داخل رواق المشفي تقف أسما تزرف دموعها الساخنة المنهمرة فوق وجنتيها بغزارة. يحتضنها ذلك الواقف بقلب مرعب وجسد ينتفض رعباً على صديقه الراقد بالداخل ولا يعلم عن حالته شيئاً. وذلك بعد أن تلقى اتصالاً منذ قليل فأجاب متوقعاً أنه سليم. فتفاجأ بصوت رجل غريب يبلغه أن صاحب هذا الهاتف قد تعرض لحادث ولذا وجب عليه الحضور الفوري بعدما أملى عليه اسم المشفي وعنوانه. وقد هاتفه الرجل على أساس أن رقم علي كان آخر من حادث سليم.
أما ذلك المسكين فكان يرقد داخل غرفة الأشعة المقطعية لفحص جسده كي يطمئن عليه الأطباء بعدما أوصلته الإسعاف. هاتف علي قاسم وأبلغه بما حدث. وبدوره أبلغ قاسم ريم لتلحق به. بعد قليل أتى قاسم وجلس بجانبهما وقلبه يرتعب من فكرة فقدانه لابنه الوحيد. الجميع يجلس بقلوب نازفة يترقبون أية خبر يطمئنهم على غاليه. حول الجميع أبصارهم باتجاه مدخل الرواق، حيث تهرول كل من ريم وتلك الباكية المنهارة التي تجاورها وهي بحالة مزرية يرثى لها.
نظر إليها وإذ بقلبه يشتعل بنيران الغضب الذي تجدد في التو واللحظة عند رؤيته لها. فكانت تلك هي المرة الأولى التي يراها منذ واقعة ليلة الزفاف. أسرع إليها بغضب عارم وجذبها من ذراعها وتحدث بفحيح وعيون تطلق شزراً. "إنتِ أيه اللي جايبك هنا؟ حاولت ريم تخليص ذراع والدتها من قبضة أبيها المحكمة وأردفت قائلة برجاء. "إهدي يا بابا من فضلك، متنساش إننا في مستشفى."
أما أمال التي تساءلت بدموع عينيها الساخنة وقلبها يئن من الألم متجاهلة غضبته. "إبني جري له أيه يا قاسم، أرجوك تطمن قلبي وتقولي إن سليم كويس؟ هزها بعنف وتحدث بصرير من بين أسنانه. "دلوقت بس عرفتي إن ليكِ إبن؟ وكان فين قلبك ده وإنتِ بتدبحيه بأديكي بدون رحمة أو شفقة؟! أسرع إليه علي وأردف قائلاً لتهدئته. "إهدي يا قاسم بيه لو سمحت، ويا ريت تراعي حالة الهانم، دي بردوا أم ومحتاجة تطمن على ابنها." صاح بتهكم قائلاً.
"أم، هي دي لو أم بجد كانت عملت كده في ابنها الوحيد، جايه تسألي عليه وزعلانه أوي وإنتي السبب في كل اللي حصل له." تعالت شهقاتها تبكي بقلب يزرف دم على فلذة كبدها الراقد بالداخل ولا تعلم عنه شيئاً. نجحت ريم وأسما في إفلات أمال من بين قبضة قاسم، وأجلساها فوق المقعد كي لا تنهار وتسقط أرضاً. وأشار قاسم إليها بسبابته وأردف قائلاً بنبرة تهديدية.
"ادعي ربنا إن ابني يخرج من جوة سليم ومعافى، لأن لو لا قدر الله ابني جري له حاجة أقسم بالله العلي العظيم لأدمرك إنتِ وعيلتك بالكامل، وكل شخص شارك في قهرة قلب ابني ما هيسلم من شري وانتقامي! صاحت ريم بدموع وانهيار. "كفاية أرجوكم، حرام عليكم كده، إصبروا لما نطمن على سليم وبعدها ابقوا ارموا التهم على بعض زي ما انتوا عاوزين." أخذتها أسما داخل أحضانها وتحدثت لتهدئتها.
"إهدي يا ريم، إن شاء الله سليم هيبقي كويس ويقوم لنا بالسلامة." وقفت أسما وأبتعدت قليلاً، وطلبت رقم فريدة التي كانت تجلس داخل مكتبها تبكي بحرقة على حظها العاثر وخياناتها المتكررة التي تتعرض إليها دوماً من الجميع. نظرت بشاشة هاتفها وجففت دموعها وأخذت نفس عميق ثم أجابت. "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته." أجابتها أسما بدموع مريرة. "فريدة، سليم عمل حادثة."
نزلت كلمات أسما على مسامعها كبركان زلزل كيانها ودمره بالكامل. انتفض قلبها رعباً وصاحت بصوت مرعب. "إنتِ بتقولي أيه يا أسما؟ بكت أسما وأجابتها. "سليم عمل حادثة وهو الوقتِ مع الدكاترة جوة ومنعرفش عن حالته أي حاجة." تحدثت بانهيار وروح تكاد تفارقها من هول تلك الكارثة التي أحلت بروحها. "اديني عنوان المستشفى." أخذت العنوان وتحركت بساقين مرتعشتين. *** بعد قليل خرجت الممرضة من الداخل. هرول إليها الجميع وتساءل قاسم بلهفة.
"طمنيني لو سمحتي، ابني عامل أيه؟ ابتسمت له الممرضة وأردفت قائلة بطمأنينة. "الحمد لله يا أفندم ابن حضرتك زي الفل، الدكتور كان شاكك في نزيف في المخ، بس الحمد لله طلع عنده ارتجاج في المخ بس." اتسعت أعين قاسم وصرخة مدوية خرجت من أمال وتحدثت بذهول. "ارتجاج، دخلوني لإبني، أنا عاوزة أشوف سليم، سليييييم." أسندتها ريم وأسما المنهارة. هنا خرج الطبيب وتحدث بنبرة جامدة. "أيه الدوشة دي، فيه أيه؟ أسرع إليه الجميع وتحدث قاسم.
"ابني فيه أيه يا دكتور؟ أجابه الطبيب بمهنية. "اطمن يا أفندم، ابن حضرتك كويس جداً." تحدث علي متلهفاً. "كويس إزاي يا دكتور والممرضة بتقول إن عنده ارتجاج في المخ؟ تبادل الطبيب النظر بين وجوه الجميع المترقبة وتحدث بثبات انفعالي أجاد التحكم به.
"مفيش داعي للقلق يا جماعة، المريض فاق وحالته كويسة جداً ومستقرة، إحنا عملناله أشعة مقطعية على جسمه بالكامل علشان نطمن عليه، واكتشفنا ارتجاج بسيط جداً في الدماغ، وده نتيجة الخبطة القوية اللي اتعرض لها دماغه أثناء الحادثة، والحمد لله." "يعني ابني حالته كويسة يا دكتور؟ " تساءل بها قاسم بلهفة. أجابه الطبيب.
"ما أنا لسه قايل لحضرتك إنه كويس، هما شوية كدمات بسيطة جداً في جسمه زائد الارتجاج، وممكن يروح معاكم بس هيحتاج هدوء وراحة ويقعد في أوضة ضلمة، تقدروا دلوقتي تدخلوا تشوفوه." وأكمل بابتسامة مجاملة وهو ينسحب. "حمد الله على سلامته." تنهدت أمال وتحدثت بشكر. "الحمد لله، ألف حمد وألف شكر ليك يارب، الحمد لله."
دلف الجميع ونظروا على ذلك الممدد فوق تخت المشفي بوجه مرهق وبه بعض الكدمات، تجاوره الممرضة وتعطيه إبرة مسكنة لآلام رأسه الذي صاحبه أثر الخبطة. جرى عليه قاسم واقترب منه، أمسك كف يده ورفعها لفمه يقبلها وتحدث بلهفة. "سليم، إنت كويس يا ابني، طمني عليك يا حبيبي؟ نظر إليه والده بوجه مبهم خالي من التعبير وأردف قائلاً بهدوء. "الحمد لله، متقلقش يا بابا أنا كويس." اقتربت ريم وتحدثت من بين شهقاتها المتعالة.
"حمد الله على سلامتك يا حبيبي." أدار وجهه لها وابتسم بخفة وأثناء ابتسامته لاحظ وجود تلك الباكية التي تقف بعيداً متلهفة للنظر إلى عيناه، وعلى وجهها علامات الهلع والرعب. تذكر حاله وما وصل إليه بفضلها، وبلمحة غضب داخله واشتعل وحملها نتيجة كل ما حدث. فلولاها لكان الآن يقضي رحلة إجازة زواجه غارقاً داخل بحر شهد عسل تلك العنيدة المستبدة. أدار وجهه للجهة الأخرى وتحدث بلهجة عنيفة.
"مش عاوز حد معايا في الأوضة، عاوز أبقى لوحدي." "إهدي يا ابني،" قالها قاسم وهو يربت على كتفه. زادت حدته قائلاً. "أرجوك يا بابا طلعهم بره." زادت شهقاتها وارتفع صوت بكائها النادم على معاملة صغيرها لها فتحدثت بهدوء. "سليم، أنا... لم تكمل جملتها حين استمعت لصراخه العالي. "قلت مش عاوز حد معايا في الأوضة، اطلعوا برررررره." جرى عليه علي وتحدث مهدئاً إياه. "إهدي يا سليم إنت لسه تعبان والصراخ ده غلط عليك."
تعالت نبضات قلبه وانتفض صدره من شدة غضبه وتحدث إلى علي. "مش عاوز حد معايا يا علي، اخرجهم كلهم برة وتعال ساعدني ألبس هدومي علشان أخرج من هنا." هنا صاح قاسم في تلك الباكية ونهرها بحدة. "إنتِ ما سمعتيش، اطلعي بره." جرت إليها أسما وأمسكتها من ذراعها وتحدثت من بين دموعها. "اتفضلي معايا يا مدام أمال."
أسندتها هي وريم بينما ألقت هي نظرة نادمة على وجه صغيرها الذي ينظر للجهة الأخرى رافضاً رؤيتها، وخرجت بساق تتحرك ببطء وقلب يصرخ ويئن يريد احتضان عزيز عيناها ويضمه إليه ليطمئن. تحدث قاسم بعد خروجها. "إهدي يا سليم وفكر بالعقل، خروج أيه اللي بتفكر فيه في حالتك دي؟ تحامل على حاله وجلس وهو يشير إلى الممرضة كي تخلع عنه الكانيولا المسؤولة عن توصيل سائل الجلوكوز لجسده المرهق. وتحدث بجدية.
"أنا سألت الدكتور وقالي إن ممكن أخرج وإن مفيش مشكلة." "وافقه قاسم مرغماً وأردف قائلاً. "خلاص يا سليم، ساعده يا علي في لبسه علشان أخده على البيت." "البيت لاء يا بابا،" كلمات نطق بها سليم بعنف. تساءل قاسم بحدة. "متتكابرش يا سليم، تقدر تقولي هتقعد فين ومين هياخد باله منك وإنت تعبان بالشكل ده؟ تحدث علي باحترام. "أنا هاخده في بيتي يا قاسم بيه." تحدث سليم بنبرة حادة.
"أنا مش رايح عند حد يا عَلي، أنا هقعد في الأوتيل، أنا مش محتاج غير إني أقعد مع نفسي وبس." وبعد جدال وافق قاسم مرغماً. خرج سليم مستنداً على كتف صديقه، يتحرك خلفه الجميع بترقب وهدوء. قاسم الحزين على ما وصل إليه فلذة كبده ولا يستثني حاله من ما حدث. أمال محترقة الروح والكيان والتي باتت متأكدة أنها خسرت صغيرها وللأبد، بكت بحرقة ولأول مرة يتسلل داخلها شعور الندم والحسرة على ما مضى.
ريم وأسما ودموعهم الساخنة على غاليهم وحالته. استقل سيارة علي وجلس بجانبه واضعاً رأسه للخلف، مغمض العينان بقلب يغلي ناراً، ساخطاً على جميع من أوصلوه لتلك الحالة. وقف الجميع ينظرون إليه بقلوب منفطرة ودموع الألم تنساب فوق وجناتهم. قاد علي السيارة وأثناء خروجه من الشارع لاحظ دخول سيارة فريدة التي تبكي ويبدو على ملامحها الانهيار التام. "اهدئ على من سرعته وتحدث سريعاً إلى سليم.
"فريدة يا سليم، تقريباً كده حد قال لها علشان شكلها منهارة." انتفض قلبه العاشق عند ذكر اسمها رغم عنه، ولكنه تحامل على حاله ولم يتحرك له ساكن وتحدث بنبرة هادئة ومازال على وضعيته. "كمل طريقك يا علي." نظر له علي وتحدث معترضاً. "طريق أيه اللي هكمله يا سليم، بقولك البنت منهارة وجاية علشان تشوفك، خلاص بقا يا سليم، بطل عناد ومكابرة." جز على أسنانه ونطق بغيظ وهو يمسك بمقبض باب السيارة استعداداً لفتحه.
"لو ما اتحركتش حالاً ومشيت هنزل وهاخد تاكسي يوصلني مكان ما أنا عاوز." أشار بيده سريعاً وأردف قائلاً. "خلاص خلاص إهدي." وتحرك بسيارته من جديد. ألقى رأسه للخلف مجدداً وتحدث بنبرة هادئة.
"اركن عند أي فرع اتصالات واشتري لي خط علشان نتواصل منه لأني هقفل خطي، ومش عاوز مخلوق يعرفه حتى أبويا نفسه، واحجز لنا تذاكر الطيران وحدد ميعاد السفر بعد أسبوع بالظبط، ودلوقت وديني لأي أوتيل بعيد عن دوشة المدينة، مش عاوز مخلوق يعرف مكاني يا علي، مفهوم؟ "ليه ده كله يا سليم،" نطق بها علي باستغراب. وأكمل مفسراً. "أمك وندمت وقلبها كان بيتقطع وهتموت عليك النهاردة، وفريدة أول ما عرفت حالتك جت تجري منهارة، يعني خلاص."
أردف قائلاً بحده بالغة. "وأنا مش عاوز شفقة من حد فيهم ومش هشحت حنيتهم عليا يا علي." وأكمل بصياح عال. "كل واحدة فيهم فكرت في راحتها وكبريائها بمنتهى الأنانية ويولع سليم، مفيش واحدة فيهم فكرت في سليم وإحساس سليم وكبرياء ورجولة سليم اللي اتهرست تحت رجليهم، وأكمل بصوت ضعيف متألم. يسبوني في حالي بقا ويبتدوا يحصدوا نتيجة أفعالهم من غير عويل." وأكمل بحده وعناد.
"ومن النهاردة خلاص، مبقتش محتاج لوجودهم في حياتي وقلبي هدوس عليه وأفصصه بجزمتي ولا إنه يشتاق لوجود واحدة منهم تاني." كان يستمع بقلب يئن لأجل صديقه المذبوح الذي يرقص على أنغام وتر أوجاعه المميتة التي باتت تلازم روحه. ***
أما فريدة التي لم تلاحظ مرور سيارة علي لدموعها الغزيرة وتشتت عقلها، تخطتها ووصلت إلى مقر المشفي. ترجلت سريعاً وداخل قلبها نار حارقة، تريد الاطمئنان على مالك كيانها، تريد النظر إليه والتمعن بملامحه وبجسده بالكامل كي تطمئن روحها الهرمة على خليلها. نظرت أمامها وجدت الجميع يصطفون ويذرفون الدموع ألماً. تقدمت بقدميها المرتعشتان ووجهت حديثها إلى قاسم. "سليم فين يا عمو، أنا عاوزة أشوفه وأطمن عليه."
رمقه بنظرات نارية ووجه حديثه إليها بحدة. "وصلتي متأخر أوي يا باشمهندسة، سليم ساب المستشفى ومشي علشان مش عاوز يشوف حد فيكم." ثم تبادل النظر بينها وبين أمال وتحدث بنبرة جامدة. "ذنب ابني في رقبتكم إنتوا الاتنين، واحمدوا ربنا إنه قام بالسلامة، لإن لو لا قدر الله حصل له حاجة مكنتش ولا واحدة منكم هتسلم من انتقامي وأذايا." قال كلماته الحادة وتحرك إلى سيارته واستقلها ورحل.
أما تلك الباكية التي أخذت نفس عميق ثم نظرت إلى السماء وتحدثت إلى الله بدموع منهمرة. "الحمد لله، الحمد لله." كانت تنظر لها ولدموعها المنهمرة، تنفست بصوت عال وحزن داخلها على تدخلها وإفساد حياة فلذة كبدها وإبعاده عن تلك الحبيبة الوفية، التي بوجودها كان سيختلف وضع صغيرها الكلي. تحركت إليها أسما واحتضنتها برعاية وطمأنتها قائلة.
"متقلقيش يا فريدة سليم كويس، هو بس غضبان ومحتاج يقعد مع نفسه شوية وإن شاء الله هيهدي ويبقا أحسن." هزت رأسها بإيماء وتحدثت برجاء. "ابقي طمنيني عليه يا أسما من فضلك، وأنا هكلمه وأطمن عليه بنفسي." أتت إليها ريم واحتضنتها وبكت كلاهما بشدة من قلبيهما على حبيبهما الغالي وما وصل إليه. وبعد قليل اصطحبت فريدة أسما وأوصلتها بطريقها وذهبت ريم بصحبة والدتها عائدين إلى المنزل بقلوب متألمة. *** ليلاً داخل غرفة مراد
يقف بشرفته يتحدث معها عبر الهاتف متسائلاً باهتمام وتأثر. "وسليم فين دلوقتي؟ كانت تقبع فوق تختها محتضنة ساقيها برعاية ودموعها تنهمر فوق وجنتيها وأجابته. "معرفش يا مراد، محدش يعرف مكانه غير علي اللي طمنا عليه وقال إنه مسبهوش غير لما أكل وأخذ أدويته، وطبعاً مرديش يقول لنا على مكانه وده على حسب طلب سليم منه، وأكملت بصوت ضعيف باكي أشعل نيرانه لأجلها. هموت عشانة يا مراد، نفسي أشوفه وأطمن عليه."
أجابها بنبرة حنون امتصت حزنها. "طب ممكن يا حبيبي تهدي، أنا مش قادر أسمعك بدموعك دي يا ريم." وأكمل بثقة. "اهدي وإديني ساعة واحدة بس وأنا هعرف لك مكانه وبكرة هنزوره أنا وإنتِ." اتسعت عيناها بسعادة وتساءلت من بين شهقاتها بلهفة. "بجد يا مراد، يعني إنت ممكن تعرف مكانه بجد؟ ابتسم لسعادة صوتها وأردف قائلاً بدعابة قاصداً إخراجها من حالتها وسحبها لعالمه.
"شكلك كده متعرفيش قدرات جوزك المنتظر وكده غلط كبير في حقي، إحنا لازم نقرب من بعض أكتر علشان ما تتصدميش بعد كده." اشتعلت وجنتيها بالسخونة واكتست بلون حبات التفاح الناضجة وشعرت بروحها تهيم في جنة عشقه. فقد استطاع بحرفية عالية إخراجها من حالة حزنها وسحبها داخل عالمه، عالم عشق مراد الحسيني. ضل يتحدثان ويغمرها هو بكلمات عشقه الصادق التي أذابت قلبها البريء وغمرته بالسعادة.
بعد مدة، نزل الدرج وجد والداه يجلسان في بهو الفيلا الواسعة يتسامران بهدوء وتفاهم. اقترب عليهما وأردف قائلاً بوجه سعيد. "عندي ليكم خبر حلو أوي." ترقبا والداه حديثه باهتمام وأسترسل وهو يتوسطهما بالجلوس على الأريكة. "أنا قررت أتجوز." نزلت تلك الكلمات البسيطة وكأنها ترياق الحياة لقلب تلك الأم الحنون. اتسعت حدقة عيناها ووضعت يدها فوق وجنتيه بحنان وتساءلت بترقب. "إنتَ بتتكلم جد يا مراد؟ "أخيراً هتفرح قلبي."
هز رأسه بابتسامة سعيدة فأردف والده قائلاً بتوجس. "وياتري إختارت العروسة ولا لسه؟ أجاب والده باحترام. "أكيد إخترتها يا بابا، معقول هاجي أبلغكم من غير ما أكون محدد وعارف أنا عاوز أيه." تصنم قاسم وتبادلا نظرات الرعب بينه وبين هناء ثم تحدث. "مين هي العروسة يا مراد؟ أجابه بابتسامة ونبرة تفاخر. "دكتورة ريم الدمنهوري." نظر له والده وتساءلت هناء بترقب ووجه شاحب خشية رفض الفتاة لوالدها. "بس دي مخطوبة يا ابني؟
قهقه عالياً وتساءل. "وهو ده بقا السبب اللي مخليكم تبصوا لبعض النظرات المريبة دي؟ ده أنا اتخضيت وقولت لنفسي أيه اللي حصل لنظراتكم دي كلها." وأكمل مفسراً. "اطمنوا، ريم فركشت خطوبتها يوم فرح سليم،" وبدأ يقص عليهما ندالة حسام مع صديقه ولكنه احتفظ بسر أمال لحاله، وذلك بناءً على طلب ريم كي لا ينظرا والدا مراد إلى والدتها نظرة دونية. وأحترم مراد رغبتها وأنساق إليها. انتهى مراد من سرد التفاصيل وتحدث صادق بابتسامة سعيدة.
"ألف مبروك يا مراد، إن شاء الله أول ما يطمنوا على ابنهم هكلم قاسم الدمنهوري وأخد منه ميعاد ونروح نخطبها." أردفت هناء قائلة باعتراض وهي تنظر لصغيرها. "خطوبة أيه بس يا صادق، هو إحنا لسه هنتكلم في خطوبة، أنا عاوزة أفرح بابني وأشوف عياله وأخدهم في حضني." ابتسم بسعادة وأخذ والدته داخل أحضانه برعاية وتحدث. "ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي وتشوفي أولادي وتربيهم لي وتجوزيهم بأديكي كمان." *** داخل منزل غادة
كانت تجلس بصحبة ولداها وتحدثت إلى نجلها محمد الذي أتى من جامعته الموجودة بأسيوط ليلة أمس. فتحدثت هي بسعادة. "اديني يا سيدي عملت لك كل الأكل اللي طلبته، يارب بس تاكل." ابتسم لها محمد وتحدث بامتنان. "ربنا يخليكي ليا يا ماما." فأردف تميم قائلاً بمشاكسة. "يعني حضرتك عامله الأكل ده كله علشان الأستاذ محمد وتميم لا." ابتسمت وأجابته بدعابة. "لا طبعاً، أنا عاملة كل ده علشان تميم باشا،" وأكملت وهي تقف. "هقوم أجهز لكم السفرة."
صاح الشابان باعتراض بنفس واحد. "لا يا ماما استني شوية." نظرت لهما ببلاهة وتساءلت باستغراب. "هستنى ليه، ده ميعاد الغدا عدا عليه نص ساعة." لم تكمل جملتها حتى استمعوا جرس الباب، تسابق الشابان لفتح الباب مع استغراب غادة التي انتفضت وهبت صارخة بسعادة وهي ترى زوجها الحبيب يقف أمامها بابتسامته الخلابة التي تأسر قلبها وتسعده. "خاااااالد." جرت عليه صارخة بسعادة.
اقترب عليها مسرعاً وأخذها داخل أحضانه وبدأ يدور بها بسعادة متحدثاً من بين أحضانها. "وحشتيني يا غادة وحشتيني." خرجت من بين أحضانه ووضعت كفي راحتيها تتلمس وجنتاه غير مصدقة لما تراه عيناها وتحدثت بسعادة. "أيه المفاجأة الحلوة دي؟ ابتسم لها بسعادة وقبل راحة يدها وتحدث. "مش أنا قلت لك قبل كده اصبري وهتلاقيني في يوم واقف قدامك وعامل لك مفاجأة." تحدث محمد بابتسامة. "مفاجأة لحضرتك بس يا ماما." نظرت لنجليها متسائلة بابتسامة.
"كنتوا عارفين، صح؟ أجابها تميم. "بابا قال لنا منقولكيش علشان حابب يعملها لك مفاجأة." نظرت لزوجها بحنان وتحدثت بعيون مشتاقة. "أحلى مفاجأة في عمري كله يا خالد." تنفس عالياً وأردف قائلاً. "وهتفرحي أكتر لما تعرفي إني مش هسافر تاني." تساءلت بلهفة. "بجد يا خالد؟ أجابها بعيون سعيدة لأجل سعادتها. "بجد يا غادة." وقف ينظران بهيام أخرجهما من حالتهما صوت تميم المزعج. "هو إحنا مش هنتغدا ولا أيه؟
فاقت غادة على صوت نجلها وتحدثت أثناء هرولتها إلى المطبخ. "حالاً هرص الاكل، اغسل إيدك يا خالد علشان هتاكل أكلاتك المفضلة اللي غششتها لولادك من ورايا طبعاً." ضحك الجميع وأجهزت غادة سفرتها المليئة بكل ما لذ وطاب وجلست بصحبة عائلتها يتناولون غداءهم بعيون متشوقة وقلوب تتراقص فرحاً لعودة سندهم إلى دياره سالم غانم. ***
أما حازم، الذي قد أبلغ بسمة بأسفه البالغ وعدم قدرته على الوفاء بالوعد الذي قطعه على نفسه وذلك بعدما أخبرها بما حدث، وقد عذرته بسمة وتمنت له الخير. وتركا كلاهما قلبه مع الآخر ورحل. دلف إلى شقته ليلاً وجد السكون يعم أرجائه. دلف لغرفة أطفاله وجدهما يخلدان في ثبات عميق، قبلهما وأحكم عليهما الغطاء وتوجه إلى غرفته بقلب مهموم.
خطى برجله للداخل ولكنه تسمر بوقفته ينظر إلى تلك الجميلة التي تقف بانتظاره ترتدي ثوب نوم مثيراً للغاية، أما شعرها الطويل الذي يشبه الليل بسواده فقد أطلقت له العنان لينسدل خلف ظهرها بمظهر أثار ذلك المتسمر بوقفته. تحركت إليه وأمسكت يده لتسحبه للداخل، انساق معها مستغرباً حالتها، توقفت به بمنتصف الغرفة بجانب تلك المنضدة. نظر حازم إلى تلك الشموع وتلك الحلوى المفضلة لديه التي أحضرتها له بمساعدة سميحة، والفاكهة والمشروب.
وتحدثت هي بنعومة ولأول مرة يراها منها ذلك المحروم. "أنا جهزت لك البسبوسة اللي بتحبها، عملتهالك بإيديا بتوجيهات ماما سميحة." نظر لها مضيقاً عيناه وتساءل متعجباً. "ماما سميحة؟ أجابته بنعومة حديثة الولادة بالنسبة له. "أيوة يا حازم، من النهارده مامك هي مامتي، وبابا حسن هيبقا أبويا." وأكملت بنبرة صادقة.
"أنا خلاص يا حازم، فقت من غفلتي والفضل يرجع للقلم اللي إنتَ اديته لي، من النهارده مش هعمل إلا اللي يرضيك، وهعيش عشانك إنتَ وولادي وبس، أنا أسفة يا حازم، أنا كنت ماشية ورا شيطاني وساخطة على كل الناس اللي ظروفهم أحسن مني ومغمضة عنيا عن كل حاجة حلوة في حياتي،" وأكملت بنبرة حزينة. "وأكتر حاجة قهرتني بجد، لما فوقت وسألت نفسي أنا إزاي مكنتش شايفة نعم ربنا الكتير عليا دي كلها، إزاي قدرت أغفل عنك وعن ولادي بالطريقة دي."
وضعت يدها فوق صدره وتحدثت بنبرة ناعمة أنثوية مهلكة لذلك المحروم. "أنا بحبك أوي يا حازم، والله بحبك أوي." وأمسكت الشوكة وغرستها بقطعة من الحلوى ورفعتها لمستوى فمه، التقطها بفمه وابتلع لعابه السائل من هيئتها المتفجرة الأنوثة، سحبته هي من يده متجهة إلى تختها بدعوة صريحة منها لإغراقه داخل شهد عسلها.
انساق مشاعره تجاهها وقرر الاندماج داخل أحضانها لبدأ حياة جديدة معها وإعطائها وحاله فرصة لإحياء قلبيهما والتقرب لبعضهما البعض. *** في اليوم التالي كان يجلس في غرفته ممدداً على تختهِ ناظراً لسقف غرفتهِ. استمع إلى رنين الهاتف الخاص بالغرفة، مد يده بجانبه ورفع سماعة الهاتف وأجاب بهدوء. "ألو." استمع لصوت موظفة الاستقبال.
"أنا آسفة للإزعاج يا أفندم، بس فيه آنسة موجودة قدامي وطالبة تقابلك وبتقول إنها أخت حضرتك وإسمها ريم الدمنهوري." تنفس بهدوء وأجابها باقتضاب. "تمام، أنا نازل لها حالاً." زفر بضيق لعدم قدرته النفسية لرؤية أحدهم، هو الآن يريد العزلة، يريد الابتعاد عن الجميع وفقط. ارتدى ثيابه وبخلال دقائق كان يخرج من المصعد. نظر للأمام وجد شقيقته تجلس بجانب أحدهم ويبدو عليهما الانسجام. عقد حاجبيه مستغرباً واتجه إلى مجلسهما.
وقفت سريعاً واقترب عليها سليم، ارتمت داخل أحضانه تحت شعور مراد بالغيرة، فكم تمنى أن يحظى هو بذلك الحضن الدافئ. احتضنها سليم برعاية وتساءلت وهي تتطلع إليه متلهفة. "عامل أيه يا سليم؟ طمئنها وهو ينظر باستغراب لذلك الواقف أمامه. "الحمد لله، علي هو اللي قالك على مكاني؟ أجابته بارتباك وهي تترقب نظراته المتفحصة لمراد. "لا يا سليم، دكتور مراد هو...
لم تكمل جملتها حين اقترب عليه مراد بهيئة رجولية وتحدث ماداً يده بتعريف عن حاله. "مراد صادق الحسيني، أظن سمعت عني." مد سليم يده مصافحاً إياه وأردف قائلاً باحترام. "غني عن التعريف يا دكتور، أنا اتعاملت مع والد حضرتك لكن ما حصليش الشرف بمقابلتك." ابتسم مراد وتحدث. "ده لأن دكتور صادق هو المسؤول عن الجانب المالي للشركة، وأنا بدير الجانب الإداري." أشار سليم إليهما في دعوة منه للجلوس. جلسوا جميعاً وتحدث مراد بنبرة جادة.
"طبعاً حضرتك بتسأل نفسك أنا بصفتي أيه جاي مع ريم! وأكمل بنبرة جادة. "أنا هجاوبك لأن مليش في اللف والدوران،" ونظر له بجدية وتحدث برجولة. "أنا جاي أطلب منك إيد ريم وأتمنى تقف معايا وأنا بطلبها من والدك." عقد حاجبيه باستغراب ونظر إلى شقيقته التي كست حمرة الخجل وجنتيها. بادلته النظر وابتسامة رقيقة زينة ثغرها الجميل. ابتسم لها سليم وأمسك كف يدها وتساءل بحنان. "أيه رأيك يا عروسة؟
أحالت بصرها عنه وابتسمت خجلاً تحت سعادة مراد فتحدث سليم. "ألف مبروك يا دكتور، خلي بالك من ريم، ولازم تكون عارف إنك هتاخد جوهرة نادرة، أرجوك حافظ عليها كويس." ابتسم له مراد ونظر إلى ريم وتحدث بعيون هائمة لم يستطع التحكم بها. "ريم هشيلها جوة عيوني، وإطمن يا باشمهندس، أنا عارف قيمتها كويس أوي." وأخذ نفس عميق وتحدث باهتمام.
"طب موضوعي أنا وريم خلصنا منه، ندخل بقا على موضوعك إنتَ والباشمهندسة فريدة، أنا بصراحة حزين عشانكم وحابب أتدخل وأقرب وجهات النظر وأحاول أصلح بينكم." اقشعرّت ملامح سليم وتحدث بنبرة باردة. "أرجوك يا دكتور، الموضوع حالياً ميتحملش أي نقاش، أنا وفريدة يعتبر في فترة نقاهة ومحتاجين نرتب أفكارنا أكتر." وأكمل مبتسماً. "يمكن لما تعدي فترة من الوقت ونهدي، نرجع من غير أي ضغوط نفسية." ابتسمت ريم وتساءلت.
"يعني إنتَ هترجع تاني لفريدة يا سليم؟ ابتسم لشقيقته وتحدث. "اللي عاوزة ربنا هيكون يا ريم،" وتنفس عالياً وتحدث. "المهم، خلونا فيكم، أنا مسافر بعد يومين وعاوز أطمن على ريم قبل ما أسافر." اندفع مراد قائلاً. "وأنا مستعد أطمنك خالص ونكتب الكتاب قبل ما تسافر والفرح وقت ما يحدده قاسم بيه." خجلت ريم من ذلك المتسرع وابتسم سليم بارتياح حينما رأى لهفة ذلك العاشق لشقيقته الغالية وتحدث.
"كتب كتاب مرة واحدة، إهدي يا دكتور الأمور مبتتاخدش بالسرعة دي." أجابه مراد بنبرة ودودة. "أولاً كده خلينا نشيل الألقاب علشان أنا ارتحت لك وخلاص، من اللحظة دي اعتبرتك صديقي المقرب." ابتسم له سليم وتحدث بصدق. "هتصدقني لو قولت لك إن أنا كمان ارتحت لك جداً." ضحك مراد بسعادة وأكمل. "تمام، كده يبقا متفقين،" استرسل مراد حديثه بحكمة وعقل اكتسبهم من عمله.
"اسمعني كويس يا سليم وخليني أكلمك بصراحة، من الآخر كده أنا خايف على ريم من اللي اسمه حسام الشافعي، وبصراحة أكتر هو اتجرأ وجالها عندي قدام الشركة." نظر سليم سريعاً بريبة إلى شقيقته، فأكمل مراد بطمأنينة. "متقلقش يا سليم، أنا اديته تمامه واللي يستحقه وأظن إنه شاف مني اللي يخليه يفكر ألف مرة من إنه يكررها، لكن علشان أكون مطمن أكتر لازم ريم تبقي مراتي ومسؤلة مني في أقرب وقت، وبعد ست شهور تكون ريم اتخرجت."
وهنا حول بصره لتلك الخجولة وأكمل. "وأعملها أحلى وأكبر فرح اتعمل في مصر كلها." هز سليم رأسه بموافقة وأردف قائلاً. "كلامك مظبوط، بس أنا ليا شرط." عقد مراد حاجبيه وانتظر باقي الحديث فأسترسل سليم قائلاً بحديث ذات مغزى ومعنى. "كتب الكتاب يفضل كتب كتاب وبس، أكيد فاهمني يا مراد! انتفض داخل تلك الجالسة خجلاً من تلميحات شقيقها وأكمل سليم. "وإن شاء الله بعد التخرج نتمم الجوازة."
تحدث مراد بنبرة رجولية تنم عن أصله الطيب وتربيته الحسنة. "عيب يا سليم، الكلام ده ما يتقلش لمراد الحسيني، أنا راجل متربي وأفهم في الأصول كويس أوي، وعارف إني داخل بيت رجاله وواخد بنت متربية كويس، وأكيد مش هقبل على مراتي ولا على رجولتي نتحط في موقف زي ده." ابتسم له سليم وحول بصره لشقيقته واحتضنها مقبلاً جبهتها تحت سعادة قلبها الذي يكاد يتوقف فرحاً. وأكمل.
"خلاص، خلي دكتور صادق يكلم بابا إنهاردة علشان تشرفونا بكرة بالليل إن شاء الله." تراقص قلبي العاشقين وتبادلا نظرات الهيام تحت نظرات ذلك المسكين، التي استوطنت داخله جراح الروح. *** كانت تجلس بغرفتها وحيدة بعد أن أصبحت منبوذة من الجميع، تبكي كعادتها، فمنذ ذلك اليوم ولن تجف دموعها. استمعت إلى طرقات فوق الباب، جففت دموعها سريعاً بكبرياء وسمحت للطارق بالدلوف. توجهت ريم وجلست بجانبها وتحدثت بصوت هادئ.
"أنا شفت سليم النهارده." انتفضت بجلستها وتساءلت بلهفة. "شفتيه فين يا ريم؟ طب هو كويس وصحته كويسة؟ وأكملت بدموع تقطع نياط القلب. "قولي لي على مكانه وأنا أروح له وأبوس إيده وأترجاه يرجع البيت تاني." ربتت ريم على يد والدتها وتحدثت بدموع. "وكان ليه كل اللي حصل ده من الأول ده يا ماما، سليم مكنش يستاهل منك كده أبداً." بكت أمال وأجابت ابنتها بنبرة نادمة.
"شيطاني عما ني يا ريم وكنت فاكرة إني بعمل كده لمصلحته، أوعي يا بنتي تكوني فاكرة إني تعمدت أذيته، أنا قولت هينساها ويكمل حياته مع اللي يستاهله بجد." قاطعتها ريم بحدة. "ومين قال لحضرتك إن فريدة ماتستاهلهوش؟ جففت دموعها وأردفت بهدوء. "خلاص يا ريم، أنا مبقاش عندي مانع إنه يتجوزها، ولو عاوزني أروح أعتذر لها هي وأهلها في مقابل إنه يرجع لحضني ولبيته تاني أنا موافقة." أجابتها ريم بنبرة لائمة.
"بعد أيه يا ماما، سليم وفريدة اتدمروا وخرجوا من اليوم ده بأسوأ ذكرى مرت في حياتهم، واللي أكيد عمرهم ما هينسوها." أنزلت أمال بصرها خجلاً فأكملت ريم بنبرة خجلة. "ماما، بابا بيبلغك إن فيه ضيوف جايين لنا بكرة وعاوزك تخرجي وتتابعي مع الشغالين وتحضري كويس للزيارة." ضيقت عيناها باستغراب وتساءلت وهي تجفف دموعها. "ضيوف مين دول؟ ابتسمت ريم وقصت على والدتها ما حدث. ابتسمت أمال بسعادة وتحدثت بغرور كعادتها.
"أيوة كده يا ريم، أهي هي دي الجوازة اللي طول عمري كنت بتمناهالك، جوازة تشرف ونسب يضيف لنا، ده غير المستوى المادي والنقلة الكبيرة اللي هتتنقلي لها." كانت تنظر إليها بقلب حزين وتحدثت بنبرة معترضة. "بس أنا حبيت مراد وده السبب الوحيد اللي خلاني وافقت عليه يا ماما، مش المستوى المادي." *** مساء اليوم التالي داخل منزل قاسم الدمنهوري
دلف سليم للداخل، قابله قاسم واحتضنه بحنان، واحتضن ريم أيضاً، ثم نظر بجانب عيناه لتلك الواقفة تنظر إليه متلهفة سلامته ونظرت عيناه فتحدثت بنبرة صوت مر تجفة. "إزيك يا سليم." تجاهل سؤالها وتخطاها وجلس بجانب والده متجاهلين وجودها بالمرة وبدأوا بالتسامر. نظرت ريم إلى والدتها بقلب ينزف دم على حالها وما أوت إليه بفعل يداها. بعد قليل أتت عائلة صادق محملين بالهدايا الثمينة والورود، قابلهم قاسم وأمال وسليم بحفاوة هائلة.
وجلس الجميع وبعد مدة من الوقت اتفقت العائلتان على كل شيء. وطلت عليهم ريم التي أبهرت الجميع بطلتها البهية. وقف ذلك العاشق وتحدث إلى والدته وهو يشير إلى ريم بعيونه الذائبة عشقاً بتلك الجميلة. "ريم يا ماما." نظرت إليها هناء بانبهار لجمالها وجمال روحها وحجابها المنمق وملابسها المحتشمة حتى أنها شككت في أن تكون تلك الملاك ابنة تلك المتعالية أمال. احتضنتها هناء بسعادة قائلة. "بسم الله ماشاء الله، زي القمر يا حبيبتي."
ثم نظرت إلى مراد وأردفت بحنان. "يسلم ذوقك يا مراد، ربنا يتمم لك بخير يا حبيبي." ونظرت إلى تلك الواقفة تتطلع إليهم بوجه مرتفع ورأس شامخة وتحدثت برجاء. "محدش هنا بيعرف يزغرط يا مدام أمال، نفسي أسمع زغروطة تفرح قلبي." أجابتها بغرور. "للأسف يا هناء هانم، محدش هنا بيعرف." قطع حديثها قاسم الذي صاح بصوته. "رقية، يا رقية." جاءت رقيه على عجل وتساءلت باحترام. "أفندم يا قاسم بيه؟ نظر قاسم إلى هناء باحترام وأردف قائلاً.
"هناء هانم حابة تسمع زغروطة حلوة." ابتسمت رقيه تحت استشاطت تلك المغرورة التي تنظر بكبرياء إلى تلك العادات الجميلة وتعتبرها عادات لا ترقي بمستواها الحالي. تحدثت رقيه بسعادة. "إنتِ تؤمري يا هانم." وأطلقت رقيه الزغاريط واحدة تلو الأخرى تحت انتعاش قلب هناء وسعادتها التي تخطت عنان السماء فرحاً بصغيرها التي كانت قد فقدت الأمل بأن يتزوج ويكمل حياته كباقي البشر.
أخرجت هناء من حقيبتها علبة كبيرة وفتحتها وإذ بها طقم من الألماس الحر نادر الصنع. ووجهته لولدها وبدأ مراد بوضع أول حجر في بناء أساس رباطه الشرعي ليعلن للجميع عن ملكيته الخاصة لتلك الجميلة نادرة الوجود. وضع الخاتم داخل إصبع يدها ثم رفعها وقربها من فمه ووضع قبلة أذابت كلاهما تحت ارتعاش جسدها بالكامل، التقت العيون وانتفضت القلوب عشقاً.
تحرك سليم ليفض ذلك الاشتباك الذي استشاط ناره ونار قاسم ولكنه عذر قلب ذلك العاشق الهائم. سحب يد شقيقته الرقيقة من قبضة ذلك المراد وأدخلها داخل أحضانه مباركاً لها وتحدث. "ألف مبروك يا حبيبتي." ثم اقترب علي مراد واحتضنه هامساً بقرب أذنه. "ما تهدي شوية يا عمنا، لا وزعلان مني أوي وأنا بقولك كتب الكتاب يفضل كتب كتاب." ابتسم مراد وهمس هو الآخر. "استر على أخوك وألتمس العذر لقلبه العاشق." ابتعد إثنينهم وتحدث صادق إلى ريم.
"ألف مبروك يا دكتورة، أنا كده خلاص بقيت مطمئن على الشركة في وجودك مع مراد." ابتسم مراد وأردف قائلاً بمرح جديداً على شخصيته. "طب مش تطمن على مراد الأول يا دكتور؟ ابتسم صادق وأردف قائلاً بحديث ذات مغزى. "مراد عارف مراده ومقصده وما يتخافش عليه، إنما الشركة هي اللي بقا يتخاف عليها من بعد انشغالك عنها يا دكتور."
ضحك الجميع بسعادة وأنقضى اليوم وغادر سليم مباشرةً بعد مغادرة عائلة صادق كي لا يعطي لوالدته فرصة للحديث من جديد، ولا يعطي لحاله فرصة للرضوخ لها. *** قبل سفر سليم بليلة واحدة كانت تجلس بغرفتها حزينة شاردة بعدما علمت من أسما أن ميعاد إقلاع طائرتهم غداً. وتجاورها نهلة التي تحدثت بنبرة ملامة. "كلميه يا فريدة وقولي له إنك مسامحاه ومستنياه." تحدثت بهدوء عكس نارها المشتعلة داخلها.
"خلاص يا نهلة مبقاش ينفع، أنا وسليم حكايتنا خلاص انتهت، يمكن يكون اللي حصل ده خير لينا." وأكملت بهدوء. "أنا بعت له رسالة لما لقيت تلفونه مقفول، لو كان لسه عاوزني أكيد كان هيكلمني." تنهدت نهلة لحال شقيقتها وأردفت. "طب ما تروحي له الأوتيل اللي نازل فيه." "وكرامتي يا نهلة؟ " صاحت بها فريدة بكبرياء. وأكملت بنبرة حزينة.
"وبعدين هو غير مكان الأوتيل وقفل تليفونه، هحتاج أيه أكتر من كده يثبت لي إنه خلاص نسيني وخرجني من حساباته." *** يوم الرحيل!!! "يوم الرحيل، يفضل لي أيه بعدك، يا غربتي في بعدك." كانت تقف بسيارة نجوى التي استعارتها منها كي لا يتعرف إليها أحد، إصطفت بالسيارة في الطريق المقابل للمطار لتكون بعيداً عن الأبصار.
لمحت سيارة قاسم التي توقفت أمام المطار، نزلت منها ريم وتلتها أسما التي باتت تتلفت حولها متأملة وصول فريدة بعدما أبلغتها بميعاد سفرهم. ثم وقفت سيارة مراد التي تعرفت إليه فريدة وتذكرته في التو. وترجل علي من السيارة وبدأ هو ومراد بتنزيل الحقائب معاً. وأخيراً نزل سليم.
آتت وما أن رأته تلك العاشقة حتى انتفض داخلها معلناً عليها العصيان، انفطر قلبها ونزلت دموعها الحارة لتعلن عن عدم قدرتها تحمل ابتعاده عن أحضانها. صرخ قلبها معنفا إياها وطالبها بالإسراع إليه والارتماء داخل أحضانه ومنعه من الابتعاد. هي تريده، تريد حبيبها بجانبها، ستفقد صوابها عند الابتعاد. ولكن، ألا لعنة الله على الكبرياء الذي حطم كيانها ودمر كيانه.
احتضن سليم والده وهو يترقب المكان ويمشطه بعيناه تأملاً بحضورها. أقسم داخله لو أتت سيلغي سفره ويأخذها لأقرب مكتب مأذون شرعي ويعقد عليها قرانه في التو واللحظة، ليأخذها وينطلقا بعيداً عن عيون البشر وتدخلاتهم البغيضة وليسبح معها داخل بحر عشقهما المميز. ولكنها كالعادة خذلته وأشعرته بخيبة أمل ليست جديدة عليه. ودع شقيقته تحت دموعها الغزيرة ودلف لداخل المطار بجانب علي وأسما. وهنااااا، صرخ داخلها متحدثاً.
"سليييييم، عٌد يا رجل، لا ترحل، حباً في الله لا ترحل، تراجع يا رجل، سأفقد روحي في التو عند الرحيل، أرجوك حبيبي فلتعد، عد إلى أحضاني وأقسم بربي لم أمانع تلك المرة، عد حبيبي وأعقد قرانك بي وسأوهبك حالي في التو واللحظة، سينتهي عليّ الاشتياق يا فتى، أين ضميرك سليم، أطاوعك قلبك على تركي بهذه السهولة، أبتلك البساطة هنتُ عليك حبيبي، لا سليم، لا تفعلها أرجوك."
شهقت بصوت عال وقلب نازف يصرخ متألماً، غاب عن عيناها ودلف للداخل. شعرت بأن روحها قد فارقتها للتو، وضعت يدها فوق صدرها وأغمضت عيناها وبكت بمرارة، مرارة ملأت حلقها لتخبرها عن طعم أيامها القادمة. أما هو فقد استقل الطائرة وجلس بمقعده محطم الآمال، عائداً خالي الوفاض كما أتى. *** بعد مرور ثلاثة أشهر!!!
كانت تتحرك برواق الشركة بخطوات واثقة متجهة إلى المصعد، ومنه تحركت إلى مكتبها وجلست فوق مقعدها بهدوء. فتحت جهاز الحاسوب لديها، وجدت رسالة نصية من الشركة الألمانية، تطالبها بالسفر العاجل لأجل اجتماع هام يخص مستشاري الشركة ولابد من الحضور الفوري.
انتفض داخلها فرحاً من فكرة رؤيته من جديد، فرصة انتظرتها وباتت تحلم بها طيلة الفترة المنصرمة، وها هي أتتها فرصتها، نعم كانت تنتظر تلك الفرصة ليجمعهما مكان ولتسنح لهما فرصة للحديث وشرح كلاهما موقفه للآخر، وذلك بعدما هدأت النفوس ووضحت الرؤية. تحركت إلى مكتب فايز وأخبرته والذي وافق على الفور، وبدورها اتصلت بإحدى شركات الطيران وحددت السفر بعد يومان، يومان فقط وسترى سارق قلبها وخاطف أنفاسها مرة أخرى!!!
تُرى ما الذي سيحدث داخل ألمانيا لتلك القلوب التي أذابها الهوى وأشعلها؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!