أجابته بدموع: "ومعنديش كلام غيره." نظر إليها بحزن ثم حول بصره إلى ذلك الجالس ببرودٍ وتحدث بوعيد: "قسماً بالله ما هسيبك ولا هدفعك تمن اللي عملته ده غالي أوي يا سليم يا دمنهوري." وتحرك خارجًا من المكان كالبركان الذي أوشك على الانفجار. وقف سليم متحدثًا بهدوء:

"أنا آسف يا جماعة إن الظروف حطتني إني أحضر النقاش الحاد ده. أستأذن ومرة تانية بتأسف لحضرتك على كل اللي حصل من أمي." أجابته عايدة بأسى وشرود: "حصل خير يا ابني وأنا اللي بتأسف لك على كلام هشام اللي قاله، إنتَ أكيد عاذر طبعًا ومقدر الموقف اللي هو فيه." هز رأسه وأجابها متفهمًا: "ولا يهمك يا طنط، بعد إذن حضرتك ومُتشكر جدًا على القهوة." تحرك إلى فريدة وتحدث هامسًا لها باقتضاب وعيونٍ لائمة: "هكلمك من العربية، ياريت تردي."

غادر سليم المكان ووجهت فريدة حديثها إلى والدتها بهدوءٍ ودموع: "أنا داخلة ألم الشبكة والهدايا كلها عشان بابا يوصلها لعمو حسن لما يرجع، خليني أخلص من الكابوس ده." وتحركت للداخل تحت نظرات عايدة الحزينة وقلبها المتألم لأجل ابنتها ولأجل هشام أيضًا. لملمت الأشياء داخل صندوق وأخرجته لوالدتها ودلفت مجددًا إلى غرفتها.

وبدون مقدمات أجهشت في نوبة بكاءٍ مرير، إلى أن أتاها اتصاله الذي لم تُعيره اهتمامًا، فحاول مجددًا الاتصال مرارًا وتكرارًا ولكنها قررت عدم الإجابة. جلست تبكي وتفكر بتشتت في أمرها وما يجب عليها فعله، وأيضًا فكرت في حديث هشام ومدى صحته، حتى غفت دون وعيٍ أو إدراك. فاقت من غفوتها بعد حوالي الساعتين على صوت نهلة وهي تحدثها: "قومي يا فريدة عشان تتغدي معانا." أجابت شقيقتها بنعاس: "سيبيني أنام يا نهلة، ماليش نفس للأكل."

ردت نهلة بتصميم: "بابا قاعد مستنيكي برة ومش هيتغدى من غيرك." تأففت بنومتها وأفاقت حالها وتحركت للخارج كي ترحب بأبيها. أخبرته أنها لملمت جميع الأشياء والهدايا الخاصة بهشام، وطلبت من أبيها أن يغلق لها ذلك الموضوع سريعًا كي يرتاح ذهنها. وافقها أباها على مضض، وبالفعل ذهب هو وعبدالله في المساء لمنزل حسن نور الدين واعتذرا منهم تحت دموع سميحة وحزن حسن واعصار قلب هشام. ***

داخل غرفة هشام، كان يجلس فوق تخته ملقيًا رأسه للخلف بإهمالٍ وذلك أثر نوبة حزنٍ أصابته بعدما أتى فؤاد وسلمه كافة الأشياء التي أهداها إلى فريدة طيلة فترة خطبتهما. دلفت إليه غادة بصحبة سميحة التي انتفخت عيناها من كثرة بكائها حزنًا على صغيرها وأيضًا لخسارته لفريدة التي كانت تراها زوجة مثالية لابنها. جلست غادة وهي تمرر كف يدها فوق رأس ابن شقيقتها وتحدثت بصوتٍ حنون: "عامل إيه دلوقتي يا هشام؟

أغمض عينيه بتألمٍ متهربًا من عينيها وتحدث بصوتٍ مهزوم: "الحمد لله." جلست سميحة بجانبه ووضعت كف يديها فوق موضع قلبه وأردفت بصوتٍ حنون: "ما تقوم يا حبيبي تغير هدومك وتخرج تسهر مع أصحابك." نظر لها وأجابها بغصةٍ مؤلمة: "مش عاوز أخرج يا ماما، ولو سمحتم بلاش نظرات الحزن والشفقة اللي في عينكم دي لأنها بتقتلني." بكت سميحة وتحدثت بنبرة لومٍ وعتاب: "مش عايزني أحزن على اللي عملته في نفسك؟ كان ليه ده كله يا هشام؟

ما كانت معاك خطيبتك يا ابني، عقل وجمال وكمال وألف مين يتمناها. سبت عقلك ومشيت ورا لبنى اللي باعتك قبل كده عشان تسافر عند أبوها وتعيش حياتها بحريتها." تملل بجلستهِ ونظر لها بضيقٍ وأردف قائلاً: "هو أنا ناقص كلامك ده يا ماما؟ مش هخلص أنا من التنظير واللوم ده إنهاردة." وأكمل بصياحٍ بصوتٍ حاد: "قلت لك اللي حصل ده مؤامرة واتعملت عليا وشاركت فيها الغبية بنت أختك ووقعتني." نظرت إليه غادة باندهاشٍ وأردفت بعتاب:

"وهي لبنى كانت غلطت لوحدها يا هشام؟ المفروض إنك راجل واعي وعندك عقل يوزن بلد." وتساءلت: "كان فين عقلك وانت ماشي وراها مسير؟ أنا مش نبهتك من كام يوم لما كنتوا عندي وقولت لك إن فريدة لو عرفت مش هتسامح، وأهو حصل اللي حذرتك منه يا ابن أختي." تحدثت سميحة بندمٍ من بين دموعها الغزيرة: "ياريتك يا ابني كنت سمعت كلام خالتك." نظر إليها بضعفٍ وأردف نادمًا: "ياريت يا أمي، ياريت."

احتضنته والدتهُ وربتت فوق ظهرهِ بحنانٍ تحت استرخائه وكأنه كان يحتاج لذلك الحضن وبشدة. *** في اليوم التالي، كانت تقود سيارتها عائدةً إلى منزلها بعد يومٍ شاقٍ ومرهقٍ داخل شركة ذلك المراد الذي بات يتعمد إسناد المهام إليها وإرهاقها بشتى الطرق، وكأنه يريد أن تمل كثرة العمل وتذهب لحال سبيلها، ليحمي قلبه من تقاربها الذي أصبح يشعر بالخطر عليه في حضرتها.

وجدت هاتفها يرن معلنًا عن وصول مكالمةٍ هاتفية. نظرت به وتأففت بتمللٍ حين وجدت نقش أحرف حسام. أجابت على مضض. "ألو؟ رد عليها ذلك المغروم بصوتٍ ناعمٍ ليتغلغل إلى داخلها: "حبيبتي اللي وحشاني موت، عاملة إيه يا قلبي؟ أخذت نفسًا عميقًا وأخرجته وشعورٌ وليدٌ عليها يرفض بشدة الاستماع إلى كلمات الغزل تلك التي كانت تعشقها بالسابق، ولكن الحال قد تغير بها مؤخرًا. أجابته باقتضاب: "أنا كويسة الحمد لله." وأكملت بتهرب:

"حسام، ممكن نتكلم لما أروح عشان سايقة وخايفة آخد مخالفة." زفر بضيقٍ ولكنه تحامل على حاله وأردف قائلاً بنبرة ملامةٍ وصوتٍ حزينٍ حتى يستطيع به التأثير على قلب تلك العاشقة المتمردة مؤخرًا: "هو أنا ليه ملاحظ في الفترة الأخيرة إنك بتهربي مني وتتجنبي الكلام معايا؟ وتساءل بنبرة صوتٍ مختنقةٍ حزينة: "فيه إيه يا ريم، هو أنا عملت حاجة زعلتك مني وأنا مش واخد بالي؟ أجابته بصوتٍ مختنقٍ لا يطيق التحدث إليه:

"مفيش حاجة يا حسام، كل الحكاية إني مشغولة في الدراسة والتدريب اليومين دول ومعنديش وقت لأي حد." "حتى أنا يا ريم." قالها بنبرة معاتبة. وأكمل ليكسب تعاطفها: "وأنا اللي بغامر بنفسي وبأغلى حاجة في حياتي عشان أسعدك وأشوفك مبسوطة، تقومي تقولي لي الكلام ده؟ ضيقت عينيها باستغرابٍ وأردفت قائلةً باستفهام: "تقصد إيه بكلامك ده يا حسام، يعني إيه بتغامر بنفسك وبأغلى حاجة في حياتك؟ أجابها بتخابث: "بغامر بعلاقتي بيكي يا ريم." وأكمل:

"فريدة فركشت خطوبتها وأنا كنت السبب الرئيسي في كده." أوقفت سيارتها سريعًا وتحدثت باستفهامٍ ونبرةٍ سعيدة: "انت بتتكلم جد يا حسام؟ فريدة سابت خطيبها فعلاً؟ ابتسم بمكرٍ لوصوله لمبتغاه وتحدث: "وهي المواضيع دي ينفع فيها هزار يا قلبي." وبدأ بقص ما حدث على مسامعها مع تضخيم دوره وتجميله ليجعلها تراه فارس أحلامها من جديد. وبعد مدة تحدث هو بنبرةٍ مستعطفة:

"أنا عملت كل ده عشان عيونك يا ريم، مقدرتش أشوف الحزن في عيونك وأقف أتفرج من غير ما أرجع البسمة لعيونك من جديد، حتى لو كان على حساب قلبي اللي ممكن يتحرم منك لو عمتو عرفت بالموضوع." أجابته سريعًا بسعادةٍ وطمأنة: "متقلقش يا حسام، ماما عمرها ما هتعرف، وسليم طالما وعدك يبقى أكيد هيوفي بوعده، وبعدين مش من مصلحته إنه يقول لها، وأنا عمري ما هقول لأي حد عن اللي حصل ده." تساءل بنبرةٍ لئيمة: "مبسوطة يا حبيبتي؟

أجابته بسعادةٍ بالغةٍ لأجل شقيقها الغالي: "أوي يا حسام، ربنا يخليك ليا." تنهد بارتياحٍ للوصول لما كان يريد وتحدث بحنان: "ويخليكي ليا يا روح قلبي." ترى مالذي يفكر به حسام بعدما استعاد ثقة ريم به من جديد؟ وهل حقًا فعل ذلك من أجل إسعادها؟ وهل ستخضع فريدة لنداء قلبها والتسليم لقلب سليمها؟ أم أنها ستنصاع لعقلها الذي مازال رافضًا الاستسلام لذلك الذي أهان كبرياءها وكان سببًا رئيسيًا في ضياع حلمها؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...