تحميل رواية «جراح الروح» PDF
بقلم روز امين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
دلفت إلى الشركة التي تعمل بها تتحرك على عجل وتوتر. استمعت إلى رنين هاتفها معلنًا عن وصول مكالمة من أحدهم. أخرجته من داخل حقيبتها سريعًا ونظرت لشاشته. ضغطت فوق زر الإجابة وإذ بها تستمع لصوت أحدهم وهو يصيح بتوتر. "أيوة يا فريدة إنتي فين، الاجتماع فاضله دقايق ويبدأ!" تنفست الصعداء بقلق وأجابته بنبرة مطمئنة. "خلاص يا هشام أنا وصلت الشركة وبدخل الأسانسير حالًا، دقيقتين بالظبط وهكون عندك في قاعة الاجتماعات!" دلفت سريعًا إلى المصعد وضغطت زر الإغلاق وبعدها زر الصعود. كل هذا كان يحدث تحت أنظار ذلك الدالف...
رواية جراح الروح الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم روز امين
رواية جراح الروح الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم روز امين
عادت فريدة إلى منزلها بقلبٍ هائمٍ سعيد، يحوم في سماء العشق والغرام، وينتظر غدًا جديدًا مشرقًا مع حبيبٍ طال انتظار لقياه.
وجدت عبدالله يجلس بجانب فؤاد وعايدة ونهلة.
وبعد أن ألقت عليهم التحية وجلست، تحدث إليها عبدالله الذي كان ينتظرها.
"بعد إذنك يا باشمهندسة، كنت حابب أتكلم معاكي في موضوع، ده طبعًا لو تسمحي لي."
نظرت إليه فريدة وابتسمت وأردفت قائلة بأخوة:
"أولاً اسمي فريدة، ولا عاوزني أنا كمان أقول لك يا متر ونقضيها ألقاب؟ وبعدين إنت طول عمرك أخ وسند لينا من أيام ما كنا صغيرين يا عبدالله، ورابط الأخوة ده متانته زادت من بعد خطوبتك لنهلة."
وابتسمت قائلة:
"بالاختصار كده إنت بالذات تقول اللي إنت عاوزه كله!"
تحدث إليها عبدالله ببشاشة وجه:
"تسلمي يا فريدة، وده عشمي فيكي بردوا."
وتحدث فؤاد الذي كان يعلم بالأمر مسبقًا هو وعايدة ونهلة من عبدالله بذاته:
"خدي عبدالله واخرجوا للبلكونة علشان تاخدوا راحتكم في الكلام يا فريدة."
هزت رأسها وأردفت قائلة بطاعة:
"حاضر يا بابا."
وقفت وأشارت بيدها إلى عبدالله باتجاه شرفة المنزل.
وتحدثت نهلة وهي تنوي التحرك إلى المطبخ:
"وأنا هروح أعمل لكم حاجة تشربوها."
تحركت فريدة وجلست مقابل عبدالله الذي بدا على وجهه القلق والتوتر.
ابتسمت فريدة وتحدثت بذكاء وفطانة:
"ده أنت حتى مش عارف تفاتحني في الموضوع يا عبدالله، يبقى إزاي هتقدر تقنعني بيه؟"
وأكملت بدعابة:
"للأسف، المرة دي ما أحسنتش اختيار موكلك!"
هز رأسه وابتسم معجبًا بذكائها وأردف قائلاً:
"أو يمكن يكون موكلي هو اللي ما اختارش المحامي الصح اللي يعرف يدافع عنه!"
ابتسم كلاهما واستكمل هو حديثه قائلاً بهدوء:
"أنا يمكن أكون معنديش ملكة اختيار الكلمات المناسبة للمواقف اللي زي دي، لكن كل اللي أقدر أقوله لك إن هشام فعلاً بيحبك، وجداً كمان."
أجابته بابتسامة ساخرة:
"وهو اللي بيحب واحدة بيخونها وهما مخطوبين يا عبدالله؟ أومال بعد الجواز كان هيعمل فيا إيه؟"
تحمحم عبدالله بإحراج من تساؤلها المقنع وتحدث محاولاً إقناعها:
"بصي يا فريدة، أنا طبعًا ضد اللي هشام عمله ومش معنى إني بتوسط له عندك إني موافق على تصرفه، ولا حتى إني بهون من اللي حصل ومن صدمتك فيه."
وأكمل معللاً:
"بس أنا ما وافقتش أتدخل وأكلمك إلا لما شفت في عيون هشام صدق مشاعره ناحيتك، وكمان الندم اللي ظاهر أوي في صوته ومالي نظرة عينيه."
وأكمل برجاء:
"أديله فرصة يا فريدة، هشام حد كويس ويستاهل فرصة تانية، وكلنا عارفين الكلام ده كويس، هشام من وقت ما خطبك ودخل بينا وعاشرناه لمسنا جواه الطيبة والأخلاق، وأنا واثق بحث المحامي اللي جوايا إن الموضوع وراه مؤامرة زي هشام ما بيقول!"
تنهدت بصدرٍ محملٍ بالأثقال وتحدثت بألم ظهر بملامحها:
"ولو فعلاً الموضوع وراه مؤامرة يا عبدالله، تفتكر إن ده ممكن يكون عذر؟ ويا ترى المؤامرة هي كمان اللي أجبرته على إنه يخوني؟"
وأكملت بمرارة أنثى ذُبحت:
"أنا سمعته بوداني وهو بيتغزل فيها، سمعته وشوفته وهو ماسك إيديها بعيون مغرومة، شفته بنفسي محدش قال لي يا عبدالله!"
كان ينظر لعيونها الحزينة المغيمة بدموع الألم، يبحث داخله عن كلمات تليق بموقفهما هذا يحاول بها إقناعها، ولكن بالنهاية هي على حق.
فلقد دق هشام آخر مسمار بنعش قصتهما معًا.
ولهذا فعليه تحمل نتائج أفعاله الغير محسوبة.
في تلك الأثناء، أتت إليهم نهلة وهي تحمل بيديها كؤوس المشروب.
وقف عبدالله سريعًا وحمل عنها الحامل ووضعه فوق المنضدة البلاستيكية الصغيرة.
نظرت لهما نهلة واستغربت حالتهما، فريدة بعيونها المغيمة بدموع الألم، وملامح وجهها الحزينة، وعبدالله التي ظهر على ملامحه الأسى.
تحدثت وهي تجلس:
"مالكم، فيه إيه؟"
تنهد عبدالله وهو ينظر إليها وأجابها بهدوء:
"مفيش حاجة يا حبيبتي."
تحدثت نهلة التي كانت معترضة من الأساس على تدخل عبدالله:
"أنا قلت لك من الأول بلاش تكلمها يا عبدالله، الموضوع انتهى بالنسبة لفريدة وأنا كمان شايفة كده."
وأكملت بنبرة حادة:
"هشام نهى الموضوع بإيده وأنا بقا شايفة إنه ميستاهلش أي فرصة!"
رمقها عبدالله بنظرة حادة وتحدث بضيق معنفًا إياها:
"وبعدين معاكي يا نهلة، إحنا بنحاول نهدي مش نشعلل الموضوع أكتر، وبعدين هو ده اللي اتفقنا عليه؟"
رمقته نهلة بنفس ذات النظرة وكادت أن تتحدث.
أسكتتها فريدة برجاء:
"أرجوكم يا جماعة متخلونيش أحس بالذنب، مش معقول أول خلاف بينكم هيكون بسببي؟"
زفر عبدالله وأكملت فريدة:
"اهدي يا عبدالله من فضلك، ويا ريت تبلغ موكلك إن قضيته معايا خسرانة، قوله القاضي حكم والحكم اتنفذ وانتهى الأمر."
ثم وقفت وأمسكت كأس مشروبها وتحدثت بابتسامة مرحة:
"أروح أشرب بقا العصير بتاعي جنب ماما وبابا علشان مبقاش عزول."
ونظرت إلى نهلة قائلة بدعابة:
"فكي التكشيرة دي وأفردي وشك يا نانا!"
ابتسمت نهلة واتجهت فريدة إلى والديها.
نظر عبدالله إلى نهلة وتحدث بعيون عاشقة:
"مسكينة فريدة ومعذورة، مش عارفة إننا بقينا لبعض النفس اللي من غيره منقدرش نعيش!"
نظرت إليه بعيون خجلة ووجه يشع احمرارًا من شدة العشق والخجل معًا وتحدثت:
"ربنا يخليك ليا يا عبدالله!"
تنفس براحة وأردف بعيون تطلق قلوب من شدة عشقها:
"ربنا يصبر قلبك على اللي إنت فيه يا عبدالله!"
أما فريدة التي جلست بجانب والديها وأسامة بهدوء، ففهم والديها من ملامح وجهها أن عبدالله لم يستطع إقناعها.
تحدثت على استحياء بعدما نظرت إلى عايدة وأسامة وطلبت منهما العون:
"بابا، كنت حابة أكلم حضرتك في موضوع تغيير فرش البيت، ماما كانت قالت لي إنها أدت لحضرتك فكرة عن الموضوع!"
تغيرت ملامح فؤاد واقشعر وزفر بضيق.
فأكمل أسامة حديث فريدة:
"وغلاوة ماما عندك يا بابا لتوافق، ده الفرش ده من ساعة ما أنا اتولدت، نفسنا نفرح بقا ونجدد أي حاجة في حياتنا!"
"من فلوسي يا أسامة، أجددلكم من حر مالي."
قالها فؤاد بحدة.
فاسترسلت فريدة حديثها بحنان:
"وهو مين اللي عملنا كلنا ووصلنا للي إحنا فيه ده بعد ربنا يا بابا؟"
وأكملت بتأكيد وجبر خاطر:
"مش حضرتك!"
وجهت عايدة حديثها إلى فؤاد برجاء:
"وافق علشان خاطرنا يا فؤاد، أهل عبدالله بييجوا كل شوية، وبكرة فريدة هي كمان تتخطب ويدخل لنا ناس جديدة."
نظر فؤاد إلى فريدة وابتسم لها وأردف قائلاً بدعابة:
"يبقى الباشمهندسة عاملة على شكلها هي بقا؟"
ابتسمت له وتحدثت بتأكيد:
"ولو فرضنا إن ده صح يا عم فؤاد، بردوا هتفضل معترض؟"
أجابها بابتسامة:
"ساعتها الكلام كله هيختلف يا باشمهندسة."
ضحك أسامة وصفق بطفولة وأردف قائلاً بسعادة:
"يعني حضرتك موافق يا بابا؟"
ضحك لهم وهز رأسه بموافقه تحت سعادتهم وتصفيق أسامة وتهليله.
أقبلت عليهم نهلة ويجاورها عبدالله وهما يتسائلان باستغراب عما يحدث.
أخبرهم أسامة وسعدت نهلة كثيرًا بهذا الخبر.
فتحدثت فريدة:
"طالما حضرتك وافقت يا بابا، فأسمح لي أنا هكلم أستاذ إبراهيم وهخليه يأجر لنا الشقة الفاضية اللي تحتنا ننقل فيها حاجتنا، وحضرتك كلم لنا حد ييجي يتمن العفش ده وياخده."
تحدثت عايدة بسعادة:
"وبالمرة يا فؤاد شوف لنا صنايعي ابن حلال يدهن لنا الشقة."
تحدث عبدالله بنبرة حماسية:
"سيبي لي أنا الموضوع ده يا طنط، أنا أعرف نقاش ماشاء الله إيده تتلف في حرير، وكمان سريع وهيسلمك الشقة بسرعة."
كان الجميع يتحدث بسعادة وفرحة وهم يتبادلون المهام بينهم.
فحقًا هذه الطبقة البسيطة يسعدها حتى القليل.
***
في نفس التوقيت، داخل المطعم المتواجد بالأوتيل الذي يسكن به سليم.
يجلس فوق طاولة الطعام ويجاوره علي وحسام يتناولون طعام العشاء سوياً احتفالاً بنجاح خطتهم.
تحدث حسام بانتشاء:
"بس بجد برافوا عليك سليم،"
وأكمل بمداعبة:
"مكنتش أعرف إنك جامد أوي كدة في إقناع الجنس الناعم، ملعوبة، أقنعت الاتنين في لمح البصر، لبنى بأنها تلعب معاك وهي حتى متعرفش اسمك، وبعدها فريدة في إنها تروح تقفش الحزين وهو مدلوق زي الجردل!"
وأكمل بإطراء وإشادة:
"بجد، أرفع لك القبعة يا هندسة، أستاذ!"
ضحك الجميع وتساءل سليم بتخابث:
"وياترى بقا ده زم ولا مدح يا حسام؟"
أجابه بتأكيد:
"مدح طبعًا يا باشا."
تحدث علي بإشادة وإفصاح ناظرًا إلى حسام:
"أومال لو عرفت إنه أقنع فريدة النهاردة وخلاها وافقت على الخطوبة هتقول إيه!"
نظر حسام إلى سليم بذهول وأردف متسائلاً:
"فعلاً؟"
هز سليم رأسه وتنهد براحة تامة وظهرت على ملامحه السعادة وتحدث:
"فعلاً يا حسام، أخيرًا أقنعتها."
ضحك حسام وأردف قائلًا:
"لا ده أنا كده أنحني لك احترام وتقدير."
وأكمل بنبرة قلق اصطنعها بإتقان:
"بس عمتي وعمي قاسم، هتعمل معاهم إيه؟"
أجابه وهو ينظر إلى طبقه ويقطع بسكينه الحاد بعض اللحوم ليتناولها:
"أكيد هقولهم، وبسرعة جدًا كمان علشان ألحق أظبط أموري وأخلص أوراق فريدة الخاصة بالسفر!"
أردف علي قائلاً بتذكير:
"الموضوع كله لازم يخلص قبل ميعاد سفرنا يا سليم، متنساش إن أجازتنا قربت تخلص ولازم نرجع لألمانيا."
هز سليم رأسه وتحدث بطمأنينة:
"متقلقش يا علي، أنا عامل حساب الوقت كويس أوي."
وأكملوا طعامهم وحديثهم معًا وأكملوا سهرتهم.
***
في اليوم التالي، داخل الشركة.
بأجواء مشحونة ووجوه مكتظة، يلتف موظفين الشركة حول المنضدة المتواجدة داخل غرفة الاجتماعات.
حيث هشام الذي يصوب سهام أنظاره الخارقة كالسيوف والتي لو خرجت وتوجهت أنهت على سليم وحولت جسده إلى أشلاء صغيرة!
وتارة ينظر بعيون هائمة نادمة متحسرة، وقلب يلعنه ويلعن غباءه الذي جعله يفقد جوهرته الثمينة بهذه السهولة واليسر!
أما عن نورهان التي تنظر إلى فريدة بقلب يملؤه الحقد والغيرة من صديقة دراستها التي تفوقت عليها وأصبحت تمتلك مكانة مرموقة داخل الشركة وحتى مع سليم في الشركة الألمانية مما جلب لها أموالًا تراها نورهان هي الأولى والأحق بها!
وأيضًا نجوى التي تحقد على فريدة وذلك لنظرات سليم الخاطفة لها والتي لم يلاحظها سواها ويرجع ذلك لذكاء سليم وتحفظه على أن لا يظهر مشاعره للإعلان، بسبب مهنيته في عمله، فكم تمنت هي تلك النظرات لحالها، وأيضًا منصبها بجواره الذي كان سيزيد من الوصل أكثر وأكثر.
وفريدة التي تشعر بالاختناق من مجرد تواجدها مع ذلك الخائن بغرفة واحدة، كلما نظرت إليه أو استمعت لنبرة صوته تذكرت صوته الهائم وهو يمدح بجمال تلك اللبنى ويطعنها بأنوثتها وكبريائها، نعم تعلم أن سليم وراء ما حدث، لكن ذلك لم يعفِ هشام من الخيانة وهي التي وثقت به وتوسمت به الخير!
وسليم الذي يشعر بغيرة رجولية تأكل داخله وتنهشه دون رحمة من مجرد نظرات ذلك اللزج لحبيبته وامرأته الوحيدة، زوجته المستقبلية!
أما عن علي الذي يجلس مرتخيًا وهو يشاهد بمرح واستمتاع وكأنه يشاهد فيلمًا صامتًا لوجوه معبرة تؤدي عملها بإتقان رائع!
انتهى الاجتماع الذي اتسم بعدم التركيز وكانت معظم كلماته ما بين، "نعم،" "حضرتك تقصدني أنا بالكلام ده يا أفندم،" "معلش ما كنتش واخد بالي،" "لو بعد إذنك تعيد عليا تاني اللي مطلوب مني لأني مفهمتش كويس!"
مما جعل فايز كاد أن يفقد أعصابه ويقتلع شعر رأسه من هؤلاء التائهون ذوات العقول المشتتة الذين سيصيبونه بذبحة صدرية لا محال!
تحرك الجميع وكادوا أن يهموا للخروج إلى أن استمعوا لصوت فايز وهو يتحدث:
"فريدة وهشام، استنوا لو سمحتم عاوزكم في موضوع خاص!"
خرج الجميع عدا سليم الذي التفت إلى فايز بملامح جامدة وعيون كالصقر وتحدث دون إدراك:
"ياريت وقت تاني يا فايز بيه لأني محتاج الباشمهندسة ضروري في شغل خاص بمنصبها الجديد كمستشارة!"
وَد هشام أن ينقض عليه كالأسد الذي ينقض على فريسته ويلكمه حتى يوقعه أرضًا!
نظر له فايز وتحدث باستئذان:
"معلش يا باشمهندس، صدقني الموضوع ضروري ومش هياخد أكتر من ربع ساعة وبعدها الباشمهندسة هتكون تحت أمر سيادتك!"
نظر له سليم باقتضاب مما جعل الرعب يدب في أوصال فايز حتى أنه كاد أن يتراجع لولا نظرات فريدة المطمئنة لسليم!
والذي تحدث بعدها بهدوء وطمأنينة:
"تمام يا فايز بيه، بس ياريت بسرعة!"
خرج سليم وأشار فايز إلى إثنتيهم قائلاً بهدوء:
"اتفضلوا يا أولاد اقعدوا."
بعد الجلوس تحدث:
"أنتم طبعًا عارفين ومتأكدين انتوا قد إيه غالين عليا وإني بعزكم زي إخواتي الصغيرين بالظبط،"
وأكمل بأسف وهو يهز رأسه:
"أنا حقيقي انصدمت لما عرفت من نورهان إنكم فشكلتم خطوبتكم، وأنا كأخ ليكم بقولكم إني مش مبسوط ولا موافق على القرار ده."
وأكمل بطريقة ساخرة لينتهي خلافهما بطريقة لطيفة:
"فعلشان كده ومن غير ما ندخل في تفاصيل كتير، أنا قررت إنكم ترجعوا لبعض وحالاً!"
ابتسم له هشام وأردف قائلاً بحماس وعيون عاشقة تنظر لعيناها:
"وأنا موافق جدًا على قرار حضرتك ده يا باشمهندس!"
نظر فايز إلى فريدة التي اكتظت ملامحها بالغضب وتحدث هو:
"أوكي يا فريدة؟"
تنهدت بهدوء وتحدثت بلباقة تجيدها:
"أكيد حضرتك عارف معزتك ودرجة احترامي لشخصك قد إيه، بس أنا فعلاً آسفة جدًا ويعز عليا إني أرفض لحضرتك طلب، بس الحقيقة أنا وأستاذ هشام طرقنا اتقطعت واختلفت الاتجاهات، وحقيقي موضوعنا انتهى بالنسبة لي وبدون رجعة!"
وأكمل:
"ربنا يسهل له ويسعده مع حد غيرك."
كان يستمع لها بقلب يتمزق ألمًا وندمًا وعيون تطلب الصفح والمغفرة والرحمة لقلبٍ أضناه الهوى، ولكن هيهات فهي لم تعطِه حتى فرصة النظر لعيناها!
تنهد فايز وتحدث برجاء:
"طب علشان خاطري ادي لنفسك فرصة تفكري."
أجابته وهي تقف وتجمع أشياءها بعملية:
"خاطرك غالي عندي جدًا يا باشمهندس، وعشان كده مش هقدر أخدعك وأقول لك هفكر وأنا من جوايا حاسمة قراري!"
وتحدثت ناهية الحوار:
"لو تسمح لي أستأذن علشان عندي شغل كتير ومحتاج يخلص النهاردة!"
سمح لها فايز بالمغادرة بعدما رأى إصرارها لعدم العودة مرة أخرى.
بعد خروجها وجه فايز حديثه إلى ذلك الجالس بحزن كمن توفي له عزيز في التو واللحظة:
"إنت هببت إيه للبت خلاها مش طايقة تبص في وشك كده؟ عملت إيه يا حزين؟"
ثم أكمل متسائلاً:
"الموضوع فيه ستات يلاَ، صح؟"
تنهد هشام وتحدث مفسرًا:
"أيوة، ومن غير الخوض في تفاصيل صدقني يا أفندم لعبة واتلعبت عليا."
قهقه فايز عاليًا وتحدث ساخرًا:
"وبادئها بدري كده ليه يا دنجوان عصرك، العط ده بيبقى بعد الجواز يا مغفل، مش قبله!"
***
دلفت إلى مكتبها وكادت أن تجلس إلى أن استمعت لطرقات قوية فوق الباب.
سمحت لطارقها ودلف هو سريعًا حينما استمع السماح له.
وقف ينظر إليها وتساءل بعيون غاضبة فلم يعد لديه القدرة على السيطرة على حاله وغضبه:
"البيّه المحترم طبعًا كان عايزكم علشان يحاول يخليكي تتراجعي في قرارك، صح؟"
تنهدت بأسى وهي ترى حالته وغضبه الثائر وتحدثت لتهدئته:
"ممكن تهدي علشان خاطري، صدقني مفيش حاجة تستاهل غضبك ده كله!"
رد عليها بضيق:
"بتطلبي مني أهدي إزاي وهو لسه بيحاول يخليكي تتراجعي عن قرارك؟"
تحركت من مكانها ووقفت أمامه ونظرت داخل عينيه بابتسامة ساحرة حاولت بها امتصاص غضبه وبالفعل استطاعت فعلها وبجدارة.
ثم تحدثت بصوت حنون خدر جميع حواسه وجعله يشعر بالهدوء والسكينة:
"سليم، أنا قلبي اختار ومن زمان أوي، صدقني الموضوع مش مستاهل قلقك ده كله،"
وأكملت بابتسامة عاشقة:
"قلبي وملكته، وروحي وفؤادي بقوا ملك إيديك، عاوز إيه تاني علشان تهدي؟"
"حضنك،" قالها بعيون متمنية، متيمة وعاشقة.
وأكمل بهيام:
"نفسي أستكين جوة حضنك وترتاح روحي يا فريدة، نفسي أغمض عيوني وأفتحهم ألاقيقي بقيتي مراتي ومنورة حياتي وبيتي، ساعتها بس هرتاح وأهدي!"
أنزلت عيناها خجلًا وابتسمت بوجنتيها التي أصبحت بحمرة ثمرة التفاح الناضجة التي وجب الاستمتاع بقضمها والتمتع بلذاتها.
وتحدثت بهدوء:
"إن شاء الله هيحصل يا سليم، بس لحد ميحصل أرجوك اصبر ومتحاولش تحتك بهشام بأي شكل من الأشكال."
زفر هو بضيق فأكملت هي بنبرة حنون امتصت بها غضبه:
"علشان خاطر فريدة أعمل كده!"
انتفض جسده بالكامل وتحدث كالمسحور:
"علشان خاطر فريدة سليم يعمل أي حاجة في الكون!"
***
كانت تخرج من المرحاض الخاص بالشركة.
تتحرك داخل رواق الشركة عائدة إلى المختبر التي تعمل به تحت إشراف دكتور محمود.
وجدته أمامها، كان يتجول داخل الشركة ليتابع سير العمل كعادته ولكن بذهن شارد حزين، وذلك لعدم استطاعته لرؤيته لمن احتلت قلعته العالية.
فقد تغيبت عن الشركة منذ يومان لمتابعة محاضراتها الخاصة بكليتها.
ولقد ذهب منذ القليل إلى المعمل ليراها ويشبع عينيه منها متعللاً بمتابعة سير العمل، ولكنه أحبط حين لم يجدها وظن أنها لم تأت اليوم أيضًا.
وبلحظة تسمر ونظر أمامه بعيون جاحظة مندهشة من رؤية ملاكه البريء التي طلت كشمس ساطعة أنارت ظلمة حياته السابقة.
تعالت دقات قلبه بوتيرة سريعة معلنة عن عشقه المؤكد لذلك الملاك البريء.
نظر لها حتى يشبع عينيه ويكحلها برؤيتها البهية، فقد اشتاق رؤياها وأصابه غيابها بالجنون.
انتفض قلبها حين رأته وهو يتجه إليها بالطريق المعاكس.
تنفست بوتيرة سريعة وانتظرت توبيخها على يده كالعادة، ولكنها تفاجأت من ذلك الذي قطع طريقها ووقف مقابلًا لها بابتسامة جعلتها تقسم داخلها أنها أجمل ابتسامة رأتها بعينيها لأكثر رجل وسيم بالعالم.
نظر لها وتحدث بابتسامة جذابة خرجت عفوًا عنه ولم يستطع التحكم بها:
"أزيك يا دكتورة؟"
نظرت إليه بتعجب وأردفت قائلة بهدوء وحذر:
"الحمد لله يا دكتور."
وكادت أن تتحرك ماضية بطريقها أوقفها بصوته المهتم:
"دكتورة ريم."
نظرت له غير مصدقة لاستماعها لحروف اسمها بكل ذلك الهمس الذي حرك داخلها فأكمل هو تساؤلاً:
"ياترى مرتاحة في شغلك مع دكتور محمود؟"
تحدثت باستغراب:
"الحمد لله، دكتور محمود مرن جدًا في شغله وصدره رحب وكلنا بنتعلم منه."
استرسل حديثه باهتمام بعثر داخلها وجعلها تتهاوى بوقفتها:
"لو احتجتي أي حاجة بخصوص شغلك هنا أنا تحت أمرك."
أجابته بصوت رقيق هز كيانه وزلزله:
"متشكرة يا دكتور."
فأكمل هو ليطيل معها الحديث:
"على فكرة، خط الإنتاج الجديد الخاص بتجربتك هينزل السوق من أول الشهر الجاي، مبروك."
نظرت له بسعادة وعيون مشرقة وأردفت قائلة:
"متشكرة يا دكتور."
نظر داخل عينيها وتاه داخلهما وتحدث وكأنه مسلوب الإرادة:
"دكتورة ريم، أنا آسف على كل حاجة حصلت مني الفترة اللي فاتت وضايقتك مني."
مالت رأسها وهي تنظر له باندهاش فأبتسم هو وأكمل:
"أنا عارف إنك مستغربة كلامي، بس أنا حسيت إني زودتها معاكِ واكتشفت إنك إنسانة محترمة وتستحقي التقدير، فحسيت إني مدين ليكِ باعتذار."
وأكمل:
"وأرجوكِ لو احتجتي لأي حاجة متتردديش في إنك تيجي لي المكتب وأنا أكيد هوفر لك أي حاجة أو أي استشارة تحتاجي لها."
ابتسمت بسعادة وتحدثت برقة:
"أنا متشكرة جدًا يا دكتور، وحقيقي مش قادرة أوصف لك مدى سعادتي من كلام حضرتك."
نظر داخل عينيها وتاه في بحرهما العميق وتحدثت هي بانسحاب هاربة من سحر عينيه وتأثيرهما الهائل عليها:
"بعد إذن حضرتك."
وقف ينظر إلى طيفها بشرود إلى أن اختفت للداخل.
تنفس بارتياح وشعر بسعادة لم يشعر بمثلها من ذي قبل.
ثم تحرك عائدًا إلى مكتبه بقلب طائر.
***
في اليوم التالي، داخل إحدى الكافيهات.
كان يجلس قاسم بمقابل ولده وهما يحتسيان مشروبهما المفضل، وهي القهوة لا غير.
كان ينظر لأبيه بتدقيق راصدًا ردة فعله على حديثه الذي أبلغه إياه منذ قليل.
طال صمت قاسم ناظرًا إلى فنجان قهوته بشرود، ثم تنهد وتحدث بهدوء وتأمل:
"هو إحنا مش اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده وقفلناه يا سليم؟"
أجابه سليم بتذكير:
"إحنا فعلاً اتكلمنا في الموضوع ده يا بابا لكن لا قفلناه ولا حتى اتكلمنا فيه بالعقل، إحنا اتخانقنا لو حضرتك تفتكر!"
تنهد قاسم وتحدث باستسلام:
"عاوز إيه يا سليم؟"
نظر لداخل عينيه يستنبط من داخلهما تعاطفه معه وشعوره به وتحمله المسؤولية كوالد له.
وأردف قائلاً بهدوء واستعطاف:
"عاوزك تفهمني وتقدر حالة قلبي العاشق، عاوزك تحس بيا كراجل قبل ما تكون أب،"
وأكمل بتفسير:
"أنا كلمت حضرتك واتقابلنا بعيد عن البيت علشان نتكلم مع بعض راجل لراجل ومتأكد إنك هتفهمني!"
واسترسل حديثه بأسف:
"وصدقني يا بابا أنا لو أقدر أبعد عن فريدة علشان أرضيكم مكنتش اترددت لحظة واحدة."
ثم رفع كتفيه باستسلام وتحدث بصوت ضعيف مهزوم يبكي الحجر:
"بس مش بإيدي، والله ما بإيدي، فريدة بقت بتجري في دمي يا بابا، وفكرة إني أكمل حياتي من غيرها أصبحت مستحيلة."
نظر قاسم إلى ولده بقلب نازف وشعور الخزي يدمي قلبه على ما فعله بولده الوحيد.
فأكمل سليم مستغلًا حالة والده مدغدغًا لمشاعره:
"قولت إيه يا بابا، هتقف معايا علشان أحقق حلمي وأقدر أضم حبيبتي في حضني؟"
أخذ نفسًا عميقًا ثم أخرجه بهدوء وأبتسم بخفة قائلاً بصوت حنون:
"معنديش غيرك علشان أقف معاه وأساندة يا سليم!"
انتعش داخله من شدة سعادته وأمسك يد والده الموضوعة فوق المنضدة وقبلها بسعادة وتحدث:
"كنت متأكد إن حضرتك هتفهمني وتقف معايا!"
تحدث قاسم بهدوء:
"مش عاوزك تتفائل أوي كده يا سليم، للأسف أمال مش هتسكت وهتولع الدنيا، علشان كده لازم تكون عارف إنك هتفتح على نفسك أبواب جهنم ولازم تكون جاهز لها كويس،"
ثم أكمل مطمئنًا له بابتسامة حانية:
"بس مش عاوزك تقلق، من النهاردة أبوك هيكون في ظهرك ومش هيتخلي عنك تاني أبدًا!"
ابتسم لوالده وتحدث بإطراء:
"ربنا يبارك لي فيك يا حبيبي، وأنا مش عاوز غيرك جنبي!"
***
داخل منزل عزمي.
تحدثت ندي بضيق إلى والدتها:
"وبعدين يا ست ماما، إنتي هتفضلي قاعدة تتفرجي عليا كده وسليم إجازته قربت تخلص؟"
ردت سميرة باقتضاب وتساءلت:
"وأنا في إيدي إيه أعمله ومعملتوش يا ندي؟"
أجابتها ندي:
"اعزميه على العشا زي ما وعدتيني وسيبي الباقي عليا لما ييجي هنا، أنا هعرف أشغله."
زفرت سميرة بضيق وتحدثت:
"هو أنا عارفة أوصل له هو ولا الحرباية عمتك علشان أعزمهم؟ ده الست قليلة الذوق بكلمها امبارح وبقولها هاجي أقعد معاكي شوية أنا وندي، تخيلي ترد عليا وتقولي إيه؟"
قالت لي بكل عنتظه، وتحدثت بصوت مقلد ساخرًا:
"سوري يا سميرة، أصلي معزومة على العشا في بيت مستشار في القضاء صديق لقاسم، وأنا حاليًا عند الكوافير ومش فاضية، خليها وقت تاني!"
وأكملت بغضب شديد:
"الله يرحم أمها عديلة اللي كانت لما تغسل وشها بالصابونة النابلسي تعمل فرح."
تأففت ندي ودبت بأرجلها على الأرض وتحدثت باعتراض:
"أنا مليش دعوة بالكلام ده كله، انسوا لي مشاكلكم إنتِ وعمتي واركنيها على جنب وتتفضلي تعزميهم هنا في أقرب وقت، ما أنا مش هفضل قاعدة مستنية لحد ما ألاقي سليم إجازته خلصت وراجع لألمانيا من غيري!"
زفرت سميرة وتحدثت بضيق:
"ما هو لو الغبي اللي اسمه حسام يرضى يساعدنا كان الموضوع بقى أسهل كتير، بس المغفل خايف من الحرباية وبنتها ليغضبوا عليه!"
أجابتها ندي بغضب:
"حسام ده أكبر أناني ومبيفكرش غير في نفسه وفي مصلحته وبس، وعشان كده لازم نفكر في حل يكون بعيد عنه!"
***
عصرًا داخل منزل فؤاد.
تحركت فريدة من غرفتها متوجهة إلى المطبخ تبحث عن والدتها بعد أن جفاها النوم بسبب التفكير.
وجدتها تجلس حول الطاولة تصنع لنفسها قدحًا من القهوة على ذلك المشعل الصغير المسمى بـ (السبرتاية).
فاتجهت إليها وتحدثت بمرح ودعابة:
"يامزاجك العالي يا عايدة هانم، حضرتك بتستغلي إن البيت كله نايم وقاعدة تعملي قهوتك بمزاج على السبرتايه؟"
ضحكت عايدة وتحدثت وهي تفرغ ما بداخل الكنكة داخل القدح المخصص لها وتتناوله إلى فريدة التي جلست قبالتها:
"لاقيتكم كلكم نايمين وأنا قاعدة لوحدي، قولت أدلع نفسي وأشرب لي فنجان قهوة بمزاج."
وبدأت في الشروع في صنع قدح لها.
أمسكت فريدة قدح القهوة وقربته من أنفها ثم أغمضت عينيها وبدأت تشم رائحته المنعشة بإستمتاع ومزاج تام.
ارتشفت منه وتذوقته وأفتحت عينيها قائلة:
"تسلم إيدك يا ماما!"
أجابتها عايدة بذكاء:
"بالهنا والشفا، ها، مش هتقولي لي إيه اللي مطير النوم من عينك ومخليكي راجعة من برة الضحكة مالية وشك ومنوراه؟"
ابتسمت على ذكاء تلك السيدة البسيطة التي تمتلك من البصيرة ما لم يمتلكه غيرها من أصحاب أعلى الشهادات.
أخذت نفسًا عميقًا وصارحت والدتها:
"أنا جايه عشان فعلاً أحكي لك يا ماما."
أخذت نفسًا عميقًا وتحدثت:
"لما روحت لأسما إمبارح لقيت سليم مستنيني هناك، هو اللي كان مخطط للمقابلة."
نظرت لعيناي والدتها وتحدثت بترقب:
"سليم عرض عليا الجواز يا ماما!"
تنهدت عايدة ونظرت لابنتها بملامح مبهمة وتحدثت:
"وإنتِ رديتي عليه وقولتي له إيه؟"
نظرت فريدة لوالدتها وصمتت فتحدثت عايدة بنبرة ملامة:
"موافقة يا فريدة؟"
"بعد كل الإهانات اللي سمعتيها من أمه ليكي وليا موافقة كده عادي؟"
وأكملت بتفسير:
"أنا مرضيتش أحاسب سليم على كلام أمه لما جه يعتذر لإنه كان في بيتي، وبرغم إني عارفة ومتأكدة إنه جاي من نفسه وإنها متعرفش حاجة عن الزيارة دي بس عديت الموضوع بمزاجي علشان ما يصحش أضايقه وهو في بيتي،"
وأكملت باعتراض:
"بس متوصلش إنك توافقي على الجواز منه، إنتي غالية أوي يا فريدة، علشان كده لازم اللي يطلبك أهله قبل منه يكونوا شايفينك ملكة وأعلى من ابنهم كمان ومرحبين بيكِ وسطهم."
وأكملت بنبرة معترضة:
"ده غير اللي اسمه سليم ده كمان واللي عمله فيكِ زمان، إيه، نسيتي إنه سابك وغدر بيكِ بعد ما علق قلبك بيه؟"
نظرت لها بعيون مطالبة بالشعور بقلبها العاشق وتحدثت:
"أنا بحب سليم يا ماما وعمري ما قدرت أنساه، حاولت والله بس غصب عني ما قدرت."
وأكملت بمبرر:
"ولو على أمه سليم وعدني إنه مش هيسمح لها تتدخل في حياتنا أبدًا، ده غير إنه هياخدني معاه ألمانيا ونعيش هناك، وبكده هكون مرتاحة أكتر، أول حاجة هكون مع الإنسان اللي بحبه وبتمناه، وكمان هكبر في شغلي وأحقق كل أحلامي وأنا معاه!"
تنهدت عايدة بمرارة وتحدثت:
"أنا خايفة عليكي يا فريدة!"
أجابتها بنبرة مترجية:
"أرجوكي يا ماما افهميني وقفي جنبي، أنا حاولت أنسي سليم والله بس قلبي كان أقوى مني ومن إرادتي."
تنهدت عايدة وتساءلت:
"والبيه بقا قال لك هييجي إمتى يخطبك؟"
تهللت أساريرها وتحدثت سريعًا:
"لو عليه كان عاوز ييجي بعد يومين يتقدم لي، بس أنا أقنعته إنه يستنى كمان أسبوعين علشان يكون عدى وقت كفاية على موضوع هشام."
ثم تساءلت بترقب:
"قولتي إيه يا ماما؟"
تنهدت عايدة بقلق وتحدثت:
"لله الأمر من قبل ومن بعد، ربنا يستر وأبوكي ما ياخدش باله ويفتكر أمه لما كانت هنا."
أجابتها فريدة بطمأنة:
"هو بابا كان لحق شافها يا ماما، إن شاء الله مش هيفتكرها!"
نظرت عايدة لسعادة ابنتها التي لأول مرة تراها عليها، وتنهدت بقلب محمل بأثقال الهموم من ما هو آت والتي تستشعره بقلب الأم.
***
داخل منزل قاسم الدمنهوري.
كان الصمت يعم أرجاء المكان بعدما أبلغ والدته وشقيقته أنه قرر وانتوى الزواج من فريدة وذلك قبل موعد انتهاء الإجازة المحددة له.
جلس يترقب وجه والدته التي تنظر إليه بنظرات مبهمة لم يستطع تفسيرها رغم ذكائه الخارق.
اعتدلت بجلستها وحولت بصرها إلى قاسم وأردفت قائلة بجمود:
"وإنتَ موافق على الكلام ده؟"
نظر إليها قاسم وتحدث بتعقل وهدوء:
"دي حياته وهو أكتر واحد يقدر يحدد ويعرف هو عاوز إيه، وفي النهاية ابنك راجل ويمتلك عقل يؤهله على صحة الاختيار، وهو اختار اللي شايف وحاسس إنها هتسعده،"
وأكمل بحديث ذو مغزى يدل على موافقته:
"وإحنا ما علينا إلا إننا نبارك الاختيار ده ونتمنى له السعادة مع اللي اختارها قلبه!"
نظرت ريم إلى والدتها تترقب إجابتها بفارغ الصبر.
صمتت والكل يترقب جوابها.
أطالت النظر إلى سليم بنظرات غامضة مبهمة.
ثم تحدثت إليه قائلة:
"إنتَ جاي تبلغني بقرارك ليه وإنتَ عارف ومتأكد رفضي للموضوع ده يا سليم؟"
نظر لها بحب وتحدث بصوت حنون مترجي:
"مش عاوز أبدأ حياتي مع الإنسانة الوحيدة اللي اختارها قلبي من غير رضاكِ يا أمي، عندي أمل إنك تسعدي قلبي وتمني عليا بموافقتك ومباركتك."
وأكمل برجاء:
"أرجوكي يا أمي، لو فعلًا تهمك سعادتي وافقي، لو سمحتي!"
تحدثت ريم باستعطاف لقلب والدتها:
"وافقي يا مامي علشان خاطر سليم، من فضلك!"
صمت رهيب ولحظات تمر كأعوام على الجميع.
نظرت إلى سليم وتحدثت بابتسامة خفيفة:
"مبروك يا سليم!"
نظر لها قاسم مضيقًا عينيه بتشكيك غير مستوعب لما استمعه من شريكة حياته التي يعرفها جيدًا عن ظهر قلب.
أما سليم الذي وقف وتحرك إلى والدته غير مصدقًا لما استمعته أذناه للتو وهو يسألها بلهفة:
"فعلاً وافقتي يا أمي؟"
وبدأ يكيلها وابلًا من القبلات المتفرقة، تارة فوق جبهتها وتارة فوق وجنتيها وتارة أخرى فوق يديها!
ملست على رأس ولدها بحنان وأردفت قائلة بتأكيد:
"أيوة يا سليم موافقة، في النهاية أنا هعوز إيه من الدنيا غير إني أشوفك سعيد إنتَ وأختك."
وأكملت بتعالٍ:
"أنا طبعًا كنت بتمنى لك واحدة تليق بمقامك وتتباهي بيها وبأهلها قدام الناس، بس طالما ده اختيارك وقرارك يبقى مفيش في إيدي حاجة تانية غير إني أوافق وأنساق لرغبتك."
تحدث سليم بابتسامة سعيدة:
"صدقيني يا أمي فريدة أحسن بنت في الدنيا وتشرف أي حد، وأنا متأكد إنك لما تعرفيها وتعاشريها هتحبيها جدًا وبكرة هفكرك!"
صدقت ريم بانتشاء على حديث شقيقها:
"سليم عنده حق يا مامي، فعلاً لما تشوفي فريدة وتتعاملي معاها هتحبيها جدًا."
هزت رأسها بإيماء وابتسامة خفيفة ثم غيرت مجرى الحديث عن عمد:
"وإنتَ بقا هتفضل قاعد لي في الأوتيلات كده كتير؟"
وأكملت بنبرة ملامة:
"أنا حقيقي يا سليم مصدومة ومش قادرة أستوعب تفكيرك ولا متقبلاه، معقولة كل ما نختلف في الرأي على حاجة تروح سايب البيت وجري على الأوتيل؟"
نظر إليها وتحدث:
"هو أنا يعني بروح الأوتيل ليه يا ماما، مش علشان أمنع دايرة الخلاف اللي ما بينا من إنها تكبر وتوسع، بدي لنفسي وليكم فرصة ناخد فيها هدنة نفكر فيها بعقل ونراجع قراراتنا وكلامنا."
ثم ابتسم لها وأردف قائلاً ليرضيها:
"على العموم أنا هبات هنا النهاردة وبكرة إن شاء الله هروح الأوتيل أعمل Check out وأجيب حاجتي."
ابتسمت له برضا وأكملت ريم بسعادة:
"طب ممكن بقا تاخدني معاك وإنتَ رايح بكرة تجيب حاجتك، علشان بصراحة كده طمعانة في إنك تعزمني على الغدا في مطعم الأوتيل، الأكل هناك تحفة وعجبني جدًا وحابه أكرر التجربة!"
ابتسم لشقيقته وأجابها:
"بس كده، إنتِ تؤمري يا قلبي!"
ابتسمت بدلال وأردفت:
"ربنا يخليك ليا يا حبيبي."
وجلسا يتسامرون ويضحكون بسعادة تحت سعادة سليم وحديثه عن تخطيطاته لزفافه المنتظر الذي طال انتظاره.
------------------
بعد مدة، دلف قاسم إلى غرفة نومه ووقف ينظر بترقب إلى تلك الجالسة أمام مرآتها.
سألها بنبرة مشككة:
"إنتِ فعلًا وافقتي على جواز سليم من فريدة؟"
لم تكلف حالها عناء النظر لوجهه وأجابته باقتضاب:
"ما أنتَ سامعني وأنا بقول لإبنك إني موافقة يا قاسم!"
نظر لها بتشكيك وأردف قائلاً:
"عاوزة تقنعيني إن بعد كل اللي عملتيه طول السنين اللي فاتت دي علشان تبعدي ابنك عن البنت، تيجي النهاردة وتوافقي كده بمنتهى السهولة؟ مش عارف ليه مش مقتنع بموافقتك دي يا أمال، ويا ريت تخيبي لي ظني ومتكونيش بتخططي لحاجة كده ولا كده، ساعتها صدقيني هتخسري ابنك وللأبد!"
أجابته دون النظر إليه وهي تضع بعضًا من الكريمات المرطبة فوق يديها وتدلكهما بعناية:
"أنا لا بخطط ولا بتكتك يا قاسم، كل الحكاية إني اتأكدت إن سليم هينفذ اللي هو عاوزه مهما اعترضت ولا رفضت، فحبيت أريح دماغي وأسيبه يجرب بنفسه!"
ونظرت إليه وهي تتساءل باعتراض:
"ثم أنا مش فاهمة إنتَ مستغرب أوي كده ليه، إذا كنتَ إنتَ نفسك وافقت بسهولة بعد ما كنتَ معترض؟ تفرق إيه موافقتك من موافقتي مش فاهمه؟"
أجابها باعتراض وتشكيك:
"لااااا، تفرق كتير أوي يا أمال، أنا اعتراضي بنيته بناءً على رأيك إنتِ شخصيًا، إنتِ اللي أقنعتيني إن لا البنت ولا أهلها يليقوا بسليم، وإن سليم يستاهل فرصة أحسن من دي بكتير."
وأكمل بإطراء:
"بس بصراحة لما شفت البنت ولقيتها قد إيه محترمة وذكية وجميلة وكمان لبقة، وقتها بس اتأكدت إن اللي يربي التربية الحسنة دي لازم يكونوا ناس محترمين ويستحقوا التقدير."
وأكمل بلوم لحاله قبلها:
"ده غير الحسرة والألم اللي شفتهم في عيون ابني لما كانت البنت واقفة مع خطيبها وباين عليهم الانسجام، ساعتها بس احتقرت نفسي وصغرت أوي في عيني، واتأكدت إني مكنتش الأب الداعم لابني. علشان كده أول ما ربنا بعت لي الفرصة إني أصلح غلطي في حق سليم مترددتش لحظة واحدة!"
ابتسمت له بخفة وأردفت قائلة بجمود وهي تتحرك إلى التخت:
"وهو ده اللي حصل معايا بالظبط يا قاسم، أنا كمان فكرت في راحة ابني وسعادته!"
تمددت فوق تختها ودثرت حالها تحت غطائها وتحدثت بابتسامة سمجة منهية الحديث:
"تصبح على خير يا قاسم!"
وقف يتطلع عليها بشرود وتيه من أمرها العجيب وهدوئها الذي يراها عليه ولأول مرة، والذي يشبه هدوء ما قبل العاصفة!
هل وافقت أمال بتلك السهولة على زيجة ابنها من فريدة؟ أم أنها تستعد للتخطيط لشيء ما لا يعلمه سوى الله وسواها؟
رواية جراح الروح الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم روز امين
بعد يومين داخل الشركة
كان يجلس داخل مكتبه حزينًا، شارداً بحاله وما وصل إليه بسبب غبائه ووقوعه بذلك الفخ الذي نُصب إليه من ذلك اللئيم الذي استغل ضعف ابنة خالته الساذجة وغرامها له.
استمع لطرقات خفيفة فوق الباب، سمح للطارق بالدخول.
فتُح الباب وطلت منه نورهان بوجه بائس وتحدثت:
"إزيك يا هشام؟"
تفاجأ هشام بوجودها وتحدث بصوت بائس:
"أهلاً يا نور، اتفضلي اقعدي."
تحركت وجلست بمقابل جلسته وتحدثت:
"مفيش جديد في موضوع فريدة؟"
تنهد بأسى وأجابها:
"للأسف يا نور، فريدة قفلت كل البيبان اللي كانت ممكن توصلنا لبعض تاني."
تساءلت بنبرة حادة:
"وانت هتستسلم وتسكت على كده يا هشام؟"
أجابها بأسى:
"وأنا في إيدي إيه أعمله أكتر من اللي عملته يا نور، خلصت خلاص."
أجابته بحدة ونبرة حقودة:
"فيك كتير طبعاً، بص يا هشام، أنا هقول لك على اللي هيعزز موقفك ويقويه قدام فريدة ويقلب الموازين كلها لصالحك."
نظر لها مضيقًا عينيه باستغراب وتساءل باهتمام:
"تقصدي إيه بكلامك ده يا نور؟"
تحدثت بتخابث وحقد دفين:
"أقصد فريدة هانم اللي جاية بكل بجاحة تحاسبك على إنك كنت قاعد مع لبنى حبيبتك القديمة، وهي نفسها عملت ده قبلك عشرات المرات، بس الفرق بينك وبينها إنها عرفت وظبطتك."
ضيق عينيه باستغراب متسائلاً:
"إنتِ عرفتي منين موضوع لبنى يا نور؟ فريدة هي اللي قالت لك؟"
ارتبكت بجلستها وتحدثت بارتباك:
"مش مهم عرفت منين يا هشام، خلينا في المهم، هي فريدة قالت لك قبل كده إنها كانت عايشة قصة حب هي وسليم الدمنهوري لما كان بيدرس لنا في الكلية؟"
جحظت عيناه من هول ما استمع من تلك الحرباء المتلونة وتحدث بتيه ووحدة:
"إيه الكلام الفارغ اللي بتقوليه ده يا نور؟"
وأكمل رافضًا التصديق:
"فريدة، لا طبعاً، أنا لا يمكن أصدق على فريدة الكلام الفارغ ده."
أجابته بنبرة شيطانية:
"لازم تصدق يا هشام، أنا كنت صاحبتها وشاهدة على قصة حبهم دي، مش بس أنا، دي الجامعة كلها كانت شاهدة، بس اللي أنا مستغربه هو إزاي فريدة ما تبلغكش بموضوع مهم زي ده؟"
وأكملت بنبرة ساخرة:
"أومال عامله لي فيها متدينة وبتاعة ربنا إزاي، هو مش ده يعتبر غش برضه؟"
قور يده ودق بها المكتب وتحدث بنبرة غاضبة:
"كده ظهرت الرؤية، أنا كده عرفت إيه سبب ارتباكها الدايم كل ما كانت تشوف البيه، وعرفت إيه سبب نظراته وضيقته لما كان بيشوفها معايا، عمري ما ارتحت له ولا ارتحت لنظرة عينه ليها."
أكملت تلك نورهان بنبرة شيطانية لتزيد من حقد ذلك الغاضب على فريدة:
"بس المفروض ومن الأمانة إنها كانت تقول لك، وخصوصًا إنها كانت طول الوقت معاه في مكتبه ومقفول عليهم باب واحد."
وأكملت بنبرة تشكيكية:
"ويا عالم، إيه اللي كان بيحصل بينهم جوة؟"
احتدمت ملامح هشام واحتقنت بحدة بالغة، وبرزت عروق جسده بالكامل من شدة غضبته. فحتى وإن اختلفا وتركا كلاهما الآخر، فما زال يكن لها كل الاحترام والتقدير ولن يقبل عليها مكروه، أو أن يرميها أحدهم بتهم ملفقة وباطلة، ويقذفها بحديث كاذب يفتري به عليها وهي الطاهرة النقية بكل المقاييس بعينيه.
هب واقفاً بحدة وأردف قائلاً بنبرة تحذيرية:
"نور، ما تنسيش نفسك وافتكري إنك بتتكلمي عن فريدة فؤاد، وأظن إنك أكتر واحدة عارفة ومتأكدة من أخلاقها كويس أوي، فيا رب ما تتعديش حدودك وإنتِ بتتكلمي عنها لأني مش هسمح لك بده."
وأكمل بتأكيد:
"ولو شيطانك قال لك إننا خلاص سيبنا بعض وإني هسمح لك تتعدي حدودك وتفتري عليها بالكلام الفاضي ده تبقي غلطانة."
ارتبكت بجلستها ووقفت سريعاً وتحدثت بتخابث:
"اهدي من فضلك يا هشام، أنا مقصدش أبداً المعنى اللي وصل لك، أنا كل اللي قصدت إني أقوله إنها كانت بتبقى موجودة معاه لوحدهم وأكيد سليم مارس عليها خبثه وضغط على أعصابها بكلامه المعسول عشان يقنعها إنها تسيبك وترجع له."
وأكملت بتخابث لتهدئة روعه:
"أنا كل اللي يهمني هي مصلحة صاحبتي وإنها تعيش مع الراجل اللي تستاهله، واللي هو إنتَ يا هشام."
وأكملت بحماس لتحثه على الذهاب:
"روح لها وواجهها باللي عرفته واقلب عليها الترابيزة، بس طبعاً من غير ما تجيب سيرتي في الموضوع، أظن إنتَ ما يرضكش أقطع علاقتي بصديقتي وأنا كل اللي أقصده إنها تبقى بخير."
أماء لها بتفهم وخرجت هي. وتحرك هو متوجهًا إلى مكتب فريدة بجنون، دق بابها فسمحت له ودلف للداخل وأغلق الباب خلفه.
أما فريدة، فما أن رأته حتى احتدمت ملامحها ونظرت له بملامح مكشرة وتحدثت بلهجة حادة:
"خير يا أستاذ هشام، ياترى فيه حاجة بخصوص الشغل هي اللي جابت حضرتك لحد هنا؟"
وقف أمامها بشموخ ونظر لها وتساءل بحدة:
"إنتِ حقيقي كنتِ في علاقة حب مع اللي اسمه سليم الدمنهوري أيام ما كان بيدرس لك؟"
استمعت لكلماته التي نزلت عليها كالصاعقة الكهربائية وشلت جميع حواسها، ابتلعت لعابها برعب وتلون وجهها بجميع ألوان الطيف من شدة هلعها.
كان ينظر لها بتدقيق راصدًا ردة فعلها، أما هي فكانت تتهرب من نظراته.
فتيقن حينها من صحة حديث نور وانفطر قلبه وشعر بخيبة أمل.
وتحدث بنبرة ضعيفة متألمة:
"طب ليه كذبتي عليا؟"
تحاملت على حالها وأخرجت صوتها بصعوبة وتحدثت بنبرة نافية:
"أنا ما كذبتش عليك ياهشام، إنتَ مسألتنيش عن حياتي قبلك عشان أقول لك، وبعدين وقت ما ارتبطنا الموضوع مكنش يعني لي أي شيء ولا يستاهل إني أحكي لك عنه أصلاً."
هدر بها متسائلاً بحدة:
"ولما البيه شرف هنا وكنتي بتقعدي معاه في مكتبه لوحدكم بالساعات، ضميرك وجعكي وحسّك على إنك لازم تبلغيني؟ لو فعلاً الموضوع مكنش يعني لك أي شيء كنتِ على الأقل جيتي وحكيت لي، لكن يظهر إن الموضوع كان على مزاج الهانم."
انتفضت من جلستها ووقفت وأردفت قائلة بحدة:
"فوق يا هشام وشوف نفسك بتقول إيه."
أجابها بحدة مماثلة:
"إنتِ اللي لازم تفوقي يا فريدة، جاية تحاسبيني على إيه؟ بتحاسبيني عشان مسكت إيد بنت خالتي في مكان عام وجاملتها بكلمتين في إطار لعبة حقيرة اتلعبت عليا من واحد معدوم الضمير."
وتساءل:
"طب إيه الفرق بينك وبيني؟ طب ما إنتِ كمان خنتيني وخنتي ثقتي فيكي، إنتِ كمان غشيتيني وخبيتي عليا متعمدة."
أجابته بصوت مختنق وعيون لامعة بالعبرات:
"أنا متعمدتش أخبي عليك يا هشام صدقني، أنا في الأول حقيقي الموضوع كان منتهي بالنسبة لي ومكنش ليه لزوم أقوله لك، ولما سليم جه الشركة مكنش ينفع أقول لك وأخليك تضايق وتتحامل عليه على الفاضي."
وأكملت مبررة:
"قلت لنفسي إنتَ كده كده مش طايقه لوحدك، أصبر لحد ما يسافر ونخلص من الموضوع ده نهائيًا وللأبد."
تحدث بحدة:
"ولما كنتي بتقعدي معاه في مكتبه لوحدك يا هانم؟"
أجابته بدفاع عن حالها:
"قعدتي معاه كانت في إطار الشغل البحت وربي شاهد عليا إنه عمره ما لمس إيدي حتى لو عن طريق السلام، أنا حافظت على نفسي وصنتك وصونت غيابك يا هشام."
وأكملت باتهام بنبرة محتدة:
"في المقابل سيادتك كنت مقضيها مع الهانم بتاعتك خروج وفسح وحب، لا وبعد كل ده ليك عين وجاي كمان تحاسبني؟"
تنهد وزفر لتهدئة حاله وتحدث بنبرة جادة:
"خلاص يا فريدة، انسى كل اللي فات وخلينا نبدأ مع بعض صفحة جديدة، أنا بحبك ولحد النهارده مش قادر أتخطى موضوع فراقنا."
تنهدت بضيق وتحدثت رافضة لحديثه:
"أرجوك يا هشام تسكت وتنسى موضوعنا نهائي وتكمل حياتك من غيري، ولو إنتَ مش قادر تتخطى موضوع فراقنا، فأنا كمان لا يمكن أتخطى اللي حصل وشفته بعيوني وسمعته بوداني."
هنا دلف سليم بعد الاستئذان وكان قد أتى ليطمئن على غاليته، ولكنه تفاجأ بوجود هشام يقف مقابلًا لفريدة ويبدو عليه الغضب والتشنج.
نظر إليه باستغراب مضيق العينين، حين هدر به هشام وتحدث ساخرًا:
"أهلاً بسيادة الألعوبان العظيم، أستاذ الغش والتخطيط الحقير."
وقف سليم يطالعه وهو مكشر الملامح وتحدث بلهجة حادة محذرة:
"إحترم نفسك يا بني آدم إنتَ واحفظ أدبك."
تحدث هشام بنبرة غاضبة:
"أنا محترم مع الناس المحترمة وبس."
وأكمل ساخرًا:
"وبعدين إنتَ زعلت أوي ليه كده، ده أنا بوصفك يا راجل وبدي لك حقك اللي تستحقه وعن جدارة."
نظرت إليه فريدة وتحدثت بعيون مترجية:
"أرجوك يا هشام تراعي إننا في الشركة، أنا مش عايزة مشاكل وفضايح."
تحدث سليم بحدة ناهراً إياها:
"إنتِ كمان بتترجيه؟"
وأكمل أمرًا بحدة وهو يوجه بصره إلى هشام:
"اتفضل يا أستاذ على مكتبك شوف شغلك ومشوفش وشك في المكتب ده تاني."
نظر له هشام وتحدث ساخرًا:
"هو البيه غيران عليها مني ولا إيه، إنتَ ناسي إنها كانت خطيبتي وكنا خلاص هنتجوز لولا حقارتك وندالتك؟"
وأكمل مستفزًا إياه:
"إنتَ لو فعلاً راجل كنت جيت وواجهتني راجل لراجل، مش تروح ترسم وتخطط وتستغل واحدة ضعيفة زي لبنى في لعبتك الحقيرة؟"
تحدث سليم بحدة بالغة:
"قسماً بربي لو زودت كلمة تانية لأمسح بكرامتك الأرض."
وقف هشام أمامه يطالعه بغضب وأجابه بنبرة حادة مستفزة:
"هات أخرك ووريني هتعمل إيه يا ابن الدمنهوري."
زفر سليم بقوة ثم أخذ نفسًا عميقًا وتحدث بهدوء اصطنعه بصعوبة:
"يا بني آدم افهم، اللي حصل ده كان لازم يحصل من زمان، هتعمل إيه بواحدة قلبها وروحها وكيانها مع راجل غيرك، حتى لو إنتَ روحك فيها كنت هتقبلها إزاي على رجولتك؟"
تحدثت إليه بصياح ورعب وصوت مترجي:
"سليم، إسكت من فضلك."
نظر لها هشام بعيون جاحظه وتحدث بذهول:
"سليم،،،، سليم كده من غير ألقاب يا فريدة؟"
وأسترسل حديثه بتأكيد:
"ده الموضوع طلع بجد بقا زي ما سمعت ويظهر إن أنا الوحيد اللي كنت مغفل ومش واعي للي كان بيحصل حواليا."
أجابه سليم بنبرة حاسمة وناهية للجدال:
"أيوااااا، هو كده بالظبط."
نظرت له وتحدثت برجاء وهي تهز رأسها بدموع:
"كفاية يا سليم، من فضلك اسكت."
هدر بها وصاح بغضب وهو ينظر إليها بغل معنفًا إياها:
"إنتِ اللي لازم تسكتي عشان إللي إحنا فيه ده كله بسببك وبسبب عنادك."
أشارت على حالها بسبابتها وأردفت قائلة بذهول:
"بسببي أنا يا سليم؟"
أجابها بحدة مؤكدًا على حديثه السابق:
"أيوة بسببك إنتِ يا فريدة، عشان لو سمعتي كلامي من البداية وصارحتيه ما كناش وصلنا للي إحنا فيه ده كله."
ثم نظر إلى ذلك الواقف مذهولاً غير مصدقًا لما يراه بعينيه ويستمع إليه بأذنيه، وتحدث سليم مصارحًا إياه:
"اسمعني كويس يا هشام وافهمني، أنا عمري ما كنت ضد شخصك ولا حتى كرهتك، أنا كل اللي عملته، عملته من منطلق مصلحتنا إحنا التلاته."
ضحك ساخرًا بألم وتساءل:
"لا والله، ويا ترى بقا إيه هي مصلحتي في إنك تخدعني وتلعب عليا لعبة قذرة تبعدني بيها عن حبيبتي؟"
أجابه سليم بثقة:
"مصلحتك في إنك متتخدعش وتعيش مع واحدة قلبها وروحها وكيانها بيعشقوا راجل غيرك، يا ترى كنت هتبقى مبسوط وإنت مش راجل أحلام مراتك؟"
وأكمل بتعقل:
"اسمع يا هشام، اللي حصل ده هو الصح واللي كان لازم يحصل من أول يوم أنا رجعت فيه، أنا وفريدة بنحب بعض وكان هيبقى منتهي الظلم إننا نعيش مع ناس تانية، ناس مش شبه أرواحنا."
"وأنا،،،، مفكرتش فيا وفي قلبي اللي اتدمر من بعد فريدة عني؟" قالها هشام بغضب.
تملك سليم حاله إلى أبعد الحدود بعد غليان صدره واشتعاله من حديث هشام عن عشقه لامرأته.
أخذ نفسًا عميقًا يهدئ به من روعه وتحدث بنبرة تعقلية:
"التدمير الحقيقي هو إنك تعيش مع واحدة مش عاوزاك، واحدة وهي جوه حضنك بتتمنى وبتحلم بحضن راجل غيرك."
وأكمل بعقلانية:
"على فكرة يا هشام إنتَ موهوم بحب فريدة، إنتَ عمرك ما حبيت فريدة لأن ببساطة لو حبيتها بجد مكنتش فكرت للحظة إنك تخونها مع واحدة تانية، اللي بيحب مبيشوفش في الدنيا دي كلها غير حبيبه، ومهما قابل من مغريات عمره ما يتأثر لأن قلبه وروحه متشبعين بعشق حبيبه الروحي. إنت كل الحكاية إنك لقيت في فريدة اللي افتقدته مع لبنى، وهو الاحترام المتبادل والطاعة اللي بتحسسك بأهميتك وبرجولتك. إنتَ عمرك ما حبيت غير لبنى يا هشام، بس جرحك منها لما فضلت إنها تسافر لباباها وتعيش حياتها هناك بحرية ومن غير قيود هو اللي جرحك ووهمت نفسك إنك خلاص نسيتها،"
وأكمل بتأكيد:
"بس الحب الحقيقي مابيتنسيش بدليل إنها لما رجعت رجع معاها حنينك ليها وظهر من جديد."
وأكمل بهدوء ناصحًا له باهتمام:
"ارجع للبنى واتجوزها يا هشام، هي أكتر حد هتقدر تسعدك وهي أكتر حد إنتَ تستاهله لأنها فعلاً بتحبك من قلبها."
وأكمل بصدق:
"وإنتَ حقيقي تستاهل حد يحبك بجد، مش حد يعيش معاك بجسمه وروحه سارحة في ملكوت غيرك."
كادت فريدة أن تتحدث، أشار لها سليم بأن تصمت وتحدث هو موجهًا حديثه إلى هشام:
"ودلوقتي ياريت تخرج ومتحاولش تقرب تاني من فريدة لأن أنا اللي هقف لك من هنا ورايح، فريدة خلاص هتبقى مراتي قريب جدًا."
وأكمل بنبرة رجل عاشق غائر متملك بجنون:
"إنتَ متعرفنيش كويس يا هشام، أنا لما الموضوع يخص فريدة بتحول لمنتهى الغباء، فياريت متقفش قدامي وتحترم رغبة فريدة ومتتحاولش تستفز الحيوان اللي جوايا."
ابتسم هشام بجانب فمه وتحدث بنبرة ساخرة:
"تمام يا،،،، يا باشمهندس."
رَمقهما بنظرة اشمئزاز وخرج صافقًا خلفه الباب بعنف زلزل جدران الحوائط.
نظر لها وجدها تبكي بصمت وتألم، تحدث هو بجدية:
"أنا لازم أتقدم لك في أسرع وقت، صعب أستنى أسبوعين زي ما أنتِ عاوزة، مش هينفع."
أجابته بصوت متألم:
"أنا موجوعة أوي عشان هشام يا سليم، هشام ميستاهلش مني الوجع اللي هو فيه ده أبدًا."
تحرك إليها ونظر داخل عينيها وتحدث بحنان وطمأنة:
"كده أفضل له يا حبيبي، هشام كان لازم يفوق من وهم حبك ليه وحبه ليكي، صدقيني هيتخطى كل الوجع ده وهيبقى كويس، لبنى بتحبه وهتعرف تشده لعالمها من جديد."
وأكمل بصدق:
"صدقيني يا فريدة أنا كمان موجوع جدًا علشانه، بس المواجهة دي كانت لازم تحصل عشان نحط النقط على الحروف وكل حاجة تبقى على نور."
ثم أخرج تنهيدة طويلة تنم عن وجع روحه لأجل ما عاشه ثلاثتهم منذ قليل.
وتحدث بنبرة حاسمة:
"المهم يا حبيبي، لازم تاخدي لي معاد من بابا عشان أجيب أبويا وأتقدم لك في أسرع وقت ممكن."
"اصبر شوية من فضلك يا سليم،" قالتها بترجٍ ودموع.
أجابها بحدة وحزم وعيون تطلق شررًا:
"ولا يوم واحد يا فريدة، ولا هستنى يوم واحد تاني."
وتحدث أمرًا بأمر الهوى وسلطانه:
"تقعدي مع بابا إنهاردة وتاخدي لي منه معاد، خلينا نخلص من الباب ده ونقفله، مفهوم يا فريدة؟"
نظرت إليه منساقة لأمر قلبها ولأمر العشق وهزت رأسها بطاعة أثارته وأشعلت نيران قلبه المشتعلة بعشقها.
وتحدث هو هامسًا إليها بابتسامة جذابة وعيون تنطق عشقًا وتأكل كل إنش بوجهها:
"بحبك وإنتِ مطيعة أوي كده يا فريدة، قد إيه بتبقي مثيرة وتجنني يا عيون سليم."
ابتسمت خجلًا وهي تجفف دموعها، وخرج هو ليكمل باقي عمله وتركها لعذاب ضميرها الذي بات يئن لأجل هشام ووجعه التي رأته عليه.
***
داخل منزل قاسم الدمنهوري
كان يجلس بجانب والدته ووالده داخل شرفتهم الواسعة المليئة بالزهور النادرة ذات المظهر الخلاب الآخاذ للبصر والبصيرة.
تحدثت آمال بهدوء:
"اعفيني أنا يا سليم من أول زيارة دي، إنتم رايحين تطلبوها لسه، لما تتفقوا ويوافقوا وقتها أبقى أروح."
ابتلع سليم غصة مرة بحلقه من رفض والدته ونظرة حزن سكنت عيناه رآها قاسم.
فقرر مواجهة زوجته والوقوف لها، فكفاه خضوع لرأي امرأته، وخصوصًا بعدما اكتشف أنها غير مؤهلة لاتخاذ قرارات مصيرية تخص أولاده.
فتحدث إليها بنبرة حاسمة شبه آمرة:
"كلنا هنروح يا آمال، وإنتِ بالذات أول واحدة هتروحي، لأن موافقتهم مرهونة قصاد زيارتك ليه."
نظرت إليه مضيقة العينين باستغراب فأردف هو مفسرًا بنبرة لائمة:
"إنتِ ناسيه إنك رحتي للناس بيتهم وهنتيهم فيه، يبقى أقل حاجة تعمليها هي إنك تروحي معانا وإحنا بنطلب إيد البنت وبكده هيتأكدوا من موافقتك، وكمان الزيارة دي هتكون بمثابة اعتذار منك عن اللي حصل وسحب كلامك السابق ليه."
ثم أكمل ضاغطًا على مشاعر الأمومة بداخلها:
"وبعدين ليه تحرمي نفسك من متعة إنك تروحي تخطبي لابنك الوحيد؟"
نظرت إليه سليم بعيون ممتنة لمساندته له بقوة، وانتظر إجابة والدته التي تبادلت النظرات بينهما وصمتت بتفكير. وبعد قليل أردفت قائلة بهدوء وهي تنظر إلى سليم بابتسامة خفيفة:
"خلاص يا حبيبي، أنا جاية معاك."
انفرجت أساريره ووقف متحركًا إليها وهو يقبل كف يدها:
"ربنا يخليكِ ليا يا أمي."
***
داخل فيلا صادق الحسينى
كان ينزل من فوق الدرج بمزاج حسن، ووجه هادئ وملامح تكاد تنطق من شدة سعادتها، مما استدعى استغراب والديه الجالسان ببهو المنزل ينظران له ببلاهة.
اقترب عليهما بوجه مشرق مبتسم وأردف قائلاً:
"مساء الخير."
نظرت إليه والدته بقلب سعيد وأجابته بوجه بشوش:
"مساء الفل يا حبيبي."
وجلس وهو يستدعي العاملة بالمنزل التي أتت إليه مسرعة خوفًا من بطشه وغضبته المعتادة.
فتفاجأت به مبتسمًا وأردف قائلاً بإسلوب هادئ مهذب على غير العادة:
"من فضلك يا شريفة، اعملي لي أي عصير فريش وهاتي لي حاجة حلوة معاه."
ابتلعت لُعابها وهي تنظر إليه ببلاهة وفم مفتوح وأردفت قائلة بطاعة:
"تحت أمرك يا دكتور،" وأكملت بارتباك خوفًا من بطشه لو أحضرت مشروبًا لم يروق له:
"حضرتك تحب أعمل لك أي نوع من العصير يا أفندم؟"
أجابها بابتسامة استغربها والداه قبل تلك الشريفة المرتبكة بوقفتها:
"أي عصير على ذوقك يا شريفة."
هزت رأسها بطاعة وانصرفت مسرعة من أمامه.
وتحدث والده مداعبًا إياه:
"ده إيه الروقان اللي إنتَ فيه ده كله يا دكتور؟"
نظر لوالده وتحدث بدعابة مماثلة وابتسامة أشرقت وجهه ودلت كم أن داخله سعيد:
"لو حضرتك زعلان أنا ممكن أرجع للتكشيرة تاني يا باشا؟"
ضحكت والدته وأردفت قائلة بتمني:
"لا أرجوك، خليك مكمل على كده،" وأكملت بحب وعيون سعيدة:
"ربنا يسعدك يا حبيبي ودايمًا أشوف نظرة الرضا والراحة دي في عينيك."
ابتسم لها فتحدث صادق متسائلاً:
"أخبار الشغل في الفرع عندك إيه يا مراد؟"
أُنير وجهه حين ذكر اسم العمل كي يستطيع أن يتحدث بإستفاضة عن ما ملكت زمام قلبه بالفترة الأخيرة وأردف قائلاً:
"كله تمام يا باشا، تجربة ريم الدمنهوري دخلت خط الإنتاج خلاص، وإن شاء الله الدوا هينزل للسوق أول الشهر، ومندوبين الشركة عندنا سوقوا له كويس عند الدكاترة المختصين، ولحد الآن وصلت لنا طلبيات معقولة من الصيدليات بناءً على توصيات الدكاترة ليهم."
وأكمل بحماس استغربه صادق:
"ولسه إن شاء الله لما الدوا ينزل ومفعوله يجيب نتيجة مع المرضى، أكيد الدكاترة هتعتمده في شغلهم والطلب عليه هيزيد من الصيدليات."
هز صادق رأسه بهدوء وأكمل:
"إن شاء الله يا مراد."
أكمل مراد بحماس عجيب:
"على فكرة يا بابا، أنا خصصت نسبة من أرباح مبيعات الدوا الجديد لريم كتشجيع ليها وتقدير من الشركة على مجهودها معانا."
نظر له صادق مضيقًا عينيه وتساءل مستغربًا:
"سبحان مغير الأحوال، ده إيه الحنية اللي نزلت عليك مرة واحدة دي من ناحية ريم الدمنهوري، ده أنا لسه من أسبوع شايلها من تحت إيديك وإنتَ بتفترسها زي الوحش لما ينقض على فريسته."
وتساءل:
"إيه اللي حصل وخلى قلبك يرق لها وترحمها من رخامتك عليها؟"
ضحك مراد وتساءلت هناء:
"مش ريم دي تبقى بنت آمال الشافعي يا صادق؟"
رد مراد بدلاً من أبيه متلهفًا:
"آه يا ماما هي،" وأكمل موجهًا حديثه إلى والده:
"على فكرة يا دكتور، مش عيب أبداً إني أراجع نفسي لو اكتشفت إني كنت غلطان في حكمي على شخص، وبالفعل ده اللي حصل معايا في حكمي على ريم الدمنهوري."
وهنا أتت شريفة وهي تحمل بين يديها ما طلبه منها مراد، فوقف مراد وتحدث لها باحترام:
"من فضلك يا شريفة تخرجي لي العصير برة في الجنينة عشان هشربه هناك."
وتحرك للخارج تحت أنظار صادق الذي شرد في أمر صغيره العجيب.
أخرجه من شروده صوت زوجته المتسائلة:
"مراد ماله يا صادق؟"
نظر لها وأردف قائلاً بنبرة تحمل الكثير من الهموم:
"ابنك شكله حب بنت قاسم الدمنهوري يا هناء."
نظرت له بسعادة وأردفت بتمني:
"ياريت يا صادق، ياريت تبقى عقدته اتفكت وقدر يفتح قلبه من جديد، ده يبقى يوم المنى عندي."
نظر لها بتعجب وأردف قائلاً باعتراض:
"إيه هو ده اللي ياريت ويوم المنى؟"
وأكمل مفسرًا:
"البنت مخطوبة يا هناء وأكيد بتحب خطيبها، يعني إحساسي لو طلع صح يبقى ابنك داخل على انتكاسة وصدمة أفجع وأكبر من صدمته الأولى."
ارتعب داخلها وتحدثت بهلع ظهر بعينيها:
"فال الله ولا فالك يا صادق، أنا هكلم آمال الشافعي وأستدرجها في الكلام وأحاول أفهم منها ظروف الخطوبة دي إيه."
صاح بها صادق محذرًا إياها:
"إوعي تعملي كده يا هناء، اصبري لما أتأكد من إحساس ابنك بنفسي وربنا يخيب ظني ويطلع تفكيري مجرد وهم مش أكتر."
حزن داخلها وتألمت محدثة إياه بنبرة معاتبة:
"ليه بس كده يا صادق، ده أنا ما صدقت ألاقي حاجة تفرحني وتطمن قلبي عليه قبل ما أموت."
أجابها بقوة وثقة:
"للأسف يا هناء، دي مش فرحة، دي كارثة وانتكاسة بكل المقاييس."
تنهدت والدته بحزن وصمتت.
***
بعد حوالي أربعة أيام داخل منزل فؤاد بعد التجديد حيث الأثاث الراقي والذوق الرفيع وكأن المنزل قد تبدل بالكامل.
أتت عائلة الدمنهوري محملين بالهدايا الثمينة والزهور المنتقاة بعناية فائقة والشيكولاتة، كما هو المتعارف عليه في مثل هذه المناسبة السعيدة.
كانت آمال تجلس على مقعد مقابلًا لجلسة عايدة، تضع ساقها فوق الأخرى بتعالي وهي تنظر حولها للتجديدات بوجه خالٍ من أي تعبيرات، مما استدعى استغراب عايدة التي تضع هي الأخرى ساقًا فوق الأخرى لمجاراة تلك المتعالية.
وكان قاسم وسليم يجلسان بصحبة فؤاد وأخويه صالح الأخ الأكبر لفؤاد، وأحمد الأخ الأصغر، حيث استدعاهما فؤاد من السويس لمساندته لاستقبال قاسم الدمنهوري رجل السلك الدبلوماسي ذو المستوى الرفيع، وأيضًا عبد الله خطيب نهلة.
تحدث قاسم بهدوء بابتسامة وفخر:
"بدون مقدمات وكلام كتير يا أستاذ فؤاد، أنا يشرفني إني أطلب بنت حضرتك، ربة الصون والعفاف الباشمهندسة فريدة لإبني الباشمهندس سليم."
ابتسم له فؤاد وأجاب باحترام وعزة نفس:
"الشرف لينا يا أفندم، وأنا أكيد يشرفني طلبك لإيد بنتي."
وبعد مدة من الوقت كانت العائلتان قد اتفقتا على عقد القران بعد أسبوعين من الوقت الحالي وسفر فريدة مع زوجها إلى ألمانيا والإقامة الكاملة معه.
حولت عايدة بصرها موجهة حديثها إلى آمال بحديث ذي مغزى وابتسامة شبه شامته:
"منورة يا مدام آمال، شرفتينا، ومبروك عليكم الباشمهندسة فريدة."
استشاط داخل آمال من ضغط تلك المشعوذة على أعصابها وتذكيرها بأنها أتت إليها مجبرة وجلست هي وزوجها يطلبان بل ويستسمحان بأن توافق هي وزوجها على طلب يد ابنتها للزواج من ابنه.
تحاملت على حالها وأردفت قائلة بنبرة متعالية ولكن بهدوء كي لا تحزن صغيرها:
"ميرسي يا مدام، ومبروك عليكم أنتم كمان الباشمهندس سليم الدمنهوري."
ابتسمت عايدة ثم نظرت إلى سليم الناظر لهما بترقب خشية الاشتباك بينهما وبالأخص بعدما استمع لحرب قذف الكلمات اللاذعة وأردفت بابتسامة صادقة:
"أكيد مبروك علينا، الباشمهندس يشرف أي حد وأكيد بنتي محظوظة إن ربنا أكرمها براجل محترم زي سليم."
نظر لها سليم وابتسم بسعادة وأردف قائلاً بفخر واحترام:
"أنا اللي أكيد محظوظ وربنا بيحبني عشان رزقني بنسب يشرف زي نسب حضراتكم يا أفندم."
نظر له كل من فؤاد وصالح وأحمد بإعجاب وتحدث فؤاد بنبرة شاكرة:
"ربنا يكرم أصلك يا ابني."
تحدث قاسم بابتسامة ناظرًا إلى عايدة:
"جري إيه يا عايدة هانم، هي العروسة مش حابة تسلم على حماها وحماتها ولا إيه؟"
تحدثت عايدة بابتسامة وهي تقف لتستدعي فريدة:
"لا إزاي، حالاً هتكون عند حضرتك."
وبالفعل دلفت لتستدعي ابنتها.
وبعد مدة قليلة خرجت فريدة عليهم بطلتها المبهرة الخاطفة لأنفاس ذلك العاشق الذي هب واقفًا مسلطًا أنظاره عليها بطريقة ملفتة للنظر وكأنه مسحور.
كانت ترتدي ثوبًا حريريًا ناعم الملمس، ذا أرضية بيضاء مبطنة بنقشة رقيقة باللون الروز، وحجابًا أيضًا باللون الروزي، كانت حقًا ساحرة تخطف الأنفاس بعينيها ذات اللون الرمادي المميز ورموشها الكثيفة، وشفاهها الممتلئة التي زادت من توهجها عندما وضعت عليها ملمع شفاه باللون الوردي، مما جعل منها أيقونة خطفت قلب عاشقها من تلك الطلة المهلكة لرجولته، حبس أنفاسه لاهثًا من شدة جمالها المتوهج.
نظر قاسم لفلذة كبده وسعد داخله لسعادة سليم الظاهرة للضرير.
في حين اقترب منها عمها وأمسك يدها وتحدث بفخر وهو يقترب بها:
"اتفضلي يا باشمهندسة."
وقف قاسم احترامًا لها وتحدث بنبرة كلها رضا:
"بسم الله ما شاء الله."
فاقتربت فريدة منه وتحدثت باحترام وعيون خجلة ولكنها سعيدة للغاية:
"أهلاً وسهلاً بحضرتك."
مد يده لها وتحدث بسعادة:
"أهلاً بيكِ يا بنتي، ألف مبروك يا عروسة."
أجابته بابتسامة خجلة وصوت هادئ يدل على تربيتها الحسنة:
"الله يبارك في حضرتك يا عمي."
ثم استدارت لتلك المتعالية التي ما زالت تجلس واضعة ساقًا فوق أخرى تتطلع عليها بتعالي. نظر لها قاسم يحثها على الوقوف احترامًا للفتاة.
وبالفعل تحاملت على حالها واستقامت بوقفتها ومدت يدها من مسافة بعيدة وأردفت قائلة بنبرة باردة خالية من أية مشاعر:
"مبروك يا باشمهندسة."
أجابته فريدة وهي تمد يدها بغصة مؤلمة اجتاحت صدرها من تلك النبرة الخالية من أية مشاعر مبهجة من أم زوجها المستقبلي:
"متشكرة لحضرتك يا أفندم."
ثم تحدث والدها ليحثها على التحرك إلى سليم:
"سلمي على الباشمهندس سليم يا فريدة."
حولت بصرها عليه وهو بدوره تحرك إليها بنظرات هائمة مسحورة غير مبالٍ بكل من حوله ومد يده لها وهو ينظر إلى مقلتيها المزينة بالكحل العربي الأصيل الذي يشبهها من حيث أصالتها وعراقتها. تلمس راحة يدها واحتضنها بلمسة أذابت اثنتيهم وجعلت القشعريرة تسري بجسديهما معًا.
وتحدث بابتسامة جذابة جعلت منه وسيمًا للغاية:
"مبروك يا فريدة."
تحاملت على حالها وأخرجت صوتها بصعوبة وتحدثت بارتباك لاحظه الجميع:
"متشكرة يا باشمهندس."
ضحك قاسم وتحدث قائلاً بدعابة:
"باشمهندس إيه بقا، ده كلها أسبوعين وهيبقى جوزك إن شاء الله."
ابتسم والدها وتحدث:
"إن شاء الله الرحمن يا قاسم بيه."
جلست في مقابل حبيبها الأبدي وتبادلا النظرات ثم تحدث قاسم بابتسامة:
"نقول بسم الله ونقرأ الفاتحة عشان ربنا يبارك لنا."
وافقته الجميع الرأي وبدأوا برفع كفيهما وبدأ قراءة الفاتحة بسعادة، إلا من تلك التي تجلس وبجسدها نارًا تسري به، ولكن ما بيدها لتفعله، تلك هي رغبة صغيرها وعليها مجاراته ورضائه.
وبعد الانتهاء من قراءة الفاتحة وقف سليم وأخرج من جيب سترته علبة فاخرة وفتحها وأخرج منها خاتمًا من الألماس الخالص كان قد أتى به معه من ألمانيا خصيصًا لتلك المناسبة التي كان متأكدًا من حدوثها.
وأقترب عليها وقفت هي مقابله له وبدوره أمسك يدها تحت رعشة جسدها بالكامل وألبسها إياه ثم نظر لعيناها وتحدث بعشق لم يستطع إخفاءه:
"مبروك يا فريدة."
كان يود لو أن له الحق ليأخذها بين أحضانه ويضمها بشدة حتى يسحق عظامها ويدخلها داخل صدره ويخبئها عن عيون كل البشر.
أما هي فكانت بعالم آخر ودت لو ترمي بأحضانها وتبكي بشدة وتخرج كل ما ضاق به صدرها بالماضي لتبدأ معه بداية جديدة بدون أحزان بدون ابتعاد، بدون ألم، بداية داخل أحضانه الدافئة التي أصبحت قمة مبتغاها.
وجه عبد الله حديثه بسعادة إلى عايدة الجالسة وهي تنظر لسعادة ابنتها التي لأول مرة تراها عليها، تنظر لها بعيون تكسوها غشاوة دموع الفرح لأجلها:
"مش هتسمعينا زغروطة ولا إيه يا ماما؟"
انتبهت له وتحدثت بسعادة:
"أحلى زغروطة لأجمل عروسة يا عبد الله."
وبدأت بإطلاق الزغاريد الرنانة التي صدعت بجدران المنزل لتعلن للجيران عن سعادة هذا المنزل وحلول فرحة عارمة به.
بعد قليل كانت تجلس مع سليم أحلامها بغرفة الصالون المقابلة ببهو الشقة والتي يجلس به الجميع وتحت أنظارهم جميعًا، وذلك لفتح باب الغرفة على مصرعيه كما الشرع والعرف والأصول.
كان يجلس بجانبها يشعر وكأنه ملك تسلم عرش ملكيته وتوج في التو واللحظة.
نظر لها بعيون مسحورة منبهرة بجمالها الخلاب الآخاذ للبصر والبصيرة وتحدث بهمس عابث أثار داخلها وبعثرة:
"مبروك يا قلب سليم، مبروك يا نور عيون سليم، مبروك يا حبيبي."
ابتلعت لُعابها وتحدثت بعدم تصديق:
"سليم، قولي إن اللي بيحصل ده حقيقي مش مجرد حلم وهينتهي أول ما أقوم من نومي؟"
أجابها بصوت حنون:
"هو فعلاً حلم يا فريدة، بس أجمل حلم عشنا جواه أنا وإنتي لسنين، وإنهاردة ربنا وقف معانا وقدرنا نحققه."
"من النهارده أحلامك كلها هتبقى حقيقة، حياتك معايا هتكون أجمل حلم في دنيا العاشقين."
كانت تنظر له بعيون متيمة ودت لو تضعه داخل عينيها وتغلق عليه برموشها لتحميه وتحتفظ به لحالها فقط.
تحدث هو مسحورًا بجمالها:
"هو إنتِ إزاي حلوة أوي كده النهارده، إزاي بلمسات بسيطة جدًا قدرتي توصلي للمستوى الخيالي من الجمال اللي أنا شايفه قدامي ده؟"
ابتسمت وأنزلت وجهها للأسفل خجلًا فأكمل هو:
"فريدة إنتِ حلوة، حلوة أوي بجد، أنا مش عارف إزاي هقدر أمشي وأسيبك كده عادي،" وأكمل:
"تعرفي؟"
نظرت له لاستماع باقي حديثه فتحدث مسحورًا:
"أنا بفكر أخرج أقول لبابا وأقنعه إني أجيب مأذون حالاً ونكتب الكتاب."
وأكمل وهو يبتلع لُعابه وهو ينظر لكريزتيها بإثارة:
"وأخدك على الأوتيل ونقضي أجمل ليلة مرت في تاريخ العشاق."
ابتلعت لُعابها من هيئته وتحدثت خجلًا:
"بلاش الكلام ده يا سليم أرجوك، خلي ربنا يبارك لنا في بداية علاقتنا، وكمان بابا بيبص علينا وأنا مكسوفة منه أوي، يقول عليا إيه!!!"
نظر عليها وتحدث:
"هيفتخر ببنتي أوي وهيقول إن بنتي جبارة، قدرت تدوب قلب سليم وتبهدله بالشكل ده!!"
ابتسمت له وأكملا حديثهما البديع.
***حديث العشاق***
***حديث سليم لفريدة أحلامه***
رواية جراح الروح الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم روز امين
صباح اليوم التالي.
ترجلت فريدة من سيارتها وأعطت المفاتيح للعامل المختص كي يصفها داخل جراج الشركة.
دَلفت للداخل وفجأة تسمرت واتسعت عيناها بذهول. شعرت بروحها تحومٌ من شدة سعادتها التي تملكت من روحها. نظرت أمامها بسعادة وجدت ما جعل صدرها ينتفض فرحاً.
إنه سليم.
فارسها النبيل ومرادها.
معشوق عيناها، أسير روحها.
فارس أحلامها، متملك فؤادها.
خاطف أنفاسها، مالك زمامها.
كان بإنتظارها يقف بطوله الفارع وجسده العريض، كفارس هُمام خرج للتو من إحدى الأساطير العريقة كي يخطف أميرته الحسناء بجواده العربي الأصيل. يرتدي حلة سوداء، يطلق العنان لأزرار قميصه العلوي ليظهر صدره بمظهر شديد الرجولة، مُهلك ل أنوثتها وروحها العاشقة. ممسكاً بين يديه باقة من أروع الزهور وأجملها، ممزوجة باللونين القرمزي والأبيض معاً مما أعطاها مظهراً خلاب.
يصطف خلفه جميع موظفي الشركة، والذين أتوا لينتظرونها لتهنئتها، وعلى رأسهم فايز الذي لم يتفاجأ بالخبر حين أخبرهم به سليم منذ قليل. فقد استشف بفطانته اهتمام سليم المبالغ به بفريدة وفهم عشق ذلك الرجل لتلك الحسناء.
ابتسمت بسعادة حين وجدته يقترب عليها بطلته المهلكة لقلبها الولهان. ابتلعت لعابها من شدة وسامته وهو يبتسم لها بسعادة ظهرت على ملامح وجهه، فزادتها وسامة وجاذبية مهلكة لروحها.
مد يده إليها بالزهور ونظر بهيام وعيون تكاد تلتهم جميع ملامحها، وتحدث بصوت حنون هائم:
"مبروك يا عيون سليم!"
انتشى داخلها ودقت طبول السعادة داخل قلبها الرقيق، ونظرت له بعيون هائمة، حاولت التحكم بها ولكنها فشلت فشلاً ذريعاً. وتحدثت بصوت حنون أذابه وهز كل ذرة بكيانه:
"الله يبارك فيك يا سليم!"
تحرك إليها فايز وتحدث بابتسامة:
"ألف ألف مبروك يا فريدة، حقيقي تستاهلوا بعض."
أجابته بابتسامة:
"ميرسي يا باشمهندس."
أتت إليها نورهان التي رسمت على وجهها ابتسامة مزيفة، خبأت خلفها مدى حقدها لتلك المسكينة التي لا ذنب لها سوى أنها حالمة ومتفوقة وتمتلك روح شفافة. وتحدثت وهي تحتضنها كالأفعى التي تحتضن ضحيتها وتشدد من احتوائها بجلدها الناعم الملمس، حتى تتمكن من تكسير عظامها لتسهيل التهامها في الوقت المناسب:
"مبروك يا فريدة، ألف ألف مبروك يا حبيبتي، ماتتصوريش فرحتي بيكي قد إيه النهارده، مع إني عاتبة عليكي عشان خبيتي عليا."
أجابتها باختصار لضيق الوقت وشدة الزحام ممن يقتربون منها لتقديم التهنئة:
"صدقيني يا نور الموضوع كله كان مفاجأة بالنسبة لي."
ثم تهافت عليها المهنئون يقدمون لها التهاني، هي وذلك الواقف بجانبها يشعر بتفاخر وكبرياء وقلب يهيم فرحاً وسعادة على أنه وأخيراً اقتنى جوهرته الثمينة.
تحرك عمال الكافيتريا بين الحضور وهم يوزعون الشيكولا والحلوي وعلب المياه الغازية احتفالاً بتلك المناسبة السعيدة، وذلك بناءً على توصية سليم بحد ذاته.
كان ينظر عليهما من أعلى، ممسكاً بقوة وغضب بسور الشرفة المطلة على مدخل الشركة، بقلب يحترق على تلك التي عشق روحها الطيبة وقلبها ناصع البياض، تلك التي أزرته ووقفت بجانبه وأسندته بقوة حين تخلى عنه الجميع. تلك الجميلة ذات الحس المرهف والضمير المستيقظ، تلك الجوهرة التي أضاعها بغبائه.
نعم، مازال لديه عشق للبني من ما مضى، ولكن ليس كافياً لينسيه تلك الشفافة، جميلة القلب والعقل والروح.
كيف له أن ينسى من وقفت معه بأحلك الليالي وأسوأها؟
كيف سيحيا بدون عيناها وضحكتها؟
حديثها ورقتها، خجلها وعفتها.
فسلام على من ملكت الروح بعذوبتها.
أما أنا... فلي الله يصبرني على مر الأيام وقسوتها.
تحدث حاله بغضب:
"اللعنة عليك سليم، اللعنة عليك أيها المخادع المكار، اللعنة عليك وعلى غبائي ومراهقتي المتأخرة، اللعنة على كل من باعد بيني وبينك جوهرتي، قلبي يحترق لأجل خسارتك غاليتي!"
"عزائي أن تكوني سعيدة بحياتك بعدي، أما أنا فلي الله بعدك عزيزة عيني وأسرتي!!"
تحرك بقلب يحترق متجهاً إلى مكتبه، وقرر أن يتناساها وينغمس بالعمل محاولاً نسيانها وأن يكمل حياته بدونها ويتحمل ويلاتها.
***
داخل شركة الحسين.
كانت تتحرك داخل الرواق تتجه إلى البوفيه الخاص بالدور المتواجدة به. وجدها تتحرك فاتجه إليها بعيون تطلق قلوب من شدة سعادتها، فقد قرر أن يطلق العنان لمشاعره البريئة تجاهها وذلك بعد الفشل الذريع في محاولاته المستميتة لأجل نسيانها وإخراجها من قلبه وعقله.
اقترب عليها وأردف قائلاً باحترام ونبرة صوت هادئة:
"دكتورة ريم، أزيك."
ارتبك داخلها حين رأته، فقد أصبح هذا هو حالها مؤخراً عندما تنظر داخل عيناه أو تستمع لرنين صوته العذب. وأردفت قائلة بصوت هادئ:
"أزيك إنتَ يا دكتور."
ابتسم بجاذبية على ارتباكها، حديث الولادة المصاحب بنظرة تيهة عندما تراه، وهذا وإن دل لديه بشيء فيدل على أنها بدأت تشعر بما غزا قلبه تجاهها، وبالطبع فهو يغزو قلبها أيضاً.
فتحدث بهدوء كي لا يربكها أكثر:
"رايحة فين؟"
نظرت له باستغراب لتطفله الغير معتاد وأجابت:
"رايحة البوفيه، هجيب حاجة أشربها."
نظر لها مضيق العينان متسائلاً:
"ورايا بنفسك ليه؟ ماتطلبي البوفيه وهيبعتوا لك اللي إنتِ عايزاه مع عامل البوفيه؟"
أجابته بكلمات تظهر كم أن روحها جميلة:
"وعلى إيه أتعب العامل معايا، وبعدين أنا بحب أتمشي بدل القعدة على الكرسي طول اليوم."
وابتسمت وتحدثت خجلاً:
"وبيني وبينك كده أنا خرجت النهاردة من غير فطار وجعانة جداً، هروح أشوف أي بسكوت أو أي حاجة تنفع تتاكل مع النسكافيه."
ابتسم لها وأنساق بجانبها متجه معها إلى البوفيه ودلفا معاً. انتفض عمال البوفيه من جلستهم ونهضوا واقفين باحترام. وتحدث أحدهم وعيناه بالأسفل:
"تحت أمرك يا مراد بيه."
ابتسمت على استحياء منه، من رعب هؤلاء المساكين الذين هلعوا خوفاً من بطش ذلك المتجبر بهم كعادته. نظر بجانبه لها وأبتسم لأجل ابتسامتها. ثم وجه حديثه للعامل بهدوء:
"شوف دكتورة ريم تطلب إيه الأول."
استغرب العامل تعامل مديره بكل تلك الهدوء والسكينة مع إحدى بنات حواء. ثم نظر إلى ريم وتساءل باحترام:
"أؤمري يا دكتورة؟"
أجابته بابتسامة بشوشة:
"الأمر لله وحده، عايزة نسكافيه من غير سكر ومعاه أي بسكوت سادة."
نظر لها وأجابها نافياً:
"للأسف يا دكتور مفيش بسكوت."
تساءلت:
"ولا كيك؟"
هز رأسه قائلاً:
"مفيش أي مأكولات في البوفيه، البوفيه هنا مشاريب فقط لا غير يا أفندم."
نظرت ببلاهة وتحدثت باعتراض:
"يعني إيه بوفيه في شركة كبيرة زي دي وميكونش فيه حتى باكو بسكوت يتقدم مع الشاي لو حد من الموظفين حس بالجوع؟"
أنزل بصره أرضاً قائلاً على استحياء:
"دي أوامر يا دكتورة."
تحدثت باستهجان:
"أوامر؟! والأوامر دي خرجت من دماغ أنهي عبقري إن شاء الله؟"
ابتسم ذلك الواقف بجانبها يستمع حديثها مع العامل بصمت وضحكات داخلية. أمال على أذنها بهدوء هامساً بدعابة:
"أوامر من دماغ دراكولا الشركة اللي واقف جنب حضرتك."
أغمضت عيناها خجلاً ونظرت بجانب عيناها تترقب لذلك الواقف. ثم تحدثت للعامل بدعابة:
"قرار صائب طبعاً وفي مصلحة الموظفين، إحنا جايين نشتغل يا حسن، مش هنهرج بقى ونقضيها شاي وبسكوت ونضيع وقت الشركة."
وتحمحمت وأردفت بطريقة ساخرة وهي تشير لساعة يدها:
"استعجل بالنسكافيه يا حسن من فضلك، إحنا كده بنهدر وقت الشركة يا ابني."
يضحك على جمال وخفة ظلها، ووجه حديثه إلى حسن:
"تصرف في علبة بسكوت سادة حالاً وتجيبها على مكتبي مع النسكافيه بتاع الدكتورة وقهوتي السادة."
ثم نظر لها بجانب عيناه وأكمل حديثه:
"ومن بكرة تنزل في البوفيه أي حاجة ممكن يحتاجوها الدكاترة والموظفين هنا في الشركة."
وأشار بيده إليها ليحثها على التحرك أمامه وأردف قائلاً:
"اتفضلي يا دكتورة نكمل شغلنا في مكتبي."
تحركت بجانبه وتساءلت حين خرجا من البوفيه:
"شغل إيه ده اللي حضرتك عايزني فيه؟"
أجابها:
"عايز أسألك وأخد رأيك في موضوع خاص بالشغل هنا في الشركة."
ضيقت عيناها وتساءلت وهي تشير بسبابتها على حالها بتعجب:
"حضرتك متأكد من إنك عايز تاخد رأيي أنا؟"
ابتسم بخفة ودلف معاً لباب المكتب وتحدث وهو يشير إليها بالجلوس:
"أعتبر ده تواضع منك؟"
واتجه إلى مقعده الرئيسي خلف مكتبه وأكمل بنبرة معظمة:
"إنتِ مش عارفة قيمة نفسك وعقلك ولا إيه يا دكتورة."
ابتسمت لإطرائه عليها.
خلع حلة بدلته وعلقها خلفه وبدأ برفع أكمام قميصه بطريقة جعلته أكثر وسامة. انتفض قلبها وارتبكت من شدة وسامته ورجولته وغضت بصرها سريعاً. لاحظ هو ارتباكها وسعد داخله بشدة وتنهد براحة. ثم بدأ يتحدثا بالعمل وتوقفا حين استمعا لطرقات خفيفة فوق الباب.
تحدث مراد بهدوء:
"أدخل."
دلف العامل ومعه علبة بسكوت كانت متواجدة بالفعل لديهم خاصة بهم، وأنزل النسكافيه وقدح القهوة وخرج سريعاً. كان يتحدث معها بالعمل تحت سعادته المطلقة وهو يراها تتناول طعامها خجلاً مع المشروب ويبدو عليها الجوع الشديد.
وبعد مدة دلف صادق إلى مكتب مراد. شعر بغصة مؤلمة اقتحمت صدره حينما وجدها تجلس أمام صغيره بكل أريحية ووجد السعادة تكسو وجه فلذة كبده. تساءل صادق بعدما ألقى التحية:
"لعل وجودك هنا خير يا دكتورة ريم؟"
نظرت له باستغراب في حين غلى داخل مراد من إحراج والده لمن خطفت قلبه مؤخراً. وقفت ريم وابتسمت بوجهها الصابح وتحدثت:
"لا اطمن يا دكتور صادق، خير جداً إن شاء الله. أنا ودكتور مراد كنا بنتناقش في بعض الأمور الخاصة بالفرع هنا."
ثم ابتسمت وحولت بصرها إلى مراد وتحدثت مداعبة إياه:
"دكتور مراد عمل لنا هدنة من لعبة القط والفار والحمد لله تجاوزنا المرحلة دي وبقينا أصدقاء كمان."
ثم أشارت إلى علبة البسكوت الموضوعة فوق المنضدة وتحدثت بخفة ظل:
"ده حتى سمح للبسكوت يتواجد معانا في الشركة بدون قيود ولا فرض رسوم."
كان يستمع لحديثها وهو ينظر لوجه فلذة كبده الذي يبتسم بسعادة لم يره عليها منذ الكثير. فتحدث صادق متعمدًا لإفاقة مراد:
"أخبار خطيبك إيه يا ريم، مش هنفرح بيكي قريب ولا إيه؟"
ارتبك داخلها وانكمشت أسفل معدتها وأكشعرّت ملامح وجهها لا إرادياً عندما تذكرت حسام.
على الجهه الأخرى، ارتخت أعضاء جسده ولانت بعدما لاحظ تشنجها وردة فعل وجهها التي تدل على ضيقها وضيق صدرها من مجرد الحديث عنه، فهي حقاً أصبحت مؤخراً لم تعد تريد الاستماع حتى لذكر اسمه، فقد باتت تشعر بالاختناق مباشرة لمجرد الإشارة من أحدهم لشخصه.
وأردفت قائلة بلامبالاة:
"لسه بدري يا دكتور، أنا حالياً مابفكرش غير في دراستي وإزاي أتخرج منها بتفوق عشان أكون جديرة بالمكانة اللي حضرتك وضعتني فيها."
أجابها ذلك المنتشي التي كست ملامحه السعادة فجعلت منه وسيماً بشكل مبالغ به تحت أنظار والده المشتتة:
"برافوا عليكي يا دكتورة، كلام عملي وصحيح جداً لحد متمكن من نفسه ومن قدراته."
نظر والده لملامحه بعقل مشوش وقلب مشتت متسائلاً هل يفرح لأجل سعادة صغيرته المزيفة، أم يحزن ويستعد لما هو آت.
أكملت ريم بسعادة وهي تستعد للخروج:
"على العموم عندنا فرح قريب جداً، الباشمهندس سليم خطب وهيتجوز في خلال أسبوعين إن شاء الله، وأكيد حضراتكم هتكونوا أول المدعوين."
ابتسما كلاهما وهنأها وخرجت هي.
ضل صادق ينظر لوجه ابنه السعيد وهو مكتف الأيدي ولا يدري ماذا يتوجب عليه فعله.
***
أما ذلك العاشق الذي كان متواجداً داخل مكتبها يجلس أمامها، مستنداً بساعديه فوق المكتب ويضع كف يده على وجنته، ينظر إليها بعيون هائمة عاشقة حتى النخاع. تحدث بعدم استيعاب:
"أنا مش مصدق نفسي يا فريدة، من كتر ما اتمنيت اليوم ده وحلمت بيه مش مصدق إنه أخيراً حصل وقريب جداً هتكوني مراتي، نور عيوني وأميرة حياتي."
ابتسمت له وسحبت بصرها للأسفل خجلاً فتحدث هو معترضاً:
"بتحرميني من عيونك ليه يا فريدة؟"
وأكمل بهيام:
"بصي لي يا حبيبتي، بصي لي خلي سليم يشبع من عيون حبيبه اللي اتحرم منها سنين وسنين."
وأكمل بصوت ذائب عشق أذاب روحها وجعل قلبها يصرخ مطالباً إياه:
"يا فريدة."
نظرت له بعيون هائمة مطيعة مسحورة فأكمل هو لينتهي على ما تبقى من صبرها وتماسكها الهش:
"بحبك يا فريدة."
تحدثت مستعطفة إياه بشفاه مرتعشة:
"سليم."
أجابها بطاعة وعشق:
"يا عيون سليم."
تحدثت خجلاً:
"وبعدين معاك يا سليم، كفاية كده أرجوك."
أجابها هائماً:
"كفاية إيه؟ هو إحنا لسه قولنا حاجة، إحنا لسه بنبتدي يا حبيبي."
وأكمل:
"لسه هنقول اللي ماقولناهوش طول الخمس سنين اللي فاتوا، هوريكي الغرام على أصوله يا فريدة."
"غرام سليم الدمنهوري لمراته حبيبته اللي عاش عمره كله يتمنى اليوم اللي ياخدها فيه جوة حضنه ويتقفل عليهم باب واحد."
وأكمل بنبرة حماسية:
"إسبوعين يا فريدة، إسبوعين بس وهتكوني حلالي، وساعتها هعوضك وهعوض نفسي عن سنين الحرمان اللي عشناها، هدوقك شهد الغرام، غرام سليم لفريدة أحلامه."
كانت تستمع لكلماته بقلب هائم وروح حالمة ومشاعر مدغدغة وكأنها تتراقص على نغمات عازف بيانو محترف استطاع تملك روحها بالكامل وجعل منها راقصة باليه محترفة.
استفاقت على حالها وتحدثت خجلاً:
"أرجوك كفاية يا سليم، حرام عليك اللي بتعمله فيا ده!"
غمز بعيناه وأجابها بوقاحة:
"هو أنا لسه عملت حاجة يا قلب سليم، اصبري، ده أنا هبهرك."
ابتلعت لعابها وتحدثت بارتباك:
"إنت قليل الأدب على فكرة، واتفضل بقى على مكتبك."
ضحك برجولة وتحدث بوقاحة:
"قليل الأدب من مجرد تلميح، أومال وقت التنفيذ هتعملي إيه؟"
وقهقه مسترسلاً حديثه:
"هتقدمي فيا بلاغ لشرطة الآداب قسم مكافحة إفساد الأخلاق والفضيلة."
وقفت بارتباك وتحدثت وهي تشير إليه للخارج:
"سليم من فضلك، ياريت تتفضل على مكتبك لأن عندي شغل كتير محتاج يخلص."
وأكملت وهي تتهرب من عيناه:
"وياريت تبطل تلميحاتك دي لأنها بتوترني وبتضايقني."
وقف وتحرك إليها واقترب من وقفتها، تلفحتها رائحة عطره التي باتت تعشقها كما تعشقه وشعرت بقشعريرة تسري بجسدها من مجرد اقترابه. بات صدرها يعلو ويهبط بسرعة فائقة.
فتساءل هو بهمس عابث بعثر كيانها:
"فعلاً تلميحاتي بتضايقك وتوترك؟"
أجابته برجاء وارتباك حاجب عيناها عنه:
"سليم."
أجابها هامساً بعثر داخلها:
"عيونه."
تحدثت بقلب ينتفض:
"كفاية أرجوك، متعملش فيا كده."
تساءل وهو يقترب أكثر:
"كده اللي هو إزاي يا فريدة، ممكن أعرف هو قربي بيعمل إيه في حبيبي؟"
أعلنت استسلامها ورمت حالها بإهمال فوق مقعدها وتحدثت بنبرة توسلية:
"اخرج يا سليم من فضلك، أرجوك اخرج، إنتَ ناسي إننا في الشركة."
أجابها بهيام:
"عيونك تنسي الواحد اسمه وزمانه يا حبيبي."
ثم زفر بهدوء وتراجع للخلف وتنهد براحة وعيون هائمة:
"بحبك يا فريدة، بحبك."
ثم تحرك للخارج وأغلق خلفه الباب. وتنهدت هي ثم وضعت يدها فوق صدرها. وابتسمت بسعادة وحدثت حالها:
"ما أجمل شعور عشقك حبيبي، يا لك من رجل ساحر وسيم، أعشقك يا رجلي، أعشق كل ما بك."
"عيناك الساحرة المتيمة بالنظر إلي رسمي."
"صوتك الهائم وهو يتغنى بحروف اسمي."
"روحك السارحة في سماء عشقي وهمسي."
"أعشقك سليم، أعشقك وأنتظر ضمتك الحلال لي ولقلبي المسكين الذي طال انتظاره لفرحة لقياك."
"سأنتظر لقياك وأنا على أحر من الجمر من شدة الاشتياق."
"أحبك سليمي بل أعشقك رجلي الوحيد وزوجي المنتظر."
***
داخل منزل حسن نور الدين وبالتحديد داخل شقة هادي.
خرجت دعاء من المرحاض بعدما أخذت حماماً دافئاً، وجدت زوجها يحمل طفله الرضيع ويهدهده بين راحتيه. تحركت إليه بهدوء وتحدثت هامسة:
"البيبي نام؟"
هز لها رأسه بإيجاب وتحرك بملاكه وقبل جبهته بحنان ثم وضعه داخل مهده بهدوء وعاد إليها. وبعد مدة كانت تقبع داخل أحضانه فوق سريرهما وهو يحتويها بحنان متمدداً بجوارها.
تحدثت دعاء بنبرة صوت مهموم:
"هادي، أنا عايزة أقول لك على حاجة."
قبل جبهتها بحب وأردف قائلاً بدعابة:
"قولي على حاجة."
تنهدت دعاء وتحدثت:
"أنا حاسة إن رانيا هي المتصل المجهول اللي كان بيكلم لبني."
وفجأة وبدون مقدمات انفجر هادي ضاحكاً بصوت عالٍ جعلها تبتعد عن أحضانه وجلست تنظر إليه بوجه عابس. وأردفت قائلة بغضب طفولي:
"شكراً يا هادي على تقديرك ليا ولكلامي."
أردف قائلاً وهو يحاول السيطرة على نوبة الضحك التي أصابته من حديث زوجته الساذج:
"أنا آسف يا حبيبتي، حقيقي مقصدش أتريق على كلامك، بس بجد يا دعاء كلامك مش منطقي خالص."
بعثت يداها على صدرها وتحدثت بوجه كاشر:
"طب مش تسألني يا أستاذ إيه اللي خلاني أقول لك كلامي ده قبل ما تتريق."
نظر لها وكتم ضحكاته محاولاً السيطرة وتحدث بهدوء:
"أنا آسف يا قلبي، اتفضلي قوليلي أسبابك."
زفرت بضيق وأكملت:
"بص يا هادي، إنتَ عارفني مبحبش أظلم حد ولا أفتري عليه بالكلام، عشان كده هقولك شكوكي وإنتَ احكم بنفسك."
وأسترسلت حديثها:
"من فترة كده رانيا استدرجتني في الكلام وعرفت مني علاقة هشام ولبني القديمة والغريبة إنها فرحت أوي وقتها، وبعدها بدأت تتقرب من لبني وأخدت رقم تليفونها وبقت تكلمها على طول، ده غير إنها كانت بتتصرف مؤخراً بطريقة غريبة."
ابتسم لها هادي وتحدث بتعقل:
"أنا معاكي في كلامك وأصدق إن رانيا كانت ممكن تعمل أي حاجة عشان تخلي هشام يسيب فريدة، لأن زي ما كان واضح للجميع إن رانيا بتغير من فريدة وبتحقد عليها، وأكمل حديثه معترضاً: بس أنا مش معاكِ في موضوع إن رانيا هي المتصل المجهول، لسبب بسيط جداً وهو إن رانيا أغبي من إنها تخطط بالذكاء ده كله، ده غير private number واللي رانيا لا تقدر على تمنه ولا حتى كان ييجي في خيالها."
تنهدت وأردفت بتفهم وهي تهز رأسها:
"كلامك صح، بس أنا برضو حاسة إن رانيا مش بريئة من موضوع هشام وفريدة."
تنهد هادي وتحدث بنبرة جادة:
"ربنا يستر عليها الفترة اللي جاية، حازم هيفوقها من عمايلها دي كلها على كابوس عمرها."
ضيقت عيناها باستغراب وأردفت قائلة:
"تقصد إيه بكلامك ده يا هادي؟"
تنهد مهموماً وأجابها وهو يسحبها داخل أحضانه من جديد ويدثرها تحت الغطاء بعناية:
"ما أقصدش حاجة يا حبيبتي، تعالي في حضني ونامي لك شوية قبل الولد ما يصحى."
تنهدت باسترخاء ووضعت رأسها فوق ذراعه وأغمضت عيناها مستسلمة للنوم بأحضان زوجها الدافئة. أما هادي الذي شرد بحديث شقيقه الذي أخبره به منذ يومان على أنه عشق صديقه له بالعمل وينوي إخبار والديه وزوجته لإتمام زواجه منها وذلك لعدم راحته مع زوجته.
***
في اليوم التالي داخل مسكن غادة.
كان هشام يجلس فوق الأريكة مجاوراً خالته التي تواسيه وتعينه على حاله كعادتها. استمعا لصوت جرس المنزل فتحركت غادة وفتحت الباب، فوجئت بلبني تقف أمامها. تنهدت وأشارت لها بالدخول.
دَلفت للداخل ونظرت إليه والدموع تملأ مقلتيها وتحدثت بندم:
"أنا آسفة يا هشام، أرجوك سامحني."
وقف كمن لدغه عقرب وتحدث بحدة:
"أسفة على إيه يا أستاذة؟ على إنك اتفقتي مع واحد حقير ومثلتِ عليا دور الحب عشان تخلي فريدة تسيبني؟"
تحدثت بصياح بنبرة معترضة:
"أنا ممثلتش عليك الحب يا هشام وإنتَ عارف كده كويس أوي، وأكملت بنبرة صريحة: ومش هنكر اللي عملته ولا هتكسف منه، ولو رجع بيا الزمن تاني مش هتردد لحظة واحدة بإني أعمل أي حاجة في سبيل إني أرجعك ليا تاني."
تحدثت غادة بمحاولة منها لتهدئة كلاهما:
"اهدوا واتكلموا بالراحة وبالعقل عشان تعرفوا تفهموا بعض!!"
وقف هشام وحمل أشياءه قائلاً وهو يستعد للذهاب:
"أنا لا طايق أتكلم مع حد ولا عاوز أفهم حاجة، أنا ماشي!!"
جرت عليه وأمسكته من ساعديه وتحدثت بتوسل ودموع:
"أرجوك تسمعني يا هشام، اديني فرصة أتكلم وأشرح لك كل اللي حصل، وأنا راضية بحكمك عليا بعدها."
وأكملت بعيون باكية مترجية:
"أنا محتاجة لك أوي يا هشام، أرجوك متسبنيش وتمشي!!"
نظر لعيناها مطولاً، وبِلحظة انتفض داخله وارتعش صارخاً متمرداً معلناً عن انهيار وذوبان جبل الجليد الذي ظل يبنيه داخل قلبه طيلة السنوات الأربع الماضية. ظل يبنيه حتى لا يأتي اليوم الذي يضعف به أمام عيناها مرة أخرى، ولكن يبدو أنه حان الآن أوان الانهيار.
أمالت رأسها له في حركة توسلية شلت بها حركته وتسمر بوقفته. فأكملت هي بهمس عابث له، بعدما شعرت ببداية لينه لها:
"تعال نتكلم جوة، أرجوك يا هشام، أنا تعبانة وفعلاً محتاجة أتكلم معاك!!"
ابتلع لُعابه فاستغلت هي ضعفه وسحبته من يده وأنساق هو ورائها ممتثلاً لأمر الهوى ولأمرها. نظرت لهما غادة وتنهدت متمنيه داخل نفسها بأن يتفقا ويعودان لعهدهما السابق.
دلفا لداخل حجرة المعيشة وأجلسته فوق الأريكة وجلست بجانبه ثم أمسكت يده تحت انتفاض قلبه وتحدثت:
"خلاص يا هشام، ملوش لزوم تعاند وتغالط نفسك أكتر من كده، أنا بحبك وعمري ما قدرت أنساك، وإنتَ بتحبني وعمرك ما قدرت تنساني، يبقى ليه العند والبعاد؟"
وأكملت بترجي:
"خلينا نرجع تاني يا هشام، خلينا نتجوز زي ما كنت بتطلب مني زمان!!"
انتفض جسده غضباً عندما ذكرته بالماضي وبلحظة استفاق من حالة الهيام تلك التي سيطرت عليه. فجذب يده منها بعنف وتحدث بصياح ونبرة محتده:
"أتجوزك عشان ترجعي من تاني تسيبيني وتقولي لي إحنا زي الإخوات ومننفعش لبعض يا هشام؟"
هزت رأسها بدموع وأردفت قائلة بنفي:
"عمري ما هعمل كده لأني بحبك."
أجابها بحده وعيون تطلق شرزاً:
"طب ما انتِ برضو كنتِ بتحبيني زمان، وحبك ده ما منعكيش ولا شفع لي عندك إنك تفضلي معايا، سبتيني عشان تسافري لباباكي وتتمتعي وتعيشي حياتك في دبي، اتكبرتي عليا وعلي عيشتي وحسستيني بعجزي وقلة حيلتي ومستوايا اللي ما يليق بمستوى جنابك."
وأسترسل حديثه بصياح عالٍ:
"ويوم ما قررتي ترجعي رجعتي عشان تخربي لي حياتي اللي عشت أبني فيها عشان أتخبى ورا جدرانها وأنسى بيها تجربة غدرك المرة!!"
وأكمل باتهام وصياح عالٍ:
"يوم ما رجعتي رجعتي عشان تخلي فريدة تسيبني وتتخلي عني زي ما إنتِ عملتي معايا بالظبط، يعني ما اكتفيتيش باللي عملتيه فيا زمان، لا، رجعتي عشان تخليني أعيش نفس تجربتك المرة من جديد على إيد فريدة."
وأكمل بمرارة وعيون بها لمعة دموع حبيسة تأبي النزول:
"فريدة الإنسانة الوحيدة اللي احتوتني باحترامها وولائها ليا وصبرها معايا، ووقفتها في ظهري وإصرارها على إننا نتخطى الصعب ونصنع حياة أفضل بمجهودنا وكفاحنا مع بعض."
وأكمل معنفاً إياها:
"فريدة قبلت بيا وبظروفي اللي إنتِ اتمردتي عليها وروحتي تعيشي حياة الرفاهية عند أبوكي."
"وسبحان الله، بعد ما سافرتي على طول قابلت فريدة بالصدفة، وكانت دي الصدفة اللي غيرت حياتي 180 درجة للأفضل."
"ونظر لها بقلب يتألم وعيون حزينة تتلألأ بها حبات الدموع."
"فريدة كانت القشة اللي اتعلقت بيها عشان أخرج من بحر ظلماتك اللي رميتيني فيه ومشيتي وسبتيني بدون رحمة!!"
"وأكمل متألماً: فريدة قدمت لي كل حاجة فقدتها على إيديك، قدمت لي ثقتي في نفسي اللي علت وارتفعت لعنان السماء بفضلها، قدمت لي الاحترام في معاملتها الراقية ليا، عاملتني كإنسان ليه قيمة، ومكتفتش بكده وبس، لا، فريدة فضلت جنبي وتدعمني عند رؤسائها ومديرينها لحد ما وصلت للمكانة اللي حسيت بيها إني بقيت بني آدم ليه قيمة بجد."
"وأكمل بعيون تحن لذكرى أجمل وأنقى فتاة قابلها بحياته وأضاعها بغبائه وضعفه الذكوري: فريدة كانت السبب في كل حاجة حلوة حصلت لي في حياتي، فريدة كانت كل حياتي."
ثم نظر لها وهدر بها باشمئزاز ووجع دفين لسنوات مضت:
"إنتِ بقا عملتي لي إيه غير إنك اتمردتي على ظروفي وروحتي تعيشي في الرخاء عند أبوكي؟"
كانت تنظر له بقلب يتأكل ندم وغيرة وحسرة، وتهز رأسها بنفي ودموعها تنهمر فوق وجنتيها وتحدثت مفسرة:
"إنتَ فاهم غلط يا هشام، إنتَ كده بتظلمني، أنا مسبتكش عشان ظروفك المادية."
نظر لها باشمئزاز وتحدث متسائلاً:
"أومال سبتيني ليه يا حب عمري؟"
بكت وأنزلت بصرها للأسفل وصمتت.
تنظر لها وتحدث بنبرة حادة:
"من النهارده مش عاوز أشوف وشك قدامي في أي مكان أروحه يا لبني."
وخطى خطوتين وفجأة تسمر بوقفته وتزلزل جسده بالكامل حين استمع لحديثها بنبرة صوتها الباكي:
"أنا سافرت عشان ما تشوفنيش وأنا بموت يا هشام، أنا كنت مريضة لوكيميا في مرحلة متأخرة."
فاق كلاهما على صوت تهشم عالٍ. التفتًا حيث مصدر الصوت، ووجدا غادة تقف واضعة يدها فوق فمها بذهول وعيون جاحظة، تتناثر حولها قطع زجاجية نتيجة تهشم تلك الكؤوس التي كانت تحملها وتدلف بها إليهما، ووقعت منها على أثر ما استمعته من فم ابنة شقيقتها.
أما هو التي نزلت عليه كلماتها كالصاعقة الكهربائية، حول بصره إليها وتحدث بذهول:
"إنتِ بتقولي إيه يا لبني؟"
بكت بحرقة وجرت عليها غادة تسألها والقلق ينهش داخلها:
"لبني، إنتِ بتقولي إيه؟"
تحرك بخطوات مرتبكة ووقف مقابلًا لها وتساءل بصوت حذر والقلق ينهش داخله:
"قبل أي حاجة طمنيني وقولي لي إنك خفيتي وبقيتي كويسة؟"
هزت رأسها من بين دموعها الغزيرة بإيجاب. فتنفس هو براحة كمن كان خارج الحياة وعاد إليها بسلام. أمسكت غادة التي تبكي بشدة يدها تجرها خلفها للأريكة وأجلستها وتحدث بهدوء:
"أنا كنت حاسة إن سفرك إنتِ وأمك وراه حاجة كبيرة، بس كنت طول الوقت بكذب إحساسي."
"احكي لي كل حاجة من الأول."
نظرت لهما وبكت حين تذكرت أسوأ ذكرى في تاريخ حياتها على الإطلاق.
***
فلاش باك.
قبل أربعة أعوام من وقتنا الحالي.
كانت تتحرك داخل جامعتها بجانب صديقاتها. فتحرك شاب إليهما قائلاً:
"نتيجة التحاليل بتاعت الحملة اللي وزارة الصحة كانت عاملاها لنا ظهرت يا بنات، كل واحدة تروح تستلم أوراق تحاليلها وتطمن على نفسها."
ضحكت لبني قائلة بدعابة:
"وإنتَ بقا دخل عليك حوار الاهتمام من الدولة والكلام الفاكس ده، يا ابني ده مجرد بروتوكول ظاهري ولا منه أي لازمة."
تحدث هيثم معترضاً:
"لا طبعاً يا لبني مش مجرد بروتوكول، الدولة عاملة الحملة دي عشان اكتشاف الأمراض وازدياد فرصة علاجها وشفائها."
هزت رأسها بعدم اقتناع وذهبت لاستلام نتيجة التحليل الخاص بها. نظر لها الموظف الخاص بتسليم نتائج التحاليل مطولاً ثم تحدث بنبرة قلقة:
"آنسة لبني، مفيش أي أعراض غريبة حسيتي بيها الفترة اللي فاتت؟"
تساءلت بعدم فهم:
"أعراض زي إيه يعني مش فاهمة؟"
أجابها بهدوء:
"بصي يا آنسة، نتيجة التحاليل بتقول إن فيه أجسام غريبة في الدم، لازم تخضعي لكشف كامل عند دكتور خبرة وتروحي معمل كويس وتعملي تحليل CBC وربنا معاكي إن شاء الله."
ارتبكت لبني من حديثه وعادت إلى المنزل وقصت على مسامع والدتها ما دار بينها وبين ذلك المختص.
بعد مرور ثلاثة أيام كانت تقبع فوق سريرها بحالة لا يرثى لها تنظر لسقف الغرفة بشرود وصمت مخيف، تجاورها والدتها التي تحتضن كف يدها وتبكي بألم يمزق جسدها بالكامل وليس قلبها فقط، وذلك بعدما كشفت التحاليل والأشعة التلفزيونية أنها مريضة بسرطان الدم بمرحلة متأخرة وتحتاج إلى معجزة لشفائها. أخبرهم الطبيب أيضاً أن العلاج الأسلم هو زرع نخاع لها من أحد أقرباء الدرجة الأولى وبعدها ستخضع للعلاج الكيميائي.
دلف شقيقها إليهما وهو يتحدث إلى والده عبر تطبيق الفيديو كول من جهاز الحاسوب. وبعد مدة من الدموع والآلام من الجميع، تحدث كمال بحنان ليطمئن فلذة كبده:
"متخافيش يا لبني، هتتعالجي وهتبقي كويسة، لو هتضطر أبيع هدومي وأعالجك مش هتأخر عليكي يا بنتي، أنا هحجز وهنزل مصر في أقرب وقت."
بعد قليل خرجت لبني لبهو المسكن وجدت والدتها وشقيقها يجلسان بوجه مهموم حزين. جلست مقابله لهما وتحدثت بجمود اصطنعته بصعوبة:
"أنا قررت أسيب هشام، وهسافر عند بابا أقضي أيامي اللي باقيالي في هدوء بعيد عن الكل."
نظرت لها والدتها بألم فأكملت هي:
"مش عايزة أي حد يعرف قصة مرضي، أنا فاضل لي أسبوع وأبدأ امتحاناتي، هخلصها عشان محدش يشك في حاجة وبعدها هسافر دبي عند بابا."
بكت والدتها بقهر وتحدث ماجد بنبرة حادة:
"إيه كمية الإحباط اللي في كلامك دي يا لبني؟"
وأكمل بنبرة حماسية آمرة:
"أنا مش هسمحلك تكوني بالضعف ده إنتِ فاهمه، هتتعالجي وهتخفي وإحنا كلنا هنكون معاكي وحواليكي ومش هنسيبك، أنا وبابا وماما وهشام وكل حبايبك هندعمك ونقف معاكِ."
صرخت به وتحدثت بانهيار:
"قولت لك مش عايزة حد يعرف وخصوصاً هشام."
أردفت مني قائلة بدموع:
"ليه بس يا بنتي، هشام بيحبك وأكيد وجوده معاكي هيفرق في نفسيتك وهيسرع شفاكي."
صرخت لبني قائلة بيأس وانهيار ودموع:
"إنتِ بتضحكي على نفسك ولا بتضحكي عليا يا ماما؟ أنا وإنتِ عارفين كويس أوي إن اللي بيجيله المرض ده مبينجوش منه، وأكملت بضعف واستسلام: تيتا وعمتو متوفيين بنفس المرض وأنا أكيد هموت زيهم."
جرى عليها ماجد واحتضنها باحتواء وتحدث بدموع:
"خلاص يا حبيبتي اهدي، أنا هكلم بابا وأقول له يلغي الحجز وأنا وإنتِ هنسافر له وهتتعالجي هناك وهتبقي زي الفل."
أكملت والدته على حديثه بتأكيد:
"وأنا هسافر معاكم، وهتخفي يا قلبي، بس أنا هتصل بهشام وأقول له عشان يعمل حسابه ويسافر معانا."
خرجت من أحضان شقيقها تهز رأسها رفضاً بطريقة هستيرية وأردفت قائلة:
"قولت لك هشام مش لازم يعرف يا ماما."
وأكملت ببكاء حارق للقلوب:
"هشام ما يستاهلش إني أوجعه يا ماما، أنا هسيبه وهسافر عشان يكرهني وينساني، مش عايزاه يشوفني وأنا باتألم ويتوجع علشاني، وأكملت بمرارة تدمي القلوب وهي تتلمس شعر رأسها بحسرة: عايزة لما أجي على باله يفتكرني وأنا في أجمل صورة ليا، عايزاه يفضل فاكر لبني الجميلة اللي حبها وحلم معاها ببيت صغير يضمهم."
وبعد جدال طويل وافقتها مني وماجد وأبلغا والدها وبالفعل بعد تأدية الاختبارات أبلغت هشام أنها لا تريد الزواج منه، وسافرت وتركته محطم الآمال والوجدان.
بعد ذهابها إلى دبي تبرع لها أحد الأثرياء المقربين من كمال بمبلغ طائل وساعدها على السفر إلى أمريكا وبدأت رحلة علاجها التي استغرقت ثلاثة أعوام حتى الشفاء الكامل. ذاقت خلالهم الويلات وكم قابلتها لحظات ضعف ولحظات استسلام حتى تجاوزت محنتها بفضل الله ثم الصبر والدعاء من والديها ومنها وشقيقها.
تذكرت بإحدى المرات التي كانت تقبع فوق سرير المشفى بهيئة مزرية وجسد نحيل ووجه ذابل وذلك من تأثير جلسات العلاج الكيميائي التي خضعت إليه بعد زرع النخاع داخل عظامها والذي تبرع به شقيقها ماجد. تحدثت بصوت ضعيف إلى شقيقها الجالس بجانبها هو ووالدتها:
"ماجد،،،،، اتصل بهشام وكلمه في أي حاجة،،، نفسي أسمع صوته،، وحشني أوي."
وبكت والدتها وأردفت قائلة بمرارة تسكن داخلها:
"خليني أكلمه وأقوله ييجي يقف معاكي يا لبني."
هزت رأسها بضعف وأردفت قائلة:
"عايزاه ييجي يشوفني وأنا بالشكل ده، ليه كده يا ماما، للدرجة دي مش خايفة عليه وعلى قلبه من الوجع؟"
هز ماجد رأسه بطاعة وأجابها:
"متجهديش نفسك بالكلام يا حبيبتي وأنا هتصل لك عليه بكرة عشان ممنوع دخول التليفونات وإنتي واخده الجلسة."
في اليوم التالي هاتف ماجد هشام لتستمع لبني صوته وتريح قلبها المشتاق، لكنه لم يجب على المكالمة التي كررها ماجد ولكن دون فائدة.
استمرت رحلة العلاج ثلاثة أعوام كاملة وبعدها تم الشفاء بفضل الله، ظلت لبني عام آخر بدبي عندما علمت بخطبة هشام لأخرى واندماجه معها ونسيانها. حاولت الارتباط بآخر حتى تمحو هشام من ذاكرتها ويصبح من ماضيها وتكمل هي حياتها بدونه، ولكنها فشلت فشلاً ذريعاً، وبعدها قررت العودة هي وأسرتها إلى أرض الوطن.
***
عودة للحاضر.
انتهت من سرد قصة مرضها المميت ونظرت إليه تستشف من عيناه السماح والغفران. كان ينظر لها بذهول وصدمة ألجمته وشلت جميع جسده بالكامل. أما عن غادة التي كانت تبكي بانهيار، أمسكت كفي يداها وقبلتهما وأردفت قائلة بدموع:
"كل ده يحصل لك ومتقوللناش."
تحركت إلى ذلك الساكن بجلسته وجلست بجانبه وتساءلت بترقب:
"ساكت ليه يا هشام؟"
ابتسم ساخراً وأجابها بنبرة متهكمة:
"منتظرة تسمعي مني إيه يا لبني، أجري عليكِ وأحضنك وأقول لك أنا آسفة، أقول لك أنا آسفة على إنك خليتيني أعيش تجربة وجعت روحي ودمرت كياني سنين، إنتِ عارفة إنتِ عملتي فيا إيه؟"
ثم نظر لها باشمئزاز قائلاً:
"تعرفي يا لبني، إنتِ أكتر واحدة أنانية أنا شفتها في حياتي، كنتِ أنانية حتى في مرضك وقررتي تخبيه عن الكل، كنتِ أنانية وإنتِ بتدبحي روحي وتحسسيني أنا قد إيه قليل الحيلة ومش قادر أحقق لك أحلامك، مشيتي ومهمكيش أهلي وأصحابي هيبصولي إزاي، حتى لما قررتي ترجعي رجعتي عشان نفسك، قررتي تدبحي فريدة بسكينة لمة ومهمكيش قلبها اللي اتكسر وثقتها في نفسها اللي كانت ممكن تدمر لولا قوتها وثباتها، وبرضه ده عملتيه عشان نفسك."
"وراجعة تاني وبكل بساطة عايزة تاخدي كل حاجة من غير ما تخسري أي حاجة،" وتساءل: "ده في شرع مين الكلام ده يا لبني هانم؟"
أجابته بعيون متوسلة:
"في شرع القلوب العاشقة يا هشام، وأكملت بدموع وترجي: أنا راجعة من رحلة الموت وانكتب لي عمر جديد ونفسي أعيشه في حضنك يا هشام."
"سامحني يا هشام وأديني فرصة ثانية، أنا بحبك ومستعدة أعيش عمري كله تحت رجليك، بس خليني جنبك أرجوك متبعدنيش."
تمالك لأبعد الحدود كي لا يرتمي بأحضانها ويبكي كطفل صغير وجد ملاذه الآمن بوجود أمه نبع الطمأنينة والأمان. نظر لها وأخذ نفساً طويلاً وتحدث معترفاً بتألم:
"أنا عمري مانسيتك يا لبني، أنا كنت بتناساكي، كنت بتلاشى أي حد يجيب سيرتك عشان محسش بحنين ناحيتك."
انفرجت أساريرها وتحدثت بحماس وفرحة عارمة:
"يعني إنتَ لسه بتحبني يا هشام؟"
أجابها بابتسامة وعيون عاشقة:
"أنا اكتشفت النهاردة بس إن عمري ما بطلت أحبك يا لبني!!"
تساءلت هي بحماس:
"هشام، إنتَ لسه عايز تتجوزني؟"
ابتسم لها بحب وهز رأسه بإيجاب. فتحدثت هي سريعاً بسعادة:
"وأنا موافقة، موافقة إني أكون مراتك يا هشام."
تحركت غادة إليهما وإبتسمت بسعادة وأحتضنت ابنة شقيقتها التي كادت أن تحلق في السماء من شدة سعادتها. ثم تحركت لهشام الذي هب واقفاً واحتضنته بسعادة قائلة:
"ألف مبروك يا حبيبي، عين العقل يا هشام، عين العقل يا حبيبي."
ثم نظرت إلى لبني وأشارت لها لتقترب واحتضنت كلاهما بسعادة وحب تحت نظرات الهيام والسعادة التي تنطق من نظراتهما بعضهما البعض.
سعد داخله وهو ينظر إليها وقرر أن يكمل حياته مع لبني ليُنسيها آلام الماضي ويتناسى معها آلام ماضيه وحاضره، وينغمس داخل أحضانها ويذوب فيها ويسبح، لعلها تنسيه تلك البريئة جميلة الروح، صافية القلب التي لم ولن ينسى برائتها مهما طال الزمن.
ولكن صبراً هشام، فالزمن كفيل يا ولدي أن ينسيك صافية القلب والروح، نعم لن يستطيع أن يمحو تفاصيلها من مخيلتك، ولكن ستتناساها وتتغافل وجودها وخصوصاً بوجود تلك العاشقة لبني. ستزور مخيلتك كل حين وآخر، مثل طيف جميل يمر عبر خيالك السارح، مثل نسمة هواء منعشة في نهار صيف ساخن تلفح وجهك تنعشه وتسعد فؤادك، تبتسم لتلك الذكرى بسعادة، ثم تستمر بالمضي قدماً في رحلة حياتك مع عاشقة عيناك "لبني". هكذا هي الحياة، وهذا هو حال العاشقين.
رواية جراح الروح الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم روز امين
عاد هشام إلى منزله بصحبة غادة التي أصرت أن تحضر معه نقاشه مع والديه وتقف بجانبه وهو يخبرهما أنه نوى خطبة لبنى، ويطلب منهما الرضا والسماح.
شرحت لهما غادة ملابسات سفر لبنى ومرضها وما حدث معها طوال الأعوام الأربعة السابقة. وبالطبع تعاطف الجميع مع حالتها، وخصوصاً سميحة التي بكت بحرقة من قلبها على ما أصاب ابنة شقيقتها الغالية، وما عانته هي وأهلها دون وقوف أحبائهم بجانبهم.
هاتفت شقيقتها ولَامَتْها على عدم إخبارهم بالحقيقة وتحمل ويلات هذا المرض الشرس هي وأسرتها دون مشاركة الأهل وتقاسم الهموم والحزن سويًا.
وبعد يومين، ذهب حسن نور الدين بصحبة عائلته لزيارة عائلة كمال وطلب منه أخذ الموافقة على خطبة لبنى لهشام. وبالفعل تمت الخطبة تحت سعادة ورضا الجميع، وبالأخص تلك العاشقة التي أخيرًا أشرعت بالبدء في أولى خطوات تحقيق حلمها السعيد.
***
بعد عودة عائلة حسن إلى منزلهم، كان الجميع يجلس داخل الحديقة يتسامرون بهدوء. دلفت دعاء إلى المطبخ لتحضر وجبة لطفلها الكبير حيث أخبرها أنه جائع.
وجدت رانيا تٌدندن بسعادة مفرطة وهي تقف أمام المشعل لصنع مشروب القهوة المفضل لدى أهل زوجها. نظرت لها دعاء وتحدثت باستغراب:
"ده إيه السعادة اللي إنتِ فيها دي كلها يا رانيا؟"
نظرت لها وتنهدت بانتشاء وأجابتها بعيون سعيدة:
"فرحانة علشان خطوبة هشام ولبنى يا دعاء، إيه، عندك مانع؟"
أجابتها دعاء بحديث له مغزى:
"آه ما أنا واخدة بالي وملاحظة كمان إنك فرحانة يمكن أكتر من لبنى نفسها. واستغربتك أوي لما افتكرت تكشيرتك يوم خطوبة هشام على فريدة."
اقشعرّت ملامح رانيا وأجابت دعاء بوجه عابس:
"ملقيتيش غير السيرة اللي تحرق الدم دي علشان تنكدي عليا بيها وأنا مبسوطة؟"
وأكملت بحقد ظهر بحديثها:
"وبعدين أهي غارت في داهية وخلصنا من تناكتها وأرفها. ويا ريت بقى تبطلي تجيبي سيرتها في البيت تاني."
وأكملت بنبرة تهديدية:
"ومتنسيش إن هشام خطب بنت أخت حماتك، يعني أكيد مش هتسمحي لأي حد يجيب سيرة الكونتيسة القديمة علشان متضايقيش بنت أختها."
أجابتها دعاء بهدوء:
"أولاً أنا مش عارفة إنتِ ليه بتكرهي فريدة بالشكل البشع ده. ثانياً بقى أنا وإنتِ عارفين كويس أوي إن حماتي بتحب فريدة وأهلها."
وأكملت لتشعل روحها:
"ولعلمك بقى، طنط سميحة مازالت بتحب فريدة جداً وبتحترمها. بدليل إنها فرحت جداً امبارح لما هادي بلغها إن فريدة اتخطبت للعضو المنتدب اللي كان السبب في زيادة مرتبات الشركة كلها، وإنها كمان هتسافر معاه لألمانيا وتعيش هناك."
وأكملت دعاء لتحثها على استيقاظ ضميرها النائم قبل فوات الأوان:
"سبحان الله، اللي حاول يفرق بينها وبين هشام علشان يقهر قلبها، كان بيخدمها ويعلي من شأنها وهو مش عارف. واستشهدت بالآية الجليلة من كتاب الله عز وجل."
"حقيقي صدق الله حين قال في كتابه العزيز: 'ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين'."
اكتظت ملامحها واشتعل داخلها من نار غيرتها لحظ تلك الفريدة المرتفع لعنان السماء، ولكنها تحدثت بنبرة باردة حاولت بها تخبئة نارها الشاعلة:
"الله يسهل لها بعيد عننا، أهم حاجة إنها اختفت من قدام عينينا وللأبد."
وحملت القهوة وخرجت من المطبخ بأكملها تحت حزن دعاء على تلك الحقودة التي سيدمرها حقدها على الآخرين.
***
في اليوم التالي داخل أحد الأماكن العامة، كان يجلس حازم وتلك الحبيبة الهادئة يحتسيان مشروبًا ويتحدثان بسعادة عن التخطيط لمستقبلهما المنتظر.
تحدثت بسمة بقلق وتوجس:
"أنا خايفة أوي يا حازم لتحصل مشكلة بينك وبين أهلك بسببي، قلقانة من إنهم يرفضوا ارتباطنا وخصوصًا لما يعرفوا إن عندي ولد وهيعيش معايا مكان ما هكون."
أجابها بثقة:
"متقلقيش يا حبيبتي، أنا أهلي متأكدين وشايفين بعيونهم إني مش مرتاح مع رانيا، وإن شاء الله يتفهموا موضوعنا ويتقبلوه. وربنا يقدرني وأكون أب حقيقي لابنك وأقدر أعوضه وأعوضك."
أكملت حديثها القلق:
"طب ومراتك يا حازم، تفتكر هتسكت على خبر جوازك من غيرها؟"
زفر حازم وأجابها:
"هي حرة في أي قرار وتصرف تعمله، ولو مش حابة تكمل أنا..."
كاد أن يكمل لولا حديث بسمة الرافض لحديثه:
"لا يا حازم أرجوك، بلاش طلاق."
وأكملت بمشاعر صادقة:
"أنا دُقت مرارة الطلاق ونظرة المجتمع العقيمة للست المطلقة ولا يمكن هقبل إن مراتك تعيش نفس ظروفي."
وأكملت بإصرار:
"أنا مش هبني سعادتي على تعاسة غيري يا حازم."
أجابها حازم مبتسمًا:
"متقلقيش يا حبيبتي، إن شاء الله مش هيحصل مشاكل."
وأكمل مفسرًا:
"أساسًا أنا مش في دماغ رانيا علشان تعمل ثورة أو تزعل وتطلب الطلاق."
أجابته بثبات:
"بيتهيق لك يا حازم. مهما كانت الست مش مهتمة بجوزها أو مش فارق معاها إلا إنها بتتحول لغول مجروح لما تعرف إن جوزها فضل عليها ست تانية، بتحس بمنتهى الإهانة وغصب عنها بتتحول لمنتهى الشراسة، وده طبعًا من حقها."
ثم أكملت بنبرة صوت متأثرة وعيون تكسوها غشاوة الدموع:
"عارف يا حازم، أنا عمري ما تخيلت إن ييجي عليا اليوم اللي أجرح فيه ست زيي وأدوقها من نفس مرارة الكاس اللي شربت منه."
وأكملت باعتراف وضعف شديد:
"لكن غصب عني والله، أنا حبيتك أوي يا حازم وشفت فيك فارس أحلامي اللي كنت بحلم بيه طول حياتي، غصب عني اتشديت لك ومفكرتش في أي حاجة تانية."
كان يستمع لها بسعادة وقلب ينتفض فرحًا وتحدث بعيون متيمة:
"وأنا حبيتك أوي يا بسمة وشفت فيكي عوض ربنا ليا، وإن شاء الله هعوضك عن كل اللي شفتيه قبلي."
تبادلا بينهما النظرات العاشقة والابتسامات الهائمة متأملين غدًا أفضل لكليهما داخل أحضان الآخر.
***
بعد يومين، طلب سليم من والدته وريم الذهاب معه إلى منزل فريدة كي يذهبا معهما وهما ينتقيان شبكة فريدة. وبالفعل ذهبت آمال وريم بصحبته.
دَلَفَتْ آمال للداخل بعدما استقبلهم فؤاد وأدخلهم، وجلست بجانب سليم بوجه بارد وأنف مرتفعة وهي تتطلع حولها باستكبار وغرور. نعم، فقد أبدلت فريدة أثاث المنزل بأكمله، ولكنه لا يرقى لذوق تلك المتكبرة ذات الغرور الهائل.
جاءت إليها عايدة وفريدة. تحاملت على حالها ووقفت وتحدثت بابتسامة رسمتها بصعوبة:
"أهلاً يا مدام عايدة."
أجابتها عايدة بابتسامة صافية ولكن ينتابها قلق من وجه تلك الباردة:
"أهلاً بيكي يا حبيبتي، نورتينا."
اقتربت عليها فريدة وأردفت قائلة باحترام:
"إزي حضرتك يا طنط."
أجابتها بهدوء وابتسامة رسمتها على وجهها خشية حزن سليم:
"أهلاً يا فريدة."
حولت فريدة بصرها لتلك ريم التي ما إن اعتدلت لها فريدة حتى ارمت داخل أحضانها وتحدثت بسعادة:
"مبروك يا ديدا، ألف مبروك."
وأخرجت حالها وأكملت باقي حديثها تحت سعادة فريدة الهائلة:
"متتصوريش أنا فرحت قد إيه لخبر الموسم ده."
ابتسمت لها فريدة وأكملت ريم تعرفها على عايدة ونهلة اللتان أحبا تلك الجميلة المرحة والتي لا تشبه والدتها بشيء.
وجلس الجميع داخل أجواء مشحونة غير مريحة، وذلك بسبب نظرات تلك آمال المتعالية لكل ما حولها.
وبعد قليل، كانت فريدة بصحبة سليم وعايدة وآمال وريم ونهلة داخل إحدى المحال الكبرى لبيع المجوهرات.
كانت تقف بجواره تنتقي إحدى القطع. أمسكت إسوارة من الذهب الخالص رقيقة للغاية وبسيطة.
ابتسم لها ذلك العاشق وتحدث بحنان:
"عجبتك يا حبيبي؟"
هزت له رأسها بإيجاب وتحدثت:
"حلوة أوي يا سليم."
ابتسم لها ثم تحدث إلى الجواهرجي:
"هناخد دي، ومن فضلك عاوز طقم كامل من الألماس، بس يكون حاجة مميزة."
تحدث إليه الجواهرجي بهدوء:
"موجود يا أفندم، طقم مميز ونادر، بس سعره هيكون عالي شوية."
انتفض داخل آمال برعب وضيق ونظرت إلى سليم تترقب إجابته، فتحدث وهو ينظر لعين معشوقته:
"مش هيكون أغلى وأعلى من اللي هتلبسه، حبيبتي غالية أوي، ولازم شبكتها تبقى غالية ومميزة زيه."
تحدثت فريدة باعتراض:
"بلاش يا سليم، كفاية أوي الإسورة وخاتم الخطوبة، حقيقي هما عاجبيني جداً ومش عاوزة حاجة غيرهم."
أكدت عايدة على حديث ابنتها:
"اسمع كلامها يا سليم وكفاية الإسورة، دي كلها شكليات فاضية يا ابني."
نظر لها وتحدث بإصرار:
"على فكرة يا ماما دي هديتي لفريدة، وأنا وذوقي بقى."
أتت الجواهرجي بالطقم وأعطاه إلى سليم الذي نظر إليه بانبهار وقدمه إلى فريدة وتحدث:
"شوفي كده يا حبيبتي."
نظرت إليه بانبهار فحقًا كان رائعًا ويشد البصر وتحدثت على استحياء:
"بلاش من فضلك يا سليم، ده شكله غالي أوي."
أجابها بعيون ولهة:
"الغالي يرخص قدام عيونك يا فريدة، أنا لو أقدر أقدم لك نجمة من نجوم السما مش هتأخر يا عمري."
ابتسمت عايدة وسعد داخلها من عشق سليم الهائل لصغيرتها. وتحدثت ريم بسعادة وهي تنظر إليه:
"حلو أوي يا ديدا، مبروك عليكي."
وأكدت نهلة على حديثها واحتضنت شقيقتها بسعادة هائلة وأردفت قائلة:
"مبروك يا حبيبتي، ربنا يتمم لك بخير يا فريدة."
ونظرت إلى سليم وتحدثت بابتسامة:
"مبروك يا باشمهندس."
أجابها سليم بسعادة:
"متشكر يا نهلة، عقبالك."
أما آمال التي اشتعلت النار داخلها وهي تنظر لذلك الطقم النادر بألم داخل قلبها، ولكنها فضلت الصمت.
وتحدثت حالها بغضب تام:
"ظهرت الرؤية أيتها المشعوذات، تجدن رسم وجه البراءة بإتقان عالٍ، يمكن أن تنطلي تلك الوجوه الخبيثة على ذلك الأبلة عديم الخبرة، أما أنا فلن تستطعن خداعي بعد الآن."
***
في اليوم التالي، اصطحب سليم فريدة ونهلة إلى إحدى المتاجر الخاصة ببيع أثواب الزفاف لتنتقي ثوبها الذي طالما حلمت به وارتدائه له هو بالتحديد.
انتقَتْ ثوبها الرقيق ودلفت للداخل وبعد مدة خرجت عليه وهي ترتديه. فتح فاهه وتحرك إليها منبهرًا بجمالها وجمال الثوب الذي زادته هي روعة وجمالاً.
نظر لها بقلب يحترق شوقًا وهيامًا، تمنى لو أن له الحق في أن يُدخلها داخل أحضانه ويشدد من ضمتها ويخفيها عن العيون.
وقف مقابلًا لها وتحدث بصوت هائم وكأنه مسحورًا:
"إنتي حلوة أوي يا فريدة، حلوة أوي."
ابتسمت له برقة وسحبت بصرها عنه خجلًا، متلاشية نظراته الجريئة.
تحركت إليهما نهلة وتحدثت على عجل:
"خرجتي بالفستان ليه يا فيري؟ بيقولوا فال مش حلو إن العريس يشوف عروسته بفستان الفرح."
ابتسمت هي وتحدث هو بضحكات رجولية:
"وإنتي بقى بتصدقي الكلام الفارغ ده يا نهلة؟"
أجابته بتوجس:
"مش عارفة يا سليم، أنا بسمع مش أكتر."
ثم نظرت إلى شقيقتها وتحدثت بانبهار:
"الله أكبر عليكي يا قلبي الفستان هياكل منك حتة. واحتضنتها بحب قائلة: ربنا يتمم لك بخير يا حبيبتي."
ابتسمت لشقيقتها وتحدثت بابتسامة رقيقة:
"عقبالك يا نهلة."
كان ينظر لها متمنيًا مرور الوقت سريعًا كي يقتني جوهرته الثمينة ويُسكنها داخل روحه وتستكين روحه بوجودها بقربه.
***
ذهب هشام إلى فايز وأبلغه عن طلبه في توظيف خطيبته، وبالفعل وافق فايز تقديرًا لموقف هشام المؤلم وقلبه المجروح.
وبعد يومين، كانت تتحرك داخل الشركة متوجهة إلى المصعد للذهاب إلى مكتبها. وجدت بوجهها هشام يتحرك بجوار تلك لبنى بطريقهم أيضًا إلى المصعد.
نظرت إليه ونظر هو إليها بانتفاضة من صدره شعرت بها لبنى، لكنها تغاضت لتفهمها لوضع هشام وأنه ما زال يكن لها بعض الاحترام ويشعر تجاهها بالفضل عليه، وتفهمت أيضًا أن مشاعره الآن ما زالت مشتتة ومبعثرة نتيجة ما حدث، وتأكدها من أن لها القدرة على استرجاعه إليها من جديد، بل أنها قادرة على جعله أن يعشقها أضعاف أضعاف ما كان بينهما من ذي قبل.
اقتربت عليهما فريدة وتحدثت بوجه بشوش كي تذيب تلك المشاحنات:
"صباح الخير."
رد هشام باقتضاب مصطنع:
"صباح النور."
ثم نظر لها بكل كبرياء وتحدث وهو يشير إلى لبنى كي يحرق روحها ويجعلها تغار عليه:
"مش تباركي للبنى، أول حاجة أنا خطبتها، تاني حاجة اتعينت معانا هنا في الشركة."
نظرت إليها بابتسامة بشوشة خارجة من قلبها الحنون وتحدثت إليها:
"ألف مبروك، هشام ابن حلال ويستاهل كل خير، خلي بالك منه كويس، ومبروك على الوظيفة، إن شاء الله تنبسطي معانا هنا في الشركة وتلاقي نفسك."
ابتلعت لبنى لُعابها من سماحة تلك الفريدة المطلقة وما كان منها إلا أنها أجابتها بهدوء ووجه بشوش:
"ميرسي يا فريدة."
ثم نظرت إلى هشام وتحدثت بنبرة ودودة:
"مبروك يا هشام."
ثم تحركت وتخطتهما وذهبت إلى مكتبها تحت استغراب هشام وحيرته: كيف لها أن تكون بكل ذلك البرود؟ أين غيرتها وحرقة روحها لأجلي؟ ألم تكن بخطبتي؟ ألم تكن تعشقني ذات يوم من الأيام؟
ما تلك الحيرة التي وضعتني بها تلك الفتاة!
فاق من شروده على يد لبنى التي احتضنته لتسحبه إلى عالمها من جديد. نظر لها وجدها تبتسم له بعيون عاشقة هائمة. ارتبك من تلك النظرة ثم شعر براحة غريبة داخل قلبه واطمأنت روحه، وتحرك بجانبها باتجاه مكتبه الخاص بهدوء وثبات نفسية.
توالت الأيام وبدأ هشام بالتعود وقبول فقدانه لفريدة بل والتعود على وجود لبنى بحياته وعودة عشقه السابق لها واندماجهما معًا في الترتيبات لموعد زفافهما المنتظر.
***
مساءً، ارتدت فريدة ثوبًا مميزًا جعلها تبدو كملكة وذلك لانتظارها لفارسها الذي أخذ الإذن من والدها ليصطحبها لإحدى المطاعم لتناولهما العشاء سويًا.
وبعد قليل، كانت تجلس بجانبه داخل سيارته بعدما جاهد في إقناع والدها باصطحابها بسيارته وبرر ذلك أنه يخشى عليها القيادة ليلاً وسط الزحام.
نظر إليها وتحدث بانبهار:
"أكاد من ويلات الاشتياق أذوب."
ابتسمت هي وأكمل هو باشتياق:
"أمتى الخمس أيام اللي فاضلين دول يعدوا، الصبر جاب آخر صبره معايا يا فريدة."
أجابته خجلًا:
"إن شاء الله يعدوا على خير يا سليم."
أخبرها هو بأسى:
"تعرفي إني بقيت بخاف من النوم."
نظرت له باستغراب فأكمل هو بعيون حزينة تنم عن مدى ما عاناه ذلك المسكين من ويلات الابتعاد:
"أيوه يا فريدة، بخاف أنام لأقوم من النوم وألاقي كل السعادة اللي أنا فيها دي كانت مجرد حلم، الحلم اللي عيشته وتعايشت معاه لمدة خمس سنين، وأخيرًا اتحقق."
ثم نظر لها وتحدث:
"قولي لي إنه بقا حقيقة يا فريدة، قولي لي إنه مش حلمي اللي طال انتظاره وأرهقني وتعب روحي معاه."
نظرت له وأبتسمت بجاذبية مهلكة لروحه وتحدثت:
"مش حلم يا سليم، دي أجمل حقيقة حصلت لنا، حقيقي الحلم طال انتظاره، بس أخيرًا ربنا أراد إنه يتحقق."
ابتسم لها وتحدث بعيون عاشقة:
"بحبك."
ضحكت برقة.
بعد مدة، كانت تتحرك بجانبه داخل المطعم. قابلهما المسؤول عن المكان وتحرك بجانبهما ليصطحبهما حيث مكان جلوسهما المحدد.
تحرك سريعًا وسحب لها المقعد تحت سعادتها البالغة من اهتمامه. جلست وجلس مقابلًا لها مبتسمًا.
جاء إليهما النادل وناول إياهما قائمة الطعام. نظر إليها وبعيون عاشقة حدثها:
"اختاري لي على ذوقك يا فريدة."
نظرت له فأكمل وهو يتنهد براحة:
"عاوز أعيش اللي جاي من عمري كله على ذوقك، كفاية عليا اللي عدى من غيرك."
خجلت من نظرات النادل لهما واختارت لهما طعامًا لطيفًا وتحرك النادل لإحضاره.
وتحدثت هي بنبرة خجل ملامة:
"أحرجتني يا سليم، الراجل يقول علينا إيه؟"
أجابها بعيون هائمة في سماء عشقها:
"هيقول عشاق جمعهم الهوا بعد فراق. وأكمل معترضًا: وبعدين بقول لك إيه، أنا مش عاوز اعتراض على أي حاجة من النهاردة، كفاية عليا سنوات عجافي اللي عشتها في بعدك."
وأكمل وهو ينظر داخل مقلتيها الساحرة:
"عارفة يا فريدة، أنا نفسي أصرخ وأسمع الدنيا كلها وأقول لهم إني بعشق روحك، أنا فرحان لدرجة محدش يتخيلها."
كانت تستمع له بعيون سعيدة وقلب يتراقص على سيمفونية إحساسه الفريد. وتساءلت بصوت رقيق أنثوي:
"أمتى حبيبتني الحب ده كله يا سليم؟ أمتى وصلت لدرجة العشق اللي شيفاها جوة عيونك دي؟"
ابتسم بمرارة وأجابها:
"هتصدقيني لو قولت لك إن من أول ما عرفتك حسيتك مختلفة وعشقتك، وأسترسل حديثه باعتراف موجع لروحه: بعد سفري بإسبوع واحد، اكتشفت أني كنت بعاند نفسي وأكبت شعور حبك جوايا، ما حسيتش بزهوة السفر ولا بفرحة تحقيق حلمي اللي عشت عمري كله أحلم بيه."
وضحكَ ساخرًا:
"أتاريكي كنتي أقصى أحلامي وأنا اللي كنت مغفل وبكابر."
ابتسمت له وتحدثت بمرارة:
"أنسي يا سليم، إنسي وخليني أنسي معاك مر الأيام اللي عشناها، مش عاوزة أفتكر طعم مرارتها."
أجابها بحب ووعد:
"وحياتك عندي يا غالية لأنسيهالك، أوعدك من النهاردة مش هتدوقي غير طعم شهد غرامي اللي هغرقك فيه."
وأكمل برجاء:
"فريدة، أنا عاوزك بعد الجواز متخرجنيش من حضنك، نفسي أحس بدفا حضنك وأنسي فيه أيام خريفي اللي عشتها في بعدك."
هزت له رأسها بموافقة وتحدثت لتغيير مجرى الحديث:
"سليم، أنا مش عاوزة أقدم استقالتي في الشركة غير لما أضمن مكاني الأول في الشركة الألمانية."
أجابها بنبرة عملية:
"يا حبيبي اعتبري نفسك اتعينتي خلاص، أنا كلمت المدير وهو وعدني إن مكانك محفوظ معانا، وأول ما نسافر إن شاء الله بعد الفرح هتمضي العقد على طول."
أجابته بتعقل وذكاء مشهود لها به:
"معلش، خليني على راحتي، لما نسافر إن شاء الله وأستلم شغلي هبقى أبلغ فايز بيه وأستقيل."
أجابها بحب ودلال:
"أنا كنت حابب تقدمي الاستقالة علشان تعرفي تستجمي كويس قبل الفرح وتستعدي له، وأكمل بغمزة من عيناه: مشتاق أشوف دلع مراتي حبيبتي لجوزها اللي الشوق بهدله."
ابتسمت خجلًا وسحبت بصرها عنه. وهنا قد وصل الطعام وبدأ بتناوله تحت سعادتهما ونظرات العشق والهيام التي تنبثق من داخل أعينهما.
تحدث سليم ناظرًا إليها:
"على فكرة يا فريدة، أنا حجزت الوحدة اللي هتكون مقر لينا علشان نبقى ننزل فيها إجازاتنا اللي هنقضيها في مصر، وكمان علشان بابا وماما يطمنوا إن ليكِ مكان ثابت ومستقر."
نظرت إليه بعيون سعيدة وتحدثت بحنان:
"ربنا يخليك ليا يا سليم."
أجابها بعيون هائمة:
"ويخليكِ ليا يا قلب سليم."
أمسك الشوكة والسكينة وبدأ بتقطيع الطعام وغرسه بالشوكه. ثم نظر لها بابتسامة جذابة ومد يده وقربها من فمها وهو ينظر إليها بعيون عاشقة.
نظرت له بإبتسامة وعيون خجلة وبهدوء فتحت فمها بطريقة مثيرة أذابت قلبه، تناولته طعامها من بين يديه لأول مرة تحت خجلها وسعادة قلبه العارمة.
ابتسمت له وتحدثت بصوت أنثوي مثير خرج رغم عنها:
"تسلم إيدك يا سليم!"
ابتسم لها وتحدث بغمزة من عيناه:
"بس أنا بحب الفعل، مليش في الكلام أنا يا عيون سليم."
وأشار بعيناه لصحنها ففهمت مغزى إشارته. ابتسمت برقة وشرعت بتقطيع الطعام ومدت يدها له، نظرت داخل عيناه خجلًا، مد يده وأمسك بها كف يدها الرقيق تحت رعشة جسدها بالكامل.
نظر داخل عيناها بهيام وقرب شوكة طعامها من فمه وألتهم ما بها من طعام، ثم بدأ بتلمسها وتحسسها بشفتاه بشكل مثير مع إغماض عيناه بطريقة جعلت منه وسيماً للغاية ومثيراً لأنوثتها المبعثرة.
انتفض داخلها وتبعثرت بالكامل، ارتجف جسدها وتزايدت دقات قلبها بوتيرة سريعة للغاية، ابتلعت لعابها تأثرًا من هيئته المهلكة لقلبها المسكين.
أما هو فكان داخل عالمه الساحر الذي يحيطه ويحوم داخله من مجرد تواجده معها.
كان يتلمس موضع شفتاها فوق الشوكة بتلذذ متخيلاً كريزتيها وكيف سيكون مذاقهما.
لحظات،،،،، مجرد لحظات مرت عليهما كدهر بأكمله.
ثم فتح عيناه ينظر لها بعيون يملؤها الغرام والعشق والرغبة. وجدها بعالم آخر فاتحة الفاه بطريقة مغرية بشفاه مرتعشة تشهي أثارت داخلة.
سحبت يدها سريعًا وأوقعت شوكة طعامها من ربكتها. ابتسم بخفة وأردف بصوت عاشق:
"إهدي يا حبيبي، محصلش حاجة لربكتك دي كلها."
ابتسمت خجلًا وسحبت بصرها عنه.
فأردف هو قائلاً بنبرة هائمة:
"فريدة، بصي لي، بلاش تحرميني من سحر عيونك، كفايانا حرمان وبعد."
ابتسمت له وأبتلعت لُعابها بتوتر لاحظه هو فأراد ألا يزيدها عليها كي لا يوترها أكثر.
فتحدث بجدية:
"فريدة، أنا هسجل الفيلا اللي هنشتريها باسمك."
نظرت له باندهاش فأكمل هو بنبرة حنون:
"دي هديتي ليكي بعد سنين الحرمان."
هزت رأسها نافية وأردفت قائلة باعتراض:
"لا طبعًا يا سليم، أنا لا يمكن أوافق على حاجة زي كده، دي فلوسك وتمن غربتك."
نظر لها وأجابها بعيون مغيمة بلمعة تكاد تكون عبرة تريد من يفسح لها الطريق لتنطلق للخروج، لكن كبرياءه يمنعها ويترجاها لتأبي النزول:
"ثمن الغربة اتقاسمناه مع بعض ودفعناه من وجع قلوبنا ومرارة أيامنا يا فريدة، وأكمل بنبرة رجل عاشق عادل: وزي ما اتقاسمنا مرارتها يبقى من العدل إننا نتقاسم جني ثمارها هي كمان. الفيلا دي أقل تعويض ممكن أقدمه لك وأعبر لك بيه عن شدة أسفي."
كادت أن تعترض أسكتها برجاء من عيناه وأكمل:
"أنا مش بقولك كده علشان آخد رأيك على فكرة، أنا مقرر ومفيش قوة هتخليني أتراجع عن قراري ده، أنا ببلغك علشان متتفاجيش واحنا بنمضي العقد وتعترضي، وكمان علشان تبلغي عمي."
نظرت له بعيون تملؤها عبرات دموع السعادة وتحدثت بحب:
"بس ده كتير أوي يا سليم، الفيلا تمنها غالي جدًا."
ابتسم لها بعيون محبه وأردف قائلاً بنبرة عاشقة:
"الدنيا كلها قليلة عليكي يا حبيبي، إنتِ غالية أوي، أوي يا فريدة."
ابتسمت بحب وأجابته:
"ربنا يخليك ليا يا سليم."
أجابها بعيون هائمة في بحر عيناها:
"قد إيه بعشق اسمي وهو خارج من بين شفايفك يا حبيبي."
ابتسمت خجلًا وعشقًا وأكملا سهرتهما بين نظرات العشق والهيام والابتسامات الساحرة.
***
بعد يومين، اصطحب سليم فريدة وعائلتها إلى الكمبوند وذلك بعدما اكتتب عقد تلك الوحدة وسجله باسم فريدته تحت سعادة فؤاد لتقدير سليم لابنته، وتخوف عايدة من أن تظن آمال بهما السوء.
وقف سليم بسيارته أمام الفيلا وترجل منها هو وفؤاد وأسامة. صفت فريدة سيارتها وترجلت منها هي وعايدة ونهلة.
دلف أسامة سريعًا لداخل الفيلا بسعادة ينظر إلى الحديقة الواسعة بذهول وجرى إلى حمام السباحة الموضوع وسط الحديقة ووقف ينظر إليه بذهول.
وتحدث بفرحة:
"حلو أوي حمام السباحة يا باشمهندس."
اقترب عليه سليم ووضع يده فوق كتفه بحنان وتحدث بابتسامة:
"عجبك يا أسامة؟"
"أوي" قالها الفتى بإنبهار.
تحدث سليم بحنان:
"خلاص، اعتبر المكان مكانك من النهاردة، وأنا هبلغ الحرس إن وقت ما تيجي يفتحوا لك المكان، وإنتَ في أي وقت تحب تعالي وعوم فيه براحتك."
انتفض داخل الفتى بسعادة ودلف الجميع ينظرون بسعادة للمكان من الخارج ومن الداخل.
تحدثت نهلة إلى فريدة:
"الفيلا تجنن يا ديدا، صبرتي ونلتي يا قلبي."
أجابت عايدة بتوجس:
"أنا بقى كل اللي مقلقني هو إن والدة سليم تفتكر إننا طمعانين فيه زي ما كانت شاكة، وإن إحنا اللي خلينا ه يكتب لك الفيلا باسمك."
نظرت لها فريدة وأردفت قائلة بتعقل:
"متقلقيش يا ماما، هي أكيد عارفه ابنها كويس أوي وعارفه إن محدش يقدر يجبره على أي حاجة هو مش عايزها."
تنهدت عايدة وأردفت نهلة قائلة بتعجب:
"أما إنتِ ست غريبة أوي يا ماما، هو إنتِ مابتعرفيش تفرحي زي الناس كده عادي؟ دايماً فرحتك قلقانة ويصاحبها ألف سؤال واحتمال."
وأكملت بدعابة وهي تحتضنها:
"افرحي يا دودو وفرفشي، بنتك بقت من ذوي الأملاك، ولسه البقية تأتي. سليم شكله راجع ندمان وناوي يعوضها عن سنين الوجع اللي اتسبب لها فيها زمان."
نظرت لها فريدة وتحدثت بإخلاص:
"وأنا مش عاوزة عوض من الدنيا غيره يا نهلة، سليم كفاية عليا، والله ما عاوزة غيره."
تحركت إليهن ذلك العاشق وهو يتساءل:
"أيه رأيك في بيت فريدة يا ماما، ياترى عجبك؟"
نظرت له وتحدثت بابتسامة:
"تعيش وتجيب لها يا حبيبي، بس ده مسموش بيت فريدة، ده بيتك، وهيفتح إن شاء الله بحسك، ربنا يسعدكم يا ابني ويجعله وش الخير عليكم، ويرزقكم فيه بالخلف الصالح إن شاء الله."
نظر لعين معشوقته متمنيًا:
"يارب يا ماما، يسمع من بؤك رب."
سحبت بصرها بعيدًا عنه خجلًا من نظراته الجريئة رغم وجود والدتها وشقيقتها. ثم أكمل هو بتساؤل لها:
"عجبك الفرش يا فريدة؟"
وأكمل معتذرًا:
"معلش يا حبيبتي، أنا عارف إن الوقت مكنش كفاية علشان ننقي فرش أنا وإنتِ براحتنا، بس أنا كلفت مكتب من أكبر مكاتب مصممي الديكور وهو اللي اتولى كل حاجة ورتبوه على ذوقه."
نظرت له وأجابته بابتسامة:
"بالعكس يا سليم، الفرش حلو جداً والألوان والموديلات متناسقة مع بعضها بشكل هايل، وأكملت بنبرة خجلة أثارته: ربنا يخليك ليا."
ابتلع لُعابه ولعن حظه العاثر لتواجد عايدة ونهلة اللتان تنظران لها باستغراب لحديثها إليه. فأراد أن يخرج حبيبته من ذلك الموقف الحرج فنظر هو لأسامة الذي اقترب عليهم قائلاً:
"أسامة، تقدر تغير هدومك جوة في الحمام وتطلع تعوم في البول برة."
ثم نظر إلى فؤاد مستأذنًا:
"وبعد إذن حضرتك يا عمي، أنا كلمت مطعم يبعت لنا غدا على هنا،" وأكمل بحنان: "حابب أبدأ أول يوم لينا هنا بإننا ناكل عيش وملح مع بعض علشان ربنا يبارك لنا في المكان."
تحدثت عايدة باعتراض:
"ملوش لازوم يا حبيبي، المكان كده هيتبهدل وهو لسه جديد."
ابتسم لها وأردف قائلاً:
"المكان وأصحابه فداكم يا ماما، وبعدين المكان هيزيد نور وبركة بوجودكم فيه."
تحدث فؤاد بابتسامة:
"ربنا يبارك في أصلك يا ابني."
بعد مدة، خرج يتلفت هُنا وهناك باحثًا عنها بعيون متلهفة، وجدها تقف أمام المسبح تنظر إليه بانبهار، فكم تعشق النظر للمياه ويخطفها مظهرها الخلاب.
تحرك إليها بثبات ووقف بجانبها ينظر أمامه وتساءلاً بهمس عابث:
"عجبك البول؟"
ابتسمت لحضوره الطاغي وأجابته بانتشاء:
"أوي يا سليم، متتصورش فرحانة بوجوده قد إيه، أنا بعشق منظر الماية."
ينظر لها وتحدث غامزًا بعيناه:
"وهتعشقيها أكتر لما تجربي العوم فيها وإنتِ في حضن سليم."
اكتسى وجهها بحمرة الخجل فأكمل هو بوقاحة:
"بس اللي هيبهرك بقى هو غرفة الجاكوزي واللي هيحصل لك معايا فيها."
انتفض داخله وارتبك حين استمع لصوت عايدة الذي يأتي من خلفه متسائلة بخبث:
"ويطلع إيه الجاكوزي ده كمان اللي بتقول عليه يا سي سليم؟ وأيه بقى يا أخويا اللي هيحصل لها فيه إن شاء الله؟"
تحمحم بحرج وتلون وجهه إلى بضعة ألوان متداخلة. نظرت عليه فريدة وأبتسمت شامته.
نظر لها بغيظ ثم تحدث إلى عايدة بارتباك كالفرخ المبلول:
"الجاكوزي ده يا ماما حاجة كده زي البانيو."
وتعجبت عايدة ونظرت له بنظرات نارية تكاد تفترسه وأردفت قائلة بنبرة متهكمة:
"قولت لي بقى، واسترسلت حديثها بنبرة ساخرة وهي تربت على كتفه وتحثه على الحركة: طب يلا يا حبيبي روح اقف مع عمك فؤاد بدل ما الراجل واقف زي التايه جوة لوحده كده."
كانت تكتم ضحكاتها على هيئته التي تدعو للسخرية فهي ولأول مرة ترى سليمها الجريء مرتبكًا بهذا الشكل والفضل يرجع لجبروت عايدة التي وضعته في موقف لا يحسد عليه.
أجابها بوجه شاحب وعيون خجلة تنظر أرضًا:
"تؤمريني يا ماما."
كاد أن يتحرك أمسكته من كتفه وتحدثت:
"استنى هنا."
أجاب مسرعًا بطاعة:
"نعم يا حبيبتي."
تساءلت:
"فين أوضة الزاكوزي اللي بتقول عليها دي، أوعا تكون الأوضة اللي مقفولة جوة؟"
ضحكت فريدة بشدة وأبتسم هو بهدوء وأجابها:
"آه يا ماما هي فعلاً الأوضة اللي مقفولة دي."
ضيقت عايدة عيناها بعدم تصديق وتحدثت بنبرة متهكمة وحديث ذي مغزى:
"ربنا يقويك وتكملها على خير يا باشمهندس، يلا يا حبيبي ادخل لعمك جوة ومتقلقش على فريدة، أنا قاعدة معاها."
ابتسم لها وانسحب للداخل من أمام تلك السيدة ذات العقل المتجبر.
***
قبل موعد الزفاف بيوم واحد، كان يجلس ببهو المنزل بجانب والده يتحدثون عن ترتيبات الغد. خرجت عليهما من غرفتها مرتدية ثوبًا رائع المظهر وترتسم فوق ثغرها ابتسامة سعيدة وأردفت قائلة بتساؤل:
"أيه رأيكم في فستاني، يليق بكوني أم العريس؟"
وقف سليم وأقترب عليها وهو يمسك بيدها ويلفها بانبهار:
"أيه يا ماما الجمال ده كله؟"
وأكمل بمداعبة:
"كده حضرتك هتخطفي الأنظار من فريدة."
أجابته بغرور:
"طول عمري بدخل أي مكان بكون التوب فيه يا سليم."
أجابها إرضاءً لغرورها:
"أكيد يا ست الكل دي مش محتاجة كلام."
ابتسمت له ووضعت يدها على ذقنه النابتة وتحدثت بحب وهي تتحسسها بحنان:
"مبروك يا حبيبي، ابقى احلق دقنك دي علشان ماتضايقش عروستك بيها بكرة."
غمز لها وتحدث بدعابة:
"متقلقيش يا ماما، فريدة مش هتضايق بالعكس، دي بتعشق دقني وهي كده."
وضحكا كلاهما تحت نظرات قاسم المتعجبة من تحول زوجته وهدوئها الغريب وسعادتها الغير متوقعة بالنسبة له.
ترى ما الذي يحمله الغد لتلك القلوب العاشقة؟ وهل سيلتقي العاشقان ويجتمعا في عشهما السعيد وترتاح قلوبهما الهرمة؟
أم؟
رواية جراح الروح الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم روز امين
وأخيراً جاء اليوم المنتظر والذي طال انتظاره لتلك القلوب المٌرهَقه.
أصطحبَ سليم فريدة وعايدة وأحبائهم منذ الصباح الباكر إلي الأوتيل الذي سيقام به الحفل، حيثٌ إحتجز لها سليم Suite لتتجهز به وتتأهب لتلك الليلة الموعودة التي طال انتظارها لكليهما.
وبعد عودتهِ إلي المنزل هاتفها وأطمئن عليها، ودلف لغرفته لإخذ قسطً وافرً من الراحه حتي يستعد لليلتهِ مع معشوقة عيناه وساحرته.
أما ريم التي كانت تهيمٌ فرحً بعدما علمت من والدها أنه قام بدعوة دكتور صادق وأسرته لحضور حفل زفاف سليم،، كانت تتأهب لتظهر بأبهي صورةً لها أمام مراد.
لما ؟ هي لا تعلم!
ولكن كان يراودها شعور بالقلق من تواجدها بجانب حسام أمام مراد،، ورؤيته لها بصحبتهِ.
خرجت من غرفتها وجدت حسام يجلس بجوار والدتها.
صمتا كلاهما عند خروجها وإقترابها عليهما.
تحرك إليها سريعً وأصطحبها إلي الشرفه وتحدث بعيون عاشقه وصوتٍ هائم:
"وحشتيني."
ضلت ناظرة أمامها ولم تٌجب عليه وذلك لعدم تقبٌلها لحديثهِ وشعورها بالإختناق وعدم الراحه في حضرته.
فتسائل هو بترقب:
"مالك يا ريم؟"
تنهدت بصدرٍ مهمومً ثم أجابته بإقتضاب:
"مفيش يا حٌسام،، مرهقه من المذاكرة وشغل الشركة مش أكتر."
رد عليها بنبرة صوت متأثرة ليبتز بها عواطفها ويسحبها لعالمهٌ من جديد كعادته:
"إنتِ إتغيرتي معايا أوي يا ريم،، مابقتيش ريم حبيبتي بتاعت زمان،، ريم اللي كنت لما أبص في عيونها ألاقي نفسي وأشوف مستقبلي وحياتي الحلوة اللي مستنياني."
وأكملَ بتساؤل وحيرة حقيقيه:
"كل ده راح فين يا حبيبتي؟ فين لهفة عيونك عليا وإنتِ بتبصي لي،، دفا إيدك وأنا بحضنها في سلامي،، نظرتك ليا بقت بارده أوي يا ريم،، خاليه من أي مشاعر أو حب."
أجابته متهربه بعدما أنتوت داخل نفسها أن تتحدث إلي والدتها لتفض لها تلك الخطبه التي باتت تؤرق داخلها وأصبحت حِملاً ثقيلاً علي عاتقٌها.
فتحدثت بإقتضاب:
"أرجوك يا حٌسام مش وقت الكلام ده دالوقتِ،، إن شاء الله بعد الفرح هنبقا نقعد ونتكلم."
وأكملت مُتهربه قبل أن يبدأ بالحديث مجدداً:
"بعد إذنك يا حٌسام."
ودلفت للداخل وتركته شارداً ينظر لأثرها بتسائل.
"ماذا بك حبيبتي،، هل سَئمتِ عشقي؟ أم أنكِ أصبحتِ نسخة أمكِ المٌصغرة وتعاليتي عليّ ورأيتني لم أعٌد أناسب مركزك الجديد ومركز عائلتك؟"
وأكملَ بتوعد داخلهٌ:
"لا ريم،، سيكون من الغباء لو إعتقدتي أنني لقمة خبزٍ سهلةٌ المَضغ."
"أصورَ لكِ غبائٌكِ بأنكِ ستمضغينني وتبتلعي ورائي لٌعابَك وكأن شيئاً لم يكن؟ كلا يا إبنةٌ أمال،، فأنتِ لم تعرفيني بعد،، فأنا لقمة عيش صعبة المضغ ومٌرة ولو حاولتي مضغي ونجحتي به،، فلن تستطيعي بلعي،، سأقف في منتصف بلعومك وأمنعٌ عن رأتيكِ دخول الهواء،، سأجعلٌك تشعرين بإزهاق روحَكِ رويداً رويدا،،، ولن تستطيعين الخلاص مني،، فروحينا مرتبطة كٌلٍ بالأخري،، وسنحيا سوياً أو نموت معاً،، وغير ذلكَ لن أسمح."
***☆***☆***☆***☆***
داخل الشركة.
كان يجلس داخل مكتبهٌ بقلبٍ حزين مهموم.
نعم،، فقد بدأ يندمج بحياته الجديدة مع لُبني لأبعد الحدود،، ولكن كيفَ لهٌ أن يستطيع محو ذلكَ الملاكً البريئ صافيةٌ القلب نقية الروح بهذة السهوله.
فقد عاش فترةً ليست بالقليله يحلٌم بيوم زفافهِ عليها وكيفَ سينعم داخل أحضانها الدافئة ويذوبٌ داخل عيناها الساحرة.
ولكن أنظر ماذا فعل بهِ القدر.
بلحظة تحول كل شيئ من حوله وتغيرَ.
وأصبحت فريدة عروسً لغيرة وستزف اليوم ويتنعم داخل أحضانها رجٌلً غيرة.
أمرٌ جنوني وصعب الإدراك والتصديق بالنسبة لهْ.
إستمع لطرقات فوق الباب فاسمحَ للطارق بالدخول.
دلف صديقهُ أكرم وأردفَ قائلاً بإبتسامة:
"إزيك يا إتش."
توقفَ هشام إحترامً لصديقهٌ وصافحَهٌ وأبتسم قائلاً:
"أهلاً يا أكرم،، إتفضل."
جلس أكرم وتلاهٌ هشام الذي تسائل:
"تشرب أيه يا أكرم؟"
أجابهٌ برفض:
"ولا أي حاجه،، أنا جاي أقعد معاك شويه وماشي علي طول."
وتحمحمَ وأسترسلَ حديثهْ مٌتسائلاً بإحراج:
"مش هتيجي معانا فرح فريدة يا هشام؟"
وأكمل:
"كلنا رايحين علشانها وكمان علشان سليم الدمنهوري."
تنهدَ هشام بألم داخله وأجابهٌ بهدوء:
"مش هينفع يا أكرم علشان لُبني."
نظر لهٌ مٌضيقً عيناه وتحدثَ بإستغراب:
"الدنيا دي غريبة أوي يا هشام،، من شهر بالظبط إنتَ وفريدة كنتم مع بعض وبتسابقوا الوقت علشان تجهزوا كل حاجه قبل ميعاد فرحكم اللي كان بعد شهور قٌليله."
وأكملَ بإستغراب:
"إنهاردة فريدة بتتجوز من راجل غيرك،، وإنتَ خاطب واحده غيرها،، لا واللي يجنن أكتر إن كل واحد منكم مبسوط مع حبيبه الجديد."
وأكملَ مٌفسراً:
"إللي يشوفها يوم خطوبتها وهي بتبص لعيون سليم يقول إنها كانت بتعشقه من سنين،، ولا هو ونظرته ليها!"
وأكمل بتأكيد:
"وإنتَ ولٌبني،، برغم نظرة الحزن اللي سكنت عنيك من وقت ما سبت فريده،، إلا إني لما بشوفك وإنتَ جايبها معاك في عربيتك وبتجري علشان تفتح لها الباب وتمسك إيدها بكل عنايه وحب،، ولا وإنتَ قاعد معاها في الكافيتريا ونظرات العشق اللي ما بينكم واللي ظاهرة للكفيف وبتأكد إنكم بتعشقوا بعض وإنكم متفاهمين جداً ومنسجمين."
وأردفَ قائلاً:
"أقولك علي حاجه ومتزعلش مني يا إتش."
هز رأسهٌ بموافقه فأسترسلَ أكرم إعترافه:
"أنا حاسس إن إنتَ وفريدة مكنتوش بتحبوا بعض،، ودالوقت كل واحد راح للشريك الصح اللي يستاهله بجد."
إبتسم هشام وتحدث بيقين:
"كلها تدابير ربنا يا أكرم،، أقدار مقدرها الرحمن،، فريدة بنت حلال وتستاهل كل خير."
وأكملَ بقلبٍ مٌتألم:
"ربنا يسعدها ويتمم لها علي خير."
إستمعا لطرقات فوق الباب وبعدها دلفت منه لٌبني بإبتسامتها الساحره ووجهها المشرق وتحدثت:
"مساء الخير."
ردوا عليها وتحرك هشام سريعً وجاورها وتحدثت هي بدعابه:
"إنتوا بايتين هنا ولا أيه؟ ميعاد الخروج عدا."
وقف أكرم وتحدث وهو يتحرك إلي الباب:
"الوقت سرقنا في الكلام أنا وإتش ومحسيناش بيه،، بعد إذنكم."
وأنصرف هو وأبتسمت هي لحبيبها وأقتربت منه وتحدثت بدلال:
"أنا عازمه نفسي علي الغدا مع حبيبي،، ها،،، يا تري هتغديني فين يا حبيبي؟"
إبتسمَ لها بسعاده علي شقاوتها ودلالها الذي يعشقه وأردف قائلاً بإيجاب:
"عيوني،، إختاري المكان اللي يعجبك وشاوري عليه."
أجابته بعيون عاشقه لكل ما به:
"أي مكان معاك هيكون جنتي يا هشام،، المهم نكون سوا."
إنتفض داخلهٌ بسعاده وأجابها بنبرة صوت حنون:
"طول العمر هنفضل سوا يا لٌبني،، عمري ما هسمح لك تبعدي عن قلبي تاني أبداً."
إبتسمت وتحدثت بعيون هائمة ونبرة صوت أنثويه ناعمه أذابت كيانه وزلزلته:
"بحبك يا هشام،، بحبك."
كان ينظر لها بعيون ذائبه عشقً،، ومد يدهٌ لها،، وضعت هي يدها وأحتضنت كف يدهٌ بعناية وتحركا للخارج متشابكين الأيدي بقلوب مطمئنه منتظرة بإشتياقٍ لغدٍ أفضل وحياة مشرقه.
بعد مدة كان يجلس أمامها يتناولان طعام غدائهما داخل إحدي المطاعم.
تحدثت هي بهدوء ونبرة صوت يكسو عليها رنينَ الحزن:
"هشام."
نظر إليها وهو يمضغ طعامه وأردفَ متسائلاٍ:
"نعم يا حبيبتي."
تسائلت بصوتٍ مٌختنق:
"هو أنتَ وأكرم كنتم بتتكلموا عن فريده؟"
أطال النظر لها ثم أجابها بنبرة صادقه:
"أه يا لٌبني،، أكرم كان بيسألني إذا كنت هروح معاهم الفرح ولا لاء."
تسائلت وهي تبتلع لٌعابها خشيةً ذهابهٌ:
"وإنتَ قولت له أيه؟"
إبتسم لها وأجابها بعيون هائمة:
"قولت له إن مش هينفع أروح علشان مشاعر حبيبتي متتأثرش."
"إنتَ لسه بتحبها يا هشام؟"
نطقت بها لُبني وهي تترقب الإجابة بقلبٍ ينتفضٌ رٌعبً.
إهتز داخلهٌ للحظات ولكن بلحظه حسم أمرة وأجابها بصدقٍ يشعر به في حضرتها:
"أنا عمري ما حبيت غيرك يا لُبني."
وأكملَ بهدوء:
"أنا بس عاوزك تفهميني وتقدري حالتي كويس."
وأكملَ بعرفان:
"فريدة كانت حالة خاصه بالنسبة لي،، فريدة كانت بر الأمان إللي وقفت عليه بعد توهت روحي اللي صابتني نتيجة بٌعادك يا لُبني،، وقفت جنبي في أصعب أيامي،، هي اللي صنعتني من جديد،، هشام الناجح الواثق من نفسه اللي قاعد قدامك ده صٌنع فريدة بعد ربنا."
وأكملَ بصدقٍ:
"صعب أقدر أنسي أصالتها ونقاء روحها بالسرعة دي،، ولو عملت كده هبقا مش إنسان سوي من جوايا وناكر للجميل،، فهماني يا لُبني؟"
كانت تستمع لهْ بروحٍ مٌمزقه ونفسٍ تجلدٌ ذاتها بحده،، علي أنها تركته بلا عنوان وأبعدته عن أحضانها ورحلت دون أن تٌبدي لهٌ أسبابها.
شعر بها وبألمها،، مد يدهٌ وأحتضن كف يدها الموضوعه بإحتواء وأسترسلَ حديثهٌ برجاء:
"إحتويني يا لٌبني وخليكي دايماً جنبي،، أنا لسه تايه ومشاعري مشتته محتاجه ترسي علي بر."
وأكملَ بنبرة مؤكده:
"أنا بحبك ومتأكد من ده كويس أوي،، بس أنا جوايا صراع وتشتت وده أمر طبيعي علي فكرة،،، أنا إنسان وعندي مشاعر هي اللي بتحركني وبتقودني يا لُبني،،، قلبي وعقلي مش جهاز بلحظة همحي اللي جواهم بضغطت زر وأصبح ناسي."
إبتسمت لهٌ وأردفت قائلة بإرتياح ظهر فوق ملامحها:
"تعرف يا هشام،، أنا كان ممكن أقلق منك ومصدقكش لو كنت قولت لي كلام غير ده، صدقك وصدق مشاعرك خلوني أحترمك أكتر وأصدق كل حرف قولتهٌ لي."
وأكملت بغرور مٌصطنع كي تٌخرج حالها وتخرجهٌ من تلك الحالة:
"وبعدين أنا متأكده إني هعرف أرجعك لحضني زي زمان ويمكن أكتر،، وكٌلي ثقة من إنك وإنتَ معايا هتنسي حتي إسمك،، مش بس خطيبتك السابقه."
ضحك لها برجوله وغمز بعيناه قائلاً بحماس:
"هو ده بقا الشغل الصح،، إديني في الدلع وزودي يا لُبني."
أطلقت ضحكه أنثوية أشعلت بها نيرانه وأندمجا معاً داخل عشقهما العائد من رحلتهِ بعد طولَ غياب.
***☆***☆***☆***☆***
جاء المساء.
حضر فؤاد وعائلتهٌ الكبيرة أشقائه وأبناء عمومتهِ وأنجالهم جميعاً إلي الأوتيل.
ولكنهم إستغربوا عدم حضور سليم وأهلهِ،، فكان من المفترض أن يأتوا مٌبكراً لإستقبال المعازيم والترحيب بهم.
بعد مده حضر الثنائي علي وأسما إلي القاعة وأستغربا أيضاً عدم حضور سليم وأهلهِ.
تحدثت أسما إلي علي:
"حبيبي،، أنا هطلع لفريدة علشان أطمن عليها وإنتَ إتصل بسليم وإستعجلة وشوفه إتأخر ليه."
صعدت أسما للأعلي إلي فريدة وجدت الجميع يجلسونَ داخل بهو ال Suite يتأهبونَ لخروج فريدة من غرفتها،، متشوقين لرؤيتها كعروس.
عايدة،، عفاف،، نهلة،، بنات خالتها وعمومتها التي حضرن،، نورهان التي كانت ترتسم فوق شفتيها إبتسامه وفرحه عارمه خارجة من القلب.
وبلحظة إنفتح باب الغرفه وظهرت تلك الجميله بثوبها الرقيق ناصع البياض.
كانت أشبه بحوريات الجنة مما جعل كٌلهن ينظرن إليها منذهلات من شدة جمال تلك البريئه التي زادها الله نورً علي نور في يومها المميز هذا، وذلك بفضل صفاء ونقاء قلبها وأيضاً بفضل قربها من الله وحجابها الذي زادها توهجاً وجمالاتها.
فتن جميعن عليها ليقدمن المباركات والتهاني مع شدة سعادتها وخجلها وتوترها أيضاً.
نظرت لها عايدة وبدأت دموع الفرح بالهطول وهي تري صغيرتها بثوب زفافها وتحدثت:
"الله أكبر عليكي وعلي جمالك يا فريدة،، ربنا يا بنتي يحميكِ من العين ويتمم لك علي خير."
أكملت خَالتهاَ عفاف بحب:
"ربنا يبعد عنك العين ويكفيكي شر الحاقدين يا قلبي."
إبتسمت لخالتها وتحدثت:
"تسلمي يا خالتو،، عقبال سارة."
كانت تقف بجانب شقيقتها بقلبٍ يتراقصٌ فرحً لأجلها.
إستمعت لرنين هاتفها نظرت بشاشتهٌ وجدت نقش أحرف حبيبها،، فانسحبت لشرفة ال Suite وردت بنبرة صوت أنثويه:
"أيوة يا عبدالله."
تنهد ذلك العاشق وأجابها:
"وحشتيني،، هتجنن وأشوفك."
أجابته خجلاً:
"وبعدين معاك يا عبدالله،، إصبر،، كلها نص ساعة بالكتير وسليم ييجي وننزل كلنا مع فريدة."
أخذ نفسً عالي وأردف قائلاً بإعتراض:
"بس أنا محتاج أشوفك حالاً يا نهلة،، قابليني عند مدخل الأوتيل،، ما تدخليش القاعة."
ضيقت عيناها عندما فهمت المغزي من حديثه فتحدثت بنبرة لائمة:
"طب ما تخليك دٌخري يا عبداللة وقول إنك حابب تقيم لبسي والميك اب بتاعي قبل ما أنزل بيهم القاعة؟"
أجابها بحدة وغيرة عاشق مجنون:
"يعني الهانم بردوا مسمعتش الكلام وحطت ميك اب؟"
تنفست بهدوء لتهدئ من روعها وتحدثت بنيرة صوت ناعمه لتمتص بها غضب حبيبها الغائر:
"صدقني يا عبدالله ده ميك اب بسيط جداً،، ويمكن محدش ياخد باله إن أنا حاطة أصلاً."
أردف قائلاً بإصرار ونبرة صوت غاضبة:
"نهلة،،، من غير كلام ورغي كتير تنزلي لي حالاً."
دبت بأرجٌلها أرضً وتحدثت من بين أسنانها بغيظٍ وإستسلام:
"حاضر يا أستاذ عبدالله،، ثواني وهكون عندك."
تسحبت بهدوء وهبطت للأسفل بعد إصرارةُ علي رؤيتها،، وبعد قليل كانت تقف أمام ذلك المسحور بجمالها الذي تحدثً قائلاً بحنان وهو ينظر لعيناها:
"مش أنا قولت لك قبل كده متحطيش كحل ولا أي حاجه في عيونك،، طب أعمل فيكي أيه أنا دالوقتِ؟"
نظرت له بهيام وتحدثت بهدوء:
"هو أنتَ لقيت الفستان واسع والحجاب طويل قولت أنكد عليها في أي حاجه والسلام."
وأكملت بتساؤل بنبرة ساخرة:
"تقدر تقول لي مالهم الكحل والمسكرة هما كمان؟"
"مخليين عيونك تسحر أي حد من أول طلة،،،، قالها مسحوراً بجمالها."
إبتسمت خجلاً وتحدثت:
"أعتبر ده مدح ولا ذم."
"ده عشق يا نهله،،، قالها بعيون مغرمة."
وأكملَ بحنان:
"إنتِ حلوة أوي يا نهله،، وحلاتك دي فوق طاقة إحتمالي،،"
وأكمل بنبرة غائرة:
"هتجنن مش قادر أتخيل إن حد ممكن يبص لك ويشوفك حلوة أوي زي ما أنا شايفك بعيوني كدة."
أجابته بوجهٍ بشوش كي تمتص غيرته:
"طمن قلبك يا عبدالله،، محدش هيشوفني زيك،، علشان نظرة العاشق بتختلف،،، عيون العاشق بتشوف حبيبها في أبهي صورة ليه،، ومستحيل حد غيرة يشوفه بنفس النظرة والصورة."
تنهد براحه بعدما إستطاعت تلك الماكرة الصغيرة أن تسحب كل غضبهِ وغيرته الشديدة عليها.
وصلت إليهما إعتماد والدة عبدالله التي خرجت تبحث عن ولدها بعدما لاحظت حضور معظم المعازيم وعدم وصول العريس وأهلهٌ إلي الأن.
إقتربت من وقفتما وتحدثت وهي تنظر إلي نهلة بعيون منبهرة:
"أيه يا نهلة القمر ده،، معقوله الجمال ده كله هيبقا من حظ إبني."
إقتربت عليها نهله وأرتمت داخل أحضانها بحنان،، ضمتها إعتماد بحب وأحتواء وتحدثت نهلة:
"عيونك الحلوة يا طنط."
ثم خرجت نهله من أحضان والدة خطيبها.
وتحدثت إعتماد بقلقٍ ظهر فوق ملامح وجهها:
"هو العريس إتأخر يا ولاد ولا أنا اللي بيتهئ لي؟"
نظر عبدالله بساعة يدة وتحدث:
"إتأخر عشر دقائق بس يا ماما مش فيلم يعني،، إن شاء الله شويه ويوصل."
ثم نظر إلي نهلة أمراً بحب:
"إطلعي إنتِ يا نهلة علشان تكوني جنب فريدة،، وأنا هاخد ماما وندخل نستني العريس جوة."
داخل قاعة الزفاف.
بدأت المعازيم بالتوافد مع إستغراب فؤاد وأشقائه والحضور عدم حضور العريس وأهلهِ إلي الأن.
وقفَ علي مٌستغربً ثم أخرجَ هاتفهٌ وطلب رقم سليم وأستغرب أكثر حين أعطي جرسً وأنتهي ولم يجب سليم.
فكرر علي الإتصال ولكن دون جدوى،، فبادر بالإتصال برقم قاسم ولكن فوجئ به مٌغلقاً.
إقتربَ علي من فؤاد الذي بدا علي وجههِ التوتر والقلق وتحدث:
"مساء الخير يا أفندم."
نظر لهٌ فؤاد مستغربً إياه فأكملَ علي:
"حضرتك متعرفنيش،، لإننا للأسف متقابلناش قبل كده،، أنا علي غلاب صديق سليم وبشتغل معاه في ألمانيان."
نظر لهٌ فؤاد وكأنهٌ وجد ضالتهْ التي يبحثُ عنها وتسائل بلهفه:
"طب قولي يا أبني بالله عليك،، متعرفش سليم وأهله إتأخروا ليه؟"
شعر علي بالإشفاق علي ذلك الأب الذي بدأ القلق يتسلل إلي داخله وتحدثَ مطمئناً إياه رغم قلقهِ هو شخصياً:
"متقلقش يا أفندم إن شاء الله خير،، أنا بتصل علي سليم بس هو مبيردش،، أكيد هو في الطريق وقريب من هنا،، وأكيد عنده هيصه من فرحة أهله حوليه ومش سامع الجرستحدث أحمد بنبرة غاضبه يحاول جاهداً السيطرة عليها:
"بس المفروض يا باشمهندس إنهم يبقوا هنا من ساعه علي الأقل،، معظم الناس اللي جت دي ضيوفهم هما،، وكان من الذوق إنهم يكونوا في إستقبالهم،، مش يسبونا إحنا نقابل ضيوفهم اللي منعرفهومش ويحطونا في الموقف البايخ ده."
تنهد علي وبدأ القلق يتسلل لداخله لصحة حديث ذلكَ الرجلوتحدث بهدوء عكس ما يدور بداخله:
"أنا أسف يا أفندم بالنيابة عنهم،، أنا هتصل تاني علي سليم وأستعجله."
وأكملَ وهو يتحرك ويمسك بهاتفه ليستعد لمهاتفة سليم:
"بعد إذنكم."
***
كان يجلس بجانب والدهٌ ووالدتهٌ حول المنضدة الخاصة بجلوسهم،، يترقب وصولها بقلبٍ مٌشتعل من شدة الغيرة،، وذلكَ من مجرد تَخيُلها وهي تتحرك بجانب ذلكً المٌسمي بخطيبها.
وأشتعلت النار الحارقة بقلبهِ حينما تخيلَها وهي تدلف من باب القاعة وهو يٌمسك بيدها بتملك.
وأزدادَ الإشتعال أكثر فأكثر عندما إفترضَ أيضاً أنهٌ يٌمكن أن يصل بهِ الحال بأن يٌراقصها ويقترب من جسدِها وذلكَ ما لم يستطع مراد تحملهُ وخصوصاً بعدما بات يعتمد ذلكَ الجسد ملكيتهِ الخاصه.
فقط هي مسألة وقت بالنسبةِ له،، فهو ينتظرها أن تحلٌ خٌطبتها من ذلك الثقيل ويطلبها هو للزواج الفوري وذلكَ لعدم إستطاعتهِ الصبر علي الإبتعادِ أكثر.
نظرت إليه والدتهُ بإستغراب وتحدثت بتساؤل:
"خير يا مراد،، مالك يا أبني ماشلتش عينك من علي الباب من وقت مقعدنا كده ليه؟"
وتسائلت بنبرة خبيثة:
"إنتَ مستني حد؟"
نظر إليها وتحدثَ بثبات إنفعالي أجادهُ:
"هستني مين يعني يا ماما،، بصراحه أنا مستغرب الفرح أوي،،، أول مرة أحضر فرح والاقي العروسه وأهلها والمعازيم يوصلوا قبل العريس وأهله."
أكد صادق علي حديثهُ قائلاً بتعجب:
"أنا كمان مستغرب الموضوع ده أوي،، غريبة فعلاً،، الموضوع شكلة كدة مش ظريف."
ردت هناء مٌفسرتً بإستنكار:
"أمال الشافعي طول عمرها وهي كده،، شخصية مٌتعاليه وتحب تظهر في الصورة وتجذب العيون كلها عليها،، دايماً في الحفلات توصل أخر واحده علشان تشد إنتباه الجميع ليها."
رد مراد بنبرة حاده مٌعترضه وغاضبة من تلك الريم لتأخرها علي قلبه:
"الكلام ده ممكن يحصل في الحفلات العادية،، بس مش لدرجة إنها تتعمد تعمل كده في فرح إبنها،، دي إسمها جليطة وقلة ذوق منها ومن جوزها وأولاده."
رفعت كتفيها بإستسلام وتحدثت:
"كل واحد وتفكيرة بقا يا مٌراد."
زفر هو وأرجع بصرهِ مرةً أخري وثبتهُ علي مدخل القاعة ينتظرها بقلبٍ مٌشتعل غاضبً منها وعليها.
***
بعد مرور ساعة كاملة.
وقف صالح وأحمد بجانب شقيقهما وتحدث صالح الأخ الأكبر لفؤاد بنبرة مٌرتبكه:
"وبعدين يا فؤاد،، العريس إتأخر أوي وشكلنا بقا وحش قدام المعازيم،،"
وأكملَ بنبرة حادة:
"إتصل بيه وشوفه إتنيل إتأخر كده ليه."
أجابهٌ فؤاد بعيون زائغة والقلق بدأ يتملك من داخله:
"بتصل بيه يا صالح ومبيردش،، وأبوة تليفونه مقفول."
تحدث أحمد بتساؤل:
"يعني أيه الكلام ده،، رجعوا في كلامهم ومش هيتمموا الجوازة؟"
نظر لهٌ فؤاد بنظرات مٌرتعبه فأكمل صالح ليهدئ من روع أخيه المريض:
"فال الله ولا فالك يا أحمد،، أكيد الطريق زحمه وزمانهم علي وصول."
في تلك الأثناء إقتربَ عَلي من وقفتهم وتحدثَ إلى المأذون:
"إصبر شويه يا مولانا،، إن شاء الله زمانهم علي وصول."
تحدث المأذون الشرعي بإعتراض:
"مش هينفع يا حضرة،، أنا إتفاقي مع العريس إن كتب الكتاب هيكون الساعه 9،، الوقتِ الساعه عدت من 10 وأنا مش مسؤول عن التأخير ده كله."
وبالفعل إنسحب المأذون تحت انهيار فؤاد الداخلي الذي رمي حالهٌ فوق المقعد بإهمال تحت نظرات جميع الحضور المشفقه والمستغربه عدم حضور العريس إلي الأن.
***
داخل ال Suite بالأعلي.
كانت تجلس شاردة تنظر أمامها والقلق يتغلغل داخل أوصالها.
يجلسٌ أيضاً جميعٌ من حولها بوجوةٍ وقلوب حزينة،، عدا تلك الشامته التي تشعر بإنتصاراً وفرحه تغزو قلبها ليس لها مثيل.
تحركت إليها والدتها وتحدثت بترقب:
"فريدة،، قومي يا بنتي كلمي سليم في التليفون وشوفيه إتأخر كده ليه،، أبوكي بيكلمني وبيقولي إن الناس بدأت تقلق وفيه منهم اللي مشي."
فاقت علي صوت والدتها ووقفت وهي تتحدث بنبرة صوت مٌرتبكة تنمٌ عن داخلها المٌشتت:
"حاضر يا ماما،، هدخل أكلمه من جوة."
وبالفعل دلفت للداخل وأوصدت عليها باب الغرفه بإحكام.
وبيدٍ مٌرتعشة ضغطت علي زر الإتصال الذي أعطاها جرسً وترقبت هي بإنتفاضه أملاً أن يٌجيبها.
ولكن للأسف خاب أملٌها وأنتهي وقت الإتصال دون إجابه.
فعاودت الإتصال مراراً وتكراراً وتظلٌ النتيجه واحدة،، وهي عدم الإجابه.
فقررت الإتصال من جديد ولكنها صٌدمت حين استمعت لقطع الإتصال.
نظرت بشاشة هاتفها بذهول وعدم تصديق،، وأعادت الإتصال مرةً أخري.
ولكن ما أكمل علي قلبها أنها فؤجئت تلك المرة بغلق الهاتف نهائياً.
أجحظت عيناها بصدمة وذهولٍ إنتاباها.
وهٌنا قد خارت قواها وأعلنت روحها الاستسلام لما هو أتْ.
أرتمت أرضً بإهمال وجلست تبكي بذهول ومرارة.
وبرغم كل ما يحدث حولها مازال داخلها صوتً يٌحدثها ويٌعطيها أملاً ويأمرها بأن تضع لهٌ ألف عذراً وعذرا.
أمسكت هاتفها من جديد وضغطت لتسجيل رسالة صوتيه وتحدثت بصوتٍ مهزوزاً مٌرتعش ينمٌ عن مدي ضعفها وأنهيار داخلٌها:
"إنتَ فين يا سليم،،،،، سايبني ليه كل ده لوحدي من غير ماتطمني."
وأكملت بصوتٍ راجي:
"أرجوك رد عليا وماتسبنيس كده وأنا مش فاهمه حاجه."
وبلحظه إنهارت قواها وبكت بإنهيار لم تستطع التحكم به قائلة برجاء:
"تعالي يا سليم بقا،، أنا وأهلي شكلنا بقا وحش أوي قدام الناس،، طب بلاش علشان خاطري،،، تعالي علشان خاطر بابا وقلبه التعبان."
وبكت بشهيقٍ وصوتٍ يٌدمي القلوب وأكملت بإستعطاف:
"علشان خاطر ربنا يا سليم أوعا تعمل فيا كده،، لا أنا ولا أهلي نستاهل منك فضيحة بالشكل ده،، أبويا قلبه مش هيتحمل يا سليم،، والله ما هيتحمل."
ثم ضغطت زر الإرسال،، وأجهشت ببكاءٍ مرير علي حظها العثر الذي يٌلازمها أينما ذهبت.
***
أما بالأسفل.
تحرك أحمد إلي فؤاد وتحدثَ بنبرة حادة:
"يلا بينا نروح يا فؤاد،، كفيانا فضايح وفرجة الناس علينا لحد كده،، الناس زهقت وفيهم إللي مشي أصلاً،، والبيه شكله خلاص مش جاي."
أماءَ لهٌ فؤاد بإستسلام وهاتفَ عايدة المنهارة وأمرها أن تجلب إبنتيها وتهبط للأسفل للمغادرة،، فيكفيهما إهانه إلي هذا الحد.
أبلغت عايدة نهله أن تدلف لفريدة وتخبرها بأنه وجب عليهم الرحيل،، وبالفعل دلفت لها نهلة وجدتها تنبطحُ أرضً،، شاردة تنظر أمامها في الفراغ،، بوجةٍ مٌلطخً بالدموع.
تحركت إليها نهلة وجثت علي ركبتيها وهزتها بحرصٍ لتستفيق مما هي عليه وتحدتث بترقب:
"يلا بينا علشان نروح البيت يا فريدة."
نظرت لها بتيهه وهزت رأسها وأردفت قائلة برفضٍ وأعتراض هيستيري:
"أنا هستني سليم يا نهلة،، هو وعدني إنه هييجي،، سليم وعدني إنه مش هيسبني ولا هيوجع روحي تاني،، وأنا مصدقاه وهستناه،،"
وهزت رأسها بشرود وأكملت بعيون زائغة تنظر هٌنا وهٌناك:
"وهو هييجي،، مش هيتأخر،، أكيد هييجي."
كانت تستمع لشقيقتها ودموعَ قلبها تزرفٌ قبل عيناها وأردفت قائلة بنبرة صوت توحي لقلبٍ يتقطعٌ لأجل عزيزة عيناها وغاليتها، شقيقتها معدومة الحظ:
"سليم مش جاي يا فريدة،، سليم قفل تلفونه هو وبباه علشان محدش يكلمهم تاني،،"
وأكملت بنبرة صوت مٌحبطة:
"يعني خلاص،، خلصت يا فريدة."
تحركت إليهما أسما ووقفت تنظر عليهما بترقب وتحدثت بهدوء:
"سليم مش وحش كده يا نهله،، أنا متأكدة إن فيه حاجة كبيرة أوي حصلت وهي اللي منعت سليم من الحضور."
إستمعن لصوت تلك الحقودة يصدح من خلفهم قائلة بغلٍ لم تستطع مٌداراته:
"وياتري بقا أيه هي الحاجه اللي ممكن تخلي عريس يسيب عروسته يوم فرحها في وسط المعازيم هي وأهلها بالشكل المهين ده؟"
نظرت لها أسما وتحدثت بتيهه:
"معرفش،، بس أكيد حاجه خارجه عن إرادته."
أجابتها بنبرة ساخرة:
"أنا بقا أقول لك أيه هي الحاجه اللي خارجه عن إرادته ومنعته من الحضور،،"
وأكملت بحقدٍ دفين وعيون تطلق سهامً قاتلة:
"الحاجه دي تبقي ندالته وخسته وعدم رجولته واللي هي مش جديدة عليه أصلاً ومش أول مرة يعملها معاها،،"
وأشارت بيدها علي فريدة وأكملت:
"لكن للأسف المسكينه دي هي اللي دفعت تمن طيبتها وتصديقها ليه مرة تانية من جديد،،"
وأكملت لتزيد من غضب فريدة وحقدها عليه:
"فضل يدحلب لها ويضحك عليها لحد ماصدقت كذبه وسابت هشام،،، الراجل المحترم اللي كان بيعشق التراب اللي بتمشي عليه،، علشان واحد ندل جبان ميعرفش عن الرجوله شيئ غير وصفه اللي مكتوب في بطاقته الشخصية."
تحدثت أسما بإعتراض مدافعه عن صديقها وصديق زوجها:
"أنا ما أسمح لكيش تتكلمي عن سليم بالطريقة الهجومية واللا أخلاقيه دي."
نظرت لها فريدة وهي تهز رأسها وتتحدث بهيستريا ونبرة غاضبه بعدما تأثرت بحديث نورهان:
"نورهان بتتكلم صح،، بتتدافعي عنه وواثقه فيه للدرجة دي ليه؟،، علشان صديق جوزك؟"
وأكملت بإتهام:
"طب وإذا كان جوزك نفسه شارك في غشي زمان معاه وكذب عليا،، يبقا أيه بقا اللي مخليكي واثقه إنه مش كده؟"
كادت أسما أن تتحدث أوقفتهما نهله التي صاحت بهما بحده:
"كفاية بقا حرام عليكم،، إنتوا شايفين إن ده وقت الكلام في الموضوع ده،، مش شايفين حالتها قدامكم عامله إزاي؟"
وأكملت وهي تساعد شقيقتها علي النهوض:
"يلا يا قلبي،، بابا مستنينا تحت علشان نروح."
تحركت إليها سارة إبنة خالتها عفاف وأسنداها حتي وقفت وتحركا للأسفل بخيبة أملهم ويدٍ خاويه من الوصال.
وجرت أسما للأسفل بقلبٍ يذرفُ دمً وتحدثت إلي علي الذي يقف والقلق يسيطر علي كل تفكيرة ويشلٌ حركتهٌ:
"سليم قافل تلفونه ليه يا علي؟"
أجابها بشرود:
"مش عارف يا أسما،، أنا هتجنن وهموت من القلق عليه،، ولا هو ولا بباه ولا حتي حسام بيرد علي تليفونه."
ثم نظر لها وتحدث بلهفه:
"معكيش رقم تليفون ريم ولا مامته نكلمهم؟"
هزت رأسها بنفي قائلة:
"للأسف لا يا علي،، العلاقه بينا متسمحش بإننا نتبادل أرقام التليفونات."
وبلحظه رفع الجميع وجوههم لأعلي ينظرون علي تلك المسكينه ذات الحظ العثر وهي تنزل الدرج بهيئة مزرية وعيون ذابلة منتفخة من أثر الدموع.
وبدلاً من أن ينتظرها عريسها أسفل الدرج ليأخذها بسعادة وينطلقا إلي جنة عشقهما سوياً.
وجدت عيون الحاضرين تخترقٌ روحها بنظراتٍ أشبهٌ بخناجر مسمومة تصوب نحو جسدها الهزيل وتهاجمهٌ بلا رحمة لتحولهٌ لأشلاءٍ صغيرة مٌبعثرة.
مٌتسائلين فيما بينهم وهم يتهامزون ويتلامزون بالكلمات الخبيثة عن ما هو سبب ترك عريس لعروسهٌ ليلة زفافهما.
ذهب إليها عمها أحمد وحاوطها برعاية ودفن وجهها داخل أحضانه خشيةً عليها من عيون البشر ونظراتهم المختلفه.
فمنهم من يٌصوبون أنظارهم بسهامٍ قاتلة بإتجاهها غير مبالين بحالتها وما أوت إليه تلكَ المسكينة.
ومنهم من يرأفون بحالتها وينظرون لها بعين الشفقة والرحمة.
ومنهم من يتهامزون بكلماتهم الخبيثه تحت أنظارهم القاتلة لبرائتها.
تحدثت إعتماد إلي عايدة التي تٌحاول التماسك فقط لأجل مساندة غاليتها في مُصيبتها الكبري:
"قلبي عندك يا عايدة."
أجابتها عايدة بهدوء:
"الحمدلله علي كل حال يا أعتماد،، قدر الله وماشاء فعل."
أمسك فؤاد الميكرفون وتحدثَ للحضور بصوتٍ قوي إستمدهٌ من إيمانهِ بالله:
"أنا أسف جداً يا جماعه،، العريس حصلت له ظروف طارئة وللأسف مش هيقدر ييجي وهنضطر نأجل الفرح لوقت تاني وهنبقي نبلغكم بيه إن شاء الله،، إتفضلوا حضراتكم وأسف مرة تانيه ليكم."
تعالت الهمهمات والأحاديث الجانبية داخل القاعة،، كٌلٍ يسأل عن سبب عدم حضور العريس وعائلتهٌ.
تحركت بإتجاة الخارج مٌحاطة من عمها ووالدتها.
جسداً بلا روح،،، عقلاً بلا إدراك،،، قلباً بلا حياة،، كياناً بلا شعور.
إعترضَ طريقها ذلك المٌراد وأوقفها ونظر لها بتعاطف وتحدثَ بقوة مٌؤزراً إياها:
"قلبي عندك يا باشمهندسه."
رفعت وجهها تنظر إليه بإنكسارٍ وتيهه.
فتحدث بقوة وهو يٌعطيها بطاقتهِ التعريفيه:
"أنا دكتور مراد صادق الحُسيني،، إبن صادق الحسيني مالك شركات الحٌسيني للأدويه،، وحبيت أبلغك إني واقف معاكِ وفي ضهرك في أي إجراءات قانونية حابه تتخذيها ضد اللي إسمه سليم ده هو وأهله."
هزت رأسها بطريقة هيستيرية وتحدثت:
"إجراءات أيه اللي بتتكلم عنها يا دكتور،، هو بعد الدبح ينفع للمدبوح الإعتراض،، الحاجه الوحيدة اللي مسموح بيها للمدبوح هي رقصة الموت،، وأنا رقصتها."
وأكملت بإستسلامٍ تام:
"قٌضي الأمر وأنتهي العرض يا دكتور."
نزلت كلماتها المعبرة علي قلبهِ الرقيق جلدته وأحرقته،، ومن يشعر بألامٍ ذبحها غيره،، وكيف لا يشعر بها وهو الذي مرَ بنفس تجربتها الأليمة.
وشعر بجلد البشر لذاته وعيونهم التي لا ترحم ضعيفً أهلكت روحهِ الحياة.
شعر بالأسي تجاهها وتهاوت روحه حين تذكر واقعته وكأن التاريخ يٌعيد نفسه مع إختلاف الأحداث والأشخاص.
مَد أحمد يدهٌ بهدوء وأتخذ من يدهِ البطاقه وتحدثَ وهو يحث إبنة أخيه علي المٌضي قدمً:
"متشكرين لذوقك يا دكتور،، وبالنسبه لبنتنا إحنا هنعرف نجيب لها حقها من الحقير ده هو وأهله."
وتحركوا للأمام.
تحرك صادق إلي ولدهِ وجذبه من ذراعه بعنفٍ وتحدثَ إليهِ بنبرة حادة:
"إنتَ أيه اللي بتهببه ده يا أفندي،،، إحنا مالنا يا أبني بالموضوع ده،، ندخل نفسنا في مشاكل ملناش فيها ليه؟"
نظر لأبيه وتحدثَ بحده:
"مالنا إزاي يا بابا،، ده واحد معندوش ضمير لا هو ولا أهله،، كسر بنت بريئة زي دي وخلاها فرجة لشوية ناس معدومة الضمير علشان يجلدوها بكلامهم ويسنوا سكاكينهم عليها و كل واحد يقطع في لحمها بطريقته،،"
وأكملَ بإصرار:
"دي واحده مظلومة وأنا واجبي يٌحتم عليا إني أقف معاها وأساندها في محنته."
نظر لإبنهِ وزفر بإستسلام لرأسهِ العنيد.
وتحدثت والدتهُ:
"إسمع كلام بابا يا مراد وملكش دعوة يا أبني."
***
كانت تقف بعيداً عن وقفتهم مٌمسكه بهاتفها تسجل بهِ فيديو لتوثيق حالة تلك الحزينة المزرية،، وهي بكامل إنتشائها وفرحتها.
إنها تلك الصديقه المزيفه المسماه بنورهان،، معدومة الضمير ذات القلب المٌتيبس عديم الرحمه.
حيثٌ كانت تشعر بسعادة وأنتشاء غير طبيعي وهي تنظر إلي عدوتها اللدود وتري إنهيارها أمام عيناها وفضيحتها أمام العلن والتي ستلازمها علي مر الزمان.
بل وتسجل تلك اللحظه وكأنها تسجل إحدي إنجازاتها.
ثم ضغطت زر تسجيل رسالة صوتيه وتحدثت بإنتشاء ونبرة صوت شامته:
"كله تمام يا باشمهندس،، المولد إنفض زي ما أنتَ عاوز بالظبط،، وأنا سجلت فيديو خروجها من الأوتيل وبعته للرقم إللي إنتَ بعتهٌ لي في رسالتك،،"
وأكملت بجشعٍ وحقارة:
"مستنيه مكافأتي اللي وعدتني بيها توصل لي علي حسابي."
كانت تتحرك بصحبة أهلها تاركين المكان بقلوبٍ محطمة.
أوقفهم مدير الأوتيل قائلاً بإحراج:
"أحنا أسفين جداً للي حصل يا أفندم،، أنا عارف إن الظرف مش مناسب أبداً لكلامي في الموضوع ده،، بس أرجو المعذرة،، ده شغلي وأنا هنا موظف وبنفذ الأوامر ليس إلا."
أردف زياد نجل عمها أحمد قائلاً بنفاذ صبر:
"ياريت يا حضرت تدخل في الموضوع علي طول وبلاش المقدمات الطويله دي،، إنتَ أكيد شايف حالتنا قدامك."
أجابهٌ المدير بإحترام:
"أنا أسف مرة تانيه يا أفندم،، الحقيقه إن حساب الأوتيل ما أتقفلش،، فبعد إذنكم حد منكم يتفضل معايا علي الحسابات علشان نقفل حساب الليلة."
أجابهٌ أحمد بحدة بالغه وأعتراض:
"والله البيه اللي حجز معاكم يبقا يبجي يحاسبكم،، لكن إحنا كفاية علينا حاسبنا علي الفضيحه،، مش هـ"
لم يُكمل جٌملتهٌ لمقاطعة فريدة له حيث وجهت حديثها إلي المدير بهدوء:
"حالاً يا أفندم هتاخد حسابك."
ثم نظرت إلي والدتها وتحدثت بهدوء:
"من فضلك يا ماما،، طلعي الكريدت كَارد من الشنطه وأديها ل زياد علشان يدفع بيها الحساب."
أردف علي غلاب الذي يجاورها هو وزوجته الباكية لإنهيار حٌلم صديقها أمام أعينه:
تحدثَ بنبرة خجله:
"من فضلك يا فريدة خليني أنا إللي أحاسب مكان سليمن."
نظرت داخل عيناه وتحدثت بقوة لم تدري من أين إستمدتها:
"أنا وأهلي اللي حضرنا الحفلة والفضيحة كانت من نصيبا إحنا يا باشمهندس،، وأنا كنت نمرة الليله وفرجة المعازيم وسخريتهم،،"
وأكملت بقوة:
"يبقا أنا إللي لازم أحاسب علي الليلة كلها،، وده أقل تمن أدفعه قصاد غبائي للمرة التانيه علي التوالي."
زاد شهيق عايدة وتحدثت:
"حسبنا الله ونعم الوكيل،،، حسبنا الله ونعم الوكيل فيك يا سليم إنتَ وأهلك،، قادر عليكم ربنا،، قادر يجيب لبنتي حقها منكم."
تعالت شهقات جميع الموجدات من أهلها وأزدادَ نحيبهنَ وبكائهن.
تحدث أحمد بحده ناهرهنَ:
"مش عاوز أسمع صوت واحده فيكم،، مفهومو!."
ثم نظر إلي عَلي بحدة وأردفَ قائلاً بغضبٍ تام:
"قول لصاحبك لو حاول يقرب من بنت أخويا تاني قسماً بالله هقتله ومش هيبقا له عندي ديه."
ثم إحتضن إبنة شقيقهٌ بعنايه وتحدث ليحثها علي التحرك للأمام:
"يلا بينا يا بنتي كفيانا واقفه،، الناس كلها بتتفرج علينا."
هزت لهٌ رأسها بطاعه وتحركت بساقين مرتعشتان تكادٌ تحملاها بصعوبه.
شعر عمها بتعبها فأسندها جيداً كي لا تنهار أرضً وجري عليها أسامة وأبعد والدتهٌ المٌنهارة وأحتوي شقيقتهٌ سانداً إياها بقوة بجوار عمهِ.
وتحركَ عبدالله بجانب عايدة ونهله المنهارتان وتحدث:
"يلا بينا يا ماما."
تحركوا جميعاً إلي منزل فؤاد بخيبة أمل تلازمهم وفضيحة ستلازم إبنتهم لأخر حياته.
تٌري ما الذي حدثَ وجعل سليم يتراجع بأخر لحظة عن إتمام زواجهٌ من معشوقة عيناه ومني روحه؟
ولما أغلقَ قاسم هاتفهٌ؟
رواية جراح الروح الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم روز امين
كانت تجاور شقيقتها بالجلوس.
نطقت بإستهجان ناظرة إليها بإندهاش:
"يعني إيه الكلام ده يا أمال، معقولة توافقي على الجنون ده؟"
تحدثت أمال بإستسلام:
"وكنتِ عاوزاني أعمل إيه قدام إصراره يا أماني؟ انتِ فاكرة إن سليم كان بياخد رأيي؟"
وأكملت بيقين:
"سليم كان بيبلغني بقراره يا أماني، وسواء وافقت ولا رفضت كان هيتجوزها يعني هيتجوزها. من الآخر كده مكنتش هتفرق معاه موافقتي من عدمها."
أردفت أماني بتساؤل متعجب:
"أفهم من كلامك ده إنك خلاص استسلمتي وقبلتي ببنت الحواري دي زوجة لابنك؟"
أجابتها بقوة ورفض قاطع:
"لأ طبعاً، إيه التخاريف اللي بتقوليها دي يا أماني. على جثتي لو بنت الحواري دي دخلت بيتي وبقت مرات سليم."
تنهدت أماني وزفرت بإرتياح وأردفت قائلة بهدوء:
"أيوه كده طمنتيني، وياترى ناوية على إيه؟"
أجابتها من بين أسنانها بغيظ وتشفي:
"ناوية أفضحها هي وأهلها وأخلي سيرتهم على كل لسان عشان يعرفوا إنهم لعبوا واتحدوا الخصم الغلط."
***
مساءً يوم الزفاف بمنزل قاسم الدمنهوري.
كان يقف أمام مرآته يرتدي قميصه الأبيض. أمسك بزجاجة عطره المميز ونثره على جسده بسخاء وإفراط.
ثم أغلق زرائر القميص وأكمل ارتداء حلة زواجه السوداء بقميصها الناصع البياض وببيونة جعلت منه وسيماً للغاية.
صفف شعره وهندم ذقنه ثم أخذ نفساً عميقاً وأخرجه بإسترخاء ونظر لحاله في انعكاس المرآة برضا تام.
كاد قلبه أن يخرج من مكانه ويتركه من شدة ضرباته التي تشبه صوت دق طبول الحرب المعلنة عن تقارب لقاء العشاق الذي طال انتظاره.
ثم تحرك للخارج.
نظر للحضور حيث كان البهو مكتظاً بالجميع وهم ينتظرون خروجه كي يذهبوا معاً إلى المكان الذي ستقام به مراسم الزفاف.
اقترب عليهم وبسمة تحتل ثغره، ينظر للجميع بسعادة. والدته، والده، شقيقته، حسام، ندي التي تزين ثغرها بابتسامة سعيدة، وسميرة التي تنظر إليه بتشفٍ لما هو قادم عليه.
أماني والتي حضرت لحالها دون زوجها وولدها اللذان سبقوها إلى العنوان المزيف التي أرسلتهما إليه حتى لا يتواصلا مع فريدة وأهلها ويساعداهما في الوصول إليهما.
جرت إليه ريم واحتضنته بسعادة وقبلته قائلة بحنو:
"ألف مبروك يا حبيبي، زي القمر يا سليم، ربنا يتمم لك بخير."
ابتسم لشقيقته وتحدث بسعادة بالغة:
"الله يبارك فيكي يا حبيبتي، عقبالك يا ريم."
تحرك والده إليه بابتسامة حانية واحتضنه بسعادة بالغة، مربتاً على ظهره بحنو وتحدث قائلاً:
"ألف ألف مبروك يا حبيبي، عشت وشفتك عريس يا سليم، عقبال ما أشوف عوضك يا ابني."
أجاب والده بسعادة:
"في حياة عينك يا حبيبي إن شاء الله."
ثم حول بصره إلى تلك الواقفة ويظهر عليها التعب. تحرك إليها وتحدث مداعباً إياها:
"هي حبيبتي مش هتبارك لي ولا إيه؟"
ابتسمت بوهن وتحدثت بصوت ضعيف مفتعل:
"إزاي بقا يا حبيبي، ده أنا سعادتي النهاردة ما تتوصّفش، ده اليوم اللي بتمناه من سنين يا سليم."
نظر لها بتوجس وأردف متسائلاً بقلق:
"مالك يا ماما؟"
بدأت تتهاوى بوقفتها وتحدثت بضعف ووهن مصطنع بإتقان:
"مفيش يا حبيبي، متقلقش، أنا كويسة."
قالت كلماتها وأمسكت ذراعه وهي تصرخ متأوهة قبل أن تقع أرضاً فاقدة الوعي:
"الحقني يا سليم!"
صرخت ريم وجرت عليها هي وأماني التي حملت رأسها من على الأرض ووضعتها فوق ساقيها:
"أماااال، مالك يا حبيبتي، ردي علياااا."
جرى الجميع وهم يدنون من مستوي وقوعها وبدأ سليم بمحاولة إفاقتها والقلق ينهش داخله.
نظرت أماني إلى سميرة وتحدثت بهلع مصطنع:
"اتصلي يا سميرة بسرعة على عزمي يكلم دكتور منير صديقه يبعت لنا عربية إسعاف مجهزة."
تحدثت سميرة:
"برافو عليكي يا أماني، كانت تايهة عني فين دي."
نظرت إلى ندي وأردفت قائلة بتخابث:
"بسرعة يا ندي اتصلي ببابا."
تحدثت ندي:
"ما أنتي عارفة يا مامي إن فوني مسقط شبكة من امبارح."
نظرت أماني إلى سليم الجالس مقابلها وأردفت بنبرة متعجلة:
"إديها تليفونك بسرعة يا سليم تكلم خالك يبعت لنا عربية إسعاف مجهزة."
تحركت ندي ودنت من مستواه وأردفت بنبرة متلهفة:
"بسرعة يا سليم."
لم يكن يعي لأي شيء من حوله غير وقوع غاليته المفاجئ. هز رأسه بطاعة وأخرج هاتفه من دون وعي وضغط على كلمة المرور أمام أعينها وأعطاها إياه.
أجرت منه اتصالاتها واختفت من المكان بأكمله.
وبعد حوالي 20 دقيقة كان سليم وقاسم يجاوران تلك المخادعة داخل عربة الإسعاف والتي كان حسام اتفق مع سائقها مسبقًا على أن يتحرك بهدوء ويتوههما بشوارع شديدة الازدحام حتى يصعب عليه التحرك والمرور من بين السيارات ولا يوصلهم إلى المستشفى المتفق عليه إلا بعد مرور الساعة والنصف على الأقل، حتى اقتراب فوات ميعاد الزفاف وانقضاء وقته المحدد.
كان يجلس بجانبها ممسكًا بكف يدها يطمئنها.
ينظر لها بألم يمزق داخله وهو يراها ترتدي ماسك التنفس الاصطناعي وتنظر إليه بعيون ضعيفة ونظرات يغلب عليها طابع الانكسار ودموع التماسيح تزرف من عينيها بوهن.
أردف قائلاً بعيون مطمئنة عكس ما يدور داخله من قلق ينهش قلبه خوفًا على عزيزة عيناه، غاليته، والدته الحبيبة:
"متخافيش يا حبيبتي، إن شاء الله هتبقي كويسة، هنوصل المستشفى وهيسعفوكي وهتبقي زي الفل."
أكد ذلك الجالس بالجهة الأخرى على حديث ولده قائلاً:
"إن شاء الله، اتحملي يا أمال كلها شوية وهنوصل."
ثم نظر إلى المسعف الجالس بجانب أمال يمثل إسعافها.
وجه قاسم حديثه إليه:
"هي العربية مبتتحركش ليه؟"
أجابه ذلك المخادع:
"الشوارع زحمة جداً يا أفندم، شوية وهتروق وهنوصل."
نظر سليم إلى والده متذكرًا حبيبته المنتظرة وصوله وكأنه كان خارج نطاق الواقع وعاد فجأة.
مد يده داخل جيبه سريعًا ليلتقط هاتفه ويطمئن على صغيرته ويخبرها بما جرى كي لا تقلق وتنتظر مجيئه.
انصدم حين تذكر أن ندي استعارته منه كي تهاتف منه.
زفر بضيق ونظر إلى والده محدثًا إياه:
"بابا من فضلك اديني تليفونك أتصل بفريدة وأطمنها، للأسف نسيت فوني مع ندي."
مد قاسم يده داخل جيب سترته وأخرج هاتفه وأعطاه إياه. نظر سليم بشاشته وضغط عليه لتشغيله، لكن تفاجأ بفروغ البطارية فحاول مرارًا وتكرارًا ولكن جميع محاولاته باءت بالفشل.
نظرت إليه أمال ورجعت بذاكرتها حين استغلت وجود قاسم داخل المرحاض وأسرعت باستبدال بطارية هاتفه بأخرى غير صالحة.
زفر سليم وأرجع شعره للخلف في حركة تعصبية وتحدث:
"البطارية فاضية يا بابا."
نظر له قاسم متحدثًا بنفي:
"فاضية إزاي يا ابني، أنا شاحن الفون قبل ما أجي بنفسي."
زفر سليم بضيق ثم حول بصره لذلك الجالس وتحدث برجاء:
"ممكن بعد إذنك أعمل مكالمة من تليفونك؟"
تحدث ذلك الملاوع:
"أنا معيش تليفون يا أفندم وده بناءً على التعليمات عشان متشوش على الأجهزة الموجودة في العربية هنا."
نظر له سليم باستغراب من حديثه الغير واقعي بالمرة وتحدث:
"طب ممكن تطلب من السواق يديني..."
ولم يكمل جملته حينما لاحظ تشنج والدته وارتعاش جسدها بالكامل.
ارتاعب داخله هو وقاسم.
وأسرع ذلك المخادع بتوصيل إحدى الأجهزة إلى قلبها وإعطائها إبرة مليئة بالفيتامينات المكملة غذائيًا.
وأدعى أنها مهدئة للتشنجات حتى إيصالها للمستشفى.
***
أما ريم التي كانت تبكي بشدة وهي تجاور حسام الذي يتحرك بسيارته ذاهبًا بها إلى المستشفى.
أمسكت هاتفها ونظرت بشاشته كي تحدث شقيقها وتطمئن منه على حالة والدتها.
زفرت بضيق وأردفت قائلة:
"معرفش تليفوني ماله إنهاردة، مش لاقط شبكة خالص."
ابتسم داخل ذلك الماكر حين تذكر أنه طلب من صديقه مهندس الاتصالات أن يقطع الخدمة عن هاتفها اليوم بأكمله حتى لا تستطيع أن تهاتف فريدة، أو تستقبل أية مكالمة.
وتحدث بنبرة خبيثة:
"تقريبًا كده فيه عيب في الشبكة إنهاردة، أنا كمان فوني مش لاقط شبكة نهائي."
تحدثت بدموع غزيرة:
"مش عارفة إيه اللي بيحصل لنا ده كله، وأمتي، يوم فرح سليم اللي كلنا كنا منتظرينه بفارغ الصبر."
أجابها بتخابث:
"إهدي يا حبيبتي من فضلك، كل حاجة هتبقي كويسة."
***
أما سليم، ظل على ذلك الوضع الصعب ما يقارب من الساعة حتى وصلوا للمستشفى تحت انهياره ورعبه من فكرة فقدانه لوالدته، وفكرة ما يُدار الآن بعقل صغيرته.
وجدوا عزمي وأماني وسميرة بانتظارهم.
وفوجئوا باستعدادات على أعلى مستوى ليوهموا سليم وقاسم بصعوبة حالتها وخطورتها.
تحرك بها الممرضين سريعًا إلى غرفة الإنعاش.
وكانت ينتظرها الطبيب ذو السمعة الملوثة الذي باع ضميره المهني بحفنة من الأموال الطائلة قد أعطته له تلك الكاذبة المدعية للمرض، بمساعدة ذلك الحقير المسمى بحسام قبل يومين وهو يتفق معها.
دلف إليها الطبيب ثم خرج بعد مدة بسيطة وتحدث بأسف مصطنع:
"للأسف، الأعراض والكشف الأولي بيشيروا إلى ذبحة صدرية."
ححظت أعين سليم من هول ما استمع وارتعب داخل قاسم الذي تحدث:
"طب وحالتها إيه يا دكتور؟"
أجابه بادعاء كاذب:
"للأسف، الحالة خطيرة جداً ومحتاجة لمعجزة. أنا هدخل حالاً وهحاول بكل جهدي أنقذ الحالة."
ثم نظر للجميع بأسف مصطنع وتحدث بمكر ليدب الرعب داخل أوصالهما:
"ادعولها، هي حاليًا محتاجة لدعواتكم أكتر من أي وقت."
ودلف لغرفة الإنعاش من جديد تحت صدمة سليم وقاسم.
صاحت أماني بصياح وعويل:
"يا حبيبتي يا أمال، كان مستخبي لك فين ده كله يا قلبي، يارب اقف معاها يارب."
احتضنتها سميرة وتحدثت بادعاء كاذب:
"إهدي يا أماني متعمليش في نفسك كده لتتعبي انتِ كمان، كفاية علينا اللي مرمية جوة بين الحياة والموت دي."
طال انتظار سليم والقلق بدأ ينهش داخله. قلقه على والدته الحبيبة القانتة بالداخل تصارع الحياة، وقلق قلبه الذي ينهش بداخله على غاليته التي تنتظره دون معرفة أسباب تأخره.
حمّحَمَ وأخرج صوته بصعوبة موجهًا حديثه إلى خاله:
"خالي من فضلك، محتاج تليفونك أكلم منه فريدة وأهلها عشان ميقلقوش من تأخيرنا عليهم."
هنا صرخت به أماني وتحدثت بحدة بالغة:
"أمك بتموت جوة وانتَ كل اللي فارق معاك وشاغل بالك إنك تطمن ست الحسن والجمال هي وأهلها؟"
تحدث عزمي بخباثة:
"إهدي يا أماني مش كده."
أومأ.
نظرت لأخيها وتحدثت بحدة مصطنعة:
"أهدي إزاي يا عزمي وكل اللي حصل لأختي ده بسبب اللي اسمها فريدة."
نظر لها سليم باستنكار، فأكملت هي باستماكة وتأكيد:
"أيوه يا سليم، دي الحقيقة اللي لازم تعرفها كويس أوي. أمال ضغطت على نفسها وعلى قلبها عشان تحاول تتقبلها كزوجة ليك، وكل ده ليه؟ كل ده لأنك أناني ومبتفكرش غير في نفسك وسعادتك وبس. انتَ واحد أناني يا سليم."
نظر لها بذهول وأشار بسبابته على حاله ونطق باستهجان:
"أنا أناني يا خالتي؟"
أجابته بقوة ودموع مصطنعة:
"أيوه انتَ أناني يا سليم، حرمتها من أجمل لحظة بتتمناها أي أم وتستناها من أول ما بتخلف ابنها وتضمه لحضنها، حرمتها من إنها تفرح بالنسب اللي تتشرف بيه وتتمناه ليك."
نظر لها قاسم وتحدث بحدة:
"ملوش لازمة الكلام ده دلوقتي يا أماني، مش وقته."
ردت بحدة لجلد ذاته:
"لأ وقته يا قاسم، لازم يعرف إن المسكينة اللي مرمية جوة دي ممكن تدفع حياتها تمن سعادته. ونظرت إليه وتحدثت بدموع ونبرة لائمة: ياريت تكون مبسوط من النتيجة اللي وصلت لها أختي بسببك يا باشمهندس."
تحرك للخارج غاضبًا تاركًا إياهم متوجهًا للحديقة لعدم قدرته للاستماع لحديث خالته الذي يجلد ذاته ويخبره كم هو حقًا أناني.
وكان قد قرر للخروج إلى الشارع ليهاتف فريدة من أية كبينة خاصة بالاتصالات ويطمئنها.
وأثناء طريقه للخارج استمع لإحدى الممرضات تتحدث بالهاتف:
"أيوه يا حسام بيه، مدام أمال دخلت مع دكتور منير أوضة الإنعاش، وإن شاء الله مش هيخرجها غير بعد الوقت اللي اتفقنا عليه ما يعدي."
وأكملت بانتشاء:
"بس ياريت متنساش حلاوتي يا باشا."
أما عن حسام الذي كان قريبًا جدًا من المستشفى ولكنه ترك ريم بالسيارة مدعيًا أنه سيجلب زجاجة مياه من إحدى المحال وذلك لعطشه الشديد، وحدث الممرضة للاطمئنان على سير خطته بنجاح.
ححظت عيناه من هول ما استمع.
وبلحظة استعاد وعيه وتركيزه تحرك من جديد إلى الداخل كالإعصار المدمر.
نظر الجميع على ذلك الغاضب وهو يقتحم الغرفة بمنتهى الهمجية.
تحدثت أماني صارخة بهلع خوفًا من انكشاف مخططهم:
"بتعمل إيه يا مجنون؟"
جرى خلفه قاسم للداخل وتسمرا كلاهما عندما وجدا أمال تجلس فوق السرير بكامل صحتها وهي تنظر إلى هاتفها بانتشاء وتشاهد الفيديو الخاص بخروج فريدة وأهلها من الفندق بخيبة أملهم، وذلك بعدما بعثته لها معدومة الضمير تلك المسماة بنورهان.
أما الطبيب فكان يجلس فوق مقعد جانبي يتحدث إلى الممرضة المصاحبة له.
نظر لها بصدمة عارمة وهو يهز رأسه بعدم استيعاب وإنكارًا لما يراه أمامه وتحدث بإنكسار:
"لأ يا أمي أرجوكِ، قولى لي إن اللي بفكر فيه ده مستحيل، قولى لي إني في كابوس وإنك مستحيل تدبحيني بإيديكي بالشكل البشع ده."
ارتبكت وهربت الدماء من وجهها ثم تحدثت خجلًا:
"أنا عملت كل ده عشانك يا سليم، أنا بحميك من نفسك يا ابني."
تحدث قاسم بذهول:
"معقول فيه أم في الدنيا تكسر فرحة ابنها بإيديها في أسعد ليلة في حياته، انتِ لا يمكن تكوني بني آدمة طبيعية، انتِ مريضة يا أمال."
تحدث الطبيب بتبجح:
"من فضلكم يا جماعة حلوا مشاكلكم دي بعيد عن هنا، أنا مش عاوز شوشرة في المستشفى."
جرى عليه سليم مثل الأسد الشرس حين ينقض على فريسته وبدون مقدمات بدأ يكيل له اللكمات وهو يحدثه بفحيح:
"شوشرة يا حقير يا مرتشي يا زبالة، ده أنا هخرب بيتك وهطربق لك المستشفى دي كلها على دماغك، وديني وما أعبد لأفضحك وأفصلك من النقابة يا أحقر خلق الله."
جرى عليه قاسم وبدأ بتخليص ذلك الحقير من يده وتحدث:
"مش وقته يا سليم، يلا بينا عشان نلحق عروستك قبل ما تروح هي وأهلها، لسه فاضل ساعة على انتهاء المعاد إن شاء الله نلحقهم."
تحرك بجانب والده ثم نظر لخاله وخالته وسميرة وهم واقفون بوجوه شاحبة كالموتى وتحدث باحتقار:
"ملعون أبو غبائي اللي صدق ناس معدومة الضمير زيكم، وصدق كذبكم ودموع التماسيح اللي نازلة من عيون لقلوب ميتة وعفا عليها الزمن."
وأكمل بحدة ونبرة تهديدية:
"من النهارده مش عاوز أشوف خلقت حد فيكم قدامي ولو حتى صدفة، وقسمًا بربي اللي هيقع منكم تحت إيدي بعد كده هفرمه بدون ما يرمش لي جفن."
ثم نظر لتلك اللعينة المسماة بندي.
ابتلعت لعابها وتحدثت بتخابث لتوهمه بعدم معرفتها بما حدث:
"فيه إيه يا سليم؟"
نظر لها بعيون تطلق شزرًا وتحدث بفحيح مادًا يده:
"هاتي موبايلي يا حقيرة."
ارتاعبت من نظرة عيناه المخيفة وبسرعة البرق مدت يدها داخل حقيبتها وأخرجته، جذبه منها بحدة وعنف كادت أن تخلع يدها.
حين جرت عليه تلك البريئة الباكية التي تساءلت قائلة برعب:
"مالك يا سليم، ماما جرالها حاجة؟"
نظر لها بخيبة أمل وأردف قائلًا بنبرة متألمة:
"أمك دبحتني بسكينة لمة يا ريم، مثلت إنها تعبانة عشان تكسرني قدام فريدة، أمك أنهت على أملي خلاص."
هزت رأسها بهستيريا غير مصدقة لما استمعته أذناها.
جذبه قاسم من ذراعه وأردف قائلًا:
"مش وقته يا ابني، يلا بينا نلحق عروستك."
***
تحرك مع والده مباشرة إلى منزل فريدة بعدما أعاد تشغيل هاتفه وهاتف علي الذي كان متجهاً إلى منزل قاسم ليطمئن على الجميع، وعلم منه ما حدث.
وصلا للمنزل وجد الباب مفتوحًا على مصراعيه.
خطى للداخل مع والده وبصحبتهم المأذون الذي كان متفقًا معه لعقد القران داخل الأوتيل وذلك بعدما هاتفه وجلبه معه.
تحرك بجانب والده خجلًا وكانا بموقف لا يحسدا عليه.
نظر إلى فؤاد الذي يجلس فوق الأريكة يضع يديه فوق رأسه والهم يظهر بملامح وجهه الحزين على ما أصاب عزيزة عينيه في اليوم الذي كان منتظرًا أن يكون أسعد لياليها.
يجاوره شقيقاه أحمد وصالح يحاولان تهدئته والتخفيف عنه، ويلتف حولهم أنجاله وأبناء عمومته وعبدالله ووالده.
تحدث سليم بنبرة صوت متحشرجة حرجة:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
نظر إليه الجميع ووقف أحمد ونجله زياد.
أسرع أحمد إليه بغضب وكاد أن يقترب منه ليفتك به ويكيل إليه بعض الضربات واللكمات كي يشفي غليله منه.
أمسك به عبدالله وزياد وأكرم كي لا يحتد بينهم الحال ويصل للمشاجرة.
تحدث أحمد بحدة بالغة وهو يحاول الفكاك من بين أيديهم كي يتجه إليه ويبرحه ضربًا:
"يا بجاحتك يا أخي، إنتَ لسه ليك عين تيجي لحد هنا."
صاح به صالح الجالس بجانب شقيقه بصوت حاد ناهراً أخاه:
"إهدي يا أحمد واقعد وخلينا نتكلم بهدوء، كفاية فضايح."
زفر أحمد بضيق وكتم غيظه وهو ينظر لذلك الواقف بقلب يغلي وينصهر ألمًا وقلقًا على صغيرته، يريد الاطمئنان عليها ولا يبالي بكل ما يجري من حوله، كل ما يشغل باله حاليًا هو الركض إلى داخل غرفتها وسحبها وشق ضلوعه وأدخالها كي يحميها من العالم بأكملها ويمحي عنها أي حزن قد أصاب قلبها الرقيق.
تحدث قاسم بتعابير وجه تنم عن مدى خجله:
"أنا حقيقي آسف ومش عارف إيه اللي ممكن يتقال في موقف زي ده يا أستاذ فؤاد، بس لو تسمح لي أشرح لك اللي حصل معانا ومنعنا إننا نيجي القاعة أكون شاكر لك."
وقف صالح متحاملًا على حاله وذلك لأجل أن يجدا حلاً معًا وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من تلك الفضيحة التي طالت ابنة أخيه.
وتحدث بهدوء وهو يشير بيده للجلوس:
"اتفضل اقعد يا قاسم بيه انت والباشمهندس."
وأكمل بنبرة حادة:
"واتفضل قول لنا مبرراتكم اللي منعتكم تيجوا الفرح ومن غير حتى ما تعتذروا باتصال وتعرفونا."
تنهد قاسم وجلس هو وسليم والمأذون بجانب ذلك الأب الحزين، وبدأ بقص ما حدث معهم من مرض زوجته وبأنهم تركوا هواتفهم من تأثير الصدمة عليهم.
وبالطبع لم يذكر أنها مجرد مؤامرة حقيرة من تلك اللعينة معدومة الضمير المسماة بزوجته كي لا يزداد الوضع سوءًا.
أردف فؤاد قائلًا بعتاب بعدما استمع لحديث قاسم:
"ولما هو ده فعلاً اللي حصل ما اتصلتوش بينا ليه وبلغتونا يا قاسم بيه، على الأقل ما كناش انتظرنا وشكلنا بقى وحش قوي كده قدام الناس؟"
تنهد قاسم وأجاب:
"صدقني يا أستاذ فؤاد كل حاجة حصلت بسرعة وكأننا كنا خارج نطاق الزمن."
تنهد فؤاد باستسلام وتحدث سليم بصوت هادئ:
"من فضلك يا عمي، أنا بستأذن حضرتك في إني أكتب كتابي دلوقتي على فريدة، وبعد كام يوم نبقى نعمل ترتيبات للفرح من جديد، واللي حضرتك عاوزه كله أنا تحت أمرك فيه."
نظر له فؤاد الذي بدا على وجهه الحزن والتعب وتحدث بإنكسار:
"فرح إيه اللي عاوزنا نعيده بعد الفضيحة اللي حصلت النهاردة يا باشمهندس، أنا بنتي قعدت في الأوتيل قدام الناس كلها مستنية عريسها اللي معبرهاش يوم فرحها ولا حتى اتصل يعتذر."
وأكمل بألم:
"وأي ناس اللي هروح أعزمهم تاني، الناس اللي زمانهم بيلسنوا على شرف بنتي وبيألفوا عليها قصص وحكايات."
هدر به أحمد قائلًا بحدة:
"قطع لسان اللي يتكلم على بنتنا نص كلمة، بنتنا أشرف من الشرف وكل متأكد من كده."
نظر سليم إلى فؤاد وتحدث بهدوء:
"كل حاجة هتتصلح يا عمي."
هنا قرر قاسم التدخل قائلًا بتعقل:
"اسمعني كويس يا أستاذ فؤاد، إللي حصل حصل خلاص."
وأكمل بتعقل:
"دلوقتي الكلام والعتاب لا هيقدم ولا هيأخر، أنا شايف إننا نكتب الكتاب وسليم ياخد عروسته للأوتيل اللي حاجز لها فيه ويتراضوا هناك براحتهم، وبكده هنكون خرسنا كل الألسنة اللي بتتكلم، وياسيدي لو على الفرح والناس، بعد أسبوع يكونوا العرسان هديوا ونفسيتهم ارتاحت ونعمله من جديد."
أكد صالح على حديثه وكأنه كان ينتظر تلك الكلمات:
"عين العقل يا قاسم بيه، كلام حضرتك محترم."
وهز أحمد رأسه بتأكيد هو الآخر وتحدث:
"إيه رأيك في الكلام ده يا فؤاد."
تنهد فؤاد إليهما وتحدث بهدوء:
"أنا معنديش مانع، المهم فريدة هي اللي توافق."
وقف سليم وأردف بهدوء:
"بعد إذن حضرتك يا عمي ياريت تسمح لي أدخل لها وأبلغها بنفسي."
هنا استمع الجميع لصوت فتح الباب بقوة وخروج تلك التعيسة ذات الحظ العاثر بهيئتها المزرية ووجهها الملطخ بالسواد من تأثير الكحل العربي الذي اختلط بدموعها وتحول على وجنتيها وكأنه نهر من السواد الجاري.
نظر لها بقلب يتمزق لسوء حالتها، لثوب زفافها الذي أصبح بحالة مزرية كصاحبته.
لعينيها المنتفخة وأنفاها وشفاها الذي كستهم حمرة دموع الحزن والخزلان والقهر.
رواية جراح الروح الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم روز امين
استمع الجميع لصوت فتح الباب بقوة وخروج تلك التعيسة بهيئتها المزرية ووجهها الملطخ بالسواد من تأثير الكحل العربي الذي اختلط بدموعها.
نظر لها بقلب يتمزق لسوء حالتها، ولثوب زفافها الذي أصبح بحالة مزرية كصاحبته.
لعينيها المنتفخة وأنفها وشفاها الذي كساهم حمرة دموع الحزن والخزلان والقهر.
بادلته نظراته بأخرى كارهة، حاقدة وتحركت إليه كالبركان الثائر المتدفق بعد الكتمان والفوران، وأخذت تضربه على صدره بكل ما أوتيت من قوة.
وقف ناظرًا إليها بخجل يتلقى ضرباتها بصدر رحب واستسلام تام، متهاويًا بوقفته كي يعطيها الفرصة حتى تخرج شحنة غضبها وتنفس عن روحها الجريحة.
وتحدثت بحدة وهي تكيل له الضربات المتتالية تحت ذهول الجميع من حالتها الجنونية التي لأول مرة يرونها عليها.
جاي بعد إيه يا حقير؟ جاي بعد مافرجت الناس كلها عليا وأنا خارجة بفستان فرحي في إيد أبويا زي مادخلت؟
وأكملت بذهول.
كتب كتاب إيه اللي جاي وعاوز تكتبه؟ إنت فاكر إني ممكن أأمن لك تاني وأعتبرك راجل بعد النهاردة؟
جرى عليها عمها أحمد واحتضنها وبدأ يملس على ظهرها بحنان في حركة مهدئة لها.
إهدي يا فريدة، إهدي يا بنتي.
اشتعلت داخله نيران الغيرة واستشاط غضبًا وهو يراها داخل أحضان عمها.
رحماك يا الله، فقد فاض به الكيل وطفح.
لم يعد يستطع التحمل بعد، فاليوم كان من المفترض أن تكون داخل أحضانه هو لينعم معها بالغرق داخل بحر شهدهما المنتظر منذ الزمان.
ولكن انظر كيف أصبح الحال.
فتحرك باتجاهها وتحدث بهدوء عكس ما يدور داخله من نار مشتعلة.
فريدة، خلينا نقعد لوحدنا ونتكلم وأنا هفهمك على كل حاجة.
نظرت إليه من بين دموعها وانهيارها باشمئزاز وتحدثت.
اطلع برة، ومن النهاردة مش عاوزة أشوف وشك قدامي.
وقف والده وتحدث بهدوء محاولًا امتصاص غضبها.
إهدي يا بنتي، الموضوع حصل فيه لبس، سليم هيفهمك على اللي حصل بعدين. المهم دلوقتي إنكم تكتبوا الكتاب وتروحي مع جوزك الأوتيل وهناك اتكلموا واتفاهموا براحتكم. لازم نكتب الكتاب علشان نخرس أي حد يحاول يجيب سيرتك.
نظرت له وتحدثت بحدة بالغة.
وهما الناس لسه هيتكلموا يا قاسم بيه؟ ده أنا بقيت تسلية الناس لمدة شهر قدام على الأقل، والفضل في ده يرجع لندالة ابنك المتأصلة فيه.
تدخل صالح بالحديث قائلًا بنبرة تعقلية.
استهدي بالله يا بنتي وخلينا نكتب الكتاب ونقطع ألسنة الناس اللي بتتكلم.
قاطعته حديثه بحدة وعيون متسعة متمردة.
على جثتي يا عمي إني أكون مرات واحد زي ده.
ردت عليه سليم بحدة.
إهدي يا فريدة وبطلي صراخ، إهدي وخلينا نكتب الكتاب وخلصينا من الموقف البايخ ده.
نظرت له بحدة وتحدثت بنبرة ساخرة.
نكتب الكتاب، إنت بتتكلم جد؟ ده إنت لو آخر راجل في الدنيا دي كلها لا يمكن أأمن على نفسي معاك بعد اللي عملته النهاردة. أنا بكرهك يا سليم، بكرهك.
وأكملت باشمئزاز.
تعرف؟ أنا عمري في حياتي ما كرهت حد، بس اتعلمت الكره على إيديك وابتديت بيك.
كان ينظر لحالتها بقلب محطم الآمال.
تمنى لو أن له الأحقية لأخذها داخل أحضانه وضمها وطمئنتها داخلها وتطييب جراح قلبها النازف.
وتحدث داخله بتألم.
رحماك مولاتي، فلترحمي عذابي ولترتمي بأحضاني وأتركي ضماد جراحك لقلبي، فهو بها كفيل.
أجابها بتأثر وقلب ممزق لأجلها عاذراً جرحها.
خلينا نكتب الكتاب وبعدها ابقي اكرهيني زي ما أنتِ عاوزة.
كانت عايدة تقف أمام غرفة فريدة تبكي بحرقة على صغيرتها وتجاورها شقيقتها عفاف تحتضنها باحتواء.
فصرخت عايدة بتألم وتأوهت.
يا ميلة بختك يا بنتي يا ميلة بختك، الصبر من عندك يا رب.
وقف فؤاد وذهب إليها وأخذها بين أحضانه وقبل جبينها وجفف بكفي يداه دموعها وتحدث بهدوء.
وافقي يا بنتي، وافقي علشان كلام الناس.
سحبت حالها من بين أحضانه ونظرت له بحدة وأجابته بنبرة جامدة.
وأنا يا بابا، مش مهم عندك الإهانة اللي حسيتها النهاردة؟ مش مهم أقضي باقية حياتي مع بني آدم كل ما أبص في وشه أفتكر قهرة قلبي وفرجة الناس عليا؟
صاحت عايدة من بين دموعها الحارة بنبرة صوت ملامة.
مش وقت كلام إنشاء يا فريدة، الناس هتاكل وشنا يا بنتي.
انسحبت من بين يدي والدها ووقفت منتصبة الظهر ورفعت رأسها لأعلى بشموخ وتحدثت بعزة وكرامة.
آخر همي الناس، أنا واحدة واثقة في نفسي وفي أخلاقي ومش ههتم ولا أدفن نفسي مع واحد ملوش كلمة ولا عهد علشان خاطر كلام الناس.
نزلت عليه كلماتها المهينة لشخصه ورجولته كمدمرة قتالية فكت به وبرجولته وبكل كيانه.
نظر لها بعيون ملامة، تلاقت عيناها بعيناه التي صرخت بها تترجاها كي تتوقف وترضخ لأمر الهوى وترحم قلوبهم الهرمة التي أدماها الهوى.
تحدث صالح برجاء.
خلاص بقا يا فريدة، وافقي يا بنتي علشان خاطر أبوك التعبان ده.
أجابته بقوة وإصرار.
ريح نفسك يا عمي، أنا مش هتجوز غير راجل بجد، راجل ليه كلمة وعهد وأبقى مطمنة على نفسي وأنا معاه.
وأكملت بنبرة قوية وهي تنظر إليه باشمئزاز.
مش محتاجة أشباه رجال أنا في حياتي.
نظر لها بعيون متسعة مصدومة مما استمع من امرأته.
سحبت عنه عيناها ثم حولت بصرها إلى قاسم الواقف يستمع باستسلام وقلب يتمزق لأجل صغيره محترق القلب والكيان.
وأكملت هي بكل شموخ شبه طاردة إياهم.
نورت يا قاسم بيه،،،، متنساش تاخد ابنك في إيدك وإنت خارج.
قالت كلماتها الهادمة لآخر أمل له وتحركت إلى غرفتها بعد أن فجرت قنبلتها بوجوه الجميع، وتركت خلفها قلوب جميعها تحترق ألمًا على تلك الحزينة وذلك المحطم.
وقف ينظر على طيفها بشرود وعقل يرفض تصديق ما رآه واستمع منذ قليل.
وحدث حاله بذهول.
أحقًا انتهت حكايتنا؟ لا فريدة، حبًا في الله لا تفعليها! عودي لأحضاني فالبرد بدأ يتغلغل بين عظامي.
سيهلكني الاشتياق يا فتاة.
لا تقوليها.
فقد سئمت مذاق المرار ولم أعد أحتمل الانتظار.
استفاق على صوت أباه وهو يربت على كتفه ويحدثه باستسلام.
يلا بينا يا ابني، ربنا يعوض عليك.
نظر له بتيه وعدم استيعاب لما يحدث من حوله.
وهنا صرخت عايدة بتألم.
يا ميلة بختك يا بنتي، يا فرحتك اللي اتقلبت لسواد يا فريدة، لا حول ولا قوة إلا بالله، الصبر من عندك يا رب.
تحدث صالح بحدة.
وحدي الله يا أم أسامة وأدخلي لبنتك وحاولي تعقليها علشان ننهي الموضوع ونخرس ألسنة الناس.
ارتمى فؤاد بجسده فوق الأريكة باستسلام وأردف قائلًا.
ريح نفسك يا صالح، بنتي وأنا عارفها كويس وطلما قالت لا يعني هي لا.
وأكمل باستسلام.
لله الأمر من قبل ومن بعد، لله الأمر من قبل ومن بعد.
تحدث أحمد بحدة وهو يتحرك إلى غرفتها.
يعني إيه قالت لا، الموضوع مبقاش بمزاجها، دي فضيحة للعيلة كلها ولازم تتلم.
وقف فؤاد وتحدث بقوة.
أحمد، أوعى تدخل لها، الموضوع انتهى وأنا عمري ما هجبر بنتي على حاجة هي مش عاوزاها.
ثم حول بصره إلى قاسم وتحدث.
اتفضل حضرتك يا قاسم بيه علشان متعطلش نفسك، وأنا إن شاء الله لو بنتي هديت وجد أي جديد وغيرت رأيها هبلغك في التليفون.
هز رأسه بتفهم وتحدث بهدوء.
إن شاء الله يا أستاذ فؤاد، وأنا وسليم تحت أمركم في أي وقت، ومرة تانية بكرر أسفي على اللي حصل.
أمسك يد سليم الذي مازال شاردًا وعينه على باب غرفتها وتحدث وهو يسحبه ليحثه على الخروج.
يلا يا باشمهندس.
انساق معه للخارج تحت نظرات الجميع وغادر المأذون وانتهى آخر أمل.
***☆***☆***☆***☆***
عاد قاسم إلى منزله بمفرده بعدما أصر سليم الذهاب إلى الأوتيل الذي كان من المفترض أن يقضي ليلته الأولى به مع حلم حياته الذي تحول إلى كابوس مهلك لروحه.
دلف للداخل وجد أمال ويجاورها أماني وعزمي.
تحدثت أماني بنبرة متلهفة.
عملتوا إيه يا قاسم، وفين سليم؟
أجابها بنبرة حادة.
اطمني يا أماني هانم، الخطة الحقيرة بتاعتكم جنت ثمارها والبنت رفضت تتمم الجوازة.
ثم نظر إليهم باشمئزاز وتحدث إلى تلك الجالسة بجمود.
طول عمري وأنا بديكي عذرك لأي حاجة بتعمليها مع ولادك وأقول من خوفها عليهم، لكن عمري ما فكرت إن الحقارة توصل بيكي بإنك تكسري ابنك في أسعد ليلة عاش عمره كله يحلم بيها ويستناها.
وأكمل مفسرًا.
إنتِ مش بس كسرتي فريدة وأهلها، إنتِ كسرتي هيبتي ورجولتي ورجولة ابنك قدام الناس كلها.
وأكمل باشمئزاز.
حقد قلبك وغرورك عماكي وخلاكي متفكريش حتى في الناس اللي أنا عزمتهم وشكلي هيبقى إيه قدامهم، وإزاي هيبصولي أنا وابني بعد ما شافونا بعيونهم وإحنا بنكسر بنت بريئة في يوم فرحها ونفضحها هي وأهلها بالشكل المهين ده.
الناس كلها هتعيش تحتقرني أنا وابني وده بفضل غبائك وسواد قلبك يا هانم.
أجابته بهدوء ونبرة منكسرة.
متقلقش يا قاسم، أنا خليت أماني تنزلي منشور على صفحات التواصل عندي، وزمان الكل عرف إننا محضرناش عشان تعبي ودخولي المستشفى، وكمان عشان سمعة البنت متتأثرش.
وأكمل بنبرة لائمة.
مع إنها هي السبب في اللي حصل ده كله، هي وأهلها اللي وصلونا للنتيجة دي بطمعهم وحلمهم اللي أعلى من مقامهم. لو سمعوا كلامي من الأول وبعدوا عن ابني مكنش حصل كل ده.
كان يستمع لها بذهول واشمئزاز.
وحدث حاله.
من تلك المرأة بحق الله؟ أتلك هي أم أولادي ورفيقة دربي؟
تلك الغبية عديمة الرحمة فاقدة الإنسانية.
أتلك هي من أمنتُها على بيتي وعرضي وأولادي؟
عذراً فلذات قلبي، فقد أسئت الاختيار.
تحدث إليها بقوة.
أمال، من النهاردة إنتِ محرمة عليا كزوجة.
وأكمل مبررًا.
ولولا إني خايف على بنتي اللي على وش جواز وسمعتها أنا كنت طلقتك وخرجتك من حياتي وحياة أولادي للأبد، بس للأسف فيه أصول وتقاليد بتحكمنا وتخلينا نكمل في حاجات غصب عنا.
نزلت كلماته عليها كالصاعقة الكهربائية التي شلت جميع جسدها.
نظرت له بعيون جاحظة وتحدثت بارتجاف ونبرة متلبكة.
إنتَ بتقول إيه يا قاسم؟
نظر لها بحقد وأجابها باشمئزاز.
اللي سمعتيه يا هانم، من النهاردة إنتِ مجرد سراب ملوش وجود بالنسبة لي.
ثم نظر إلى عزمي المذعور وتحدث بقوة.
وإنتَ يا خيال المأته، بلغ الحقير ابنك إن نجوم السما بقت أقرب له منك.
وأكمل هو موجهًا حديثه إلى أمال المصدومة بنبرة حاسمة وحادة.
الشقة اللي خدتي شقة ابني وتمن غربته وأديتيها لابن أخوكي المجرم رشوة علشان يساعدك في تدمير ابنك، تتباع وفلوس ابني ترجع له على داير مليم، وإلا قسماً بالله هحبسه وهخرب بيته.
وقف عزمي وتحدث بهدوء في محاولة منه لتهدئة ذلك الثائر.
إهدي بس يا قاسم وخلينا نتكلم بالعقل.
أكملت أماني حديث شقيقها.
إهدي يا قاسم ومتخليش موضوع زي ده يأثر على ترابط عيلتنا.
جحظت عيناه ونظر لهما بتعجب متحدثًا.
أي عقل اللي عاوزيني أتكلم بيه وأنتم بكل جبروت اتجمعتوا ودبحتوا ابني قدام عنيا.
وصاح بصوت عالٍ مرعب للجميع.
من النهاردة مش عاوز أشوف وش واحد منكم هنا تاني، وأحمدوا ربنا إني مبحبش الأذية وبخاف من ربنا، وإلا كنتوا هتشوفوا مني أسود أيام حياتكم بعد اللي عملتوه في ابني.
وأشار بيده للخارج.
ودلوقتي اتفضلوا من غير مطرود وياريت دي تكون آخر مرة أشوف خلقكم هنا في بيتي.
وقفت أمال وتحدثت بحدة.
قاسم، إنتَ اتجننت، بتطرد إخواتي من بيتي؟
أجابها بقوة وحدة.
ده مش بيتك، ده بيت ابني وخيرته وتمن غربته سنين.
وأكمل.
وإنتِ يا ناكرة الجميل بدل ما تحمدي ربنا عليه وتحطي ابنك جوة عيونك على اللي عمله معاكي، أخدتي شقاه وتعبه وبهدلتيه على خطتك القذرة في تدميره.
كادت أن تتحدث.
أخرسها بإشارة من يده ونظرة غاضبة من عيناه قائلًا بحدة.
كلمة واحدة وهتبقي طالق وهتخرجي معاهم وساعتها ابقي شوفي مين فيهم هيتحملك في بيته ويصرف عليكي.
ارتبك عزمي وتحدث سريعًا وهو يحث أماني على التحرك.
وعلى إيه المشاكل يا جماعة، إهدوا كده وحدوا الله، يلا بينا يا أماني نروح.
كادت أن تتحدث.
جذبها عزمي من يدها وأكد.
يلااااا.
وخرجا مسرعين ونظر هو لها وتحدث بلهجة آمرة.
من النهاردة مش عاوز أشوف وشك قدامي، وطول ما أنا موجود في البيت ممنوع تخرجي من باب أوضتك.
وأسترسل حديثه باشمئزاز.
ولولا إني مبقتش مطمن على بنتي معاكِ، أنا كنت أخدت شقة وعشت فيها لوحدي عشان ما أشوفش وشك ولو بالصدفة.
كانت تنظر إليه بصدمة وذهول وهي تهز رأسها بصمت تام خشية غضبته التي لأول مرة تراه عليها منذ زواجهم.
تحرك إلى غرفة ابنته ودلف ليطمئن عليها، وجدها متكورة على حالها كوضع الجنين، غارقة بدموعها على حال شقيقها المغدور به من أقرب أحبائه.
تحرك إليها وجلس بجانبها.
اعتدلت هي وارتمت داخل أحضان والدها وبكت بانهيار تام على ما أصابهم.
وتساءلت عن حال شقيقها فأخبرها أباها بما حدث.
فتحدثت بدموع.
بابا، أنا عاوزة أفسخ خطوبتي من الحقير اللي اسمه حسام.
هز رأسه وتحدث.
اطمني يا حبيبتي، أنا بلغت أبوه ونهيت معاه الموضوع.
بكت بانهيار وتحدثت بعدم استيعاب.
أنا مش قادرة أستوعب إن سليم هان على ماما للدرجة دي وقدرت تعمل فيه كده، أنا زعلانة منها أوي يا بابا.
أخذها داخل أحضانه وربت على ظهرها بحنان وتحدث.
للأسف يا بنتي، أمك فاكرة إنها بكده بتحمي أخوكي.
وأكمل بعقلانية كي لا يزيدها على ابنته ويساعدها على عقوق والدتها.
هي أكيد مكنتش تقصد تأذيه، محدش في الدنيا دي كلها هيخاف عليكم ويحبكم قدها، بس أمك تفكيرها غلط وبدل ما تحميكم آذيتكم من غير ما تقصد.
وأكمل محذرًا إياها.
علشان كده يا ريم عاوزك تاخدي بالك من تصرفاتها كويس جداً، وأي حاجة تقلقك تبلغيني بيها.
هزت رأسها لوالدها وخرج هو وطلب من العمال أن يجهزوا له غرفة سليم ويقوموا بنقل جميع ما يخصه بها لتصبح هي غرفته الأساسية بعد الآن تحت ذهول أمال الغير مستوعبة لما يحدث من حولها وما آلت إليه بيدها.
***☆***☆***☆***☆***
وصل للأوتيل وصعد لأعلى ووقف أمام باب ال Suite الذي كان من المفترض أن يدلف إليه حاملاً إياها بين ساعديه وهو بقمة سعادته بعدما حقق حلم حياته واقتنى جوهرته الثمينة.
ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.
دلف بيد فارغة وقلب محطم تكسوه برودة كالليل شتاء ممطر قارص البرودة، ليلة من ليالي يناير الصقيعة.
خطى للداخل بساق مرتعشة وقلب ممزق وروح تتهاوى وتتأرجح من شدة تمزقها.
خطى بقلب ينزف دمًا وكأن أحدهم غرس بمنتصفه خنجرًا مسممًا.
تطلع حوله بحسرة عاتية تملكت من قلبه.
تلك الليلة التي عاش طيلة حياته يحلم بها ويتمناها وينتظرها ويخطط لها بمنتهى الحرفية، تحولت بلحظة إلى أسوأ كابوس وليلة ستمر عليه ويتذكرها مهما طال ومر العمر.
كانت من المفترض أن تكون تلك هي أسعد لياليه، حيث حلم بأن يحملها بين ساعديه القويتان ويدلف بها باشتياق العمر، ينظر لمقلتيها الساحرتين، لكريزتيها التي تشبه حبات الكرز في موسم حصادها، ينهال عليهما برقة ليقطف منهما أول ثمار عشقهما الحلال.
ولكن، انظر كيف أصبح الحال؟
هو الآن وحيدًا بقلب مكسور وروح ممزقة ينظر من حوله بنفس محطمة.
نظر لتلك الورود المنثورة بعناية فوق تخته بفراشه الوثير الذي كان من المفترض أن ينعم فوقه داخل أحضان معشوقته الحانية.
نظر لتلك الشموع وما يجاورها من مشروبها المفضل ونوع الشيكولاتة المحبب لديها الذي انتقاه بعناية فائقة لنيل رضاه.
تحرك بخطى بطيئة حتى وصل إلى التخت، نظر لثوبها الحريري بملمسه الناعم، القصير للغاية والملفت للنظر ومحرق للروح بلونه ناصع البياض وهو موضوع بعناية بجانب منامة هادئة اللون.
همل على ثوبها وبيد مرتعشة أمسكه ورفعه لمستوى أنفه وأغمض عيناه وبدأ بانتشائه، واستنشاق عطرها التي اختارته بعناية بمساعدته، والتي نثرته والدتها فوق ثوبها بسخاء.
هنا لم تعد لساقيه ولا لقلبه التحمل بعد.
خارت قواه وجث على ركبتيه أرضًا.
أطلق صرخة من أعماق قلبه الممزق حزنًا وألمًا على حاله وما وصل إليه.
آآآآآآآآآآه، يا الله، قف بجانبي وساعدني لأتحمل ذلك الألم المميت، روحي تتهاوى يا إلهي، أشعر وكأن روحي تفارقني، لم أعد أستطيع تحمل كل هذا الوجع المميت، فريدددددة، أهٍ يا حب العمر يا مر الزمان.
عسى عقلي يتوه بزحمة النسيان.
والقلب تلهوه الحياة ويتناسي الحنين.
عسى جراح الروح تذبل، وتذوب مع فقد الأماني.
حتى أعود وأعلن توبتي، من ذلك العشق الأناني.
عشق أهلكني، وفي غيبات جب الأحزان ألقاني.
ولكن، كيف السبيل إلى النجاة بدون عشقك مولاتي.
وبكى وزرفت دموعه العزيزة الأبية على حاله وغاليته وما وصلا إليه بيد أقرب أحبائه.
تلك التي تسمى والدته والتي من المفترض أن تكون أول من تسعى لجلب سعادته وهناء قلبه بقرب حبيبة عيناه.
بكي لأول مرة بحياته وهو القوي ذو القلب الجامد المتمكن من حاله، بكى بضعف ووهن وحزن تملك من داخله وهو يرى روحه وألمها.
***☆***☆***☆***☆***
بعد يومان.
داخل غرفة حازم كان يقبع فوق تخته وحيدًا كعادته يفكر في من شغلت باله مؤخرًا.
دَلفت رانيا إليه وجاورته وبدأت تثرثر كعادتها.
وتحدثت بنبرة شامته ظهرت بابتسامتها.
شفت اللي حصل لفريدة يا حازم، مش هتصدق والله لو حكيت لك اللي هشام كان بيحكيه لعمو حسن وطنط سميحة من شوية.
وبدأت بسرد الحكاية تحت استغراب حازم من تلك الشامتة في مصائب البشر وفضائحهم.
وبعدما انتهت من سرد التفاصيل، أكملت بضحكة شامته.
البنت خلاص، فضيحتها بقت على كل لسان.
كادت أن تكمل.
أخرسها حديثه الهادئ النبرة العاصف المعنى وهو يتحدث بجمود.
رانيا،،،،،،،،،، أنا هتجوز.
تري كيف ستكون ردة فعل رانيا على قنبلة حازم الذي ألقاها بوجهها؟
رواية جراح الروح الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم روز امين
نظرت له وأردفت قائلة بإستهجان:
٠٠٠ هو ده وقت هزار يا حازم؟
أجابها بقوة ونظرة مثبتة داخل عينيها:
٠٠٠ بس أنا مبهزرش يا رانيا.
٠٠٠ أنا فعلاً هتجوز، و ببلغك حسب أوامر الشرع و عشان تكوني معايا في الصورة.
كانت تستمع له بعقل مشوش غير مستوعبة بما يتفوه به، وتحدثت بإستفهام:
٠٠٠ إنتَ بتقول لي كده عشان تهددني يا حازم، صح؟
٠٠٠ زعلان مني إكمني إنشغلت عنك اليومين اللي فاتوا؟
أجابها بنبرة ساخرة:
٠٠٠ اليومين اللي فاتوا،،،
٠٠٠ إنتِ طول عمرك و إنتِ مشغولة بكل الناس و شاغلة نفسك بأمورهم إلا الأشخاص اللي المفروض يبقوا هما شغلك الشاغل يا رانيا.
وأكمل بحده:
٠٠٠ و اللي هما أنا و ولادك يا هانم.
وأكمل بنبرة صوت ملامة وقوية:
٠٠٠ تقدري تقوليلي أنا و ولادك فين في حياتك؟
أجابته بقوة وتبجح:
٠٠٠ و إيه بقا اللي جد لكلامك ده يا حازم بيه؟
٠٠٠ و لا أنتَ قمت من النوم كده فجأة و حسيت إن رانيا الشريرة الوحشة مقصرة في حقي أنا و ولادي و لازم أتجوز عليها؟
أجابها بهدوء دمر كيان الأنثى بداخلها:
٠٠٠ إللي جد إني لقيت واحدة تفهمني و تحبني و تحسسني إني أهم حد في حياتها، و إن الكون في عيونها بيدور من حواليا أنا،،،،، أنا و بس.
ححظت عيناها من هول ما استمعت وتحدثت بإستفسار:
٠٠٠ إنتَ بتتكلم جد؟
٠٠٠ يعني إنتَ بكل بجاحة جاي تبلغني و تقولي إنك حبيت واحدة صايعة خطافة رجالة و كمان عاوز تتجوزها عليا؟
رمقها بنظرة نارية وتحدث بحده وقوة قائلاً بنبرة تهديدية:
٠٠٠ راااانيا،،، إحترمي نفسك و إنتِ بتتكلمي عن الست اللي هتبقى مراتي.
اتسعت عيناها بذهول وأردفت قائلة بإستهجان:
٠٠٠ إنتَ بتقولي أنا الكلام ده يا حازم، و عشان مين؟
أردف قائلاً بوقار:
٠٠٠ ياريت يا رانيا نتعامل كأشخاص محترمة و نتكلم بإسلوب راقي يليق بينا كناس كبار، بلاش شغل ردح ستات الحواري ده.
نظرت له بذهول و دارت حول نفسها و نيران الغل و الحقد تنهش صدرها.
ثم رمقته بنظرة حادة وتحدثت بصياح كنوع من التهديد ليس إلا:
٠٠٠ طالما أنا مبقتش عجباك و شايفني مش لايقة بتفكيرك يبقا تطلقني قبل ما تتجوز الهانم بتاعتك.
أجابها بكل هدوء و نبرة باردة أحرقت روحها:
٠٠٠ زي ما تحبي يا رانيا، كل اللي إنتِ عاوزاه هنفذه لك.
ارتعب داخلها من تخليه عنها بتلك البساطة وتحدثت بنبرة صوت مرتعشة:
٠٠٠ للدرجة دي بايعني يا حازم؟
تنهد هو وتحدث بأسى:
٠٠٠ للدرجة دي شاري نفسي و ولادي يا رانيا.
انسحبت بخيبة أمل من الغرفة واتجهت لغرفة أطفالها كي تقضي ليلتها معهم وتفكر فيما ستفعل أمام تلك الكارثة ألتي أتتها من العدم.
***
فاق حازم من نومه المتقطع وارتدي ثياب بيتية مريحة واتجه للأسفل ليتناول طعام إفطاره يوم إجازته مع عائلته، وقد نوى إخبارهم بقرار زواجه بعد الإفطار.
نزل الدرج وجد الجميع ينظرون إليه بإهتمام ويبدو من نظراتهم أنهم ينتظرونه.
نظر بعينيه لتلك الباكية التي تجلس بجانب سميحة وهي تحتضنها وتربت على ظهرها بحنان وتجاورها دعاء بوجه حزين لأجله.
تحدث إليه والده قائلاً بحده:
٠٠٠ صباح الخير يا حازم بيه، ولا أقول يا عريس؟
نظر لتلك الباكية وفهم أنها أعلنت الحرب عليه وحشدت الجميع في صفها ضده.
تحمحم وتحرك إلى مجلسهم وأردف قائلاً بإحراج:
٠٠٠ صباح الخير يا حاجة.
تحدث والده بحده:
٠٠٠ الكلام اللي رانيا بتقوله ده صحيح يا حازم، إنتَ فعلاً هتتجوز عليها؟
تحمحم وتحدث بصوت متحشرج:
٠٠٠ أنا كنت هفاتح حضرتك إنهاردة في الموضوع ده يا بابا.
ثم نظر إلى رانيا وأردف قائلاً بضيق:
٠٠٠ بس يظهر إن رانيا سبقتني وبلغتكم زي عوايدها.
هدر به والده معنفاً إياه بصياح حاد:
٠٠٠ طب ومالك مستعجل كده ليه؟ ما كنت تستنى لما تتجوز و تعملها لي مفاجأة.
تدخل هادي في الحديث ليرفع الحرج عن أخيه:
٠٠٠ حازم كان ناوي يفاتح حضرتك في الموضوع إنهاردة يا بابا.
اتسعت عينا رانيا وتحدثت بملامة:
٠٠٠ و إنتَ كمان كنت عارف نية أخوك و غدره بيا و سكت يا هادي؟
تحدث حازم بحده:
٠٠٠ رانيا، مليكيش دعوة بهادي و خلي كلامك مباشر معايا أنا.
بكت بدموع غزيرة وتحدثت بألم صادق يغزو روحها:
٠٠٠ طبعاً من حقك تعمل فيا أكتر من كده. ما أنا لو بابا عايش و واقف في ضهري كنت عملت له حساب. لكن هتعمل حساب لمين؟ لأخويا اللي مش معتبرني موجودة في حياته من الأساس، ولا لأمي الست المسنة اللي لا حول ليها و لا قوة.
اتسعت عيناه غضباً وتحدث بإشمئزاز:
٠٠٠ بطلي أسلوب استنزاف مشاعر اللي قدامك بالطريقة الرخيصة دي يا رانيا.
نظرت له بضعف وبكت بكاء مر، بكاء بطعم اليتم بطعم الكسرة، بطعم الضياع.
فحتى لو كانت فظة غليظة القلب إلا أنها دائماً ما تشعر باليتم والاحتياج للعاطفة الأبوية. وهذا ما كان يدفعها بأن تحقد على كل فتاة تحاوطها وتشملها رعاية أبيها وحنانه، وهي التي حرمت من عاطفة وحنان الأب منذ الصغر.
هنا لم يستطع حسن الصمت وصاح بولده ناهراً إياه:
٠٠٠ حاااازم، إنتَ سامع نفسك بتقول إيه؟ أوعى تفتكر إني هسمح لك تيجي على المسكينة دي.
ثم نظر إليها نظرة أبوية اقشعر جسدها لها وتحدث مطمئناً إياها:
٠٠٠ وإنتِ يا بنتي، إزاي تقولي إن لو كان ليكِ أب كان حازم عمله حساب. وأكمل بحنو صادق:
٠٠٠ طب وأنا روحت فين يا بنتي، هو أنا بردوا مش أبوكي؟
ابتسمت من بين دموعها ورعبها الذي دب بأوصالها من فكرة طلاقها من حازم وتشتتها وتركها لمنزله لتواجه مصيراً غير معلوم. والتلطم داخل منزل أخيها الجاحد الذي يتحمل والدته كرهًا وبغضًا.
أما ما أشعرها بالأمان والطمأنينة أكثر فهو حضن سميحة التي أدخلتها به وهي تتلمس ظهرها بحنان وتحدثت ناهراً ابنها:
٠٠٠ اتقي الله في مراتك وولادك يا ابني، وإوعى تفتكر إن رانيا مراتك وبس، لاء، هي ودعاء بعتبرهم بناتي اللي مخلفتهمش.
وأكملت بنبرة تهديدية:
٠٠٠ وطول ما أنا وأبوك فينا نفس مش هنسمح لأي حد يأذيهم، حتى لو كان الحد ده ولادي نفسه.
نظر لوالدته يطلب منها الدعم وتحدث:
٠٠٠ وأنا يا أمي، وراحتي ونفسي وسعادتي اللي مش لاقيهم معاها. أنا مش حاسس إني متجوز أصلاً، والمفروض إن حضرتك أكتر حد يحس بيا. الهانم اللي واخداها في حضنك وصعبة عليكِ أوى عمرها ما اعتبرتكم أهلها. كل كلامها نميمة وغيبة وحاجة تقرف، وأنا خلاص مبقتش قادر أتحملها أكتر من كده.
تحدث هشام أخيراً مؤزراً رانيا:
٠٠٠ ومين فينا معصوم من الخطأ وخالي من العيوب يا حازم؟ كلنا مليانين عيوب ولازم نلتمس لبعض العذر.
نظرت إلى هشام من بين أحضان سميحة الحانية وبكت بحرقة قلب وندم على ما فعلته بذلك الأخ التي لم تبادله الاحترام يوماً. لامت حالها على ما اقترفته بحقه وشعرت أن ما حدث لها ما هو إلا تخليص ذنبه هو وفريدة وعقابها من رب العباد.
تحدث حازم بأسى:
٠٠٠ إنتوا ليه مش قادرين تفهموني؟ أنا كراجل مش مرتاح مع مراتي، بتطلبوا مني أتحمل وادفن سعادتي بإيدي ليه؟
أجابه والده بحزم:
٠٠٠ العيب مش على رانيا لوحدها يا حازم، العيب عليك أكتر منها. إنتَ الراجل وإنتَ اللي المفروض تقود العلاقة وتوصلها للشكل اللي يرضيك. لكن إنتَ تراخيت واستسلمت ومكنتش معاها حازم من الأول، فمتجيش دلوقتي تحاسبها وتعيش لنا في دور الضحية.
خرجت هي من أحضان سميحة وتحدثت بدموع الندم:
٠٠٠ أنا مستعدة أتغير وأعمل كل اللي يرضيك يا حازم، بس أرجوك بلاش جواز، وصدقني أنا هتغير، والله العظيم هتغير وهاكون لك الزوجة اللي ترضيك وتناسبك. وأكملت بتوسل وعيون مترجية:
٠٠٠ بس متسبنيش يا حازم، وحياة ولادك متتجوز عليا، عشان خاطر ربنا.
وبعد مناقشات ومناوشات تحدث حسن بحزم:
٠٠٠ بلاش تخرب بيتك وتشتت أمان ولادك عشان خاطر نزوة وهتروح زهوتها بعدين يا حازم، إهدي يا ابني واتقي الله في بيتك وإن شاء الله ربنا هيعوضك مع مراتك.
ونظر إلى رانيا وتحدث بنبرة حازمة:
٠٠٠ ولو على رانيا وعيوبها اللي مضايقاك أنا أوعدك إنها هتغير من نفسها، ولو ده محصلش أنا بنفسي وقتها اللي هقول لك اتجوز.
أكمل بنبرة جامدة:
٠٠٠ مفهوم يا رانيا؟
نظرت له بإمتنان واجابت باحترام وشكر:
٠٠٠ والله يا عمو هعمل كل اللي حضرتك تؤمر بيه واللي يرضي حازم.
هز رأسه طاعة لوالده واحتراماً لرأيه وتحرك إلى الخارج بخيبة أمل وقلب جريح ممزق على حاله وحال حبيبته التي وثقت به ولكنه سيخزلها امتثالاً لأمر والده وصوت العقل.
***
بعد مرور يومان قضاهما حبيس غرفته داخل الأوتيل.
كان مستلقياً فوق سريره حزيناً شارداً على ما وصل إليه.
أمسك هاتفه وأعاد تشغيله حيث كان قد أغلقه منذ تلك النكبة ليعيش عزلته وحزنه على أميرته وحاله وما وصلا إليه.
وجد رسالة صوتية مبعوثة من رقم جارحة روحه، فتحها بشغف ليستمع إلى محتواها.
انصدم وانشق صدره وكأن أحدهم نزل عليه بسيف مسنون حاد وبكل قوته شطره لنصفين فسلب منه الروح والحياة.
نزلت دموع عينيه الأبية تجري فوق وجنتيه حينما استمع لصوتها المرتعش الخائف الباكي وهي تترجاه بضعف بألا يتخلى عنها وأن يأتي لإنقاذ سمعتها وعائلتها.
استشاط غضباً وتجددت النيران داخل صدره وكأن صدمته جعلته خارج نطاق العقل والتفكير، وها هو عاد أخيراً.
وقف يدور حول نفسه كالثور الهائج وبدأ يفكر ويفكر ويفكر كيف سينتقم لحبيبته وقهر روحها.
وبعد مدة ارتدى ثيابه على عجل وتحرك منطلقاً بسيارته، وخلال وقت قصير كان يصف سيارته أمام الشركة التي يعمل بها ذلك الندل الخائن.
أخرج بطاقة تعريفه وأعطاها إلى الحارس الأمني المتواجد خارجاً.
على الفور هاتف الحارس مدير مكتب رئيس الشركة الذي بدوره أبلغ مديره وسمح له بالصعود فوراً.
بعد قليل كان يقبع أمام المدير الذي تحدث بترحاب:
٠٠٠ أهلاً وسهلاً يا باشمهندس، نورت الشركة يا أفندم.
أجابه سليم باختصار:
٠٠٠ أنا هدخل في الموضوع على طول عشان مطولش عليك وأخذ من وقتك الثمين.
٠٠٠ طبعاً أكيد بتسأل نفسك أنا موجود هنا ليه برغم إن عرض شركتكم بالاندماج مع شركتنا ما اتوافقش عليه.
٠٠٠ أنا هجاوبك، بصراحة يا عزت بيه ومن غير زعل مستوي شركتك لا يرتقي بالارتباط باسم شركة كبيرة زي الشركة الألمانية.
كاد الرجل أن يعترض، أوقفه سليم بإشارة من يده وأكمل بإغراء:
٠٠٠ لكن،،،،،، لكن أنا مستعد أتواصل مع حضرتك وأساعدك بإنك ترفع من مستوى شركتك في وقت قياسي عشان إن شاء الله يبقى لها الأولوية في الانضمام لينا السنة الجاية.
نظر له عزت مضيق العينين وتساءل بذكاء:
٠٠٠ وياترى إيه المقابل يا باشمهندس؟
٠٠٠ وأكمل بفطنة:
٠٠٠ اسمح لي يعني، أنا عارف مين هو سليم الدمنهوري، واللي معروف عنك إنك مبتقبلش بأي تجاوزات ولا مجاملات في شغلك.
٠٠٠ عشان كده عاوز تساعدني وترفع من مستوى شركتي عشان متخالفش ضميرك المهني، وعارف كمان إنك مش هتعرض عليا عرض مغري زي ده إلا إذا كان له مقابل، واللي هو مش فلوس أكيد، لأن دي مش أخلاقك.
ابتسم له سليم وتحدث بإطراء:
٠٠٠ بحب أتعامل مع الناس الذكية اللي بترتاح وتستريح.
٠٠٠ وأكمل بنبرة صارمة:
٠٠٠ هو طلب واحد بس واعتبره كارت مرورك السحري للوصول لشركتنا.
وضع عزت يده على ذقنه يحكها بارتياب ثم أردف قائلاً:
٠٠٠ اسمع طلبك الأول!
أجابه سليم بنبرة صوت قوية:
٠٠٠ حسام الشافعي، من إنهاردة مش عايز يكون له أي وجود هنا في الشركة!
تنهد الرجل بارتياح وهز رأسه بإيجاب متحدثاً بوجه بشوش:
٠٠٠ بس كده، اعتبر الموضوع منتهي.
أكمل سليم حديثه:
٠٠٠ كلامي لسه مخلصش يا عزت بيه، أنا مش عايزة يمشي من شركة حضرتك بس، لا، أنا عايزة يلف على شركات مصر كلها وما يلقيش اللي يقبل يوظفه.
أجابه الرجل باستغراب:
٠٠٠ ودي أعملها إزاي يا باشمهندس؟
وقف سليم منتصب الظهر قائلاً بشبه أمر:
٠٠٠ اتصرف يا عزت بيه، إنتَ أكيد لك طرقك وهتعرف توصل للنتيجة اللي ترضيني.
وقف عزت احتراماً له وتساءل مستغرباً بفضول:
٠٠٠ ممكن أعرف إيه سبب الطلب الغريب ده، مع إن على حد علمي إن حسام الشافعي قريبك، ده غير إن قاسم بيه والد حضرتك هو اللي متوسط له هنا في الشركة.
رمقه بنظرة حادة وأجاب بقوة وثقة:
٠٠٠ لحد كده وملكش فيه يا عزت بيه، إنتَ لك إن شركتك تحظى بشرف دمجها لاسم شركتنا، وده أنا هنفذه لك قصاد تنفيذ طلبي.
أجابه عزت بهدوء:
٠٠٠ اعتبر طلبك اتنفذ خلاص يا باشمهندس، قبل ما حضرتك تخرج من باب الشركة هتكون ورقة إقالة حسام موجودة على مكتبه.
أكمل بعملية:
٠٠٠ مستني تواصلنا مع بعض عشان نبدأ شغل.
هز سليم رأسه برضا وتحرك خارج الشركة، وبالفعل استدعى ذلك المدير حسام وأخبره باستغناء الشركة عنه، لأسباب ترجع إلى زيادة عمالة داخل الشركة.
تلقى حسام الخبر بصدمة وذهول وشعر بالكون يختل من تحت أرجله، لعن حظه وكاد أن يجن من صدمات تلقيه لضرباته المتتالية التي تأتيه بالترتيب واحدة تلو الأخرى.
***
خرج سليم وتوجه مباشرة إلى مكتب المدعو إيهاب عبداللطيف، المهندس الذي ساعدهم في التجسس على هشام.
جلس مقابلاً له، ثم أخرج تسجيلاً صوتياً قد سجله له ذلك الداهي أثناء جلوسه معه هو وعلي وحسام وهم يتفقون سوياً لإيقاع هشام، وقد سجله سليم بعدما شعر بعدم الراحة منه هو وحسام وتحسباً لأية ظروف، وربما يحتاج إليه، وبالفعل فقد احتاجه.
اتسعت عينا إيهاب ثم نظر له مصدوماً وتحدث ملاماً له:
٠٠٠ هي دي آخرة خدمتي ليك يا سليم؟ ده جزائي عشان ساعدتك، بتسجل لي وعاوز تخرب بيتي؟
نظر له وتحدث بحده بالغة:
٠٠٠ سيبك من الكلام الفاضي اللي مش هياكل معايا ده واسمعني كويس يا إيهاب.
أنا سجلت لك لما حسيت إن نيتك مش سالكة وإن من السهل جداً تبيعني لما يؤمرك حسام، وبالفعل، اللي حسبته لقيته.
نظر له غير مستوعب حديثه وأردف قائلاً بدفاع:
٠٠٠ بس أنا ما أذيتكش في حاجة يا سليم، ولو قصدك موضوع إني عطلت خط أختك وسقطة من الشبكة يوم فرحك، فا أنا عملت كده عشان حسام طلب ده مني وقال لي إنه عامل لها مفاجأة ومش عاوز حد يبلغها قبله!
اشتعل داخله من ذلك الحقير الذي خطط ودبر بإتقان ولم يترك أية تفصيلة لمحض الصدفة.
ضيق عينيه وأردف قائلاً بتهديد:
٠٠٠ريح نفسك يا إيهاب، كلامك وتبريرك ده كله مش هيفرق معايا ولا هيرحمك من إيدي.
أكمل مهدداً:
٠٠٠ إنتَ عارف كويس أوي إن ممكن أسجنك بالتسجيل اللي معايا ده، مشوار صغير لحد مكتب رئيس الشركة وأسمعه التسجيل وإنتَ عارف الباقي، خيانة أمانة واستغلال موقع عملك بطريقة سيئة، وقضية تجسس على العملاء وليلة كبيرة إنتَ مش قدها.
ابتلع لعابه رعباً وتساءل:
٠٠٠ أرجوك يا سليم متعملش فيا كده، أنا عندي زوجة وبنت عاوز أربيها، شوف إنتَ عاوز إيه وأنا تحت أمرك.
نظر له بحده وأردف قائلاً:
٠٠٠ عاوز تسجيلات لخط الحقير اللي اسمه حسام شهرين لورا، عاوز أعرف كل بني آدم ساعده في إنه يأذيني.
يهز رأسه بطاعة وتحدث بصوت مهزوز:
٠٠٠ حاضر يا سليم، اديني فرصة يومين تلاتة أجمع لك كل التسجيلات وأجبهم لك لحد عندك، بس متأذنيش أرجوك وأديني التسجيل ده.
تحدث بجدية:
٠٠٠ هديهولك يا إيهاب، بس ياريت تبطل أساليبك الملتوية دي وتتقي الله في شغلك، ربي بنتك وابعد عن حسام وشرة يا إيهاب.
وأكمل بنبرة نادمة:
٠٠٠ وعاوز أقول لك إن ندمان ندم عمري على المؤامرة اللي عملتها في هشام، ربنا رد لي اللي عملته في هشام الصاع صاعين وبنفس الأسلوب عشان يفوقني من غفلتي، ربنا منتقم جبار وما يرضيهوش الأساليب الملتوية أبداً مهما كانت الغاية بريئة وخير، الغاية لا تبرر الوسيلة يا إيهاب.
وقف إيهاب سريعاً وتحرك إليه وتحدث ممتناً له:
٠٠٠ أنا متشكر أوي يا سليم، وصدقني دي هتكون آخر مرة أستغل فيها موقعي، وحسام ده أنا هعمل له بلوك من حياتي كلها.
***
بعد مرور أربعة أيام على تلك النكبة التي أصابت الجميع ولم يخرج منها أحد معافى النفس.
خرجت ريم من غرفتها مرتدية ثيابها العملية بعد أن قررت الذهاب إلى العمل، فيكفيها العكوف داخل غرفتها إلى هذا الحد.
وجدت والدها يجلس حول سفرة الطعام وحيداً ينتظر قدومها بعدما بعث لاستدعائها ليتناولا وجبة إفطارهما سوياً.
جلست بعدما ألقت على والدها التحية، تنهدت وهي تنظر لباب غرفة والدتها الموصد عليها، فمنذ ذلك اليوم المشؤم وهي لا تخرج من باب غرفتها لا في حضور قاسم ولا حتى أثناء غيابه، وذلك لحزنها الشديد على حالها وإهانتها التي تعرضت إليها أمام أشقائها وزوجة أخيها على يد والدها، ثم زوجها أمام أشقائها، وإهانتها أمام عمال منزلها وهم يشاهدون نفيها من قاسم على مرأى ومسمع من الجميع.
نظرت لذلك الحزين وتحدثت:
٠٠٠ بابا، أنا عاوزة أشوف سليم.
تنهد بألم ثم أجابها بهدوء:
٠٠٠ بلاش يا ريم، أخوكي مجروح ومحتاج يبقى لوحده عشان يهدي، وماتقلقيش عليه، أنا متابعه كويس وعارف سير خطواته ويومياً بكلمه وبطمن عليه.
تنهدت بألم وأردفت قائلة وهي تقف لاستعدادها للمغادرة:
٠٠٠ أنا رايحة شغلي، بعد إذن حضرتك.
وقف معها وتحركا معاً للأسفل تاركين تلك المنبوذة لحالها، وما جنته بيدها.
***
وصلت ريم أمام مقر شركة الحسيني بعد انقطاع دام أربعة أيام.
صفت سيارتها أمام الشركة وترجلت منها لتدلف للداخل.
وجدت من يترجل من سيارته، تسمرت مكانها ونظرت إليه بقلب مشتاق.
انتظرت أن يأتي إليها ليؤازرها في محنة شقيقها ويسألها كيف أصبحت كما تعودت منه مؤخراً.
ولكنه تجاهل وجودها من الأساس وبدا على وجهه الجمود وتحرك للداخل متخطياً وقوفها دون عناء النظر لوجهها.
نظرت إلى طيفه بشرود وغصة مرة وقفت بحلقها.
تنهدت بألم ودلفت تجر أذيال خيبة أملها به.
دلفت للمعلم وبدأت ممارسة عملها بقلب حزين ووجه عابس.
بعد قليل دلف إلى المعمل ليتابع سير العمل كعادته.
تعمد تجاهلها ووجه سؤاله إلى صديقتها سارة:
٠٠٠ دكتور محمود فين يا دكتورة؟
أجابته سارة بهدوء:
٠٠٠ دكتور محمود خرج للتواليت يا أفندم.
أردف قائلاً بهدوء:
٠٠٠ لو سمحتي لما يرجع ياريت تبلغيه إني مستنيه في مكتبي.
وخرج دون النظر إليها.
وبعد مدة تحركت إلى مكتبه بعد أن قررت أن تسأله عن سبب تلك المعاملة الجافة.
دلف للداخل وتحدثت بهدوء:
٠٠٠ مساء الخير يا دكتور.
رفع بصره إليها بجمود ثم عاود النظر لأوراقه من جديد وتحدث باقتضاب كالسابق:
٠٠٠ خير يا دكتورة، فيه حاجة؟
نظرت له بحزن عميق وتساءلت بنبرة صوت حزينة ألمت داخله:
٠٠٠ هو أنا زعلت حضرتك في حاجة يا دكتور؟
انفطر قلبه لسماع نبرة صوتها التي تحمل بين طياتها حزن وألم عميق.
تنهد عالياً لتهدئة دقات قلبه المتسارعة والتي أعلنت الحرب عليه.
أمره إياه بالنهوض إليها وجذبها بعنف وإدخالها داخل أحضانه الدافئة حتى يمحو عنها حزنه.
تمالك من حاله إلى أبعد الحدود ورسم على ملامح وجهه الجمود وتساءل:
٠٠٠ بتقولي ليه كده؟
أجابته بنبرة صوت متأثرة:
٠٠٠ عشان معاملة حضرتك معايا اللي رجعت زي الأول وأكتر.
دقق النظر لملامحها وزفر بضيق ثم خلع عنه نظارته الطبية وألقاها بإهمال وتحدث بهدوء:
٠٠٠ أكلمك بصراحة؟
أجابته سريعاً:
٠٠٠ ياريت.
أشار لها بالجلوس فجلست وتحدث هو بنبرة صوت مقتظة:
٠٠٠ بصراحة كده متضايق منك إنتِ وعيلتك ومش طايق أشوف حد فيكم بسبب اللي عملتوه في المسكينة اللي اسمها فريدة.
سحبت بصرها عنه خجلاً وأكمل هو بنبرة حادة:
٠٠٠ أخوكي ده أحقر بني آدم أنا شفته في حياتي، إزاي قدر يدبح بنت بريئة بالشكل البشع ده؟
٠٠٠ وأكمل بغضب:
٠٠٠ صدقيني أنا لو شفته يومها مكنش فيه مخلوق على وجه الأرض قدر يخلصه من تحت إيدي.
اللمعت عيناها بالدموع وتحدثت بدفاع مستميت عن شقيقها الغالي:
٠٠٠ من فضلك يا دكتور متتكلمش بالطريقة دي عن سليم، ويا ريت متحكمش على حد من غير ما تعرف ظروفه.
ثم نظرت له بنظرة ذات مغزى واسترسلت حديثها:
٠٠٠ بيتهيأ لي حضرتك بالذات مش لازم تحكم على حد من قبل ما تسمع وجهة نظره عشان تقدر تشوف الصورة كاملة من كل الاتجاهات.
وأكملت بتفسير كي لا يُساء فهمها:
٠٠٠ وده بحكم إن حضرتك اتظلمت من كلام الناس وانجرحت وإنتَ مش أكتر من مجني عليك، فكان من الأولى إنك تتحرى الدقة وتعرف الحقيقة الكاملة قبل ما تصدر حكمك على أخويا.
زفر بضيق محاولاً تهدئة حاله كي لا يحزنها أكثر وتساءل:
٠٠٠ وياترى بقا إيه هي الحقيقة الكاملة دي؟
أجابته بنبرة متألمة:
٠٠٠ للأسف سليم كان ضحية مؤامرة حقيرة اتنسجت خيوطها بمهارة لدرجة إنه ما شكش لحظة.
أخذت نفس عميق وأكملت:
٠٠٠ ومن مين؟ من أعز وأقرب الناس واللي عمره ما كان يتخيل إن ضربته القاضية هتبقى على إيديهم.
٠٠٠ تقصدي مين بكلامك ده؟ تساءل بها مراد مضيقاً عينيه باستفهام.
أجابته بنبرة غاضبة وكأنها تحولت لأخرى:
٠٠٠ مؤامرة من الحقير اللي كنت مخطوبة له.
وأكملت بحزن عميق وأسى:
٠٠٠ وللأسف بالاتفاق مع أمي.
انتفض داخله برهبة وتساءل بلهفة ظهرت على ملامحهِ وبنبرة صوته:
٠٠٠ اللي كنتي مخطوبة له؟
وتساءل:
٠٠٠ هو إنتِ؟
قاطعته بحدة:
٠٠٠ فقت من غيبوبتي وخلصت روحي من هلاك مؤكد كان هيقضي عليا بالتدريج.
وأكملت ببكاء قطع نياط قلبه:
٠٠٠ بس للأسف، مفقتش غير بعد ما دمر أخويا وموته بالحيا.
وقف منتصب الظهر وتحرك وجلس مقابلاً لها وتحدث بنبرة صوت حنونه رقيقة أربكتها بجلستها:
٠٠٠ إهدي يا ريم من فضلك.
رفعت بصرها إليه سريعاً وألتقى العينان في نظرة مطولة عبر بها كلٌ منهما عن مدى احتياجه للآخر.
وآآآآهٍ من العيون حينما تتحدث وتعلن عن مشاعرها.
انتفض داخله وتعالت دقات قلبه بوتيرة سريعة، وما كان حالها بأفضل منه.
قرر التحدث ليخرجها من ما هي عليه:
٠٠٠ احكي لي الموضوع من أوله يا ريم، يمكن أقدر أساعد في رجوع سليم وفريدة لبعض.
هزت رأسها بدموع وأردفت قائلة بيأس:
٠٠٠ مفيش فايدة يا دكتور، فريدة حسمت قرارها خلاص وعمرها ما هتتراجع عنه.
نظر لها وتحدث برقة أذابتها:
٠٠٠ طب ممكن تهدي عشان خاطري.
نظرت له غير مستوعبة حديثه، فأكمل هو بدون مقدمات:
٠٠٠ ريم، أنا بحبك.
فتحت فاهها ببلاهة تنظر له بذهول وقلب يتفض ومشاعر جياشة تجتاح عالمها ولأول مرة.
☆ نعم، فقد أوهمت حالها بعشق ذلك الندل، ولكنه لم يكن إلا وهم ومشاعر مراهقة وسيطرة من ذلك الحقير على مشاعرها البريئة بحديثه المعسول.
فأكمل هو بعيون عاشقة متيمة:
٠٠٠ أيوة بحبك يا ريم، بحبك ويمكن من أول يوم شفتك فيه.
٠٠٠ كنت مستني لما اللحظة المناسبة تيجي وتفركشي خطوبتك عشان أصارحك بمشاعري نحيتك.
مالت رأسها بتعجب وتساءلت:
٠٠٠ وإنتَ إيه اللي كان مخليك متأكد أوي كده من إني هسيب حسام؟
سحب نسبة كبيرة من الهواء حتى امتلأت رئتيه وأخرجه بهدوء لتهدئة من روعة غضبته التي أصابته.
وتحدث بنبرة غائرة متملكة:
٠٠٠ طب عشان نبقى متفقين من أولها كده، أنا مش عاوز أسمع اسم البني آدم ده على لسانك مرة تانية.
وأكمل بنبرة عاشق غائر على امرأته خاصته:
٠٠٠ أنا راجل بغير موت ومبحبش مراتي تجيب سيرة حد غيري على لسانها.
ارتبكت بجلستها وانتفض جسدها بالكامل وتزلزلت مشاعرها البريئة من كلماته المتملكة وكلمة "مراتي" التي زلزلت كيانها.
رمشت عيناها سريعاً ووقفت بارتباك وتحركت متجهة للخارج.
جرى عليها ووقف مقابلاً لها وتساءل بعيون عاشقة:
٠٠٠ على فكرة أنا لسه مخلصتش كلامي.
وأكمل بثقة بالغة أنهت على ثباتها المزيف:
٠٠٠ مش المفروض لما جوزك المستقبلي يتكلم تقفي وتسمعيه لحد ما يخلص كلامه للأخر؟
أخرجت حروف كلماتها بشفاه مرتعشة أثارت ذلك المسكين ذو القلب العاشق حتى النخاع:
٠٠٠ دكتور مراد، إنتَ بتقول إيه؟
أجابها بنبرة هائمة:
٠٠٠ مراد بس يا ريم، مش عاوز أسمع غير مراد وبس.
واسترسل حديثه متسائلاً بعيون متيمة ونبرة صوت هائمة:
٠٠٠ تتجوزيني يا ريم؟
ابتسمت بذهول ونظرت إليه بوجه منير كالقمر في ليلة تمامه:
٠٠٠ إنتَ أكيد مجنون.
أجاب بلهفة وثقة:
٠٠٠ بيكي، مجنون بيكي وبحبك وعاوز أتجوزك وبسرعة جداً، وعارف ومتأكد من إنك بتحبيني ومع الوقت هخليكي تعشقيني مش بس تحبيني.
ابتسمت بسعادة فأبتسم هو وتساءل بدلال:
٠٠٠ أفهم من ضحكتك دي إن حبيبي خلاص موافق؟
ضحكت وسحبت بصرها عنه خجلاً وهزت رأسها بطاعة أثارت داخله وأشعلت كيانه.
***
بعد انقضاء أسبوع من واقعة ليلة الزفاف قضتها حبيسة غرفتها.
أمسكت هاتفها بعدما قررت المواجهة وضغطت زر المحادثة وانتظرت الرد.
كان مستلقياً فوق سريره معلقاً أنظاره بسقف الغرفة بشرود تام.
استمع إلى رنين هاتفه، فـ تجاهله حتى انتهى، ثم تكرر الاتصال مرة أخرى، تأفف بضيق ثم مد يده بإهمال والتقطه من فوق الكومود.
نظر بشاشته بفتور، وفجأة اتسعت عيناه بذهول واعتدل سريعاً جالساً وبـ لحظة ضغط زر الإجابة وتحدث بنبرة متلهفة:
٠٠٠ فريدة.
استمعت إلى صوته المتلهف وحالة من الغضب والرفض لصوته تملكت منها وأجابت بنبرة حادة:
٠٠٠ إنتَ فين؟
تنهد بألم حينما استمع لنبرة صوتها التي يملؤها الجمود وأجابها باختصار:
٠٠٠ أنا في الأوتيل.
أجابته بنبرة حادة:
٠٠٠ أنا جايه لك كمان ساعة، لازم نتكلم!
تنهد بارتياح وسعد داخله متأملاً وتحدث:
٠٠٠ وأنا مستنيكي يا فريدة.
أغلق معها وتحرك مسرعاً إلى المرآة ووقف يتطلع على هيئته المزرية، حيث شعره المشعث وشعر ذقنه بهيئته الغير منمقة.
تحرك سريعاً إلى خزانته وأخرج ثياباً نظيفة وتحرك للمرحاض متحمساً، استحم وهندم من ذقنه وشعر رأسه ونثر عطره فوق جسده بسخاء ونظر لانعكاس حاله في المرآة نظرة رضا ثم تحرك للأسفل ينتظرها بقلب مرتجف وعيون متشوقة.
***
ارتدت ثيابها وخرجت من غرفتها بعدما ظلت حبيستها طيلة الفترة المنصهرة.
وجدت والدتها جالسة فوق المقعد تضع كف يدها على وجنتها بوجه شارد مهموم.
حولّت بصرها حينما استمعت لصوت الباب وهو يغلق.
نظرت لها باستغراب وأردفت قائلة بتعجب:
٠٠٠ لابسة كده ورايحة على فين يا فريدة؟
ثم نظرت لما بيدها وأسترسلت حديثها بتساؤل:
٠٠٠ وإيه الكيس اللي في إيدك ده؟
أجابتها بوجه خالي من التعبير:
٠٠٠ دي شبكة الباشمهندس، رايحة أرجعها له هي وعقد الفيلا يا ماما.
بكت والدتها وأردفت قائلة بنبرة مترجية:
٠٠٠ عشان خاطر ربنا يا بنتي راجعي نفسك، إحنا لسه فيها، ولسه أبوكِ مكلم أبوكي امبارح وبيسأله إذا كنتِ غيرتي رأيك، يعني الناس شارينك يا فريدة.
رفعت رأسها بشموخ وتحدثت:
٠٠٠ أرجوكِ يا ماما، أنا حسمت قراري، وموضوع رجوعي ليه منتهي بالنسبة لي.
وتحركت للخارج تحت دموع عايدة وتوسلاتها التي لم تجدي نفعاً.
وقفت أمام منزل عبدالله المقابل لمنزلها وطرقته، ففتحت لها اعتماد التي تحدثت بحنان:
٠٠٠ أهلاً يا فريدة، عاملة إيه النهارده يا حبيبتي؟
أجابتها بقوة وثبات ووجه تكسو على ملامحه الجمود المصطنع:
٠٠٠ الحمد لله يا طنط، يا ترى عبدالله موجود؟
أشارت لها اعتماد في دعوة منها للداخل وأردفت قائلة:
٠٠٠ آه يا حبيبتي اتفضلي، ثواني أنده له.
دلفت للداخل وبعد قليل خرج لها عبدالله وتحدثت هي في حضرة اعتماد:
٠٠٠ عبدالله، عاوزاك تعملي عقد تنازل مني عن الفيلا اللي الباشمهندس سليم كتبها لي باسمي، عاوزة أرجع له عقد التنازل مع عقد الفيلا عشان أكون خلصت ضميري.
نظر لها ردت اعتماد تحثها على التراجع:
٠٠٠ وعليكي من ده كله بأيه يا بنتي، استهدي بالله واستعيذي بيه من الشيطان الرجيم ووافقي على كتب الكتاب.
وبعد مناقشات غير مجدية بالمرة اكتتب لها عبدالله عقد التنازل وأخذته وهاتفت ذلك المحطم كي تزيدها عليه وتنهي على آخر أمل له.
بعد قليل دلفت إلى الأوتيل وجدته يجلس في الاستقبال ينتظرها بروح مرفرفة معلقة بكلمة منه.
تحركت متجهة إليه، وقف سريعاً لاستقبالها بقلب منتشٍ سعيد يكاد يخرج من بين أضلعه ليذوب داخل أحضانها، قلب يأمل بأن ينتهي ذلك العذاب ويرحل بلا عودة بحضورها.
ولكنها أصابته بخيبة الأمل السريعة حين تخطت وقوفه وتحركت دون عناء النظر إليه، جلست دون أن تعير لوجوده أية اهتمام مما حطم كبرياءه ولكنه تحامل على حاله وعذر كبرياءها المطعون.
وتحدث بصوت متحشرج بعدما جلس مقابلاً لها:
٠٠٠ أزيك يا فريدة.
نظرت داخل عينيه وأجابته بقوة متجاهلة سؤاله عليها:
٠٠٠ كنت بتقول إن عندك أسبابك المقنعة اللي خلتك متحضرش الفرح، واللي هو مرض والدتك، وأكملت باعتراض:
٠٠٠ لكن أنا الحقيقة مش شايفاه سبب مقنع بالنسبة لي يخليك متردش على اتصالاتي، ويوصل بيك الأمر لدرجة إنك تقفل الخط في وشي.
استشاط داخلها من تلك الملعونة التي نفذت ما أمرت به بدون رحمة أو شفقة بروح تلك المذبوحة.
أخذ نفس عميق وبدأ يقص عليها ما حدث من خطة حقيرة من حسام وندى.
نظرت له بقوة وتساءلت:
٠٠٠ هسألك سؤال وعاوزاك تجاوبني عليه بصراحة.
نطق سريعاً بلهفة وعشق ظهر بعينيه فهز كيانها ولكنها ادعت الصمود امتثالاً لكرامتها:
٠٠٠ أؤمريني يا فريدة وأنا هجاوبك على أي حاجة تحبي تعرفيها، وأكمل بنبرة مترجية ونظرة متوسلة:
٠٠٠ بس أرجوكِ ترجعي لحضني يا فريدة، أنا بموت من غيرك.
ابتلعت لعابها من هيئته التي تدمي القلوب وتؤلمها وأجابته بنبرة حادة مصطنعة:
٠٠٠ مامتك كانت تعبانة بجد؟
نزل عليه سؤالها وكأنه سواط جلد روحه بدون رحمة، تمالك من حاله ونظرة انكسار تملكت منه وأجابها بنبرة صوت متوجعة، متألمة، مذبوحة:
٠٠٠ لا يا فريدة، طلع فيلم معمول عليا أنا وأبويا وريم.
اتسعت عيناها بذهول ونزلت كلماته على قلبها مزقته وتحدثت بلمعة دمعة حبيسة سكنت عيناها:
٠٠٠ ياااااااه، للدرجة دي قلوب الناس وكسرتهم ملهاش عندهم أي تمن!!
وأكملت بعدم تصديق:
٠٠٠ بالبساطة دي يتفقوا ويخططوا لفضحتي أنا وأهلي بكل برود!!
ونظرت له بجمود وتحدثت بنبرة حادة:
٠٠٠ وكل ده ليه؟ عشان الهانم مامتك شايفاني أنا وأهلي مش قد المقام وإني مش العروسة المناسبة لجنابك؟
نظر لها خجلاً وتحدث:
٠٠٠ متأخذنيش بذنب حد يا فريدة، كفاية عليا دبح روحي بسكينة تلمة في أكتر يوم عشت عمري كله أتمناه، وعلى إيد مين، على إيد الست اللي كانت السبب في وجودي، واللي كانت المفروض تكون أسعد واحدة لسعادتي.
ابتسمت ساخرة وتحدثت:
٠٠٠ دي مشكلتك لوحدك، أحياناً أخطاء الآباء يتحملها الأبناء.
نظر لها مضيق العينين وتساءل بنبرة قلقة:
٠٠٠ تقصدي إيه يا حبيبي؟
ارتبكت من نطقه لكلمة حبيبي التي تذيبها عشقاً، ولكنها تحاملت وتحدثت بقوة مصطنعة:
٠٠٠ يعني خلاص يا باشمهندس، مامتك حكمت على علاقتنا بالإعدام.
وأكملت بشموخ:
٠٠٠ ولو هي شايفة إني مينفعش أنول شرف لقب زوجة سعادتك، فـ أحب أقولك إن أنا وأهلي اللي ميشرفناش وجود واحد ينتمي لأم حقودة وقلبها أسود بالطريقة البشعة دي.
استشاط داخله غضباً وتحدث بنبرة تحذيرية:
٠٠٠ خلي بالك من كلامك يا فريدة، أنا سكت على إهانتك ليا في بيتكم وعذرتك وقولت مجروحة، بس أكتر من كده مش هسمح لك، أنا راجل حر ومقبلش على نفسي الإهانة.
ابتسمت ساخرة ومدت يدها بذلك الكيس قائلة:
٠٠٠ هدي نفسك يا باشمهندس ومتاخدش الأمور على أعصابك أوي كده.
وأكملت:
٠٠٠ دي شبكتك، وده عقد تنازل مني عن الفيلا اللي كتبتها لي، وكده يبقى خالصين ولا تسمح لي ولا اسمح لك.
٠٠٠ بالبساطة دي، قالها مصدوماً.
وأكمل:
٠٠٠ قد كده متمسكة بيا وبحبنا؟
أكملت بشموخ واعتزاز:
٠٠٠ قد كده متمسكة بكرامة أهلي وكبريائهم، مش أنا اللي أدخل بيت أهله شايفيني أقل منهم وباصين لأهلي نظرة دونية، أنا عالية أوي يا باشمهندس، وأهلي عاليين أوي ولازم اللي يتجوزني أهله قبل منه يبصوا لأبويا وأمي على إنهم حاجة كبيرة.
أو انظر لها بعيون عاشقة وتحدث برجاء:
٠٠٠ أنا بحبك ومش هقدر أكمل حياتي من غيرك.
وقفت وتحدثت بكبرياء:
٠٠٠ دي مشكلتك مش مشكلتي.
انصدم من ردة فعلها ونظر لها بعيون مصدومة، من تلك الجاحدة ذات القلب المتيبس عديم الشفقة؟
بلحظة ثارت كرامته واشتعل داخله غضباً منها وتحدث:
٠٠٠ تمام يا باشمهندسة، مشكلتي أنا هعرف أحلها كويس وقلبي أنا هخرجه وهفعصه تحت جزمتي بكل اللي فيه، وبالنسبة للشبكة وعقد الفيلا دول حقك، وأنا متنازل لك عنهم.
وأنا ما يلزمنيش ولا عاوزه أي حاجة تفكرني بالتجربة المرة دي،،،،
قالت كلماتها بنار مشتعلة رداً على حديثه المهين لها وتحركت سريعاً إلى الخارج تحت ذهول سليم وصرخات قلبه المتوسلة لها بأن تتراجع، ولكن، سبق السيف العذل.
رواية جراح الروح الفصل الثلاثون 30 - بقلم روز امين
داخل منزل عزمي الشافعي
كان يجلس بوجهٍ غاضب وروحً محترقة علي ما وصل إليه.
بلحظة خسر كل شيئ وأنقلبَ السحرٌ علي الساحر.
صاحت سميرة بملامح غاضبه ونبرة مٌلامه لإبنها:
"ياما نصحتك وقولت لك سيبك من عمتك وخططها الخايبه وخليك مع سليم تكسب.
مسمعتش كلامي ومشيت وراها وأهي غرقتك."
وأكملت بنواحٍ:
"شغلك وخسرته،، وسمعتك كمهندس إضربت في السوق بعد إبن أمال ما حطك في دماغه ووصي عليك جميع الشركات في مجالكم.
حتي ريم إللي عملت كل ده علشانها،، هي أول واحدة باعتك وفركشت الخطوبه.
لا والأدهي إنها عملت لك بلوك علشان متعرفش توصل لها."
إنتفضَ بجلستهِ وتحدثَ بفحيحٍ مٌتوعداً لسليم:
"وديني وما أعبد لأرد له الضربة بأقوي منها وأدمرك."
صاح بهِ عزمي مٌتحدثً بإعتراض:
"هترد له أيه يا أبني،، هو الراجل كان أذاك إلا بعد ما أذيته وخربت له حياته.
إحمد ربنا إنه طلع مٌسالم وأكتفي بفصلك من الشغل.
واحد غيره كان أنتقم منك أشد إنتقام ولا كان أجر لك بلطجيه خلصوا عليك."
أكملَ بتذكر:
"بالمناسبه يا حٌسام،، عملت أيه في موضوع الدوبلكس،، ياتري شفت له بيعه علشان ترجع لعمتك فلوسها؟"
نظر لوالدهُ وأردفَ قائلاً برفضٍ تام:
"مش هرجع حاجه يا بابا وأعلا ما في خيلهم يركبوة."
أجابهٌ عزمي مٌحذراً:
"أنا قولت لك اللي بلغني بيه قاسم وتهديده ليك وإنتَ حر.
بس لازم تعرف إن قاسم مبيتكلمش وخلاص،، ميغركش سكوته وهدوئة دي قرصته بالدم."
وأكملَ بعيون زائغة مٌتذكراً:
"لو شٌفته عمل أيه مع أمال والقسوة والغل والجبروت إللي كان بيكلمها بيهم،، كنت فهمت أنا ليه مٌصر إنك ترجع له فلوس إبنه."
إبتسمت سميرة ساخرة وأردفت قائلة بنبرة شامته:
"ياما كان نفسي أشوف أمال هانم اللي عامله لي فيها ملكة إنجلترا وهي مذلوله قدام خدمها."
رمقها عزمي بنظرة ناريه وتحدثَ بتحذير:
"وبعدين معاكي يا سميرة،، مش هتبطلي طريقتك المستفزة دي."
أشاحت لهٌ بيدها بإهمال.
وأكملَ حٌسام بثقه قد تصل إلي الغرور:
"إطمن يا بابا،، أساساً موضوعي أنا وريم لسه ما أنتهاش.
أنا بس مستني أنفرد بيها وأقعد معاها وأنا كفيل برجوعها ليا من جديد،، والجوازة هتم يعني هتم."
تحدثت ندي بصياحٍ وتملل:
"كله من طمعك يا سي حسام،، فضلت تلعب علي كل الحبال لحد ما غرقت وغرقتنا كلنا معاك.
وبعد ما سليم عرف خطتك الخايبه حطك في دماغه وبقا كل تفكيرة في إنه إزاي يدمرك.
وأبقا قابلني بقا لو لقيت شركة تشغلك بعد كدة."
تحدثت سميرة بتفكير عقلاني:
"أنا شايفه إن الحل الوحيد إنك تسافر برة البلد وتشتغل.
طول ما سليم حاطك في دماغه إستحالة هتلاقي حد يشغلك هنا."
أجابها سريعً وبإصرار:
"وأ'سيب ريم بالسهوله دي،،، ده علي جٌثتي."
***
فاقت علي صوت المنبه بعدما قررت أن تعود إلي طبيعتها الأولي وتذهب إلي عملها كي تندمج وتنغمس في دوامة العمل والحياة وتتناسي سليم وقصتها المحزنه معه.
هكذا أوهمت حالها تلك الأبيه الشامخه.
توضأت وصلت فرضها وإرتدت ثيابها.
تحدثت إليها نهله التي كانت تستعد هي الأخري للذهاب إلي جامعتها:
"متأكده إنك هتقدري تروحي الشركه يا فريدة؟"
أجابت شقيقتها بثباتِ وقوه مفتعلان لم يفارقا وجهها مٌنذ تلك الواقعه:
"هو أنا هفضل محبوسه في البيت ولا أيه يا نهله،، لازم أرجع وأمارس حياتي الطبيعيه والحمدلله إني مقدمتش إستقالتي زي البيه ما كان طالب مني."
تحدثت نهله بترقب علي إستحياء:
"فريدة،، لسه مش عاوزة تدي لنفسك ولسليم فرصة تانية؟"
إحتدت ملامحها وتحدثت:
"نهله،، قول'ت لك قبل كده ياريت ماتتكلميش في الموضوع ده تاني وإنتِ برده مٌصره تفتحيه."
إرتبكت نهله وتحدثت سريعً:
"خلاص بقا متزعليش،، أنا أسفه يا ستي واوعدك إن دي هتكون أخر مرة."
تحركت بسيارتها متجههَ إلي مقر الشركه.
دلفت إلي الشركه برأسٍ شامخ تحت النظرات المٌشفقه عليها من الجميع والتي تجلدٌها وتُشعرها بمنتهي الألم.
حدثت حالها بقلبٍ يتمزق:
"توقفوا،،،، ليتكم تعلمون أن تلك النظرات أشد علي جسدي من جلد السياط،،، توقفوا،،،، حباً بالله توقفوا،،، كٌفوا عني بنظراتكم تلك،، لا أريدٌ شفقةً من أحد،، فقط أتركوني بحالي وسألملم شتات نفسي وسأصبحٌ بخير !!!"
إقترب الجميع منها للإطمئنان علي حالها ومن بينهم تلك الخبيثةٌ الملعونه صديقة السوء.
بعد قليل دلفت إلي مكتبها مٌهلكة الروح.
تحرك إليها فايز وتحدث بنبرة حماسيه:
"حمدالله على السلامه يا فريدة،، برافوا عليكي إنك نزلتي شغلك،، الشغل هو الحاجه الوحيده اللي هتخرجك من اللي إنتِ فيه."
وأكملَ بتمني:
"ولو إني أتمني إن الأمور بينك إنتِ والباشمهندس تتصلح وترجعوا لبعض تاني."
شكرته فريدة وكعادتها ردت بدبلوماسيه وتحرك فايز من جديد إلي مكتبهِ.
جلست تتابع عملها بعقلٍ مشوش وروحً مٌتهالكه غير مستوعبه ما مرت به من تجربه قاسيه أستنزفت كل طاقتها وأرهقتها.
إستمعت إلي طرقات خفيفة فوق الباب سمحت للطارق قائلة:
"أدخل."
طَلَ عليها ذلك الممزق لأجلها.
نظر لعيناها بإشتياقٍ، ولكن ليس كالسابق،، إشتياق العشرة،، الصديقه،، إشتياقً للسند وأيامً جميلة مضت ولن تعود.
نظرت لهٌ بحنين لرجٌلً كان سنداً حقيقياً،، رجٌلً بكل ما تحملهٌ الكلمه من معني.
وتحدثت:
"أهلاً يا هشام."
إتفضل.
تشجع وتحرك للداخل وجلس مقابلاً لها وتحدثَ بإهتمام:
"عامله أيه،، طمنيني عليكِ."
إبتسمت بمرارة وألمً ظهر بعيناها لم تستطع تخبأتهٌ عنه وأجابته:
"الحمدلله يا هشام،، أنا تمام."
تسائل بإهتمام:
"مش عاوزة أي حاجه أعملها لك،، أي مساعده أنا تحت أمرك."
أجابته بإبتسامه هادئه:
"متشكرة يا هشام."
أردفَ مؤكداً بإهتمام:
"إنتِ عارفه معزتك وغلاوتك عندي قد أيه يا فريدة،، أنا مبقولش كلام تأدية واجب،، أنا فعلاً عاوز أقف جنبك وأساعدك علشان تتخطي أزمتك بسلام."
إبتسمت بخفه وأجابته:
"أنا عارفه إنك راجل أصيل وبتعرض المساعدة بجد يا هشام،، بس لو بجد عاوز تساعدني،، بلاش نظرة الشفقه اللي في عيونك دي لأنها بتدبحني،،، عاملوني عادي زي الأول،، أنا مش أول واحده فرحها يتلغي في أخر لحظه."
ثم تنفست بعمقٍ وأردفت قائلة بيقين:
"قدر الله وما شاء فعل،، وأنا الحمدلله راضيه ومسلمه لأمر ربنا وكلي يقين إنه هيعوضني خير."
إبتسم لها بمرارة وأردف قائلاً:
"ونعم بالله."
وبلحظه إستمعا لطرقات عالية فوق الباب.
سمحت فريدة للطارق فاقتحمت لبني دافعه الباب بقوة،، وأندفعت للداخل بوجهٍ غاضب.
وقفت تهز جسدها بتوتر ويبدوا علي ملامحها العبوس والغضب وتحدثت موجهة حديثها إلي هشام مٌتجاهله تلك الجالسه:
"عوزاك يا هشام!"
ضيقَ عيناه وأجابها بتساؤل:
"فيه أيه يا لٌبني؟"
ألقت نظرة سريعة علي تلك المستغربه من طريقتها الحاده ثم عادت ببصرها إليه من جديد واردفت قائلة بضيق:
"أكيد مش هنتكلم قدام الناس!!"
شعر هشام بالحرج التام لأجل فريدة من معاملة تلك المستفزة وتحمحمَ حرجً موجهً حديثهٌ إليها بنبرة حادة:
"إرجعي لمكتبك يا لٌبني وأنا ربع ساعة بالكتير وهعدي عليكِ."
تسمرت بوقفتها وتحدثت بغيرة قاتله:
"دالوقت يا هشام،، عوزاك في موضوع مهم مايحتملش التأجيل."
إستشاط داخلهٌ من تلك العنيدة فتدخلت فريدة لتٌنهي الجدال:
"خلاص يا أستاذ هشام،، إتفضل معاها ونبقي نكمل كلامنا بعدين."
نظرت لها بقلبٍ مٌشتعل وتحدثت بنبرة ساخرة:
"والله أستاذ هشام مش مستني الأمر من جنابك علشان يتحرك مع خطيبته."
نظرت لها فريده بإستغراب ولكنها تحكمت بغضبها من تلك النبرة الساخرة لتقديرها لموقف لٌبني وغيرتها المشروعه علي رجٌلها.
ففضلت الصمت منعاً لإفتعال المشاكل.
وقف هشام بعدما تملك منه الغضب ووجه حديثهٌ إلي فريده بإحترام وتعمد تلفظهٌ إسمها بدون ألقاب لحرق روح تلك التي أحرجته:
"هنكمل كلامنا وقت تاني يا فريده،،، بعد إذنك."
وتحرك أمام تلك المٌستشاطه التي رمقت فريده بنظرة حارقه قبل المغادرة خلف رجلها الأول والأخير.
إبتسمت فريده بمرارة سكنت حلقها علي ما وصلت إليه.
دلف لداخل مكتبهِ وتلتهُ تلك الغاضبه التي ما أن خطت بساقيها للداخل حتي أغلقت الباب بعنفٍ شديد وألتفت بجسدها إليهٍ بوجهٍ غاضب.
وكادت أن تتحدث لولا صوتهِ الهادر الذي أخرسها:
"ممكن تفهميني أيه قلة الذوق اللي إتعاملتي بيها مع فريدة دي؟"
وأكملَ بنبرة حاده:
"ثم إنتِ إزاي يا أستاذة تكلميني بالطريقه دي قدام فريدة؟"
إتسعت عيناها بغضبٍ وأشتعلت نار غيرتها وتحدثت بنبرة حادة:
"فريدة فريده،، هو ده كل اللي شاغل بال سيادتك،، وأنا يا هشام؟؟ مشاعري وكرامتي ملهمش عندك حساب؟"
أجابها بنبرة حاده:
"ومين اللي لمس كرامتك ولا جه جنبها يا لٌبني؟"
نظرت له بعيون تطلق شزراً من شدة غيرتها وأجابته:
"وتفتكر لما ألاقي خطيبي قاعد في مكتب خطيبته الأولي ومقفول عليهم باب واحد ده ميجرحش كبريائي ويمس كرامتي يا أستاذ؟"
زفر بضيق وأقتربت هي عليه وأحتضنت يداه برعايه ثم نظرت داخل عيناه برٌعبٍ وتسائلت بعيون بها لمعة دمعه تريد الفرار:
"هشام،، إوعا تكون بتفكر تسيبني وترجع لها؟"
وأكملت بدموعها التي لم تستطع التماسك:
"أنا ممكن أموت لو بعدت عني تاني يا هشام!!!"
نزلت دموعها علي قلبهِ ألمته وحزن داخلهٌ.
مد يدهٌ وتلمس بأصابعهِ الحانيه وجنتها مٌجففً لها دموعها وتحدث بصوتٍ حنون صادق:
"إنتِ بتقولي أيه بس يا لٌبني،، أسيبك إزاي بس يا قلبي وأنا ما صدقت إني لقيتك ،، ده أنا برجوعك ليا رجعت لي روحي اللي كانت تايهه مني ،، أنا بحبك يا لٌبني وعمري ما أقدر أستغني عنك ،، ريحي بالك يا حبيبتي وطمني قلبك."
وأكمل بشرحٍ لتصرفهْ:
"أنا روحت لفريدة أقف معاها في أزمتها وأسألها لو محتاجه مني حاجه اعملها لها،، وده بحكم العشرة اللي كانت بينا وبحكم جمايلها عليا اللي ملهاش حدود."
وأكمل وهو ينظر داخل عيناها ليٌطمئنها:
"أنا لو معملتش كده أبقي قليل الأصل ومبقاش تربية حسن نور الدين يا لٌبني."
هزت لهْ رأسها مٌتفهمه حديثهٌ وتحدثت من بين دموعها:
"أنا أسفه يا هشام،، أنا محستش بنفسي لما عرفت إنك عندها،، أنا بحبك وبموت من غيرتي عليك وخصوصاً من فريدة،، علشان خاطري يا حبيبي حاول تراعي غيرتي عليك."
رفع يدها وقربها من فمه وقبلها برقه أذابت كلاهٌما وأردف قائلاً بنبرة حنون:
"حاضر يا قلبي،، وعلشان خاطري بلاش أشوف دموعك دي تاني،،"
وأكمل بعيون عاشقه:
"مابقدرش أتحملها يا لٌبني."
إبتسمت من بين دموعها وتحدثت بطاعة أثارته:
"حاضر يا حبيبي!!"
إبتسم لها وأبتسمت وأنتهي حزنهما قبل بدايته.
***
كان يرتدي ثيابهُ إستعداداً للذهاب إلي سليم.
مد ذراعيهِ لزوجتهِ الجميله التي تقف خلفهٌ مٌمسكه بيدها سٌترتهِ لمساعدتهٌ في إرتدائها.
إعتدلَ لها بعد إنتهائهٌ ومال علي وجنتها قبلها بهدوء وتحدثَ بإمتنان:
"تسلم إيدك يا حبيبتي."
إبتسمت له أسما بهدوء ثم تسائلت بترقب:
"أنا خايفه علي سليم أوي يا علي،، الضربه كانت شديدة وقاسية أوي عليه،، مامته وأهله اللي إنصدم فيهم،، ده غير حلمه اللي إنهار قدام عنيه بعد ما كان خلاص قرب يلمسٌه بإديه ويٌملكه."
تنفس علي بتنهيده عاليه تنم عن مدي حزنهِ العميق لأجل صديق عمره وتحدث ليٌطمأنها:
"ماتقلقيش يا حبيبتي،،، هي الضربه أه كانت قاضيه،، لكن ده برضه سليم الدمنهوري،،، يعني ميتخافش عليه،،، قريب أوي هيفوق وهيرجع أقوي من الأول."
وأكمل بتأكيد:
"المسألة مسألة وقت مش أكتر،، فريده شوية وهتفوق من صدمتها وهتهدي وتعرف إن ملهاش غير حضن سليم وإن هو الوحيد اللي هيقدر يداوي جراحها."
أجابتهْ بصوت يطغو عليه الأسي:
"ياريت يحصل كده يا علي وبسرعه،، أنا بصراحه قلقانه عليهم أوي،، وفريده من يوم اللي حصل وهي قافله تليفونها،، وأنا أحترمت عٌزلتها ومرضتش أروح لها البيت."
قَبَلَ وجنتها وتحدث علي عجل وهو يتحرك بإتجاه الباب الخارجي:
"إن شاء الله خير يا حبيبتي،، انا هتحرك علشان متأخرش علي سليم."
_______________
بعد مده من الوقت كان يجلس مٌقابلاً لسليم داخل كافيتيريا الأوتيل.
تحدث سليم بنبرة جاده:
"تشرب أيه يا علي؟"
أجابهٌ بهدوء:
"أي عصير فريش ليا وليك."
أشار سليم إلي العامل وطلب منه عصير إلي علي وقهوة له تحت إعتراض عَلي الذي تجاهلهٌ سليم.
تحدث علي بترقب:
"سليم،،، خليني أروح لفريدة بيتها وأتكلم معاها."
أجابهٌ بحده ونبرة صارمه:
"أوعا تعمل كده يا علي،، كفاية إهانه لكرامتي اللي إتبعثرت علي إديها لحد كده."
رد عليه علي مٌعترضً:
"مفيش كرامة بين العشاق يا سليم؟"
أجابهٌ بحده وعيون مشتعله تنمٌ عن مدي غضبهِ الداخلي:
"لا فيه يا علي،، لما الموضوع يوصل للإهانه لرجولتي يبقا فيه."
"أعذرها يا سليم،،،" نطق بها علي.
إنفجر الأخر وتحدث بحده:
"وأنا كل ده ماعذرتهاش يا علي؟؟ ده أنا سمعت منها اللي مفيش راجل يقبله علي كرامته ولا علي رجولته ومع ذلك قبلت وقولت لنفسي أعذرها يا سليم،، اللي حصل مش قليل عليها وسيبها تهدي يومين وهتتراجع وتحس بغلطها،، قبلت غلطها في رجولتي قدام أبويا وعيلتها كلها وسامحت،، مطلوب مني أيه تاني أنا مش فاهم؟"
تحدث علي في محاوله منه لتهدئة ذلك الثائر:
"لازم تعذرها وتتفهم موقفها،، فريدة لسه تحت تأثير الصدمه وبتتصرف بعدوانيه رداً لكرامتها."
صاحَ بنبرة غاضبه لفتت إنتباه الحضور إليه:
"وأنا مين يعذرني يا علي،، مين يخفف عني صدمتي في أمي وفقداني لحلم حياتي اللي إتبخر قدام عنيا في لحظة."
وأكملَ بصلابه وجمود:
"مش هغالط نفسي وأكابر وأقول لك إني خلاص مبقتش عاوزها أو إني بطلت أحبها،، بالعكس،، أنا بعد اللي حصل لي بقيت محتاج لها معايا أضعاف الأول."
وأسترسلَ حديثهٌ قائلاً بإصرار:
"بس خلاص،،، اللي بيني وبين فريده بقا متوقف عليها هي يا علي،، لو لسه عوزاني تتفضل تبرهن لي،، غير كده أنا خلاص،، عملت كل اللي عليا من ناحيتها،، الكورة دالوقت في ملعبه."
تنهد علي بأسي وأردفَ مٌتسائلاً:
"وميعاد سفرنا اللي قرب ده كمان هتعمل أيه فيه؟"
أجابهٌ بردٍ قاطع ونبرة حادة:
"هنسافر طبعاً ونرجع لشغلنا،،، فاكرني هوقف حياتي وأقعد أستني إشارة من الهانم لم تحن وترضي."
تنهد علي بأسي علي حال صديقهٌ الذي برغم تألم روحهِ الشديد إلا أنهٌ يتظاهر بالقوة،، وهذا منتهي التحامل والالم النفسي.
***
كان يرتدي ثيابهُ إستعداداً للذهاب إلي سليم.
مد ذراعيهِ لزوجتهِ الجميله التي تقف خلفهٌ مٌمسكه بيدها سٌترتهِ لمساعدتهٌ في إرتدائها.
إعتدلَ لها بعد إنتهائهٌ ومال علي وجنتها قبلها بهدوء وتحدثَ بإمتنان:
"تسلم إيدك يا حبيبتي."
إبتسمت له أسما بهدوء ثم تسائلت بترقب:
"أنا خايفه علي سليم أوي يا علي،، الضربه كانت شديدة وقاسية أوي عليه،، مامته وأهله اللي إنصدم فيهم،، ده غير حلمه اللي إنهار قدام عنيه بعد ما كان خلاص قرب يلمسٌه بإديه ويٌملكه."
تنفس علي بتنهيده عاليه تنم عن مدي حزنهِ العميق لأجل صديق عمره وتحدث ليٌطمأنها:
"ماتقلقيش يا حبيبتي،،، هي الضربه أه كانت قاضيه،، لكن ده برضه سليم الدمنهوري،،، يعني ميتخافش عليه،،، قريب أوي هيفوق وهيرجع أقوي من الأول."
وأكمل بتأكيد:
"المسألة مسألة وقت مش أكتر،، فريده شوية وهتفوق من صدمتها وهتهدي وتعرف إن ملهاش غير حضن سليم وإن هو الوحيد اللي هيقدر يداوي جراحها."
أجابتهْ بصوت يطغو عليه الأسي:
"ياريت يحصل كده يا علي وبسرعه،، أنا بصراحه قلقانه عليهم أوي،، وفريده من يوم اللي حصل وهي قافله تليفونها،، وأنا أحترمت عٌزلتها ومرضتش أروح لها البيت."
قَبَلَ وجنتها وتحدث علي عجل وهو يتحرك بإتجاه الباب الخارجي:
"إن شاء الله خير يا حبيبتي،، انا هتحرك علشان متأخرش علي سليم."
_______________
بعد مده من الوقت كان يجلس مٌقابلاً لسليم داخل كافيتيريا الأوتيل.
تحدث سليم بنبرة جاده:
"تشرب أيه يا علي؟"
أجابهٌ بهدوء:
"أي عصير فريش ليا وليك."
أشار سليم إلي العامل وطلب منه عصير إلي علي وقهوة له تحت إعتراض عَلي الذي تجاهلهٌ سليم.
تحدث علي بترقب:
"سليم،،، خليني أروح لفريدة بيتها وأتكلم معاها."
أجابهٌ بحده ونبرة صارمه:
"أوعا تعمل كده يا علي،، كفاية إهانه لكرامتي اللي إتبعثرت علي إديها لحد كده."
رد عليه علي مٌعترضً:
"مفيش كرامة بين العشاق يا سليم؟"
أجابهٌ بحده وعيون مشتعله تنمٌ عن مدي غضبهِ الداخلي:
"لا فيه يا علي،، لما الموضوع يوصل للإهانه لرجولتي يبقا فيه."
"أعذرها يا سليم،،،" نطق بها علي.
إنفجر الأخر وتحدث بحده:
"وأنا كل ده ماعذرتهاش يا علي؟؟ ده أنا سمعت منها اللي مفيش راجل يقبله علي كرامته ولا علي رجولته ومع ذلك قبلت وقولت لنفسي أعذرها يا سليم،، اللي حصل مش قليل عليها وسيبها تهدي يومين وهتتراجع وتحس بغلطها،، قبلت غلطها في رجولتي قدام أبويا وعيلتها كلها وسامحت،، مطلوب مني أيه تاني أنا مش فاهم؟"
تحدث علي في محاوله منه لتهدئة ذلك الثائر:
"لازم تعذرها وتتفهم موقفها،، فريدة لسه تحت تأثير الصدمه وبتتصرف بعدوانيه رداً لكرامتها."
صاحَ بنبرة غاضبه لفتت إنتباه الحضور إليه:
"وأنا مين يعذرني يا علي،، مين يخفف عني صدمتي في أمي وفقداني لحلم حياتي اللي إتبخر قدام عنيا في لحظة."
وأكملَ بصلابه وجمود:
"مش هغالط نفسي وأكابر وأقول لك إني خلاص مبقتش عاوزها أو إني بطلت أحبها،، بالعكس،، أنا بعد اللي حصل لي بقيت محتاج لها معايا أضعاف الأول."
وأسترسلَ حديثهٌ قائلاً بإصرار:
"بس خلاص،،، اللي بيني وبين فريده بقا متوقف عليها هي يا علي،، لو لسه عوزاني تتفضل تبرهن لي،، غير كده أنا خلاص،، عملت كل اللي عليا من ناحيتها،، الكورة دالوقت في ملعبه."
تنهد علي بأسي وأردفَ مٌتسائلاً:
"وميعاد سفرنا اللي قرب ده كمان هتعمل أيه فيه؟"
أجابهٌ بردٍ قاطع ونبرة حادة:
"هنسافر طبعاً ونرجع لشغلنا،،، فاكرني هوقف حياتي وأقعد أستني إشارة من الهانم لم تحن وترضي."
تنهد علي بأسي علي حال صديقهٌ الذي برغم تألم روحهِ الشديد إلا أنهٌ يتظاهر بالقوة،، وهذا منتهي التحامل والالم النفسي.
***
خرجت من باب الشركه وكادت أن تصل إلي سيارتها المصطفه.
وجدت من يقطع عليها الطريق متحدثً بلهفه ظهرت بعيناه:
"وحشتيني يا ريم."
نظرت لهٌ ببغضٍ وكرهً وأردفت قائلة بحده وهي تتطلع عليه بإشمئزاز:
"معقوله بجاحتك دي،، إنتَ إزاي لسه عندك الجرأه تيجي وتقف قدامي وتبص في عيني بعد اللي عملته؟"
أجابها بنبرة صوت هائمه كي يستنزف مشاعرها كقبل:
"إهدي يا حبيبتي وخلينا نتكلم بهدوء."
أجابته بنبرة صارمه:
"هنتكلم في أيه يا ندل،، هو لسه فيه كلام يتقال بعد اللي عملته في أخويا؟!"
تحدثَ مٌستعطفً إياها:
"أنا كل حاجه عملتها،، عملتها علشانك وعلشان نكون مع بعض يا ريم!!"
ردت عليه بقوة:
"لا وإنتَ الصادق،، إنتَ كل حاجه عملتها كانت نابعه من قلبك الإسود وكرهك وغيرتك من أخويا،، حقدك الأعمي هو اللي كان بيحركك يا حسام،، مش حبك ليا."
وأثناء صياحهما كان مراد يخرج من باب الشركه ليتجه إلي منزله.
وجدها تتشاجر مع أحدهم أسرع إليها بقلبٍ يغلي وبسرعة البرق كان يقف أمامها ويخبأها خلف بنيانهٌ القوي متسائلاً بحده بالغه وهو ينظر لذلك الحسام:
"فيه حاجه يا دكتورة ريم؟"
كادت أن تتحدث قاطعها صوت ذلك الغاضب من تلك الحركة:
"وتطلع أيه إنتَ كمان علشان تدي لنفسك الأحقيه إنك تتدخل في كلامنا؟"
إجتمعَ رجال الأمن سريعً يصطفون خلف مراد بحماية.
أشار لهم مراد بالإبتعاد فأبتعدوا.
ونظر لهٌ مراد من جديد ثم أجابهٌ بهيبة وثقه مٌعلناً عن حالهْ:
"أنا دكتو مراد الحسيني،، صاحب الشركة اللي الدكتورة بتشتغل معايا فيها."
رد عليهِ حٌسام بنبرة حاده:
"وتفتكر إن ده مبرر يديك الحق إنك تقتحم وقفنا بالشكل ده،، وبعدين واحد وبيتكلم مع خطيبته،، تحشر نفسك وتتدخل في اللي ملكش فيه ليه؟"
ضيق مراد عينً وفتح الأخري ناظراً له بتمعن وتحدث بهدوء:
"ولما إنتَ تبقا خطيبها،،، أنا أبقا أيه بقا إن شاء الله؟"
كانت تقف خلفهٌ تشعر برجولتهِ وحمايتة،، ورعايتهْ التي شملتها وأشعرتها بالأمان.
نظر لهٌ بذهول وتحدث بصياحٍ وغضب تام:
"إنتَ بتخرف بتقول أيه؟! هي مين دي اللي خطيبتك؟!"
وكاد أن يتحرك ليجذبها من خلفهِ أوقفهٌ بإشارة من يده قائلاً بنبرة صارمه أربكته:
"لو ناوي تقضي باقي حياتك مرمي فوق كرسي متحرك إتجرأ بس وألمسه."
تحركت هي من خلفهِ ووقفت بجانب مراد لتعلن بأنها أصبحت خاصته وأردفت قائلة بنبرة قوية:
"أيوة خطيبته،، وياريت تمشي من هنا ومتورنيش وشك تاني وإلا قسماً بالله لأقول لبابا وسليم وأخليهم ي٠٠٠٠"
لم تٌكمل جملتها لمقاطعة ذلك الثائر الذي نظر لها بعيون مٌلامه غاضبه منها:
"في وجودي مبقاش فيه داعي لوجود بابا وسليم،، إنتِ خلاص،، بقيتي مسؤله مني وأي حد هيتعرض لك هيبقا كأنه إتعرض لمراد الحسيني شخصياً."
جحظت أعين حٌسام وشعر بطعنة داخل صدرةِ وتحدثَ بنبره ساخرة:
"ده الموضوع بجد بقا،، دي الهانم شكلها كانت مقرطساني ودايرة ترسم وتخطط هي وأمها علشان يوقعوا الباشا إبن الأكابر في شباكهم."
واكملَ بغمزة وقحه من عيناه:
"ملعوبه يا بنت أمال وفي الجون،، خطتي ورسمي وحسبتي حسبتك إنتِ وامك وقولتوا لنفسكم نضمن الزبون وبعدها نقلب حسام ونخرجه برة اللعبه."
وأكملَ مٌهدداً:
"بس نسيتي حاجه مهمه أوي،، إن أنا لحمي مٌر ومابتنازلش عن حاجه ملكي إلا بالدم."
نظر له وتحدث بنبرة ساخرة مٌقلله من شأنه:
"هو أنتَ علشان واحد حقير وماشي بالخطط فاكر إن كل الناس زيك؟"
وأكملَ مٌهدداً:
"وتاني مرة تبقا تتكلم علي قدك يا شاطر،،، ولو علي الشر يا أهلاً بيك في دايرتي،، بس خليك دكر وإتحمل اللي هيحصل لك للأخر."
نظر لها بعيون مٌشتعله ثم حول بصرةِ إليهِ وتحدث ساخراً:
"دي الهانم شكلها حكيالك علي كل حاجه،،"
وأكملَ بتساؤل أربكها وأرعبَ داخلها:
"طب ياتري بقا الهانم اللي دخلت عليك بوش البرائة اللي رسماه طول الوقت،، حكت لك إنها كانت شريكتي في أول تخطيط فرق بين فريدة وسليم؟"
إبتسم مٌراد ساخراً في حركة تؤكد عدم تصديقهُ.
فأبتسمَ حٌسام قائلاً بنبرة واثقه وهو ينظر بتأكيد داخل عيناه:
"أكيد طبعاً مش هتحكي لك إنها لعبت علي أخوها وشاركت في مؤامرة علشان بس،،،،، تبقي معايا وفي حضني."
ضيقَ عيناه بغضبٍ أشعلَ صدرة من ذكر تلك الكلمه ولم يشعر بحالهِ إلا وهو يمٌسكه من تلابيب سٌترتهِ ويهزهٌ بعنفٍ أرعبه،، وكزّ علي أسنانه وتحدث بفحيح:
"إنتَ شكلك كده ناوي علي موتك إنهارده."
جري عليهِ الأمن وتحدثت هي من بين رٌعبها:
"سيبه يا مراد من فضلك."
نجح رجال الأمن في تخليصهٌ من قبضة مراد الذي أحكم الخناق عليه حتي أنه كاد أن يختنق وتزهق روحهٌ الشريرة حيثٌ الفناء.
جذبهٌ الأمن وحركوهٌ للخلف وقف يتهاوي ويَسعل بشده ثم تطلع إليه وقهقهَ عالياً وتحدث:
"مش مصدقني،، ولا زعلت لما تخيلت الكلمه."
كاد أن ينطلق بإتجاههِ ليفتك به مرةً أخري إلا أن يدها الرقيقه التي أمسكت بيدهِ وتغلبت علي شيطانه.
نظر لها ورعشه سرت بجسده بالكامل،، إلتقت الأعين تحت إستشاطت حسام وغليان قلبهِ وتحدثَ مجدداً كي ينهي عليها:
"ماتتكلمي يا دكتورة وتكذبيني لو تقدري؟"
إرتبكت بوقفتها وزاغَ بصرها فتيقن مراد من صحة حديث ذلك الحقير.
نظر لها بإرتياب وشعر بطعنه قويه إقتحمت صدرهِ.
إبتلع لٌعابهٌ وتحدث وهو ينظر داخل عيناها موجهً الحديث لرجال الأمن:
"مشوا الحقير ده من هنا،، ولو شفتوة مرة تانيه إمسكوه وبلغوا الشرطه وأعملوله بلاغ تعدي علي الشركة."
إستشاط داخل حسام وتحدث بحديث ذات مغزي وهو مٌكبلاً من رجال الأمن ليوصلاه إلي سيارته حتي يرحل:
"أنا الحق عليا اللي بفوقك علشان ما يضحكش عليك مرة تانيه،، شكلك كده حنيت لماضيك!!"
إستشاط داخلهٌ وكأنَ أحدهم أشعل ناراً داخلهٌ ثم سكبَ فوقها مادة قابلة للإٌشتعال فزادت من إشتعال روحهِ وتوهجها.
جري عليه كالأسد الجريح.
ألتقطهُ من بين أيدي رجال الأمن وبدأ يٌكيل لهٌ وابلً من الضربات المتتاليه التي أطيحت بهْ وجعلته يتهاوي.
ثم إحتجزةٌ بجانب السيارة ومازال يٌلكمهٌ فوق أنفه التي نزفت الدماء بغزارة.
وتارة فوق وجنتيه.
بصعوبه بالغه أنقذهٌ رجال الأمن من بين براثين ذلك الغاضب.
أوصلوهُ إلي سيارته تحت أعين ريم المذعورة ومراد الذي تطلع عليه وأشار بسبابته قائلاً بتهديد:
"لو شفتك قدامي مرة تانيه هقتلك."
إرعبَ حٌسام من منظر ذلك الهائج الذي كاد علي وشك فقدان روحهِ علي يده،، فحقاً مراد لديهِ قوة تصل للخارقه عندما يٌذكرهٌ أحدهم بتلك الواقعه.
جري حٌسام وتحرك بسيارته مذعوراً وفهم أنهٌ لعب مع الخصم الخطأ.
أما مراد فكان صدرهٌ يعلو ويهبط من شدة الغضب.
حول بصره إلي تلك المرعوبه ورمقها بنظرة حارقه وتحرك إلي سيارته ليٌغادر.
إلا أنها جرت إليه مٌتحدثه بدموع ونبرة مترجيه:
"مش هسيبك تمشي غير لما تسمعني."
رمقها بنظرات مٌريبه بعيون غاضبه وأردفَ قائلاً بنبرة حادة:
"مش عاوز أسمع منك ولا كلمه ومش طايق أشوفك قدامي أساساً."
إقتربت عليه وأمسكت ذراعهِ بترجي قائله بدموعٍ:
"لا يا مراد لازم تسمعني،، الموضوع مش زي ما أنتَ فاهم،، الكلام اللي بيقوله ده محصلش بالصورة اللي إتكونت في دماغك."
نظرت له بترجي وأسترسلت حديثها بتوسل:
"أرجوك يا مٌراد."
نظر لها فاستشفَ الصدق من نظرة عيناها وأنتفض قلبهٌ صارخً معنفً ومطالبً إياه بأن يرحمها ويرحم حاله ويستمع إليها.
إبتلع لٌعابهٌ من قربها وهيئتها المهلكه لرجولته.
تنفس عالياً ثم تحرك لباب السيارة وفتحهٌ وأشار إليها بالدلوف:
"إركبي يا ريم،، هنروح مكان مفتوح نتكلم فيه بدل وقفتنا دي."
إرتبكت بوقفتها فتحدث هو ليٌطمئنها:
"إركبي يا ريم،، هنروح مكان مفتوح نتكلم فيه بدل وقفتنا دي."
وأشارَ لأحد رجال الأمن قائلاً:
"خد مفتاح عربية الدكتورة وإتحرك بيها ورانا."
تنهدت براحه وتحركت وأستقلت سيارته وأغلق هو الباب وأتجه للناحيه الأخري وأستقل بجانبها وتحرك.
كان الصمت سيد الموقف طوال الطريق، وصلا لمكانٍ عام وجلسا وبدأت ريم بقص ماحدث معها بالماضي.
وأبلغته أنها كانت تبلغ من العمرٍ حينها السابعةٌ عشر وأبلغت والدتها بما إستمعت ولم يطرأ بمخيلتها أن تستغل والدتها ذلك الخبر وتتأمر مع حسام ضدَ سليم.
كان يستمع إليها وهو مصدومً من تلك المسماه بوالدتها وتحدث:
"أنا أسف يا ريم،، بس حقيقي مش قادر أتخيل ولا أستوعب جبروت مامتك في تدمير قلب أخوكي بالشكل البشع ده،، إزاي جالها قلب تعمل فيه كده؟"
وأكملَ بحنان وإبتسامه زينة ثغرهِ حينما تذكر إمهِ الحنون:
"ده أنا مش قادر أنسي ضمة أمي ليا في عز جرحي،، حضنها هو الحاجه الوحيدة اللي قوتني وخرجتني من وسط ظلامي."
نظرت له بدموع وتحدثت وهي تهز رأسها بنفي:
"أنا أمي مش وحشه يا مراد،، بالعكس،،، أمي ضحت علشاني أنا وسليم بكل حاجه،، ضحت براحتها وبإنها تعيش عيشه كريمه من دخل بابا اللي مكنش قليل،، لكن أمي فضلت إنها تعلمنا كويس علشان تضمن لنا مستقبل واعد،، أمي عيبها الوحيد إنها عاوزانا نعيش بطريقتها هي،، بقلبها وعقلها هي،، مش بقلوبنا وعقولنا إحنا!!"
كان يستمع لها بإعجابٍ وأندهاش.
فبرغم صِغر سنها إلا أنها تمتلك عقلاً واعي وتفكيراً متعمقً شامل من كل الجوانب.
إبتسم لها بهدوء ونظر بعيناها وتعمقَ داخلهما وتحدث بعيون عاشقه:
"إنتِ جميلة أوي ياريم،، مش بس من بره،، لا،، إنتِ أجمل بكتير من جوة."
إنتعش قلبها وسعد داخلها لتصديقهِ ما روتهٌ علي مسامعه.
فأكمل هو حديثهٌ:
"ريــم،، أنا عاوز أجيب بابا وماما ونيجي نطلبك رسمي،، مش عاوز الإسبوع ده يعدي غير ودبلتي في صباعك."
إنتفض قلبها فرحً وأبتسمت خجلاً وتحدثت بنبرة صوت رقيقه:
"مش عارفه يا مراد إذا كان الوقت مناسب ولا لاء."
تسائل:
"وأيه اللي هيخليه مش مناسب يا ريم،، ولا تقصدي علشان موضوع سليم؟"
أجابته بإختصار:
"بالظبط ده اللي أقصده."
فأجابها:
"إن شاء الله نحاول نتدخل أنا وإنتِ ونحل الخلاف اللي ما بينهم."
ثم غمز بعيناه وتحدث:
"ويمكن وقتها الفرحة تبقي فرحتين والخطوبة تبقا دٌخله."
إرتبكت بجلستها ووقفت سريعً تحت قهقهة مراد وتحدثت هي:
"أنا،،، أنا إتأخرت أوي ولازم أروح."
وقف مقابلاً لها وتحدث وهو يٌخرج من حافظة أمواله بعض الأوراق المالية لتسديد الفاتورة:
"تمام يا حبيبتي."
وتحركا للخارج كٌلٍ إلي وجهته ولكن بقيا قلبيهما معاً.
***
في اليوم التالي داخل كافيتيريا الشركة.
كان الجميع متواجد.
هشام بجانب لٌبني يتناولون شطائرهم تحت سعادة قلبيهما.
فايز مع أصدقاءٍ له.
فريده التي تجلس بصحبة نورهان ونجوي التي وقفت بجانبها خلال أزمتها لتعلن عن معدنها الأصيل رغم مساوئها.
ومن منا خالي من العيوب يا سادة!!!
دلف للداخل بهيئتهِ الجذابه بعد إنقطاع دام الكثير.
نظرت إليه وتسارعت دقات قلبها بوتيرة عاليه لتعلن لها عن فشلها الذريع لمحاولاتها المستميتة لكرهه أو نسيانه.
وقف فايز سريعً وتحركَ إليه مٌرحبً به.
وتوجهَ سليم بجانب العامل الذي أحضرَ لهٌ جهاز صوتي ضخم.
وقف سليم ووضع فلاشه كانت بيده داخل جهاز الصوت.
وتحدث لجذب إنتباه الجميع:
"مساء الخير،،، معايا مفاجأه من العيار التقيل ويهمني إن الكل يسمعها."
ثم نظر إلي فريده وتحدث بجمود:
"الحاجه دي تهمك إنتِ بالأخص يا باشمهندسه."
ضيقت عيناها بإستغراب فابتسم ذلك السليم بمرارة وسحب عنها بصرهِ وضغط زر التشغيل.
وإذ بصوت نورهان الواضح للجميع يصدح وهي تتحدث إلي حسام:
"خلاص يا باشمهندس فهمت،، أنا كده المطلوب مني أصور ڤيديو لفريدة يوم الفرح وهي خارجه بفضيحتها من باب الأوتيل وأبعته للرقم اللي بعتهولي علي الواتس!!"
أجابها حسام بتأكيد:
"بالظبط كده يا نورهان."
تحدثت بنبرة جشعه:
"تمام،، بس ياريت تزود لي المبلغ شويه لأني محتاجه أكمل علي تمن الشقه اللي هشتريها."
إتسعت حدقة عين فريدة ونظرت لتلك المجاورة لها والتي بدورها إنسحبت الدماء من عروق جسدها بالكامل.
يا إلهي،، ما تلك الفضيحه التي لحقت بكِ أيتها الخبيثه!!
ماذا بينكِ وببن الله ليفضح سترك هكذا ويهتكهٌ أمام العلن؟
صاح بها حٌسام قائلاً:
"هو إنتِ مبتشبعيش فلوس أبداً،، إنتِ ليكِ خمس سنين بتاخدي مني فلوس بحجة الشقه دي."
ردت عليه بتفاخر وغرور:
"أنا ما بخدش منك حسنه يا باشمهندس،،، ده تعبي ومجهودي المتميز،،،، تقدر تقولي كنت هتعمل أيه من غيري،، الخمس سنين اللي بتقول عليهم دول أنا كنت فيهم عينك في الشركة علي فريده،، كل أسرارها وأخبارها بوصلهالك يوم بيوم،، ولولايا أنا كان زمان سليم واصل لها ويا عالم،، كان ممكن يكونوا متجوزين ومخلفين كمان."
نظرت إلي سليم بدمعه هاربه من بين عيناها.
تألم هو لها وتأملَ خيراً.
أجابها حٌسام بملل وتهكم:
"خلااااص،،، إنتِ هتحكي لي علي إنجازاتك العظيمة في مراقبة الكونتيسه فريدة،، فرحانة أوي بخيانتك لصاحبتك؟"
أجابته بحده:
"ملهوش لزوم الكلام ده يا باشمهندس،،،"
وأكملت بتهكم وإهانه لشخصه:
"ولو كنت أنا بخون صاحبتي اللي أنا أصلاً مبطقهاش،، فسـيادتك وعلي حد علمي بتخون إبن عمتك وصديقك المقرب،، يعني الحال من بعضه،، فملوش لزوم تقطيمك ده من الأساس."
إنقضت المكالمه وبدأت أخري بصوتها:
"إنتَ بتتنرفز عليا ليه دالوقت،، أنا عملت كل اللي أقدر عليه وحاولت كتير مع هشام،،، حكيت له علي اللي كان بينها وبين سليم زمان وشحنته ضدها وخليته يروح لها مكتبها ويهددها وكنت متأكده إنها هتخاف علي إسمها من الفضيحة وترجع له،،، بس للأسف،، من سوء حظنا إن سليم دخل عليهم وهما بيتكلموا وكالعادة ثبت الجميع بكلامه،، وللأسف هشام طلع أهبل وأنسحب بهدوء."
نظر لها هشام بعيون جاحظة غير مستوعبه وتذكرَ يوم زيارتها له داخل مكتبه.
ثم نظر إلي فريدة مٌشفقً علي حالتها وطعناتها التي تأتيها متتالية بالترتيب.
إنقطع الإتصال وبدأ من جديد بتلك الرساله الصوتيه:
"كله تمام يا باشمهندس،، المولد إنفض زي ما أنتَ عاوز بالظبط،، وأنا سجلت فيديو خروجها من الأوتيل وبعته للرقم إللي إنتَ بعتهٌ لي في رسالتك !!!"
وأكملت بجشعٍ وحقارة:
"مستنيه مكافأتي اللي وعدتني بيها توصل لي علي حسابي."
كان الجميع يستمع بعيون مٌتسعه وعقول منذهله من شدة بشاعة تلك الصديقه التي تمثل الحب لصديقتها طول الوقت.
تعالت الهمهمات والأحاديث الجانبيه وهم ينظرون إليها بإشمئزاز.
☆فسبحان الذي يٌمْهِلٌ ولا يٌهْمِل☆
نظرت لها تلك المغدورة ودموع الألم تٌغرق وجنتيها وتسيل.
وتسائلت بذهول:
"طب ليه،، أنا عملت لك أية أستاهل عليه منك الغدر والخيانه،،، ده أنا عمري ما أذيتك،، تأذيني وتتأمري علي فضيحتي أنا وأهلي بالشكل البشع ده ليه؟"
أردفت قائلة بنبرة ضعيفه مٌرتعشه:
"ردي عليا،، ساكته ليه؟!"
هٌنا إنهارت قواها الزائفة وبكت بشهيقٍ وأنين مسموع للجميع.
جرت عليها نجوي وحاوطتها بذراعيها وتحدثت:
"إمسكي نفسك يا فريدة."
كانت صامته تنظر أمامها في اللاشئ بوجهٍ يكسو عليهِ الجمود،، خالي من أية تعابير توحي بحالتها.
وجه حديثهٌ لها بقوة:
"أنا كان ممكن أسمع التسجيلات للباشمهندسه لوحدها وده من باب الستر."
وأكملَ بتشفي:
"بس إنتِ متستاهليش الستر،، وبصراحه حسيت إن حقارتك تستاهل تكريم أكبر وأعظم من إن صاحبتك لوحدها هي اللي تسمعه،،"
وأكملَ بيقين:
"كل ساقٍ سيسقي بما سقي ولا يظلم ربكَ أحداً."
فدر فايز بصوتٍ عالي ونبرة أمرة:
"باشمهندسه نورهان،، ربع ساعه وتكون إستقالتك موجوده علي مكتبي."
قاطعهٌ سليم بردٍ قاطع:
"إقالة يا باشمهندس،،،، مش إستقاله،،"
ونظر لهٌ وأكمل:
"وده أقل عقاب تستحقه واحده حقودة زيها إن يكون في الC.V بتاعها ورقة إقالة من شركة ليها إسمها ومكانتها زي شركتنا."
إرعبَ داخلها وشعرت بالكون يهتز من تحت قدميها.
بلحظة إنهارت أحلامها وتحولت لكابوسً مٌرعبً سيٌلازمها لباقي حياتها.
تحركت للخارج تنظر أرضً خشيةً نظرات الجميع التي تحتقرها وترمقها بنظراتٍ يملؤها الإشمئزاز وعدم الإحترام.
خرجت تجر أذيال خيبتها نتيجة أفعالها الشنعاء.
☆إفعل ما شئت فكما تَدِينٌ تٌدَانْ ☆
نظر سليم لتلك الباكيه مٌتأملاً أن تعي ما فعلته من جرمٍ في حقه وتطلب منه تناسيه والبدء من جديد.
لكنها وبكل جبروت تخلت عنه مٌجدداً وسحبت بصرها بعيداً.
شعر بالدماء تنسحب من جسدهِ بالكامل وغصة مؤلمه وقفت بحلقه كادت أن تٌزهق روحه.
إنسحب من المكان بخيبة أمل وخرجَ من الشركه بأكملها.
تحت دموعها وحنينها إليه.
لكنها الكرامةٌ لعنة الله عليها هي من منعتها من الإنسياق وراء قلبها الذي يصرخ ويأنَ متألماً مٌطالباً إياه ليؤازها في ضرباتها المتتالة.
كانت تٌريدُ الصراخ والإسراع خلفهٌ لترتمي داخل أحضانه وتحتمي بها.
ولكن ليس كل ما يتمناهٌ المرأ يٌدركهُ.
إستقل سيارته وقادها بغضبٍ عارم وبات يدقُ طارة السيارة بكف يدهٌ بعنفٍ.
ويحدث حالهٌ بغصبٍ تام.
،،،،، اللعنةُ عليّ وعلي قلبي وغبائي الذي مازال ينتظراكِ أيتها العنيدة عديمة الرحمه،، كيف خٌدعت في تصنيف قلبك ووصفهِ بالرقيق ،، كيف أيتها المستبدة ذات القلب المتيبس ،،، كيف؟؟
من أين لكِ كل هذا الجبروت ؟؟
أغمض عيناه وزفر بشده لينفث عن غضبهِ.
لحظات،، مجرد لحظات وأفتحهما من جديد ليتفاجئ بشاحنه كبيرة مسرعه تتجه إليه في الطريق المعاكس.
إنتبهَ سريعً وبسرعة بديهه أمسك طارة السيارة وبذل كل جهدهٍ لتفادي الصدمة التي وإن تمت ستقضي عليه لا محال.
إستمع لصوت صفيرٍ عالي ناتج عن إحتكاك إطارات سيارته بعنفٍ بالأسفلت.
وبأخر لحظه تغيرت وجهة سيارته للرصيف ليصتدم بشدة بعمود الإنارة وترتضدم رأسهٌ بعنفٍ بطارة السياره !!!
ظل يحاول فتح عيناه بصعوبه ليستوعب ما حدث له.
ولكن،،، وكأن غيمةٍ سوداء تسحبهٌ للمجهول رويداً رويدا.
لم يستطع الصمود كثيراً.
لحظات وإستسلمَ لمصيريه وخَر فاقداً وعيهِ بالكامل !!!!!!!!!!!