الفصل 27 | من 37 فصل

رواية جراح الروح الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم روز امين

المشاهدات
27
كلمة
5,254
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 73%
حجم الخط: 18

كانت تجاور شقيقتها بالجلوس. نطقت بإستهجان ناظرة إليها بإندهاش: "يعني إيه الكلام ده يا أمال، معقولة توافقي على الجنون ده؟ تحدثت أمال بإستسلام: "وكنتِ عاوزاني أعمل إيه قدام إصراره يا أماني؟ انتِ فاكرة إن سليم كان بياخد رأيي؟ وأكملت بيقين: "سليم كان بيبلغني بقراره يا أماني، وسواء وافقت ولا رفضت كان هيتجوزها يعني هيتجوزها. من الآخر كده مكنتش هتفرق معاه موافقتي من عدمها." أردفت أماني بتساؤل متعجب:

"أفهم من كلامك ده إنك خلاص استسلمتي وقبلتي ببنت الحواري دي زوجة لابنك؟ أجابتها بقوة ورفض قاطع: "لأ طبعاً، إيه التخاريف اللي بتقوليها دي يا أماني. على جثتي لو بنت الحواري دي دخلت بيتي وبقت مرات سليم." تنهدت أماني وزفرت بإرتياح وأردفت قائلة بهدوء: "أيوه كده طمنتيني، وياترى ناوية على إيه؟ أجابتها من بين أسنانها بغيظ وتشفي: "ناوية أفضحها هي وأهلها وأخلي سيرتهم على كل لسان عشان يعرفوا إنهم لعبوا واتحدوا الخصم الغلط." ***

مساءً يوم الزفاف بمنزل قاسم الدمنهوري. كان يقف أمام مرآته يرتدي قميصه الأبيض. أمسك بزجاجة عطره المميز ونثره على جسده بسخاء وإفراط. ثم أغلق زرائر القميص وأكمل ارتداء حلة زواجه السوداء بقميصها الناصع البياض وببيونة جعلت منه وسيماً للغاية. صفف شعره وهندم ذقنه ثم أخذ نفساً عميقاً وأخرجه بإسترخاء ونظر لحاله في انعكاس المرآة برضا تام.

كاد قلبه أن يخرج من مكانه ويتركه من شدة ضرباته التي تشبه صوت دق طبول الحرب المعلنة عن تقارب لقاء العشاق الذي طال انتظاره. ثم تحرك للخارج. نظر للحضور حيث كان البهو مكتظاً بالجميع وهم ينتظرون خروجه كي يذهبوا معاً إلى المكان الذي ستقام به مراسم الزفاف. اقترب عليهم وبسمة تحتل ثغره، ينظر للجميع بسعادة. والدته، والده، شقيقته، حسام، ندي التي تزين ثغرها بابتسامة سعيدة، وسميرة التي تنظر إليه بتشفٍ لما هو قادم عليه.

أماني والتي حضرت لحالها دون زوجها وولدها اللذان سبقوها إلى العنوان المزيف التي أرسلتهما إليه حتى لا يتواصلا مع فريدة وأهلها ويساعداهما في الوصول إليهما. جرت إليه ريم واحتضنته بسعادة وقبلته قائلة بحنو: "ألف مبروك يا حبيبي، زي القمر يا سليم، ربنا يتمم لك بخير." ابتسم لشقيقته وتحدث بسعادة بالغة: "الله يبارك فيكي يا حبيبتي، عقبالك يا ريم."

تحرك والده إليه بابتسامة حانية واحتضنه بسعادة بالغة، مربتاً على ظهره بحنو وتحدث قائلاً: "ألف ألف مبروك يا حبيبي، عشت وشفتك عريس يا سليم، عقبال ما أشوف عوضك يا ابني." أجاب والده بسعادة: "في حياة عينك يا حبيبي إن شاء الله." ثم حول بصره إلى تلك الواقفة ويظهر عليها التعب. تحرك إليها وتحدث مداعباً إياها: "هي حبيبتي مش هتبارك لي ولا إيه؟ ابتسمت بوهن وتحدثت بصوت ضعيف مفتعل:

"إزاي بقا يا حبيبي، ده أنا سعادتي النهاردة ما تتوصّفش، ده اليوم اللي بتمناه من سنين يا سليم." نظر لها بتوجس وأردف متسائلاً بقلق: "مالك يا ماما؟ بدأت تتهاوى بوقفتها وتحدثت بضعف ووهن مصطنع بإتقان: "مفيش يا حبيبي، متقلقش، أنا كويسة." قالت كلماتها وأمسكت ذراعه وهي تصرخ متأوهة قبل أن تقع أرضاً فاقدة الوعي: "الحقني يا سليم! صرخت ريم وجرت عليها هي وأماني التي حملت رأسها من على الأرض ووضعتها فوق ساقيها:

"أماااال، مالك يا حبيبتي، ردي علياااا." جرى الجميع وهم يدنون من مستوي وقوعها وبدأ سليم بمحاولة إفاقتها والقلق ينهش داخله. نظرت أماني إلى سميرة وتحدثت بهلع مصطنع: "اتصلي يا سميرة بسرعة على عزمي يكلم دكتور منير صديقه يبعت لنا عربية إسعاف مجهزة." تحدثت سميرة: "برافو عليكي يا أماني، كانت تايهة عني فين دي." نظرت إلى ندي وأردفت قائلة بتخابث: "بسرعة يا ندي اتصلي ببابا." تحدثت ندي:

"ما أنتي عارفة يا مامي إن فوني مسقط شبكة من امبارح." نظرت أماني إلى سليم الجالس مقابلها وأردفت بنبرة متعجلة: "إديها تليفونك بسرعة يا سليم تكلم خالك يبعت لنا عربية إسعاف مجهزة." تحركت ندي ودنت من مستواه وأردفت بنبرة متلهفة: "بسرعة يا سليم." لم يكن يعي لأي شيء من حوله غير وقوع غاليته المفاجئ. هز رأسه بطاعة وأخرج هاتفه من دون وعي وضغط على كلمة المرور أمام أعينها وأعطاها إياه. أجرت منه اتصالاتها واختفت من المكان بأكمله.

وبعد حوالي 20 دقيقة كان سليم وقاسم يجاوران تلك المخادعة داخل عربة الإسعاف والتي كان حسام اتفق مع سائقها مسبقًا على أن يتحرك بهدوء ويتوههما بشوارع شديدة الازدحام حتى يصعب عليه التحرك والمرور من بين السيارات ولا يوصلهم إلى المستشفى المتفق عليه إلا بعد مرور الساعة والنصف على الأقل، حتى اقتراب فوات ميعاد الزفاف وانقضاء وقته المحدد. كان يجلس بجانبها ممسكًا بكف يدها يطمئنها.

ينظر لها بألم يمزق داخله وهو يراها ترتدي ماسك التنفس الاصطناعي وتنظر إليه بعيون ضعيفة ونظرات يغلب عليها طابع الانكسار ودموع التماسيح تزرف من عينيها بوهن. أردف قائلاً بعيون مطمئنة عكس ما يدور داخله من قلق ينهش قلبه خوفًا على عزيزة عيناه، غاليته، والدته الحبيبة: "متخافيش يا حبيبتي، إن شاء الله هتبقي كويسة، هنوصل المستشفى وهيسعفوكي وهتبقي زي الفل." أكد ذلك الجالس بالجهة الأخرى على حديث ولده قائلاً:

"إن شاء الله، اتحملي يا أمال كلها شوية وهنوصل." ثم نظر إلى المسعف الجالس بجانب أمال يمثل إسعافها. وجه قاسم حديثه إليه: "هي العربية مبتتحركش ليه؟ أجابه ذلك المخادع: "الشوارع زحمة جداً يا أفندم، شوية وهتروق وهنوصل." نظر سليم إلى والده متذكرًا حبيبته المنتظرة وصوله وكأنه كان خارج نطاق الواقع وعاد فجأة. مد يده داخل جيبه سريعًا ليلتقط هاتفه ويطمئن على صغيرته ويخبرها بما جرى كي لا تقلق وتنتظر مجيئه.

انصدم حين تذكر أن ندي استعارته منه كي تهاتف منه. زفر بضيق ونظر إلى والده محدثًا إياه: "بابا من فضلك اديني تليفونك أتصل بفريدة وأطمنها، للأسف نسيت فوني مع ندي." مد قاسم يده داخل جيب سترته وأخرج هاتفه وأعطاه إياه. نظر سليم بشاشته وضغط عليه لتشغيله، لكن تفاجأ بفروغ البطارية فحاول مرارًا وتكرارًا ولكن جميع محاولاته باءت بالفشل.

نظرت إليه أمال ورجعت بذاكرتها حين استغلت وجود قاسم داخل المرحاض وأسرعت باستبدال بطارية هاتفه بأخرى غير صالحة. زفر سليم وأرجع شعره للخلف في حركة تعصبية وتحدث: "البطارية فاضية يا بابا." نظر له قاسم متحدثًا بنفي: "فاضية إزاي يا ابني، أنا شاحن الفون قبل ما أجي بنفسي." زفر سليم بضيق ثم حول بصره لذلك الجالس وتحدث برجاء: "ممكن بعد إذنك أعمل مكالمة من تليفونك؟ تحدث ذلك الملاوع:

"أنا معيش تليفون يا أفندم وده بناءً على التعليمات عشان متشوش على الأجهزة الموجودة في العربية هنا." نظر له سليم باستغراب من حديثه الغير واقعي بالمرة وتحدث: "طب ممكن تطلب من السواق يديني... ولم يكمل جملته حينما لاحظ تشنج والدته وارتعاش جسدها بالكامل. ارتاعب داخله هو وقاسم. وأسرع ذلك المخادع بتوصيل إحدى الأجهزة إلى قلبها وإعطائها إبرة مليئة بالفيتامينات المكملة غذائيًا. وأدعى أنها مهدئة للتشنجات حتى إيصالها للمستشفى.

*** أما ريم التي كانت تبكي بشدة وهي تجاور حسام الذي يتحرك بسيارته ذاهبًا بها إلى المستشفى. أمسكت هاتفها ونظرت بشاشته كي تحدث شقيقها وتطمئن منه على حالة والدتها. زفرت بضيق وأردفت قائلة: "معرفش تليفوني ماله إنهاردة، مش لاقط شبكة خالص." ابتسم داخل ذلك الماكر حين تذكر أنه طلب من صديقه مهندس الاتصالات أن يقطع الخدمة عن هاتفها اليوم بأكمله حتى لا تستطيع أن تهاتف فريدة، أو تستقبل أية مكالمة. وتحدث بنبرة خبيثة:

"تقريبًا كده فيه عيب في الشبكة إنهاردة، أنا كمان فوني مش لاقط شبكة نهائي." تحدثت بدموع غزيرة: "مش عارفة إيه اللي بيحصل لنا ده كله، وأمتي، يوم فرح سليم اللي كلنا كنا منتظرينه بفارغ الصبر." أجابها بتخابث: "إهدي يا حبيبتي من فضلك، كل حاجة هتبقي كويسة." *** أما سليم، ظل على ذلك الوضع الصعب ما يقارب من الساعة حتى وصلوا للمستشفى تحت انهياره ورعبه من فكرة فقدانه لوالدته، وفكرة ما يُدار الآن بعقل صغيرته.

وجدوا عزمي وأماني وسميرة بانتظارهم. وفوجئوا باستعدادات على أعلى مستوى ليوهموا سليم وقاسم بصعوبة حالتها وخطورتها. تحرك بها الممرضين سريعًا إلى غرفة الإنعاش. وكانت ينتظرها الطبيب ذو السمعة الملوثة الذي باع ضميره المهني بحفنة من الأموال الطائلة قد أعطته له تلك الكاذبة المدعية للمرض، بمساعدة ذلك الحقير المسمى بحسام قبل يومين وهو يتفق معها. دلف إليها الطبيب ثم خرج بعد مدة بسيطة وتحدث بأسف مصطنع:

"للأسف، الأعراض والكشف الأولي بيشيروا إلى ذبحة صدرية." ححظت أعين سليم من هول ما استمع وارتعب داخل قاسم الذي تحدث: "طب وحالتها إيه يا دكتور؟ أجابه بادعاء كاذب: "للأسف، الحالة خطيرة جداً ومحتاجة لمعجزة. أنا هدخل حالاً وهحاول بكل جهدي أنقذ الحالة." ثم نظر للجميع بأسف مصطنع وتحدث بمكر ليدب الرعب داخل أوصالهما: "ادعولها، هي حاليًا محتاجة لدعواتكم أكتر من أي وقت." ودلف لغرفة الإنعاش من جديد تحت صدمة سليم وقاسم.

صاحت أماني بصياح وعويل: "يا حبيبتي يا أمال، كان مستخبي لك فين ده كله يا قلبي، يارب اقف معاها يارب." احتضنتها سميرة وتحدثت بادعاء كاذب: "إهدي يا أماني متعمليش في نفسك كده لتتعبي انتِ كمان، كفاية علينا اللي مرمية جوة بين الحياة والموت دي." طال انتظار سليم والقلق بدأ ينهش داخله. قلقه على والدته الحبيبة القانتة بالداخل تصارع الحياة، وقلق قلبه الذي ينهش بداخله على غاليته التي تنتظره دون معرفة أسباب تأخره.

حمّحَمَ وأخرج صوته بصعوبة موجهًا حديثه إلى خاله: "خالي من فضلك، محتاج تليفونك أكلم منه فريدة وأهلها عشان ميقلقوش من تأخيرنا عليهم." هنا صرخت به أماني وتحدثت بحدة بالغة: "أمك بتموت جوة وانتَ كل اللي فارق معاك وشاغل بالك إنك تطمن ست الحسن والجمال هي وأهلها؟ تحدث عزمي بخباثة: "إهدي يا أماني مش كده." أومأ. نظرت لأخيها وتحدثت بحدة مصطنعة: "أهدي إزاي يا عزمي وكل اللي حصل لأختي ده بسبب اللي اسمها فريدة."

نظر لها سليم باستنكار، فأكملت هي باستماكة وتأكيد: "أيوه يا سليم، دي الحقيقة اللي لازم تعرفها كويس أوي. أمال ضغطت على نفسها وعلى قلبها عشان تحاول تتقبلها كزوجة ليك، وكل ده ليه؟ كل ده لأنك أناني ومبتفكرش غير في نفسك وسعادتك وبس. انتَ واحد أناني يا سليم." نظر لها بذهول وأشار بسبابته على حاله ونطق باستهجان: "أنا أناني يا خالتي؟ أجابته بقوة ودموع مصطنعة:

"أيوه انتَ أناني يا سليم، حرمتها من أجمل لحظة بتتمناها أي أم وتستناها من أول ما بتخلف ابنها وتضمه لحضنها، حرمتها من إنها تفرح بالنسب اللي تتشرف بيه وتتمناه ليك." نظر لها قاسم وتحدث بحدة: "ملوش لازمة الكلام ده دلوقتي يا أماني، مش وقته." ردت بحدة لجلد ذاته: "لأ وقته يا قاسم، لازم يعرف إن المسكينة اللي مرمية جوة دي ممكن تدفع حياتها تمن سعادته. ونظرت إليه

وتحدثت بدموع ونبرة لائمة: ياريت تكون مبسوط من النتيجة اللي وصلت لها أختي بسببك يا باشمهندس." تحرك للخارج غاضبًا تاركًا إياهم متوجهًا للحديقة لعدم قدرته للاستماع لحديث خالته الذي يجلد ذاته ويخبره كم هو حقًا أناني. وكان قد قرر للخروج إلى الشارع ليهاتف فريدة من أية كبينة خاصة بالاتصالات ويطمئنها. وأثناء طريقه للخارج استمع لإحدى الممرضات تتحدث بالهاتف:

"أيوه يا حسام بيه، مدام أمال دخلت مع دكتور منير أوضة الإنعاش، وإن شاء الله مش هيخرجها غير بعد الوقت اللي اتفقنا عليه ما يعدي." وأكملت بانتشاء: "بس ياريت متنساش حلاوتي يا باشا." أما عن حسام الذي كان قريبًا جدًا من المستشفى ولكنه ترك ريم بالسيارة مدعيًا أنه سيجلب زجاجة مياه من إحدى المحال وذلك لعطشه الشديد، وحدث الممرضة للاطمئنان على سير خطته بنجاح. ححظت عيناه من هول ما استمع.

وبلحظة استعاد وعيه وتركيزه تحرك من جديد إلى الداخل كالإعصار المدمر. نظر الجميع على ذلك الغاضب وهو يقتحم الغرفة بمنتهى الهمجية. تحدثت أماني صارخة بهلع خوفًا من انكشاف مخططهم: "بتعمل إيه يا مجنون؟ جرى خلفه قاسم للداخل وتسمرا كلاهما عندما وجدا أمال تجلس فوق السرير بكامل صحتها وهي تنظر إلى هاتفها بانتشاء وتشاهد الفيديو الخاص بخروج فريدة وأهلها من الفندق بخيبة أملهم، وذلك بعدما بعثته لها معدومة الضمير تلك المسماة بنورهان.

أما الطبيب فكان يجلس فوق مقعد جانبي يتحدث إلى الممرضة المصاحبة له. نظر لها بصدمة عارمة وهو يهز رأسه بعدم استيعاب وإنكارًا لما يراه أمامه وتحدث بإنكسار: "لأ يا أمي أرجوكِ، قولى لي إن اللي بفكر فيه ده مستحيل، قولى لي إني في كابوس وإنك مستحيل تدبحيني بإيديكي بالشكل البشع ده." ارتبكت وهربت الدماء من وجهها ثم تحدثت خجلًا: "أنا عملت كل ده عشانك يا سليم، أنا بحميك من نفسك يا ابني." تحدث قاسم بذهول:

"معقول فيه أم في الدنيا تكسر فرحة ابنها بإيديها في أسعد ليلة في حياته، انتِ لا يمكن تكوني بني آدمة طبيعية، انتِ مريضة يا أمال." تحدث الطبيب بتبجح: "من فضلكم يا جماعة حلوا مشاكلكم دي بعيد عن هنا، أنا مش عاوز شوشرة في المستشفى." جرى عليه سليم مثل الأسد الشرس حين ينقض على فريسته وبدون مقدمات بدأ يكيل له اللكمات وهو يحدثه بفحيح:

"شوشرة يا حقير يا مرتشي يا زبالة، ده أنا هخرب بيتك وهطربق لك المستشفى دي كلها على دماغك، وديني وما أعبد لأفضحك وأفصلك من النقابة يا أحقر خلق الله." جرى عليه قاسم وبدأ بتخليص ذلك الحقير من يده وتحدث: "مش وقته يا سليم، يلا بينا عشان نلحق عروستك قبل ما تروح هي وأهلها، لسه فاضل ساعة على انتهاء المعاد إن شاء الله نلحقهم." تحرك بجانب والده ثم نظر لخاله وخالته وسميرة وهم واقفون بوجوه شاحبة كالموتى وتحدث باحتقار:

"ملعون أبو غبائي اللي صدق ناس معدومة الضمير زيكم، وصدق كذبكم ودموع التماسيح اللي نازلة من عيون لقلوب ميتة وعفا عليها الزمن." وأكمل بحدة ونبرة تهديدية: "من النهارده مش عاوز أشوف خلقت حد فيكم قدامي ولو حتى صدفة، وقسمًا بربي اللي هيقع منكم تحت إيدي بعد كده هفرمه بدون ما يرمش لي جفن." ثم نظر لتلك اللعينة المسماة بندي. ابتلعت لعابها وتحدثت بتخابث لتوهمه بعدم معرفتها بما حدث: "فيه إيه يا سليم؟

نظر لها بعيون تطلق شزرًا وتحدث بفحيح مادًا يده: "هاتي موبايلي يا حقيرة." ارتاعبت من نظرة عيناه المخيفة وبسرعة البرق مدت يدها داخل حقيبتها وأخرجته، جذبه منها بحدة وعنف كادت أن تخلع يدها. حين جرت عليه تلك البريئة الباكية التي تساءلت قائلة برعب: "مالك يا سليم، ماما جرالها حاجة؟ نظر لها بخيبة أمل وأردف قائلًا بنبرة متألمة: "أمك دبحتني بسكينة لمة يا ريم، مثلت إنها تعبانة عشان تكسرني قدام فريدة، أمك أنهت على أملي خلاص."

هزت رأسها بهستيريا غير مصدقة لما استمعته أذناها. جذبه قاسم من ذراعه وأردف قائلًا: "مش وقته يا ابني، يلا بينا نلحق عروستك." *** تحرك مع والده مباشرة إلى منزل فريدة بعدما أعاد تشغيل هاتفه وهاتف علي الذي كان متجهاً إلى منزل قاسم ليطمئن على الجميع، وعلم منه ما حدث. وصلا للمنزل وجد الباب مفتوحًا على مصراعيه. خطى للداخل مع والده وبصحبتهم المأذون الذي كان متفقًا معه لعقد القران داخل الأوتيل وذلك بعدما هاتفه وجلبه معه.

تحرك بجانب والده خجلًا وكانا بموقف لا يحسدا عليه. نظر إلى فؤاد الذي يجلس فوق الأريكة يضع يديه فوق رأسه والهم يظهر بملامح وجهه الحزين على ما أصاب عزيزة عينيه في اليوم الذي كان منتظرًا أن يكون أسعد لياليها. يجاوره شقيقاه أحمد وصالح يحاولان تهدئته والتخفيف عنه، ويلتف حولهم أنجاله وأبناء عمومته وعبدالله ووالده. تحدث سليم بنبرة صوت متحشرجة حرجة: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته." نظر إليه الجميع ووقف أحمد ونجله زياد.

أسرع أحمد إليه بغضب وكاد أن يقترب منه ليفتك به ويكيل إليه بعض الضربات واللكمات كي يشفي غليله منه. أمسك به عبدالله وزياد وأكرم كي لا يحتد بينهم الحال ويصل للمشاجرة. تحدث أحمد بحدة بالغة وهو يحاول الفكاك من بين أيديهم كي يتجه إليه ويبرحه ضربًا: "يا بجاحتك يا أخي، إنتَ لسه ليك عين تيجي لحد هنا." صاح به صالح الجالس بجانب شقيقه بصوت حاد ناهراً أخاه: "إهدي يا أحمد واقعد وخلينا نتكلم بهدوء، كفاية فضايح."

زفر أحمد بضيق وكتم غيظه وهو ينظر لذلك الواقف بقلب يغلي وينصهر ألمًا وقلقًا على صغيرته، يريد الاطمئنان عليها ولا يبالي بكل ما يجري من حوله، كل ما يشغل باله حاليًا هو الركض إلى داخل غرفتها وسحبها وشق ضلوعه وأدخالها كي يحميها من العالم بأكملها ويمحي عنها أي حزن قد أصاب قلبها الرقيق. تحدث قاسم بتعابير وجه تنم عن مدى خجله:

"أنا حقيقي آسف ومش عارف إيه اللي ممكن يتقال في موقف زي ده يا أستاذ فؤاد، بس لو تسمح لي أشرح لك اللي حصل معانا ومنعنا إننا نيجي القاعة أكون شاكر لك." وقف صالح متحاملًا على حاله وذلك لأجل أن يجدا حلاً معًا وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من تلك الفضيحة التي طالت ابنة أخيه. وتحدث بهدوء وهو يشير بيده للجلوس: "اتفضل اقعد يا قاسم بيه انت والباشمهندس." وأكمل بنبرة حادة:

"واتفضل قول لنا مبرراتكم اللي منعتكم تيجوا الفرح ومن غير حتى ما تعتذروا باتصال وتعرفونا." تنهد قاسم وجلس هو وسليم والمأذون بجانب ذلك الأب الحزين، وبدأ بقص ما حدث معهم من مرض زوجته وبأنهم تركوا هواتفهم من تأثير الصدمة عليهم. وبالطبع لم يذكر أنها مجرد مؤامرة حقيرة من تلك اللعينة معدومة الضمير المسماة بزوجته كي لا يزداد الوضع سوءًا. أردف فؤاد قائلًا بعتاب بعدما استمع لحديث قاسم:

"ولما هو ده فعلاً اللي حصل ما اتصلتوش بينا ليه وبلغتونا يا قاسم بيه، على الأقل ما كناش انتظرنا وشكلنا بقى وحش قوي كده قدام الناس؟ تنهد قاسم وأجاب: "صدقني يا أستاذ فؤاد كل حاجة حصلت بسرعة وكأننا كنا خارج نطاق الزمن." تنهد فؤاد باستسلام وتحدث سليم بصوت هادئ: "من فضلك يا عمي، أنا بستأذن حضرتك في إني أكتب كتابي دلوقتي على فريدة، وبعد كام يوم نبقى نعمل ترتيبات للفرح من جديد، واللي حضرتك عاوزه كله أنا تحت أمرك فيه."

نظر له فؤاد الذي بدا على وجهه الحزن والتعب وتحدث بإنكسار: "فرح إيه اللي عاوزنا نعيده بعد الفضيحة اللي حصلت النهاردة يا باشمهندس، أنا بنتي قعدت في الأوتيل قدام الناس كلها مستنية عريسها اللي معبرهاش يوم فرحها ولا حتى اتصل يعتذر." وأكمل بألم: "وأي ناس اللي هروح أعزمهم تاني، الناس اللي زمانهم بيلسنوا على شرف بنتي وبيألفوا عليها قصص وحكايات." هدر به أحمد قائلًا بحدة:

"قطع لسان اللي يتكلم على بنتنا نص كلمة، بنتنا أشرف من الشرف وكل متأكد من كده." نظر سليم إلى فؤاد وتحدث بهدوء: "كل حاجة هتتصلح يا عمي." هنا قرر قاسم التدخل قائلًا بتعقل: "اسمعني كويس يا أستاذ فؤاد، إللي حصل حصل خلاص." وأكمل بتعقل:

"دلوقتي الكلام والعتاب لا هيقدم ولا هيأخر، أنا شايف إننا نكتب الكتاب وسليم ياخد عروسته للأوتيل اللي حاجز لها فيه ويتراضوا هناك براحتهم، وبكده هنكون خرسنا كل الألسنة اللي بتتكلم، وياسيدي لو على الفرح والناس، بعد أسبوع يكونوا العرسان هديوا ونفسيتهم ارتاحت ونعمله من جديد." أكد صالح على حديثه وكأنه كان ينتظر تلك الكلمات: "عين العقل يا قاسم بيه، كلام حضرتك محترم." وهز أحمد رأسه بتأكيد هو الآخر وتحدث:

"إيه رأيك في الكلام ده يا فؤاد." تنهد فؤاد إليهما وتحدث بهدوء: "أنا معنديش مانع، المهم فريدة هي اللي توافق." وقف سليم وأردف بهدوء: "بعد إذن حضرتك يا عمي ياريت تسمح لي أدخل لها وأبلغها بنفسي." هنا استمع الجميع لصوت فتح الباب بقوة وخروج تلك التعيسة ذات الحظ العاثر بهيئتها المزرية ووجهها الملطخ بالسواد من تأثير الكحل العربي الذي اختلط بدموعها وتحول على وجنتيها وكأنه نهر من السواد الجاري.

نظر لها بقلب يتمزق لسوء حالتها، لثوب زفافها الذي أصبح بحالة مزرية كصاحبته. لعينيها المنتفخة وأنفاها وشفاها الذي كستهم حمرة دموع الحزن والخزلان والقهر.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...