تحميل رواية «جسور و جميله» PDF
بقلم دينا جمال
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
يصدح القرآن بصوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد في أرجاء هذا المنزل، حيث تجلس السيدات متشحات بالسواد يرمقن تلك المسكينة التي تصرخ داخل غرفتها ما بين شفقة وحزن وتهكم وشماتة. أما في داخل تلك الغرفة الصغيرة، تجلس فتاة على الفراش تصرخ وتنوح. جميلة باكية: ليييه، ليييه يسبوني ويمشوا دلوقتي؟ أنا ما كنتش عايزة حفلة، ما كنتش عايزة حاجة، أنا كنت عيزاهم هما. يا رب ليه سبتني أنا وخدتهم هما؟ صفاء باكية: يا جميلة يا بنتي اهدي، هيحصلك حاجة. جميلة باكية: لييه ما خدونيش معاهم ليه؟ سابوني لوحدي، هعيش إزاي من غيرهم؟ ع...
رواية جسور و جميله الفصل الحادي عشر 11 - بقلم دينا جمال
في صباح اليوم التالي شق صراخها أرجاء البيت عندما...
في غرفة جسور شعرت بالضيق في نومتها بسبب ذلك الثقل الملتف حول جسدها.
جميلة بضيق وهي نائمة: اوووف اتاخري شوية يا حجة انتي اوووف اتاخري بقي.
فتحت عينيها بضيق تنظر أمامها لتتسع عينيها بفزع. هبت جالسة على الفراش تصرخ.
جميلة صارخة: اصحي اصحي الله يخربيتك عاااااااااااه.
هب جسور من على الفراش يهتف بقلق: ايه ايه في ايه سهر كويسة، السرايا ولعت زين حصله حاجة.
جميلة غاضبة: أنت عملت فيا ايه.
جلس جسور على الفراش يحك شعره بحيرة: عملت ايه في ايه.
جميلة غاضبة: انت يا جدع انت ماتستعبطش عملت ايه في وضعنا دا.
جسور ببراءة مصطنعة: أنا ما عملتش حاجة أنتي السبب.
جميلة بصدمة: أنا.
جسور ببراءة: ايوة، امبارح بعد ما نمت لقيتك جايه وعماله تبوسي فيا فضلتي تقوليلي أنا بحبك يا جسور بوسني يا جسور و الشيطان شاطر زي ما انتي عارفة وسكتت شهرزاد عن الكلام الغير مباح.
جميلة: لا لالا محصلش محصلش.
ربت جسور على كتفها العاري برفق: يا حبيبتي دا شرع ربنا احنا ما عملناش حاجة غلط.
جميلة بدموع: بس أنت وعدتني ليه عملت فيا كدة ليه.
ثم أخفت وجهها بين كفيها وبدأت تجهش في البكاء. اتسعت عينيه بصدمة يبدو أن مزحته كانت ثقيلة.
جسور سريعا: جميلة، جميلة اهدي يا جميلة ما محصلش حاجة والله ما حصل حاجة، أنا كنت بهزر معاكي.
جميلة غاضبة من بين دموعها: عبوشكلك.
امسك أذنها كالأرنب: بتقولي ايه يا اوزعة انتي.
جميلة بألم: آه يا عم سيب ودني.
جسور: اعتذري.
جميلة بعناد: مستحيل.
جسور بخبث: طب احنا فيها وهم بالاقتراب منها.
جميلة سريعا: أنا آسفة، أنا آسفة، أنا آسفة.
جسور بصرامة: ناس ما تجيش غير بالعين الحمرا.
تركها وذهب ناحية المرحاض ليغتسل وهو يتذكر أمس. بعدما رآها نائمة بذلك الشكل المضحك قام من مكانه وتحرك ناحيتها، حملها بين ذراعيه برفق ثم وضعها على الفراش بهدوء.
جسور بصوت منخفض: كدة يا جميلة ينفع كل شوية تقوليلي يا عجوز، انتي عارفة كلامك العفوي دا السبب كان زمانك مراتي من زمان.
ابتسم بحنان وهو يكمل: ملاك يا ربي نايم، هيبقي مقلب سخيف بس يلا معلش عشان تحرمي تقولي أنت عجوز تاني.
بدأ يحاول إزاحة ملابسها برفق حتى لا تستيقظ ولكن تلك الصغيرة كان نومها أثقل من أن توقظها حركة يده فأنزل أكمام بلوزتها وفتح أول أزرارها فقط حتى لا ترتعد عندما تستيقظ. وضمها لصدره ولأول مرة منذ وقت طويل ينام بذلك العمق.
في الخارج كانت جميلة تبدل ملابسها.
جميلة بصوت منخفض: رخم وعجوز وغلس.
سمعت صوت دقات على باب الغرفة.
جميلة: يالهوي يالهوي يالهوي، مين.
صفاء من الخارج: أنا ماما صفاء يا حبيبتي، افتحي.
جميلة: خشي يا ماما.
دخلت صفاء فاختبئت جميلة تحت غطاء الفراش.
صفاء مبتسمة: صباحية مباركة يا عروسة.
جميلة بخجل: شكرا يا ماما.
صفاء ضاحكة: انتي مستخبية كدة ليه.
جميلة بتلعثم: هااااا، اصصل أنا سقعانة اوي.
صفاء ضاحكة: ماشي يا ست السقعانة اومال جسور فين.
ما كادت تنهي جملتها حتى خرج جسور من المرحاض يجفف وجهه وشعره بالمنشفة.
جسور بضيق عندما رأى صفاء: يا فتاح يا عليم علي الصبح حد يدخل أوضة عرسان الصبح كدة.
صفاء بعناد: والله أنا جاية اطمن على بنتي.
جسور ساخرا: بنتك قدامك اهه مش ناقصة ايد ولا رجل.
صفاء: طب هات الأمانة عشان عمها يشوفها قبل ما يسافر.
ازدرقت جميلة ريقها بتوتر: أمانة ايه يا عمتو.
صفاء: اسكتي انتي فين الأمانة يا جسور بيه.
جميلة بخوف: يا ماما اصل.
جسور: ايه يا جميلة مكسوفة ليه يا حبيبتي مدي ايدك تحت المخدة واديها الامانة.
دست جميلة يدها تحت الوسادة وأخرجت قطعة القماش وأعطتها لصفاء.
صفاء مبتسمة: مبروك يا حبيبتي ألف مبروك مبروك يا جسور بيه.
ثم خرجت من الغرفة.
جميلة بصدمة: ازاي.
اتجه جسور إلى مرآة الزينة وبدأ يصفف خصلات شعره بهدوء.
جسور: انتي عارفة يا جميلة أن فصيلة دمي O negative ودي فصيلة نادرة وشكلي كدة هحتاج نقل دم بسببك.
جميلة: شكرا.
جسور بابتسامة صغيرة: علي ايه جسور السيوفي ما بيرجعش في كلمته ولو علي رقبته ومش أنا الي افرض نفسي علي واحدة مش عيزاني، أنا هنزل عشان الحق اخطب الجمعة هخليهم يطلعولك الأكل هنا.
جميلة: مش شرط أنا هنزل افطر مع سهر.
جسور: كلامي يتنفذ العروسة هنا ما بتخرجش من اوضتها أول 3 أيام.
جميلة: نعم أنت بتطلب مني افضل محبوسة هنا 3 أيام.
جسور بهدوء وهو يرتدي ساعته: أنا مش بطلب منك أنا بأمرك.
جميلة غاضبة: وأنا مش هنفذ الأمر دا أنا مش جارية عندك.
زمجر بغضب: جميييلة انا لحد دلوقتي بتعامل معاكي بهدوء ودا عكس طبيعتي اتقي شري احسنلك.
جميلة بدموع: أنا عايزة اسلم على عمو قبل ما يمشي.
تنهد جسور بضيق: ماشي تسلمي عليه وهتيجي ستات العيلة تباركلك نص ساعه وتطلعي الأوضة تاني فاااهمة.
جميلة بصوت منخفض: تنحج.
جسور: بتقول هي فقط من تظن أن صوتها منخفض وصلت الكلمات إلى مسامعه فكبت ضحكته وخرج من الغرفة.
نزل لأسفل بعجلته المعتادة وهو يحمحم بصوته الحشن. قابلته سهر بابتسامة: سهر: صباحية امباركة يا خوي.
جسور بابتسامة صغيرة: الله يبارك فيكي يا سهر.
مختار: صباح الخير يا جسور بيه، اومال جميلة فين.
جميلة: أنا أهو يا عمو.
قالتها بسعادة وهي تهرول على سلم المنزل الضخم لتسرع بإلقاء نفسها بين أحضان عمها.
مختار وهو يمسد على شعرها بحنان: مبروك يا حبيبتي، ها يا ستي تحبي اجبلك ايه هدية جوازك.
جميلة بدموع: أنا عوزاك أنت يا عمو عوزاك تفضل معايا.
مختار بدموع: بس بقي بطلي عياط، انتي عارفة دموعك غاليه عندي اد ايه، طب بصي أنا هسيب معاكي ماما صفاء وهاجي بعد يومين عشان اخدها واشوفك ماشي.
جميلة بسعادة: بجد ماما صفاء هتفضل معايا بس...
نظرت ناحية جسور بقلق فهز الأخير رأسه إيجابا بهدوء.
جسور: عن إذنكوا.
صفاء: رايح فين يا ابني.
جسور بقسوة: مدام صفاء ما تنسيش نفسك انتي أهنه ضيفة، الضيوف أهنه ليهم حق واحد عندي وهو واجب الضيافة غير أكدة لع.
ثم تركها ورحل.
مختار: متأكدة يا صفاء أنك عايزة تفضلي هنا.
صفاء: ايوة ومش همشي من هنا قبل ما يسامحني ويعرف اني مظلومة.
مختار: ربنا معاكي أنا ماشي بقي يلا سلام عليكم.
رحل مختار وبقيت جميلة وصفاء وسهر سويًا.
سهر: جميلة اطلعي البسي عباية زين زمان عماتي جايين يباركولك.
هزت رأسها إيجابًا وصعدت لأعلى وارتدت عباءة زرقاء بلون سماوي وطرحة بيضاء.
في الأسفل بدأت سيدات العائلة تتوافد على سرايا جسور يباركون لعروس كبيرهم. كان كل شئ يسير على ما يرام تتلقى جميلة التهاني من الجميع وترد عليهم بود.
الى أن خيم الصمت عندما دخلت تلك السيدة المتشحة بالسواد تعابير وجهها حادة غاضبة تقاعيد وجهها المتقدم في العمر.
سهر بتوتر وبصوت منخفض: الحقي يا جميلة عمتي صابرة وصلت.
صفاء بخوف: ربنا يستر.
دخلت صابرة واتجهت ناحية تلك العروس.
صابرة بتجهم: مبروك يا عروسة.
جميلة مبتسمة: الله يبارك في حضرتك.
صابرة بضيق: واااه شوفوا قلة الحيا ما تقومي يا بت تقفي وانتي بتسلمي عليا.
سهر سريعًا: عمتي جميلة ما تقصدش هي بس ما وخداش على عاودينا، قومي يا جميلة قومي.
قامت جميلة سريعًا: أنا آسفة حضرتك.
صابرة: تعالي في باطي يا مرت الغالي.
جميلة في نفسها باشمئزاز: يععع ايه القرف دا.
مالت سهر عليها سريعًا وهمست بصوت منخفض: قصدها تحضنيها.
هزت جميلة رأسها إيجابًا سريعًا واحضنت عمة جسور بود، لتشعر بتلك السيدة تحرك يدها على جسدها بطريقة مريبة. انتفضت جميلة من حضنها وابتعدت عنها.
جميلة غاضبة: انتي بتعملي ايه يا ست انتي.
صابرة باستفزاز: مالك يا عروسة بشوفك مربرة أكدة هتملي عين ولد اخوي، بس طلعتلي مسفرته معصعه ما بينلكيش وش من قفا.
جميلة بصدمة: انتي فكراني 2 كيلو طماطم بتفعصي فيهم عشان تشوفيهم حلوين ولا لاء.
صابرة غاضبة: اتحشمي يا بت واتكلمي معايا زين.
جميلة: أنا بردوا الي اتحشم، اومال انتي تعملي ايه.
رفعت صابرة يدها لتضربها بالقلم ولكن توقفت يدها عندما أمسكتها صفاء.
صفاء بحدة: اياكي يا صابرة تمدي ايدك علي مرات إبني.
صابرة غاضبة: صفاء انتي ايه الي جابك أهنه يا فاجرة، جاية ليه بعد ما حطيتي راسنا كلنا في الطين.
صدح صوته غاضبًا في أرجاء المكان.
جسور غاضبًا: عمتتتتي.
اتيم، اتيم يا اتيم اتحي بقي.
فتح عينيه الرمادية بانزعاج.
أيهم بضيق: بس يا جميلة سبيني أنام.
زمت الصغيرة شفتيها بضيق طفولي: لاء اتحي بقي يا دب يا كتلان.
فتح أيهم عينيه سريعًا وهتف بدهشة مصطنعة: يا نهارك أبيض دب وكسلان طب تعالي بقي.
نزلت الصغيرة تركض وهي تصرخ بسعادة وخلفها يركض شاب طويل القامة في أواخر العشرينات طويل القامة جسده ذو جسد معضل شعر بني طويل كثيف يكاد يصل لكتفيه ولحية كستنائية، يعمل مهندس زراعي يعيش في شقة كبيرة ورثها عن أبيه هي وسيارة صغيرة.
أيهم ضاحكًا: قفشتك.
جميلة ضاحكة: تبني يا ايتم.
أيهم ضاحكًا: يا بنتي انتي لدغة في كل الحروف يلا عشان تفطري وتروحي الحضانة.
جميلة بتعب مصطنع: اااه ااه اه يا تباعي (صباعي) ايتم تباعي بيوجعني مت عاوتة الوح الحضانة (أيهم صباعي بيوجعني مش عاوزة أروح الحضانة).
أيهم بجد مصطنع: وريني كدة يا عيني بيوجعك فعلا، خلاص بلاش نروح الحضانة وتعالي نروح الجنينة.
جميلة بسعادة: بجد هيه هيه يلا بترعة بترعة تباعي خف (يلا بسرعة بسرعة صباعي خف).
أيهم ضاحكًا: بتنصبي عليا يا جميلة خدي هنا يا بت.
بدأ يركض خلفها يضحك على ضحكاتها إلى أن وصل إليها فحملها على كتفيه.
أيهم ضاحكًا: قفشتك يلا بقي عشان نفطر.
جميلة صائحة بسعادة: كورن فلكت (فلكس).
أيهم ضاحكًا: حاضر يا ستي بس ما تضحكيش عليا زي كل مرة وتاكلي بتاعي.
أخذها أيهم إلى المطبخ ووضعها على طاولة الطعام الصغيرة في المطبخ وبدأ يجهز طبقين من الكورن فليكس.
أيهم مبتسمًا: اتفضلي يا جميلة هانم أحلي كورن فليكس.
جميلة: هات بتاعك.
أيهم بطفولة وهو يحتضن طبقه: يا طمااااعة ابدااااع.
عبست وجه الصغيرة بضيق طفولي عقدت ذراعيها أمام صدرها وأشاحت بوجهها إلى الناحية الأخرى.
أيهم ضاحكًا: خلاص خلاص خدي أهو، هروح اعملي غيره يا طماعة لازم تاخدي طبقين.
أخذت الصغيرة الطبق منه وأخرجت طرف لسانها له وبدأت تأكل بسعادة. راقبها أيهم بابتسامة حنونة وعاد بذاكرته قبل ثلاث سنوات، ذلك اليوم الذي توفي فيه والده كان يعتبر من أسوء أيام حياته فقد كان شديد التعلق بوالده منذ الصغر، كان يسير في الشوارع ليلاً تتحجر الدموع في عينيه كان يود أن يبكي ويصرخ وبدلاً من ذلك بدأ يسمع هو صوت بكاء وصراخ لطفل صغير. مشى خلف الصوت بحذر إلى أن وصل لملجأ أطفال قديم فراي أمام بوابة الملجأ القديمة طفلة صغيرة ملفوفة ببطانية تقدم أيهم منها بحذر وحملها بين ذراعيه.
أيهم: ايه جو الأفلام العربي القديمة دي، ليكونوا بيصوروا فيلم وأنا اقتحمت اللوكيشن بتاعهم يالي هنا يا بتاع الكاميرات يا مخرج طب يا انتاج اي حد.
نظر إلى الصغيرة التي تعض يديها بجوع.
أيهم: شكله كدا مش فيلم، منها لله او منه لله الي رماكي هنا، تعالي ادخلك جوا الملجأ.
ما كاد يتقدم خطوة واحدة حتى وجد تلك الصغيرة تنظر له بابتسامة بريئة أسرت قلبه. عاد أدراجه وبدلاً من أن يأخذها للملجأ أخذها وعاد إلى بيته عرف أن اسمها جميلة من تلك القلادة التي على رقبتها. انتظر عدة أيام إن يجد خبر أو إعلان عنها ليعديها إلى أهلها ولكنه لم يجد وبدأ هو نفسه يتعلق بها وها هي معه منذ 3 سنوات يحبها كابنته، أحضر لها دادة خاصة بها ولكن اليوم عطلة ذلك يحضر لها الفطور بنفسه.
فاق من شروده على صوتها صارخًا في أذنه: ايتتتتتتتم.
انتفض فزعًا من مكانه: الله يخربيتك سرعتيني.
جميلة: ترحان (سرحان) في ايه.
أيهم: انتي مالك يا حشرية، المهم بكرة لما دادة تيجي هنخليها نحضر شنطتك عشان هنسافر.
جميلة بسعادة: هنتافر (هنسافر) فين.
أيهم: فاكرة امبارح لما كنا بنتفرج على التلفزيون والفيلم كان فيه أرض وزرع.
جميلة مكملة بسعادة: وحتان وحمار.
أيهم: بالظبط احنا بقي هنروح هناك عند الزرع وتركبي الحصان والحمار.
جميلة صارخة بسعادة: هيه هيه هيه، حبيبي يا ايتم.
أيهم ضاحكًا: روحي يا ميلا.
جميلة بتحذير: اوعي تكون رايح هناك عتان تغلك (عشان شغلك).
أيهم بخوف مصطنع: ايه الرعب دا.
جميلة بحزن:
بصي مش أوي يعني لو أنتي مش عايزاني اشتغل بلاش.
أنت بتسيب جميلة وتمشي كتير وأنا بقعد لوحدي زعلانة.
أيهم بحنان:
يا خراشي زعلانة طب بصي هروح اشتغل حبة صغننين خالص عند عمو جسور وبعدين أجي نتفسح ونركب حصان وحمار وكل حاجة Deal.
جميلة بسعادة:
ديل، أنا بحبك أوي يا أيهم.
أيهم بحنان:
وأنا بحبك أكتر يا بنت قلب أيهم.
رواية جسور و جميله الفصل الثاني عشر 12 - بقلم دينا جمال
في سرايا جسور
شق صوته الغاضب قلوب الجالسات رعبا.
"عمتتي!"
نفضت صابرة يدها بغضب من يد صفاء الممسكة بها حتى تمنعها من ضرب زوجة ابنها.
"أنت جيت يا واد اخوي تعالا شوف عمتك وهي بتتهزق من مرتك."
اتسعت عيني جميلة بصدمة لتهتف داخل نفسها: يا بنت الكدابة.
جسور غاضباً لجميلة: "على فوق."
جميلة سريعا: "يا جسور اسمعني ....."
قاطعها جسور وهو يهتف بغضب من بين أسنانه: "على فوق يا جميلة."
جميلة بعند وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها: "مش هطلع أنا مغلطتش ولازم تسمعني زي ما هتسمعها."
جسور صائحاً: "سهر!"
سهر بخوف: "أيوة يا اخوي."
جسور غاضباً: "خديها من قدامي يا سهر."
هزت سهر رأسها سريعاً واتجهت ناحية جميلة.
"تعالي يا جميلة."
"يا سهر ..."
"أحب على يدك يا جميلة، جسور في غضبه ما بيشفوش قدامه، تعالي معايا الله يرضي عليك."
أخذت سهر جميلة وصعدت لأعلى.
جسور بصوت عالي للجالسات: "شرفتوا."
بدأت السيدات تنسحب واحدة تلو الأخرى.
ذهب جسور ناحية عمته ووقف أمامها مباشرة.
"أنا هعاقب مرتي عشان غلطت فيكي يا عمتي."
صابرة بسعادة: "هو دا ولد اخوي ايوة اكدة ما تخليهاش تتفرعن عليك."
جسور مكملاً: "وهعاقبك عشان شتمتي الست الي مهما عملت هتفضل أمي."
اتسعت عيني صفاء بفرحة، هل استجاب الله دعائها أخيراً؟ لقد ظلت تتضرع طوال الليل أن يحن قلب ولدها لها مرة أخرى.
صابرة غاضبة: "دلوقتي بقت أمك مش دي الي حطت رأس سليم في الطين لما هربت منه، دي ×××××××."
جسور غاضباً: "اخرسي طول ما انتي في بيتي مش هسمحلك تهيني أي حد فيه فاهمة يا عمتي."
ثم صاااااح بصوت عالي: "عزززززام!"
جاء الغفير مسرعاً: "أوامرك يا بيه."
"وصلت ستك صابرة لحد دارها."
صابرة غاضبة: "بقي أكدة يا جسور بتطردني دي آخرة تربيتي فيك."
جسور ساخراً: "شوفتي بقي نتيجة تربيتك."
امتقع وجه صابرة بغيظ بعد سخرية جسور اللاذعة، فخرجت من السرايا بغضب.
بينما ظلت صفاء تنظر لولدها بشوق كعادتها.
صفاء مبتسمة: "أنا متشكرة أوي يا ابني."
جسور مقاطعاً: "جسور، مش عايز اسمع كلمة ابني تاني قولتلك ابنك مات أنا عملت أكده عشان شكلي مش عشانك."
ثم تركها وصعد لأعلى غاضباً.
في غرفة جسور
"انتي غلطتي يا جميلة."
جميلة بذهول: "أنا غلطت؟"
"أيوه أنا ما قصديش على عمتي أنا قصدي أنك وقفتي وعاندتي جسور قدام الكل."
جميلة بضيق: "الي حصل بقي ما هو الي مش عايز يسمعني."
جسور غاضباً وهو يدخل الغرفة: "اديني هسمعك أهه، اخرجي يا سهر."
هزت سهر رأسها إيجاباً سريعاً وخرجت تهرول من الغرفة، بينما أغلق جسور الباب بالمفتاح.
***
في شقة مختار
كان جالساً في مكتبه يراجع بعض الأوراق، عندما دق رامي الباب باحترام شديد.
مختار بدهشة: "هو مين الي بيخبط مستحيل يكون رامي، ادخل."
دخل رامي مبتسماً بمرح: "صباح الفل يا حج."
مختار بحذر: "صباح الخير، خير عايز إيه."
رامي مبتسماً: "أبدا بشوفك عايز حاجة ولا محتاج حاجة."
مختار: "خش في الموضوع يا رامي، أوعى تكون فاكر أن الشويتين الي جاي تعملهم دول هيدخلوا عليا، انجز وهات من الآخر."
رامي بعتاب: "أنت ليه دايماً يا بابا ظنك سئ بيا."
مختار غاضباً: "من أعمالك مع بنت عمك الغلبانة."
تنهد رامي بتعب: "خلاص يا بابا هي اتجوزت وعايشة مع جوزها وبعدت عننا."
مختار ساخراً: "يا سلام على البراءة، دا أنت يوم فرحها روحت اتهمتها في شرفها قدام جوزها."
رامي بحزن: "عارف أنا عملت كدة ليه، عشان بحبها أنا بقعد أقول قدامكوا أن بكرهها بس الحقيقة أنا بحبها اوي اوي."
مختار بحذر: "وأنا أضمن منين أنك ما بتكذبش عليا."
هز رامي كتفيه بقلة حيلة: "ما اعرفش بصراحة، أنا كان نفسي جسور يصدقني عشان يطلقها مش عشان يغتصبها زي ما قولتلكوا."
ثم أكمل غاضباً: "دا أنا كنت أقتله لو عمل كدة."
مختار: "أنت عايز إيه دلوقتي يا رامي أنا بردوا مش فاهم."
رامي: "كنت عايز أطمن على ماما ليكون جسور دا زعلها ولا عملها حاجة."
مختار: "ما تقلقش أمك لسه قافلة معايا والحمد لله كويسة وبخير."
رامي مبتسماً: "يا رب دايماً وتيجي على طول أصلها وحشتني أوي، بقولك إيه يا بابا مش كفاية شغل بقي ما تيجي نتفرج أنا وأنت على التلفزيون شوية."
مختار بدهشة: "تلفزيون، أنت كويس يا رامي."
رامي بحزن: "خلاص يا بابا أنا آسف إني عطلتك."
مختار في نفسه: "في إيه أنا مش فاهم حاجة، هو دا حاله اتقلب ليه كدة، يا رب اهديه يا رب."
هم رامي بالذهاب، فأوقفه صوت مختار: "طب شوفلنا فيلم حلو كدة."
رامي بسعادة: "حاضر وهروح أعملنا عصير وفشار."
خرج رامي من المكتب سريعاً متجهاً ناحية المطبخ.
تنهد مختار براحة: "ربنا يهديك يا ابني."
***
في سرايا جسور داخل غرفته
ازدرقت ريقها بصعوبة وهي تراه بتلك الحالة المرعبة.
خلع عبائته التي يضعها فوق كتفيه ورمى عمامته بعيداً بغضب.
جميلة بخوف: "ا اااننت بتقفل الباب ليه."
جسور غاضباً: "أنا قولت إيه قبل كدة."
جميلة بخوف: "قولت إيه في إيه."
جسور غاضباً: "كنت بكلم نفسي دا أنا لسه قايلك امبارح أفكرك [لو مش عايزاني ألغي وعدي معاكي تتعاملي باحترام صوتك ما يعلاش عليا، تسمعي كلامي وما تعمليش مشاكل] صح ولا أنا غلطان، إنما بقي سيادتك واقفالي رأس برأس كلامي في الهوا أطلعي يا جميلة ما بطلعش، عايزاهم جسور بيه عمدة البلد مش عارف يمشي كلامه على مرته."
كان جسدها ينتفض بخوف من صوت زئيره الغاضب، ومع ذلك حاولت التحلي ببعض الشجاعة أمامه حتى لا يظنها ضعيفة أو خائفة.
جميلة ببرود مصطنع: "أنا ما عملتش حاجة غلط، عمتك هي اللي غلطت فيا وأنت مش عايز فرصة أشرحلك وعمال تقولي اطلعي فوق اطلعي فوق."
جسور بهدوء: "يعني شايفة أنك مش غلطانة."
هزت رأسها إيجاباً بتأكيد.
جسور بهدوء: "بس أنا غلطانة وهتعتذري أحسن لك تعتذري، سبحان ما بيخليني أمسك أعصابي عنك يا جميلة لو سهر اللي عملت كدة كان زماني دفنتها، فأنا هادي أهو اعتذري."
جميلة بعند: "مش هعتذر أنا ما غلطتش."
جسور: "يبقى انتي اللي جنيتي على نفسك، ما تزعليش بقي من اللي هعمله."
***
في شقة مختار
كان مختار جالساً بجوار رامي على الأريكة يشاهدان فيلماً كوميدياً، يضحكان باستمتاع وهما يتناولان العصير، إلى أن بدأ مختار يشعر بالدوار وثقل في عينيه ورأسه.
مختار بخمول: "أنا عايز أنام يا رامي."
رامي: "ليه يا بابا الفيلم لسه في أوله."
مختار بخمول: "مش عارف يا ابني مصدع ودماغي تقيلة أوي."
رامي: "ألف سلامة عليك يا بابا تحب أطلب لك دكتور."
مختار بخمول: "لأ يا ابني مالوش لزوم، دخلني أوضتي أرتاح."
أسند رامي والده إلى غرفة نومه وساعده ليستلقي على الفراش ودثره بالغطاء جيداً.
رامي بحنان: "عايز مني حاجة تاني يا بابا."
مختار وهو يقاوم النوم: "لأ يا ابني انت هن.."
وقبل أن يكمل كلمته سقط في بئر النوم.
ليخلع ذلك الحمل الوديع الوجه الزائف عن وجهه وتظهر ابتسامته الخبيثة.
رامي مبتسماً بخبث: "تصبح على خير يا بابا."
خرج رامي من الغرفة واتجه إلى مكتب والده وبدأ يفتش بين محتوياته عن تلك المعلومات التي أخبره عنها زعيم تلك الشبكة.
***
جميلة صارخة: "ابعد عنيييي!"
لا تعرف ماذا حدث بعد أن أخبرته أنها لن تعتذر منه، وجدته يتقدم منها بهدوء كالأسد الذي يستعد للانقضاض على فريسته.
هتف بجملة واحدة: "بينا اتفاق وإنتي كسرتيه."
كانت آخر جملة سمعتها منه قبل أن يبدأ في تمزيق ملابسها محاولاً الاعتداء عليها.
جميلة بصراخ وبكاء: "لأ يا جسور عشان خاطري ابعد عني، يا بااااباااا ابعده عني، سبني والنبي عشان خاطر ربنا، خلاص والله أنا آسفة أنا آسفة."
ثم بدأت تهتف بضعف: "سُور، سُور الحقني."
انتفض سريعاً وتوقفت يديه عن تمزيق ملابسها عندما سمعها تهتف بذلك الاسم، نظر لها بندم، لعن نفسه في سره، يكره غضبه الأعمى هذا.
نظر بها بحزن وهي تحاول تخبئة جسدها بملابسها الممزقة، يحمد الله أنه ابتعد عنها في الوقت المناسب قبل أن يفعل ما لا يحمد عقباه.
جسور بحزن: "جميلة أنا ...."
جميلة مقاطعة ببكاء: "أنت حيوان حيووووووان أنا غلطانة إني صدقتكك."
قام جسور من مكانه واتجه ناحية دولابه وأخرج تلك القلادة القديمة، ووضعها أمام عينيها.
اتسعت عينيها بدهشة: "سلسلتي، انت جبتها منين."
جسور بشرود: "بعدين يا جميلة هقولك كل حاجة لما أتأكد من حاجة الأول."
ثم أكمل بندم: "خلاص بقي أنا آسف."
جميلة بطفولة وهي تمسح دموع عينيها بطرف كمها: "مش هتعمل كدة تاني."
هز رأسه نفياً بابتسامة صغيرة: "أبدا يا حبيب... قصدي يا جميلة."
***
بعد ساعات من البحث تهاوى رامي على كرسي مكتب أبيه يزفر بضيق.
رامي بضيق: "وبعدين بقي فين الزفت المعلومات دي."
رن هاتفه بذلك الرقم.
رامي: "الوالرجل."
الرجل: "لقيت المعلومات."
رامي بضيق: "لأ."
الرجل غاضباً: "أنت هتستعبط يعني إيه لأ."
رامي بضيق: "بقولك إيه ما تزعقش أنا قلبت الدنيا عليها مش هنا، يمكن مع جميلة."
الرجل: "هنشوف، هكلمك قريب عشان أبلغك بمهمتك الجاية."
رامي: "ماشي."
***
"خرجت من المرحاض بعدما بدلت ثيابها الممزقة، فذهب ووقف أمامها."
جسور بحنان: "لسه زعلانة."
هزت رأسها نفياً بخفوت.
"مش زعلانة."
دنى برأسه وقبل جبينها بحنان.
جسور برفق: "عارفة يا جميلة، بحس إن ربنا عوضني بيكي عن بنتي الله يرحمها، كان نفسي أوي أشوفها وهي بتكبر أسمعها أول مرة وهي بتقولي يا بابا، زمان ربنا عوضني بيها ودلوقتي ربنا عوضني بيكي عنها، كأني مكتوبلي دايماً تكون سعادتي ناقصة."
جميلة: "مش فاهمة يعني إيه ربنا عوضك بيها عني."
جسور: "هتفهمي كل حاجة في وقتها."
جميلة: "طب ممكن أروح لسهر عايزة أشوف زين، على فكرة زين طفل منطوي أوي يا جسور."
جسور: "كده أحسن زين، العمدة من بعدي لازم يبقى راجل من صغره."
جميلة: "أنت كدة بتقتل طفولته."
جسور: "أنا عارف أنا بعمل إيه."
جميلة بغيظ من بروده: "أنا رايحة لسهرفي غرفة سهر."
تسللت صفاء إلى غرفة ابنتها حتى تتحدث معها بعيداً عن عيني جسور.
صفاء باستسلام: "أنا همشي بكرة يا سهر."
سهر سريعا: "بسرعة أكدة يا أما."
صفاء: "جسور شكله كدة مش هيسامحني."
دقت جميلة على باب الغرفة فظنتها سهر.
جسور: "سهر!"
صفاء: "افتحي ما تخافيش."
فتحت سهر الباب فوجدت وجه جميلة المبتسم.
جميلة مبتسمة: "مساء الخير يا سهر، أنا جاية أرخم عليكي ينفع."
سهر سريعا: "ادخلي بسرعة."
جميلة بدهشة: "إيه دا في إيه ماما صفاء انتي هنا."
صفاء: "أيوه يا بنتي أنا ماشية بكرة وكنت جاية أودع سهر."
جميلة بحزن: "بالسرعة دي."
صفاء بحزن: "جسور مش هيسامحني."
جميلة بحماس: "أوعدك لو حكتيلي اللي حصل هخليه يسامحك."
صفاء بأمل: "بجد يا بنتي."
جميلة بمرح: "وعد جميلة."
ثم عبثت بهاتفها ووضعته بجانبها.
جميلة: "اديني عملت الموبايل صامت يلا بقي يا ماما احكي."
صفاء بحزن: "أقولكوا إيه بس، أنا نفسي مش عايزة افتكر بس كله يهون عشان خاطر جسور يسامحني. من زمان يا بنتي كان في طار بين عيلتنا وعيلة السيوفي ساعتها كان سليم في عز قوته وجبروته وكان أبويا وإخواتي خايفين منه، لحد ما جه اليوم اللي لقينا فيه شيخ البلد بيقولنا أن سليم عايز دية عشان يوقف الطار بس مش عايز فلوس عايز عروسة، وللأسف كنت البنت الوحيدة كان عندي ساعتها 14 سنة."
"لما دخلت البيت دا كنت حاضنة عروستي القماش مش فاهمة حاجة، عمري ما أنسي الابتسامة اللي كانت على وشه كأن إبليس هو اللي كان مبتسم، سليم كان أبعد ما يكون عن الرحمة اغتصب عيلة عندها 14 سنة كان صوت صريخي مالي القصر وأنا عمالة أقوله ارحمني يا عمو."
بدأت الدموع تنساب من عيني صفاء وهي تكمل: "لكن الغل اللي كان جوا سليم كان أقوى من إنه يسمع صوتي."
"كان بيعاملني زي الخدامين، مشي كل الخدامين اللي في السرايا وخلاني أنا بس اللي أخدم على السرايا كلها لوحدي كان بيسبني أنام في المطبخ ما كانش ب
رواية جسور و جميله الفصل الثالث عشر 13 - بقلم دينا جمال
صفاء بحزن: أقول لكم إيه بس، أنا نفسي مش عايزة أفتكر، بس كله يهون عشان خاطر جسور يسامحني. من زمان يا بنتي كان فيه طار بين عيلتنا وعيلة السيوفي. ساعتها كان سليم في عز قوته وجبروته، وكان أبويا وإخواتي خايفين منه. لحد ما جه اليوم اللي لقينا فيه شيخ البلد بيقولنا إن سليم عايز دية عشان يوقف الطار. بس مش عايز فلوس، عايز عروسة. وللأسف كنت البنت الوحيدة، كان عندي ساعتها 14 سنة.
لما دخلت البيت دا، كنت حاضنة عروستي القماش، مش فاهمة حاجة. عمري ما أنسى الابتسامة اللي كانت على وشه، كأن إبليس هو اللي كان مبتسم. سليم كان أبعد ما يكون عن الرحمة. اغتصب طفلة عندها 14 سنة، كان صوت صريخي مالي القصر وأنا عمالة أقول له: "ارحمني يا عمو".
بدأت الدموع تنساب من عين صفاء وهي تكمل: "بس الغل اللي كان جوه سليم كان أقوى من إنه يسمع صوتي. كان بيعاملني زي الخدامين. مشي كل الخدامين اللي في السرايا وخلاني أنا بس اللي أخدم على السرايا كلها لوحدي. كان بيسبني أنام في المطبخ. ما كانش بياخدني معاه أوضته إلا عشان يدبحني وبعد كدة يرميني بره أوضته".
"ما عداش سنتين وخلفت جسور. كان طاير بيه من الفرحة. كان بيقول لي: 'إنتي خدامته مش أمّه'. بس اللي حصل إن جسور وهو صغير كان متعلق بيا أوي، ما كانش بيرضى ينام بعيد عني. فسليم اضطر إنه يقعدني في أوضة في السرايا عشان خاطر جسور. لسه فاكرة الجملة اللي قالهالي لما شاف حب جسور ليا. ساعتها قالي: 'قسماً بربي يا صفاء، لهخلي جسور يكرهك طول حياتك. هخليه يقرف حتى يبص في وشك'".
أكملت صفاء بحزن عميق: "حاول سليم يكره جسور فيا بشتى الطرق، بس جسور وهو صغير كان حنين أوي. لما كان بيلاقي سليم بيضربني كعادته، كان بيجري عليا ويترمي في حضني ويفضل يعيط. وعشان سليم كان بيحبه أوي، كان بيسبني لما يلاقي جسور بيعيط".
"وعدي بعدها 8 سنين وخلفتك يا سهر. وعلى عكس ما توقعت إن سليم هيغضب، بس الحقيقة سليم كان فرحان بيكي، يمكن أكتر من جسور".
تنهدت بألم وهي تكمل: "لحد ما جه اليوم ده، وجه عمك يا جميلة. عمك مهندس زراعي، كان يشتغل مع سليم. طبعاً لما جه المهندس، سليم استقبله عندنا في السرايا. ولأن ما فيش خدامين في البيت غيري، عملت الشاي يا بنتي وروحته وديته".
مختار مبتسماً بود وهو يأخذ منها الشاي: متشكر يا آنسة.
ردت عليه صفاء بابتسامة متوترة ثم فرت هاربة إلى السرايا.
مختار لسليم بود: بنتك أمورة أوي، ربنا يخليلهالك.
اشتعلت عيني سليم بغضب من حديثه: مالكش صالح بيها وما تتحدثش معاها واصل، إنت فاهم.
هز مختار رأسه إيجاباً بلامبالاة وانشغل بعدها في عمله.
صفاء مكملة بألم: "لما جه الليل وسليم رجع، نزل فيا ضرب. ضرب، وفي الآخر طلقني وطردني. طردني في الشارع".
صفاء بابتسامة خائفة: أحضر لك الأكل.
سليم غاضباً: إنتي إيه بينك وبين المهندس؟
صفاء بصدمة: مهندس مين؟
سليم غاضباً وهو يجذبها من شعرها: هتكذبي عليا يا *****! أنا شوفته وهو بيضحكلك. عايزة تخونيني معاه؟ فاكراني كبرت وخرفت؟ مش هسمحلك تعملي زيها. مش هسمحلك.
ثم بدأ يكيل لها باللكمات والركلات والصفعات. وفي النهاية جذبها من شعرها إلى أن وصلا إلى بوابة السرايا فالقاها سليم خارجاً.
سليم غاضباً: إنتي طالق، طالق. واوعاكي أشوف وشك هنا تاني. هقتلك.
جميلة مقاطعة: هي مين دي اللي كان بيقولك مش هسمحلك تعملي زيها؟
صفاء بحسرة: أمه. اللي عرفته بالصدفة إن أمه هربت من أبوه بعد ما خلفت سليم، وسليم كان ليه أخ تؤام كان اسمه سالم.
جميلة: وسالم ده فين؟
صفاء: مات، قتله أخويا في حرب الدم ما بين العيلتين.
سهر باكية: وبعدين يا أمي.
صفاء بألم: "لقيت نفسي في الشارع بعد نص الليل، مش عارفة أعمل إيه ولا أروح فين. لو رجعت لأهلي هيرجعوني لسليم بالعافية. كنت ماشية دايخة من كتر الضرب لحد ما وقعت من طولي. وما حستش بنفسي غير وأنا في المستشفى".
صفاء بألم وهي تحاول فتح عينيها: آه، أنا فين؟ جسور، سهر، إنتوا فين يا ولاد؟
مختار بابتسامة صغيرة: حمد لله على السلامة.
انتبهت صفاء على صوته، ففتحت عينيها تنظر له بتوتر: أنا فين؟
مختار: في المستشفى.
صفاء بصدمة: مستشفى؟ وإزاي جيت هنا؟
مختار: أنا لقيتك بالصدفة واقعة في الطريق مضروبة، فجبتك هنا.
صفاء بخوف: سليم هنا؟
مختار: لأ. أنا كنت مستنيكي تفوقي وهروح أقول له إنك هنا عشان ما يقلقش عليكي. أكيد دلوقتي هيتجنن عليكي، قلبه محروق على بنته.
صفاء باكية: لأ لأ، أبو س يدك ما تخبروش إني هنا. إني مش بنته، إني مرته وهو اللي عمل فيا كده. لو شافني هيقتلني.
مختار: أنا مش فاهم حاجة. مراته إزاي؟ وهيقتلك ليه؟ وليه أصلاً عمل فيكي كده؟
كانت بحاجة لأن تخرج ذلك العبء من على قلبها منذ أن تزوجت سليم، فبدأت تحكي وتحكي، وملامح مختار تتغير ما بين ضيق وشفقة وحزن وغضب.
مختار: يعني إنتي هنا بسببي؟ أنا بجد آسف. بس إنتي إزاي استحملتي الذل ده كل السنين دي؟
نظرت صفاء له بانكسار ولم تجب.
مختار: طب تحبي أرجعك لأهلك؟
صفاء سريعاً: لأ لأ. أحب على إيدك، أهلي هيرجعوني ليه بالعافية.
تنهد مختار بقلة حيلة: طب والعمل؟ ما هو أنا مش هسيبك هنا، كفاية إني السبب في اللي حصلك.
مختار بعد تفكير: بقولك إيه، تيجي معايا مصر؟
صفاء بدهشة: مصر؟
مختار: آه. أنا أخويا ظابط، وأكيد هيلاقي لنا حل للمشكلة، وممكن تقعدي مع مراته لحد ما نشوف هنعمل إيه.
صفاء بخوف: ما عرفاش.
مختار: أرجوكي افهميني. إنتي قدامك دلوقتي 3 حلول: إما ترجعي لسليم تاني ويقتلك، أو ترجعي لأهلك ويرجعوكي لسليم ويكمل ذل فيكي. لتثقي فيا وتيجي معايا.
صفاء باكية: بس ولادي.
مختار: هشام أخويا هيساعدك، ها؟ هتيجي معايا.
خرجت صفاء من بحر ذكرياتها على يد جميلة تربت على يدها.
صفاء بابتسامة شاحبة: وعمك كان قد الثقة يا جميلة. خدني معاه ووداني عند والدك ووالدتك الله يرحمهم. ربنا يرحم مامتك، لولاها ساعتها كان زماني انتحرت. كان دمها خفيف وطيبة أوي. إنتي نسخة منها. ووالدك وقف معايا وقفة أخواتي ما وقفوهاش معايا. حاول يقنع سليم بشتى الطرق. إنتي مش فاكرة يا جميلة، إنتي شبطتي في باباكِ وإحنا رايحين لسليم، واختفيتي. واللي لقاكي جسور وفضلتِ تعيطي وتقولي: "عايزة سلسلتي".
قطبت جميلة حاجبيها بدهشة وبعض الصور المشوشة تضيء في عقلها: (بعدي يا بت عن حصاني). (اسمي جسور مش سور، لأ اسمك سور عشان إنت طويل أوي).
جميلة بذهول: سُور.
سهر: وبعدين يا أمي.
صفاء بحزن: "سليم ساعتها خيّرني لأول مرة في حياته. إما إني أفضل جنبكوا جارية. هو قالها بالحرف: جارية، أنفذ طلباتكوا وأوامرك من غير جواز حتى. أو أمشي ويعتبروني ميتة".
"أنا والله كنت مستعدة أفضل جارية بس أبقى معاكوا، بس مختار وهشام رفضوا رفض قاطع. ومن ساعتها وأنا ما أعرفش حاجة عنكوا".
جميلة بصوت عالي: أظن إنك عرفت كل حاجة دلوقتي، مين الظالم ومين المظلوم.
نظرت صفاء وسهر لها باستفهام تحول لصدمة عندما فتح جسور الباب. كان يقف من البداية وقد سمع كل شيء عندما تلقى تلك الرسالة من جميلة: (لو عايز تعرف الحقيقة كلها، تعالي دلوقتي عند أوضة سهر من غير ما تعمل صوت).
ظل ينظر لهم للحظات بصمت. وكما جاء، غادر بمنتهى الهدوء. تركهم وذهب إلى غرفته.
جميلة في نفسها بدهشة: هو راح فين؟ ده بوظ لي النهاية. أنا قلت هيحضنها ونقعد نعيط وننفعل. ماشي يا جسور، كده تبوظ لي النهاية.
أصاب صفاء خيبة أمل من رد فعل ابنها. بينما ذهبت جميلة بخطوات غاضبة ناحية غرفته.
فتحت فمها لتصرخ فيه بغضب، ولكنها توقفت عندما وجدته جالساً يضع وجهه بين كفيه.
جميلة بخفوت: جسور.
جسور بصوت معذب: اخرجي يا جميلة.
هزت رأسها نفياً. جثت على ركبتيها بجانبه. توكزة في كتفه بإصبعها: جسور، جسور، جسور بص لي.
رفع وجهه من بين كفيه لتُرى تلك الدموع الحبيسة في عينيه، لتتسع عينيها بدهشة.
جميلة بدهشة: جسور، إنت بتبكي؟
جسور بعذاب: ليه؟ ليه عمل فيها كده؟ وليه عمل فيا كده؟ أنا ما أقدرش أكسر وصيته. ما أقدرش. هو وصاني قبل ما يموت إني ما أسمحهاش. إنتي عارفة أنا ليه قاسي أوي على سهر؟ بسبب وصيته، خايف لتغلط، فاضطر أنفذ وصيته وأقتلها. أنا ماليش غيرها في الدنيا.
جميلة بعقلانية: بس كده مش صح. وصية والدك دي ظالمة ليك ولـ والدتك. جسور، وصية الميت واجبة التنفيذ، بس مش بالظلم ده. إنت كده بتعذب نفسك وبتعذب أمك اللي اتحرمت منك السنين دي كلها بسبب والدك الله يرحمه ويغفر له. كفاية اللي كان هو بيعمله فيها وكانت مستحملاه عشانك إنت وسهر. والدك اغتصب طفلة عندها 14 سنة. عاملها زي الخدامين. كان بينمها على الأرض وجو الصعيد على رأيك بيسفح هوا. واستحملت عشانكوا. كفاية كده يا جسور.
رواية جسور و جميله الفصل الرابع عشر 14 - بقلم دينا جمال
تركهم وذهب إلى غرفته، فوجدها واقفة تنظر من نافذة غرفتهم.
اقترب منها إلى أن أصبح خلفها مباشرة.
جسور بهدوء: جميلة.
التفتت له، وبدون سابق إنذار صفعته بقوة على وجهه.
نظر لها بدهشة. بالتأكيد لم يحدث هذا، هي لم تصفعه.
جسور بضحكة صغيرة: انتي ضربتيني؟ انتي فعلاً عملتي كدة؟ هههههه انتي بجد عملتي كدة.
صاحت جميلة بغضب: أيوه ضربتك، دي أقل حاجة أرد بيها عليك يا شبه راجل انت.
حك ذقنه بأطراف أصابعه بهدوء.
جسور بخبث: شبه راجل؟ امممم، أوريكي بقى الرجولة.
كانت آخر كلماته قبل أن يصفعها بقوة، فسقطت على الأرض وبدأ يخلع هو ملابسه، بينما تنظر له بذعر.
جميلة بذعر: انت هتعمل إيه؟
تعالت ضحكاته الشيطانية التي ذكرتها بضحكات رامي.
جميلة يا جميلة يا بنتي.
جميلة صارخة: لأ لأ لأ.
جسور بقلق: بسم الله الرحمن الرحيم، مالك يا جميلة؟
نظرت حولها بصدمة، مازالت تقف أمام تلك الشرفة.
جسور بقلق: مالك يا جميلة، بقالي شوية بنادي عليكي. انتي نمتي وإنتي واقفة ولا إيه؟
جميلة بصدمة: هااااااا.
وضع راحة يده على جبينها: مالك يا جميلة، انتي سخنة؟ لأ الحمد لله مش سخنة.
جميلة بصدمة: جسور، هو أنا ما ضربتكش بالقلم؟
جسور ضاحكاً: مين يا أختي؟ هو انتي فاكرة إنك لو عملتي كده فعلاً هتفضلي واقفة قدامي كده عادي؟ كان زمانهم بيغسلوكي. يلا يا هبلة عشان ننزل نتعشى.
جميلة: جسور، هو انت اتجوزتني ليه؟
جسور ضاحكاً: تكفير ذنوب.
جميلة بجد: أنا بتكلم بجد، انت اتجوزتني ليه؟
جسور غامزاً: في الآخر هتعرفي.
التفت ليغادر، فتوقف مكانه عندما سمعها تهتف: أنا أقولك ليه، اتجوزتني عشان تنتقم من عمي فيا، مش كده؟
التفت لها وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة: امممم، هو بابا ما علملكش إن التصنت عيب وحرام؟
جميلة غاضبة: أنا ما كنتش بتصنت، أنا داخلة الأوضة وسمعتك بتقول كده.
جسور في نفسه: شكلها كده ما سمعتش للآخر، يكون أحسن بردوا.
جسور: ماشي سمعتيني، عايزة إيه بقى؟
جميلة غاضبة: عايزة أطلق طبعاً.
جسور ضاحكاً: عايزة طلاق؟ والله يا جميلة انتي دمك زي العسل.
جميلة غاضبة: عسل أسود على دماغك.
جسور بحدة: تؤتؤتؤ، هتغلطي هزعلك.
جميلة غاضبة: إيه هتعمل إيه؟ هتغتصبني؟
جسور ضاحكاً بشدة: شكلك بتتفرجي على أفلام عربي قديمة كتير.
تجهم وجهه فجأة وأردف بتحذير: مش عايز أسمع الكلام الأهبل ده تاني. انتي لسه ما تعرفيش جسور السيوفي يا جميلة. اتقي شري يا حلوة ويلا قدامي عشان ننزل نتعشى، يلااااا.
قال كلمته الأخيرة بحدة، فانتفض جسدها بخوف.
***
رامز غاضباً: نعم يا أختي، يعني إيه حامل؟
نهى ساخرة: يعني كلها 9 شهور وهيبقى عندك أخ أو أخت لزين.
رامز غاضباً: انتي كمان بتستظرفي؟ بقولك إيه، آخر اللي عندي، اللي في بطنك ده لازم ينزل.
نهى بفزع: لا يا رامي، ما ينفعش. ده أنا ممكن أموت فيها. الدكتور أصلاً كان مانعني من الحمل بعد جميلة، الرحم عندي مش هيستحمل واحتمال كبير يجيلي نزيف وأموت فيها.
رامز غاضباً: ده مش شغلي، تموتي تعيشي ما تفرقش معايا. قدامك يومين لتنزليه إنتي. لرصاصة واحدة هتريحني منكم انتوا الاتنين.
تركها وغادر صافعاً الباب خلفه، لتتهاوى على الفراش. شردت في ذكرى قديمة.
***
Flash back
الطبيب: مدام نهى، أنا آسف جداً، بس لازم تعرفي أن فكرة حملك تاني ممكن تموتك.
جسور بحدة: إنت بتقول إيه؟ إنت مجنون؟ بعد الشر عليها.
الطبيب: يا جسور باشا افهمني، الرحم عندها ضعيف جداً ولو حملت تاني احتمال كبير يجيلها نزيف حاد يجيلها هبوط في الدورة الدموية وقلبها يوقف.
كانت هي في صدمة مما يقوله الطبيب. لم تشعر بجسور وهو يخرج بها من الغرفة.
جسور بحنان: نهى، مالك يا حبيبتي؟
نهى باكية: مش هعرف أخلف تاني يا جسور، مش هعرف أجيب لك ولد يشيل اسمك.
جسور بحنان: إيه اللي انتي بتقوليه ده؟ ما جميلة شايلة اسمي.
نهى بتصميم: أنا هحمل تاني. الدكتور ده أصلاً ما بيفهمش حاجة.
جسور بحدة: اياكي يا نهى تعملي كده. أنا مش هاخاطر بيكي عشان شوية تخاريف في دماغك.
لانت ملامحه فعاد يضمها لصدره بحنان: يا حبيبتي، إنتي بنتي وحبيبتي، مش هضحي بيكي مهما حصل.
نهى: ربنا يخليك ليا يا جسور.
***
Back
سالت دموعها ندماً. هي من اختارت، هي من باعت جنة جسور مقابل حفنة من نقود رامز، ذلك الشيطان الذي خان زوجته وصديق عمره.
نهى بتصميم: أنا لازم أرجع لجسور، هو اللي هيحميني من رامز، بس لازم يكون معايا.
***
في شقة أيهم.
أيهم مبتسماً: ها يا ست ميلا، الشنط جاهزة؟
جميلة الصغيرة بحزن: أيوه يا أيتم.
أيتم وهو يجلس بجانبها: جميلتي زعلانة ليه؟
جميلة بضيق: مت هقولك.
أيهم: ليه كده؟
جميلة: عشان الاهتمام ما بيطلبش.
اتسعت عينا أيهم بصدمة: الاهتمام ما بيطلبش؟ إيه جو المخطوبين ده؟ انتي جبتي الكلام ده منين؟
جميلة: من فارس صاحبي في الحضانة.
أيهم بصدمة: وفارس صاحبك في الحضانة قالك الاهتمام ما بيطلبش ليه يا جميلة؟
جميلة: عشان امبارح كان عيد الحب وأنا مت قلته I love you.
أيهم بصدمة: يا نهار أبوك أسود! تقولي لمين يا بت I love you؟ جميلة، ما تقوليش I love you غير لبابا بس، ماشي يا جميلة.
جميلة بضيق وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها: دا تلم.
أيهم بدهشة: ظلم؟ ماشي يا جميلة، مش أنا ظالم. مفيش سفر.
جميلة غاضبة: يعني إيه ما فيش سفر؟ ده أنا فركت مع أحمد عشان أسافر.
شعر أيهم أن قلبه سيقف من الصدمة: فركشتي مع أحمد؟ مين أحمد ده؟
جميلة بغرور: ده حبيبي.
أيهم: طب وفارس؟
جميلة: حبيبي بردوا.
أيهم بذهول: هما كام واحد؟
سكتت الصغيرة ولم ترد، فاكمل أيهم: جميلة انتي زعلتي يا حبيبتي؟
جميلة مقاطعة بضيق: يوووه يا أيتم، لغبطتني، هعد من الأول.
امسك أيهم جانبه الأيسر بصدمة: يا نهاااار أسود! بتعديهم فين دوا الضغط بتاع السكر؟
جميلة: أيوه، تبعة سبعة.
أيهم بصدمة: سبعة بس؟ لأ، ستة بقى ما أنتي فركشتي مع أحمد.
جميلة: لأ، هما سبعة، أحمد يبقى تمانية.
أيهم وهو على وشك أن يصاب بذبحة صدرية: اااااه، تمانية يا مفترية! فتحة شبكة في الحضانة؟ وفركشتي مع أحمد ليه بقى؟
جميلة: عشان عايز يفرض سيطرته عليا ومش موافق أسافر من غير إذنه.
أيهم بصدمة: يفرض سيطرته؟ إنتي بتجيبي الكلام ده منين؟ يا نهار أسود البت انحرفت وفركشت مع أحمد عشان عايز يفرض سيطرته؟ أنا قايم أنام.
رن هاتف الصغيرة.
أيهم: مين اللي بيتصل دلوقتي؟
جميلة: مش هرد، ده أحمد أكيد عايز يتصالح.
أيهم: لالا، ردي على الراجل وافتحي الاسبيكر.
أخذت الصغيرة (صغيرة إيه بقى، ده أنا اللي صغيرة) الهاتف بملل وفتحت الخط.
جميلة ببرود: أيوه يا أحمد.
أحمد: يا عيون أحمد، لسه زعلانة مني؟
جميلة: أيوه، عشان أنت مش عايزني أسافر.
أحمد: بغيي (بغير) عليكي يا ميلا.
أيهم بصدمة: بتغير على مين ياض؟ يا نهار أبوك أسود.
أحمد: ازيك يا عمو.
أيهم بصدمة: عمو مين ده؟ إنت اللي عمو؟ بقولك إيه ياض، انت ابعد عن البت خالص، انت فاهم؟
أحمد: يا عمو، إنت كده بتموت حبنا.
أيهم: بموت إيه يا أخويا؟ واد انت روح خلص تطعيماتك الأول. عارف ياض لو شفتك جنب البت ولا بتكلمها حتى، هعلقك من ودانك.
أغلق أيهم الخط، ينظر لجميلة التي تلعب في شعرها بدلال.
جميلة: كويس إنك زعقتله، كان رخم أصلاً.
أيهم بحسرة: حسبي الله ونعم الوكيل. كشفت رأسي ودعيت عليكي يا جميلة يا بنت أم جميلة.
جميلة: اطفي يا أيتم. عايزة أنام وبطل دوشة.
أيهم بحسرة: حاضر، هبطل دوشة وهشرب اللبن وأنام.
***
في سرايا السيوفى.
في غرفة جسور بعد العشاء.
جلست جميلة على الفراش تربع قدميها تفكر.
جميلة: بقي كده يا جسور؟ وأنا اللي كنت فاكراك راجل محترم. مااااشي. أما خليتك تقول حقي برقبتي. وبرضه هتطلقني؟
دخل جسور إلى الغرفة بعد أن صلى العشاء في المسجد.
جسور: لا إله إلا الله. إيه البوز ده؟
جميلة بضيق: بقولك إيه، مالكش دعوة بيا.
ثم أمسكت هاتفها تقلب فيه.
هز رأسه بيأس وأردف بصوت منخفض: مجنونة والله.
ذهب إلى المرحاض واغتسل وبدل ملابسه ببيجامة قطنية سوداء.
نظرت جميلة له بدهشة.
جميلة في نفسها: يخربيت حلاوتك، مزززز أوي.
ذهب وجلس بجانبها في الفراش، فاشاحت بوجهها إلى هاتفها.
جسور: بتعملي إيه؟
جميلة: مالكش فيه.
اختطف الهاتف من يدها ينظر لما تفعله.
جسور: أسيرة الشيطان؟ إيه ده؟
جميلة بضيق: أنت مالك أنت يا رخم؟ هات الموبايل.
جسور: لأ مش هديهولك غير لما تقوليلي إيه ده.
جميلة بضيق: أوووووووف، دي رواية.
جسور بخبث: اممم، بتحكي عن إيه؟
جميلة: الله، وانت مالك أنت؟ هات بقي. عايزة أعرف جاسر هيعمل إيه.
نظر جسور ناحية الهاتف ثم نظر لها مرة أخرى بابتسامة خبيثة: سكتت شهزاد عن الكلام الغير مباح. تعالي أقولك أنا هو كان بيعمل إيه.
ثم غمز لها بوقاحة.
جميلة بخجل: أنت قليل الأدب على فكرة. يلا قوم بقى عشان عايزة أنام.
جسور: أنا هنام هنا. ولو قمتي نمتي على الكنبة هتصحي تلاقي نفسك برضه في حضني. فخليكي هنا أحسن.
نفخت خديها بغيظ: أووووف، رخم.
تمددت على الفراش وأدارت له ظهرها.
فتراقصت ابتسامة خبيثة على شفتيه.
تمدد بجانبها وتصنع النوم.
جسور وهو نائم: هي المخدة فين؟
بدأ يمد يده يبحث عن وسادته، إلى أن أمسك بكتف جميلة التي فتحت عينيها بصدمة.
جسور وهو نائم: هي المخدة مالها عصعصت ليه كده؟
جذب جميلة ناحيته يحاوطها بذراعيه.
جميلة بضيق: اوعى يا عم أنت. أنت يا ابني أنا مش مخدتك.
جسور بنعاس: إيه ده جميلة؟ أومال فين المخدة؟
جميلة غاضبة: أنا إيش عرفني؟ سيبني بقى.
جسور بنعاس: لأ، أنا ما بعرفش أنام من غير ما أكون حاضن مخدتي. وأنا مش لاقي المخدة.
جميلة غاضبة: وأنا ذنبي إيه أن عندك جفاف عاطفي؟
انفجر جسور في الضحك عقب جملتها.
جميلة: سيبني بقى.
بدأت تتحرك بضيق لتخلص نفسها من بين ذراعيه.
جسور بنعاس: نامي يا جميلة، وإلا والله هقوم أقولك جاسر كان بيعمل إيه.
جميلة بخجل: وقح! يوووه، سبني بقولك.
جسور بخبث: شكلك نفسك تعرفي. استعنا على الشقي بالله.
جميلة سريعاً وهي تغمض عينيها: لأ لأ خلاص، أنا نمت أهه.
قبل جبينها بحنان: تصبحي على وشي يا حبيبتي.
جميلة بغيظ: تصبح على وش حمار يا رب.
جسور: هااا؟
جميلة: أنا نمت خلاص.
***
في صباح اليوم التالي.
جميلة: عشان خاطري يا جسور، عشان خاطري، عشان خاطري، عشان خاطري.
جسور: لأ يعني لأ. ما فيش شغل وسبيني بقى أروح أشوف اللي ورايا.
جميلة بزن: عشان خاطري، عشان خاطري، عشان خاطري، عشان خاطري، عشان خاطري، عشان خاطري، عشان خاطري، عشان خاطري.
جسور بضيق: بسسسس، اسكتي. إيه راديو وعلق؟ قلت ما فيش شغل.
جميلة: لأ، فيه شغل. عشان خاطري، عشان خاطري.
جسور: جميلة، انزلي عن وداني. أنا لازم أروح دلوقتي. المهندس الزراعي قرب يوصل.
تركها وغادر إلى عمله.
جميلة: ماشي يا جسور، والله لأوريك. وبرضه هروح شغلي.
***
أيهم مبتسماً: إيه رأيك في الزرع يا ست جميلة؟
جميلة بسعادة: حلو أوي يا أيتم.
حملها أيهم على ذراعه: قلب أيتم، بابا عنده شغل، هودي جميلة البيت بتاعنا وهروح شغلي وبعدين أرجع لك على طول، ماشي؟
جميلة بحزن: لأ، هاجي معاك.
أيهم: لأ، طبعاً ما ينفعش.
أسبلت عينيها ببراءة: عشان خاطري يا أيتم.
أيهم ضاحكاً: أمري لله، تعالي.
وصل جسور إلى إحدى أراضيه والتي سوف يقابل فيها ذلك المهندس. نزل من على صهوة جواده وربطه في تلك الشجرة الكبيرة.
فوجد ذلك الشاب يأتي ناحيته.
أيهم مبتسماً: جسور بيه، مش كده؟
جسور بهدوء: كده. أيهم منصور، صح؟
أيهم مبتسماً: أيوه يا أفندم. اتشرفت بمعرفتك. جميلة، تعالي هنا، ما تبعديش.
ثم عاد يحادث جسور بإحراج: معلش، أصلها شقية شوية.
جسور: هي مين دي؟
أيهم: بنتي.
جاءت تلك الصغيرة تركض ناحية أيهم.
جميلة بسعادة: أيتم، أيتم، توفت الحمار والحضان.
أيهم بعتاب: مش قلت لك ما تبعديش يا جميلة عشان ما تتوهي؟ يلا، سلمي على عمو.
التفت الصغيرة ناحية جسور، فشعر بقلبه يكاد يخرج من مكانه. تلك الملامح يعرفها. مستحيل. ذلك الشبه؟ بالتأكيد! جن، صغيرته ماتت أمام عينيه. احترق ذلك المخزن المشؤوم بها هي ووالدتها. فاق على صوت الصغيرة وهي تمد كف يدها الصغير ناحيته.
جميلة مبتسمة ببراءة: أنا جميلة.
جثا على ركبتيه أمامها ينظر لها: جميلة؟
هزت الصغيرة رأسها إيجاباً بابتسامة واسعة: أيوه. وأنت؟
جسور بلهفة: جسور.
رفع نظره لأيهم: هي دي بنتك؟
أيهم: أيوه يا أفندم، في مشكلة؟
جسور: فين مامتها؟
أيهم مبتسماً بتوتر: الله يرحمها، ماتت وهي بتولدها.
هز رأسه إيجاباً بيأس. لا يعرف لما ذلك الشعور تجاه تلك الصغيرة.
جميلة: عمو، عمو.
جسور سريعاً: أيوه يا حبيبتي.
جميلة مبتسمة: ممكن أركب الحصان ده؟
أيهم: بس يا جميلة عشان ما تتعوريش.
جسور: ما تخافش، روح انت شوف شغلك وأنا هركبها الحصان.
أيهم بتوتر: خلي بالك عليها، دي كل حاجة ليا في الدنيا.
هز جسور رأسه إيجاباً سريعاً، ثم نظر للصغيرة ومد كف يده لها، فامسكته الصغيرة ليشعر بكهرباء تصعق جسده.
رواية جسور و جميله الفصل الخامس عشر 15 - بقلم دينا جمال
كانت جالسة على تلك الأريكة في غرفتها منذ ألقى رامز بقنبلته في وجهها. إن تخلصت من حملها ستموت لا محالة، وإن أصرت على إكماله سيقتلها رامز بدم بارد.
فاقت من شرودها على صوت الباب وهو يفتح. نظرت ناحية الباب فوجدت رامز يتقدم ناحيتها ببطء، واضعًا كفيه في جيبي سرواله، إلى أن وصل إليها فجلس بجانبها يمسد على شعرها برفق.
رامز بحنان: عاملة إيه يا حبيبتي.
فغرت فاهها بدهشة. فأكمل بضحكة صغيرة: مالك بتبصيلي كده ليه.
نهى برجاء: رامز أنا لو نزلته هموت.
رامز: وأنا مش عايزك تنزليه.
اتسعت عينيها بصدمة حتى كادت تخرج من مكانها: بجد يا رامز.
رامز بابتسامة صغيرة: بجد يا حبيبتي.
وضعت رأسها على صدره ولفت ذراعيها حول عنقه: بجد شكراً، ربنا يخليك ليا.
رامز: ويخليكي لجسور.
ابتعدت عنه سريعاً كمن لسعها عقرب لتهتف بقلق: جسور وإيه اللي جاب سيرة جسور.
رامز بخبث: بصي بقى يا نهى، انتي بقالك 3 سنين معايا بتاخدي اللي انتي عايزاه وزيادة من غير ما تشتغلي معانا، صح ولا غلط.
نهى: صح، بس انت عارف...
رامز ضاحكاً بخبث: عارف يا حبيبتي، سبتي جسور عشان خاطر الفلوس. الراجل كان مدي لكِ صوابعه العشرة شمع، وأول ما اتزنقت بعتيه.
نهى بحذر: انت عايز إيه يا رامز وليه بتجيب سيرة الموضوع ده.
رامز: انتي هترجعي لجسور تاني.
نهى بصدمة: أنت بتقول إيه، لأ طبعاً مستحيل، جسور هيقتلني.
رامز: اسمعيني بس للآخر. المعلومات اللي الزفت هشام الله يجعله، خدها مننا، قلبنا عليها الدنيا وبرضه مش لاقينها.
نهى: طب وأنا مالي بالكلام ده.
رامز: المكان الوحيد اللي مدورناش فيه هو سرايا جسور. ممكن يكون هشام أدى المعلومات لجسور وممكن تكون مع جميلة بنته.
نهى: وهي جميلة بنته بتعمل إيه عند جسور.
رامز: صحيح، دا انتي ما تعرفيش. مش جوزك اتجوز من يومين.
نهى بصدمة: اتجوز! أنا بردوا مش فاهمة، يعني أنت عايزني أروح أقوله جسور يا حبيبي أنا عايشة ما متتش وكنا بنضحك عليك ودي الكاميرا الخفية.
رامز بخبث: هقولك تقولي له إيه بالظبط.
بدأ رامز يسرد لها تفاصيل خطته.
نهى بصدمة: يخربيتك، دا أنت شيطان. بس تفتكر هتخيل على جسور.
رامز: والله لو اديتي دورك كويس، دا غير بعض الديكورات اللي هنعملها فيكي، هتدخلي على جسور. ثم أكمل بتوعد: بس خدي بالك لو فكرتي تغدري، رقبتك أول رقبة هتطير.
نهى بخوف: لأ لأ متخافش. طب أنت نسيت حاجة مهمة.
رامز: حاجة إيه.
أشارت نهى ناحية بطنها: المصيبة دي.
رامز بمكر: المصيبة دي لسه في أولها. وليلة حلوة في حضن جسور تقنعيه أنها بنته أو ابنه، عوض ليه عن بنته اللي ماتت. وطبعاً جسور هيكون خايف عليكي وعلى اللي في بطنك وهيدفع كتير عشانكوا.
نهى بقلق: ربنا يستر.
***
على صهوة جواده، تصيح الصغيرة بسعادة.
جميلة الصغيرة: عمو عمو.
جسور بحنان: أيوه يا حبيبتي.
جميلة: ممكن تخليه يمتي (يمشي).
هز جسور رأسه إيجاباً بابتسامة حانية، فجذب لجام الحصان الذي بدوره بدأ يمشي ببطء.
جميلة الصغيرة بسعادة: هييييه هييببه.
جسور بحنان: مبسوطة.
جميلة صائحة بسعادة: أوي أوي، أنت حلو أوي يا عمو.
يشعر بسعادة تشوبها تلك الكلمة (عمو). يريد أن يسمع كلمة (بابا)، يريدها وبشدة.
كان شارداً ولم ينتبه إلى ذلك الثعبان الصغير الذي ما أن رآه جواده حتى صهل عالياً ورفع قاميتيه الأماميتين إلى الأعلى، فصرخت الصغيرة بفزع.
جميلة بفزع: أيييييييه.
أسرع جسور يلتقط الصغيرة بين ذراعيه قبل أن تسقط أرضاً، فسقط على ظهره لينغرزت تلك القطعة الحديدية الملقاة بكتفه.
دفنت الصغيرة رأسها في صدره وبدأت تبكي من الخوف.
حمل جسور على ألمه وربت على رأسها بحنان: هشششش بس يا حبيبتي خلاص.
جميلة باكية: الحصان وقع، جميلة الحصان وحش.
جسور مبتسماً بألم: الحصان وحش وشرير، وجميلة شاطرة وهتبطل عياط.
هرع بعض الفلاحين ناحيتهم وهم يصيحون بخوف: جسور بيه الحقوا يا ولا أنت وهو، جسور بيه.
خافت الصغيرة من ذلك العدد المتقدم ناحيتهم فدست رأسها في حضن جسور تبكي.
جسور بحدة: بس أنت وهو.
توقف الجمع الغفير مكانهم، يرمقون جسور ما بين خوف وألم وشفقة، خاصة وهو يحتضن تلك الصغيرة. شق صفوفهم أيهم بخوف وهو يصيح منادياً على جميلة بخوف.
خرجت جميلة من حضن جسور وأسرعت تختبئ داخل صدر أيهم.
جميلة باكية: بابا، الحصان وقع جميلة.
أبعدها أيهم عن صدره يتفحصها بعينيه بلهفة وقلق: انتي كويسة، حصلك حاجة، في حاجة بتوجعك.
قام جسور متحاملاً على نفسه رافضاً المساعدة من أحد واتجه ناحية أيهم والصغيرة.
جسور بألم حاول إخفاءه: ما تقلقش، جميلة كويسة.
أيهم بفزع: جسور بيه حضرتك كويس، كتفك بيجيب دم.
جسور: أنا كويس، المهم البنت، خدها وروح ومعاك باقي اليوم إجازة.
مد جسور يده في جلبابه وأخرج محفظته وأخرج منها مبلغاً كبيراً ومد يده به لأيهم.
جسور: خد دول.
أيهم: أنا آسف يا جسور بيه، مش هقدر آخد الفلوس من حضرتك، أنا لسه ما اشتغلتش عشان أقبض مرتبي.
جسور: ومين قالك إنها ليك أصلاً، دول للبنت الصغيرة، عوايدنا أكدة في الصعيد.
أيهم بحرج: يا جسور بيه...
جسور مقاطعاً بحدة: خد الفلوس، أنا لازم أمشي قبل ما دمي يتفصى.
أخذ أيهم النقود بحرج، فانحنى جسور ولثم رأس الصغيرة بقبلة حانية ثم تركهم ورحل.
في السرايا.
جميلة: يا ماما عشان خاطري اقنعي جسور إني أنزل شغلي تاني.
صفاء: يا جميلة بطلي زن بقى، حاضر، قولتلك لما يجي هقوله.
بدأت تسمع بعض صيحات من الفلاحين.
جميلة: هو في إيه.
تناهى إلى اسماعها تلك الجملة (جسور بيه اتعور، جسور بيه اتعور).
فتحت باب السرايا سريعاً فوجدت جسور يستند على أحد غفارئه، يمشي بخطى متثاقلة، كتفه الأيسر مغطى بالدماء.
صرخت صفاء وسهر بفزع عندما رأوه بذلك المنظر، بينما وقفت هي صامتة جامدة للحظات. توقفت جميع الأصوات من حولها، توقفت الحركة، توقف كل شيء، وزاد وجيب دقات قلبها، تسارعت أنفاسها. هل سيتركها هو الآخر؟ هل سيرحل كما فعل والديها؟ هل ستفقد ذلك الأمان والدفء التي تلاقيه بين ذراعيه بدون مقابل.
لم تشعر بشيء سوى بكونها تركض تشق تلك الجموع لتصل إليه، تحتضنه بقوة. لم تعرف كيف وصلت إلى غرفتهم، ولكنها لم تترك صدره طوال تلك المدة.
جميلة باكية: مش هتسبني زيهم، مش هتسبني زيهم.
فقط تلك الكلمات هي ما كانت تردد طوال تلك المدة. دخل إلى غرفتهم وأمر الجميع بالرحيل بصمت. حاولت أمه الاعتراض، فأوقفها بإشارة من يده.
جسور بتعب: جميلة مش همشي يا جميلة، مش همشي.
ابتعدت عن صدره بوجه أحمر قاني من شدة البكاء. بدأ جسدها يرتجف وهي تردد.
جميلة باكية: دم دم زي بابا دم.
رفع وجهها تنظر له بعينين منتفختين من شدة البكاء.
جسور بحنان: مش همشي، مش هسيبك. ممكن بقى بعد إذنك تنضفيلي الجرح، هتلاقي الإسعافات في الحمام.
هزت رأسها إيجاباً سريعاً وهي تحاول استعادة رباطة جأشها.
ذهبت ناحية المرحاض وأحضرت صندوق الإسعافات الأولية، ثم عادت إليه فوجدته جالساً على الفراش عاري الصدر. ازدرقت ريقها بتوتر، تقدمت ناحيته بارتباك.
جسور: ما تتكسفيش، إيه يا دكتورة، ما شفتيش واحد قلع قبل كده.
جميلة: لأ طبعاً ما شفتش، أنا تخصص أطفال، حضرتك يعني أكبر واحد شفته قلع كان عنده عشر سنين.
ضحك جسور عالياً، فتأوه بألم. فتحت صندوق الإسعافات سريعاً وبدأت بارتباك ملحوظ تحاول تنظيف جرحه.
جميلة: هو إيه اللي حصل.
جسور: وقعت من على الحصان.
أنهت جميلة ربط جرحه فهتفت بعتاب: مش تخلي بالك.
أمسك يدها قبل أن ترحل وأردف بمكر: خوفتي عليا.
جميلة بخجل: هاااا، لأ طبعاً لأ.
جسور بخبث: بجد، اومال جريتي تحضنيني وسط الناس ليه.
جميلة بارتباك: ممممما.
جسور ضاحكاً: ما عندناش برسيم.
جميلة بغيظ: أنت رخم على فكرة، واتفضل بقى نام.
دفعته في صدره فابتسم بخبث وهتف بدراما مبالغ فيها: أنت عايزة مني إيه، لا لا أنت عايزة إيه بالظبط، هو عشان أنا تعبان تزقيني على السرير وعايزة قلة أدب، أنا ابن ناس على فكرة، أنا أهلي صعيدة يقطعوني.
نظرت له بدهشة وسرعان ما انفجرت في الضحك على خفة ظله.
جسور بدراما: اضحكي اضحكي، ما هو انتوا كده الستات تاخدوا غرضكوا من الواحد وبعدين ترموه. هو عشان أنا أمور وحليوة وعندي سكس باكس تطمعي فيا، وانتي عارفة شرف الراجل زي علبة التونة يضيعه تخريط بصلة ولمونة.
سقطت جميلة أرضاً من شدة الضحك، بينما جلس يراقب ضحكاتها بابتسامة صغيرة. شعر بخوفها وتلك الكلمات التي قالتها وجسدها يرتجف عندما رأته مدرجاً بالدماء، فأراد التخفيف عنها.
جميلة ضاحكة: أنت مسخرة بجد.
جسور مبتسماً: أي خدعة. تعرفي إن ضحكتك حلوة أوي، عاملة زي نور الشمس.
سكتت بخجل، فأردف بضيق: قفلتي الشباك ليه بس، افتحيه خلي الشمس تدخل.
ابتسمت ابتسامة واسعة من كلامه، فأردف بمرح: لالا، رديه شوية، الجيران يشوفونا وأنا قلع.
جميلة ضاحكة: ممكن بقى تستريح شوية على أجيبلك الأكل.
هز رأسه إيجاباً: ممكن تجيبلي تيشيرت من الدولاب.
أسرعت تحضر له تيشيرت أسود.
جميلة بخجل: أساعدك.
جسور: لو مش هتعبك.
ساعدته في ارتدائه وعدلت الوسائد خلف ظهره وخرجت سريعاً من الغرفة متجهة إلى المطبخ لتحضر له الطعام.
صعدت إلى الغرفة فوجدت صفاء وسهر.
صفاء: يلا يا سهر، جميلة هتاخد بالها منه.
خرجتا من الغرفة، فوضعت الطعام أمامه.
جميلة: الأكل.
جسور: إيه ده، هو أنا مش عيان ولا إيه.
هزت رأسها إيجاباً، فأكمل: وفي كل المسلسلات والأفلام البطل لما بيتعب البطلة بتأكله بإيديها. يلا أكليني.
جميلة: ليه هو أنت أكتع.
جسور بدهشة: أكتع! يا نهار أسود، متجوز بلية صبي الميكانيكي.
جميلة بغيظ: أنا بلية صبي الميكانيكي، دا أنا مزة المزز.
جسور ضاحكاً: كانت البت سهر بتقول إيه، استني افتكر بتقول إيه، استني لما بنت عمتها اتخطبت قبلها، آه تقريباً الحلوة بختها مال، والمعفنة بتدلع يمين وشمال، على ما أتذكر.
جميلة غاضبة: بقي أنا معفنة يا جسور! طب والله لأوريك.
جسور ضاحكاً: هدي نفسك يا صلاح.
جميلة غاضبة: كمان صلاح! طب والله لأوريك.
انقضت عليه لتضربه أو تعضه وهو يضحك عليها.
أوقفهما صوت صرخات أحد الفلاحين تأتي من الأسفل: جسور بيه، الحقنا يا جسور بيه.
رواية جسور و جميله الفصل السادس عشر 16 - بقلم دينا جمال
أوقفهما صوت صرخات أحد الفلاحين تأتي من الأسفل.
"جسور بيه، الحقنا يا جسور بيه!"
جميلة بقلق: في إيه، إيه اللي بيحصل؟
تحرك جسور من مكانه متجهاً لأسفل.
جسور: ما تخافيش، خير إن شاء الله.
نزل جسور على سلم البيت الضخم بهدوء، وعندما وصل لأسفل وجد أحد الفلاحين ومعه زوجته يحملون طفلاً صغيراً. وجهه شاحب، شفتيه زرقاء، وجسده ينتفض بشدة.
جسور: في إيه؟
الفلاح برجاء: أحب على إيدك يا جسور بيه، خلي الدكتورة تشوف ولدي، روحت الوحدة الصحية لقيتها قافلة، ولدي بيموت يا بيه، أحب على إيدك.
جسور: أدي الواد لأمه وخليها تيجي ورايا.
ناول الرجل الولد الصغير لزوجته، فحملته وصعدت خلف جسور سريعاً، إلى أن وصلا إلى باب حجرة جسور. فتح الباب ودخل.
جميلة بلهفة: في إيه يا جسور؟
تنحى جسور عن مدخل الباب فدخلت تلك السيدة سريعاً وهي تهتف بلوعة: الحقيني يا دكتورة، أبوس إيدك، ولدي بيموت.
جميلة: حطيه على السرير.
وضعت السيدة الفتى على الفراش الوثير، فذهبت جميلة ناحية جسور تهتف بتوتر: جسور، أنا مش معايا شنطة.
رد عليها بابتسامة هادئة، ثم اتجه ناحية دولابه وأخرج حقيبتها الطبية السوداء.
جسور: شنطتك يا دكتورة.
اتسعت عينيها بدهشة لتهتف في نفسها: رجل المستحيل... أدهم صبري، قصدي جسور السيوفي. طب جاب الشنطة إزاي؟ يا نهار أسود، ليطلع مخاوي. بسم الله الرحمن الرحيم.
جسور: يا دكتورة، الشنطة.
هزت رأسها إيجاباً سريعاً، أسرعت تلتقط منه حقيبتها الطبية بحذر، ثم اتجهت سريعاً ناحية الطفل الراقد على الفراش وبدأت بفحصه.
جميلة: الولد داخل على تسمم معوي، هو أكل ولا شرب حاجة فاسدة؟
والدة الطفل: لا والله أبداً يا دكتورة، دا مالكش ولا شرب أي حاجة من ساعة ما رجعنا من المولد غير يعني.
جميلة: أيوه، غير يعني إيه؟
والدة الطفل بارتباك: ما فيش، ما فيش.
جسور: غير يعني إيه؟
ازدردت والدة الطفل ريقها بخوف من نظرات عمدتها الحادة الموجه ناحيتها.
جسور بحدة: انطقي، أحسن لك.
والدة الطفل بخوف: غير تحوطية الولي.
جميلة: تحويطة إيه؟ يعني إيه أصلاً تحويطة دي؟
جسور بهدوء: بعدين يا جميلة، كملي الكشف.
جميلة: على العموم، الولد عايز غسيل معدة في أسرع وقت، والصحة دلوقتي قافلة، هنعمل إيه؟
جسور: السواق هيوديهم للمستشفى المركزي، احملي ولدك وتعالي ورايا.
هزت السيدة رأسها إيجاباً سريعاً وحملت طفلها ونزلت خلف جسور، الذي أمر السائق الخاص به بأن يوصلهم إلى المستشفى بسيارته ويبقى معه إلى أن يعودوا، وأعطاه مبلغاً كبيراً من المال.
جسور بصوت عالٍ: يا حسان.
جاء السائق مسرعاً يهتف: أيوه يا جسور بيه.
جسور: تاخد الجماعة دول وتطلع بيهم على المستشفى المركزي، وتفضل معاهم لحد ما ترجعهم، وخد دول تدفع حساب المستشفى.
حسان: حاضر يا جسور بيه.
تركهم جسور وصعد إلى غرفته.
جميلة: عملت إيه؟
جسور: راحوا المستشفى.
جميلة: جسور، يعني إيه التحويطة دي؟
جسور غاضباً: دي عادة بنت ستين... بيجي واحد دجال المولد يقنع الفلاحين أنه هو ولي من أولياء الله وعنده القدرة أنه يحافظ على عيالهم ويعيشهم حياة سعيدة، وعشان الناس هنا غلابة بيصدقوا، فبيبيع لهم الزفتة دي، شوية عطارة على شوية طين من الترب على أي زفت، ويقول لهم دي تحويطة هتحفظ عيالكم وتحميهم، وادي النتيجة.
جميلة: طب أنت ليه ما منعتش الناس دي من إنهم يدخلوا البلد عندكوا؟
جسور: مين قال لك إن أنا مش مانعهم؟ هما عارفين لو عرفت إنهم دخلوا هيحصلهم إيه، عشان كده كانوا مخبيين، والست زي ما أنت شفتي كانت خايفة تتكلم.
جميلة: طب وهتعمل إيه؟
جسور مبتسماً بخبث: روحتِ المولد قبل كده؟
هزت رأسها نفياً، فأكمل بمكر: يلا البسي، هنروح المولد كلنا، وقولي لسهر وأمي وزين يجهزوا.
***
"عمال تقولي اصبر، اصبر، اصبر، اديني متنيل صابر، خدت إيه؟"
هتف بها رامي بغضب.
الرجل: أنت عايز إيه يا رامي؟ فلوس وبتاخد اللي أنت عايزه.
رامي غاضباً: أنت ما بتدينيش الفلوس شفقة، لولا دماغي ما كنتش عرفتوا تدخلوا المخدرات والسلاح.
الرجل بإعجاب: ما أنكرش إن دماغك سم يا رامي، بس أنا برضه مش فاهم، أنت هتستفاد إيه لما تدمر بنت عمك؟
رامي بغل: هشفي غليلي منها، عايز أشوفها مكسورة ومذلولة، أنت وعدتني إنك تساعدني.
الرجل: ما نقدرش نيجي جنبها طول ما هي جوه سرايا جسور السيوفي، لازم تخرج براها وبر محيط حراسة جسور.
رامي غاضباً: وامتى ده هيحصل؟
الرجل: قريب يا رامي، قريب أوي.
رامي بغل: ساعتها هدوقك العذاب ألوان يا جميلة، استني عليا.
***
أيهم مبتسماً: إيه القمر ده؟
جميلة بسعادة: هنروح فين؟
أيهم مبتسماً: هنروح المولد، واركبك المرجوحة والحصان.
جميلة بخوف: حصان لأ، الحصان وقع.
أيهم: خلاص يا حبيبتي، بلاش الحصان، يلا بينا.
جميلة بسعادة: يلا يا آيتم.
***
اقترب جسور من المولد ومعه جميلة وسهر وصفاء وزين وبعض الغفر. وعلى عكس العادة، لم يكن مرتدياً جلباب صعيدي، بل كان مرتدياً بنطال أزرق غامق من خامة الجينز وقميص أسود مفتوح أول أزراره.
جسور لعزام: عملت اللي قولتلك عليه؟
عزام: أيوه يا بيه، بعت واحد من أهل البلد، راح للواد المساعد بتاع الولي.
رمقه جسور بغضب، فاكمل الغفير بتلعثم: قصدي يا بيه، بتاع الدجال، وقاله إن ليه قريب غني أوي عايش في مصر وعايز يقابل الولي وياخد من بركاته، واداله 5 آلاف جنيه، وهو دلوقتي مستني جنابك في أوضة صغيرة كده مبنية في الناحية القبلية من المولد.
هز جسور رأسه إيجاباً بتوعد: تروح مع الهوانم وما تفرقهمش لحظة، وتجهز اللي قولتلك عليه.
عزام: حاضر يا بيه.
جميلة: أنا هاجي معاك.
جسور: تيجي معايا فين؟ هو أنا رايح رحلة؟
أسدلت عينيها ببراءة كما تفعل جميلة الصغيرة مع أيهم: عشان خاطري يا جسور، ده أنا لسه عروسة جديدة، وكل ما أقولك حاجة تقولي لأ.
جسور بمكر: اتثبت أنا كده. ماشي، هاخدك معايا، بس بشرط تنفذيلي طلب أطلبه منك مهما كان.
جميلة بحماس: موافقة.
جسور مبتسماً بخبث: اتفقنا، يلا بينا.
دخلت صفاء وسهر وزين مع الغفراء، وأخبرهم جسور بأنه ذاهب إلى مشوار هام، وألا يبتعدوا عن الحرس.
أخذ طريقه عبر الأرض الزراعية المظلمة، وجميلة تسير خلفه متشبثة في ذراعه بقوة.
إلى أن وصلا إلى منزل صغير يتكون من غرفة واحدة، أمامها إضاءة خفيفة مهتزة من لمبة صغيرة يهتز ضوئها لتعطي إضاءة مرعبة للمكان.
جميلة بخوف: جسور، أنا خايفة.
جسور: مش انتي اللي أصرتي تيجي معايا؟
انتحبت كالاطفال وهي تقول: ما كنتش أعرف أن المكان يخوف أوي كده.
وقف أمامه ورفع وجهها الباكي بيده.
جسور بحنان: جميلة الجميلات.
نظرت له بابتسامة صغيرة عندما نطق تلك الجملة.
جسور بحنان: جميلة شاطرة وشجاعة، وبعدين عايزك تعرفي حاجة مهمة، جسور مستحيل يخلي أي حد يأذي جميلة، حتى لو هيضحي بحياته.
جميلة بدموع: ليه؟ أنت أصلاً متجوزني عشان تنتقم من عمي فيا؟
جسور: شغلي فردة الجزمة دي، لو أنا متجوزك عشان أنتقم من عمك فيكي، كنت هعاملك كويس، كان هيبقى ليّ خاطر عندك، كنت هخلي جواز منك لسه لحد دلوقتي على الورق.
جميلة بدهشة: اومال اتجوزتني ليه؟
جسور مبتسماً: لما نرجع، هفهمك كل حاجة، ماشي يا جوجو؟
هزت رأسها إيجاباً، فمسح دموعها برفق.
ثم اتجه ناحية تلك الغرفة ودق الباب بثبات. دقائق إلى أن طُل عليه رجل متوسط الطول، نحيف جداً، يرتدي جلباب أسود وطاقية بيضاء.
جسور بهدوء: أنا جاي للشيخ عبد الكريم.
الرجل: أنت البيه اللي جاي من مصر؟
هز جسور رأسه إيجاباً بهدوء.
الرجل مرحباً: يا أهلاً يا أهلاً يا بيه، الشيخ مستنيك من بدري.
تقدم جسور ومن خلفه جميلة، لا تزال تقبض على ذراعه.
جميلة بصوت منخفض: هو إزاي ما عرفكش؟
جسور بصوت منخفض: عشان مش من أهل البلد.
هزت رأسها إيجاباً. تقدم ذلك الرجل وفتح باب غرفة مغلقة. فذهب جسور ناحيتها ودخلها. فيلم عربي حمضان. أول جملة ترددت في عقله وهو يرى ديكور الغرفة المبالغ فيه.
هي غرفة صغيرة نوعاً ما، تمتلئ حوائطها بالسبح ذات الخرزات الكبيرة ورؤوس الحيوانات المحنطة، وفي منتصف الغرفة يجلس ذلك الرجل على وسادة على الأرض أمامه المبخرة الكبيرة وكيس كبير به بخور، يلقي منه في النار كل دقيقة ويهتف بخفوت (حي).
جميلة بصوت منخفض: اومال جاميكا فين؟
ابتلع جسور ضحكته بصعوبة وأردف بهمس: بس يا بت، هنتفضح.
الرجل: اتفضلوا، ادخلوا، واقفين ليه؟
جميلة بدراما: إيه ده؟ أنت عرفت إزاي إننا دخلنا؟
دس جسور الباب على قدمها وهتف بهمس: يا غبية، ما هو أكيد سمع صوت الباب، ما تبقيش حافظ، مش فاهم.
تقدم جسور ومن خلفه جميلة، التي مازالت تقبض على ذراعه الأيمن. وجلسا قريباً من ذلك الرجل.
عبد الكريم: اؤمر.
جسور ساخراً: إيه ده؟ هو مش أنا المفروض جاي عند دجال، يعني تعرف أنا عايز إيه من غير ما أقول؟
تلعثم الرجل قليلاً من رد جسور الذي فاجأه، بينما تنظر جميلة ناحية قدمه المختفية تحت عباءته البيضاء بتركيز.
جسور ساخراً: طب أنا هوفر عليك وعليا الطريق، أنا عايز التحويطة ليا ولمراتي.
الرجل: يا بيه، التحويطة دي أي كلام بنضحك بيه على الناس الغلابة اللي هنا، أنا، أنت تؤمر يا بيه وأنا هعملك عمل يسهل لك الصعب ويزل لك الحواجز ويفتح كل الطرق قدامك.
جسور بحذر: يا عم، أنا عايز التحويطة، أنت مش عايز تديني منها ليه؟ ده أنا هدفع لك نص مليون.
سال لعاب الرجل طمعاً: لا يا بيه، ده أنا هعمل لك العمل اللي هو، هتدفع نص مليون جنيه في شوية تراب من الترب.
زمجر جسور غاضباً: ولما هو تراب من الترب، بتديه للناس الغلابة ليه يا ابن الـ...
أطاحه جسور بلكمة قاسية، ومن ثم قام وأمسكه من تلابيب ملابسه كما يفعل مع المجرمين، وبدأ يجره خلفه بعنف.
وجميلة تمشي خلفهم تحاول اللحاق بخطوات جسور الواسعة.
والرجل يترجاه ويتوسل إليه: يا بيه، في إيه يا بيه؟ يا بيه، أبوس إيدك، أنا راجل غلبان.
جسور غاضباً: غلبان؟ غلبان ده أنت تعبان، وأنا اللي هقطع رأسك.
دخل جسور إلى المولد وهو يجر ذلك الرجل، فتوقفت الحركة وساد الصمت.
زمجر صارخاً: عززززام.
جاء الغفير ركضاً وأخذ منه ذلك الرجل ومعه غفير آخر، وقيداه على عمود نور كبير في منتصف الساحة.
شمر جسور عن ساعديه متجهاً إلى ذلك الرجل المقيد.
جسور بصوت عالٍ: هو ده الولي بتاعكم؟ هو ده الدجال اللي دخل البلد رغم إنه عارف، وكلكوا عارفين عقاب اللي يعصي أوامري؟ عززززام.
جاء الغفير مهرولاً ومعه سوط كبير، أعطاه لجسور، فتقدم جسور من الرجل ممسكاً بالسوط.
جسور للرجل: أنت بعت كام إزازة من تراب الترب؟ ومن غير كذب، أحسن لك.
الرجل بخوف: 50 إزازة.
جسور: كنت عارف عقاب عملتك في أرضي إيه؟
الرجل بخوف: أبوس إيدك يا بيه، سامحني، آخر مرة والله، آخر مرة.
جسور غاضباً: كنت عارف ولا لأ؟
هز الرجل رأسه إيجاباً بخوف.
جسور بصوت عالٍ: 50 إزازة بخمسين جلدة، الجزاء من جنس العمل.
رفع جسور يده اليمنى الممسكة بالسوط وبدأ يهوي به على جسد ذلك الرجل بقوة وقسوة وعنف. يراقبه الحاضرون بخوف، وهنا من ينظر له بذعر، جميلته ووالدته.
فجميلة زوجته يكاد قلبها يتوقف من الخوف، تنساب دموعها شفقة على ذلك الرجل.
وجميلة الصغيرة، ابنته: ترمقه برعب وهي تحتضن ساق أيهم، تبكي من الذعر.
ووالدته التي رأت جبروت سليم يتجسد لها مرة أخرى.
الجميع صامتون، عقاب قاسٍ، ولكنهم يعرفون أن عمدتهم ما كان ليفعل ذلك إلا لصالحهم.
انتهى جسور من الخمسين جلدة، فرمى السوط أرضاً ونادى أحد رجاله.
جسور: توديه المستشفى المركزي وتدفع حساب المستشفى، وتفهمه كويس، لو رجع البلد دي تاني، هقطع له رجليه الاتنين.
هز الغفير رأسه إيجاباً بخوف. كان الصمت مسيطراً على المكان، إلى أن شقه صوت أيهم وهو يصيح بخوف: جميلة، انتي فين يا جميلة، جميلة انتي فين؟
هرع جسور ناحيته يهدر بخوف: جميلة فين؟ البنت فين؟
أيهم غاضباً: ما أعرفش، كانت خايفة وماسكة في رجلي، أنت السبب، البنت كانت مرعوبة من اللي أنت بتعمله، بنتي لو حصلها حاجة، هقتلك يا جسور.
تركه جسور وبدأ يركض هنا وهناك على غير هدى، يبحث عن تلك الصغيرة ذات القامة القصيرة والشعر الأسود الطويل الذي يصل لقدميها، والعينين العسليتين، مثل وكأن نور الشمس يضيء فيهما عندما تفرح، وتغرب شمسه عندما تشعر بالخوف أو الحزن.
ظل يركض إلى أن خرج من المولد ووصل إلى أرض زراعية قريبة منه.
فسمع صوت نحيب منخفض، توقف مكانه، يمشي خلف الصوت بهدوء، إلى أن وصل إلى صاحبته تختبئ خلف تلك الشجرة الكبيرة تبكي وترتجف، تردد بذعر: آيتم، آيتم، جميلة خايفة، جميلة بتعيط، عمو وحش (وحش) بيضرب الناس (الناس).
انقبض قلب جسور بغضة مريرة عندما رآها بتلك الحالة.
جثى أمامها أرضاً بهدوء: جميلة.
رفعت نظرها ترمقه بذعر: أنت وحش، أنت وحش، أنت وحش بتضرب الناس.
لا يعرف أيبكي من خوف تلك الصغيرة منه، أم يضحك من طريقتها المضحكة في الكلام.
جسور: جميلة، ما تخافيش يا حبيبتي.
جميلة باكية: أنا عايزة آيتم، أنا عايزة بابا.
جسور بلهفة: أنا بابا يا حبيبتي.
جميلة بذعر: لا لا، أنت عمو الوحش، أنا عايزة بابا آيتم.
كانت جميلة تحاول اللحاق بجسور عندما وجدته توقف فجأة عند شجرة كبيرة وجثى على ركبتيه أمامها.
جميلة في نفسها: هو بيعبد الشجر ولا إيه؟
تقدمت ناحيته، فسمعته وهو يقول لتلك الصغيرة أمامه (أنا بابا يا حبيبتي).
جميلة في نفسها: يا نهارك أسود يا جسور، أنت متجوز عليا وكمان مخلف؟ إيه ده؟ إزاي؟ إذا كان متجوزني من يومين بس، ما يلحقش طبعاً.
سمعت تلك الصغيرة تهتف بذعر، فبغريزة الأمومة الفطرية بداخلها اندفعت ناحيتها سريعاً.
جميلة: ما تخافيش يا حبيبتي.
ركضت الصغيرة تختبئ ذلك حضنها، فربتت جميلة على ظهرها بحنان.
جميلة الصغيرة باكية: ده عمو وحش وترير (شرير) وبيضرب الناس.
جميلة بحنان: ما تخافيش يا حبيبتي، عمو طيب مش شرير. الراجل اللي ضربه ده كان شرير وبيموت العيال الصغيرة، عشان كده هو ضربه عشان ما يعملش كده تاني.
رفعت الصغيرة وجهها تنظر لها بحذر: أنتي متأكدة تضحكي عليا؟
جميلة: أبداً يا حبيبتي، والله عمو طيب والراجل ده شرير وكان عايز يموت العيال الصغيرة.
نظرت الصغيرة له بحذر، ففتح جسور ذراعيه قليلاً وأشار لها بلهفة؛ تعالي، تعالي يا حبيبتي، ما تخافيش.
ذهبت الصغيرة ناحيته، فاخذها جسور بين ذراعيه يضمها لصدره بلهفة وشوق. شيء بداخله متأكد أن تلك الصغيرة ابنته.
جسور بألم: كنت هموت من الرعب لما افتكرتك تهتي ومش هشوفك تاني يا بنتي.
جميلة الصغيرة ببراءة: حضنك حلو أوي يا عمو.
أدمعت عيني جميلة على حالة جسور.
صدح صوت أيهم قريباً منهم: جميلة، جميلة انتي فين؟
تقدم ناحيتهم مسرعاً ونزع جميلة من حضن جسور، يضمها لصدره بشدة.
أيهم: كده يا جميلة؟ كده تخضّي بابا؟ ما تعمليش كده تاني، فاهمة؟
جميلة الصغيرة: حاضر يا بابا.
أيهم لجسور غاضباً: إياك تقرب من بنتي تاني.
رواية جسور و جميله الفصل السابع عشر 17 - بقلم دينا جمال
صدح صوت أيهم قريباً منهم:
جميلة، جميلة انتي فين؟
تقدم ناحيتهم مسرعاً ونزع جميلة من حضن جسور. يضمها لصدره بشدة.
أيهم: كدة يا جميلة؟ كدة تخضي بابا. ما تعمليش كدة تاني، فاااهمة.
جميلة الصغيرة: حاضر يا بابا.
أيهم لجسور غاضباً: اياك تقرب من بنتي تاني.
قبض جسور على يده بشدة، ليته يملك دليلاً واحداً يقول إن تلك الصغيرة ابنته. لكان دق عنق ذلك الأيهم في الحال. أخذ أيهم الصغيرة ورحل.
بينما ظل جسور يراقبهم وهم يبتعدون. لوحت له الصغيرة من بعيد، فرفع يده ولوح لها بدموع حبيسة مهددة بالسقوط.
جميلة: جسور.
نادته وسكتت، لا تعرف ماذا عليها أن تقول. لأول مرة تشعر بالشفقة عليه.
قام من مكانه ومد يده لها ليساعدها على القيام. فكرت للحظات، وبدلاً من أن تمسك يده، ألقت نفسها في صدره ولفت ذراعيها حول عنقه.
جميلة: ما تزعلش يا بابا عشان خاطر جميلة.
انسابت دموع عينيه بصمت، لف يديه حول جسدها يضمها لها بقوة.
جسور بحزن: قلبي حاسس أنها بنتي. لو بس معايا دليل واحد على إن بنتي عايشة.
جميلة مقاطعة بحزن: يعني كنت بتضحك عليا لما قلت لي إنك بنتك؟ اوعي بقى، أنا زعلت منك.
حاولت الابتعاد عنه، فشدد على احتضانها.
جسور بمكر: أبداً، هو دخول الحمام زي خروجه.
جميلة بخجل: جسور، اوعي حد يشوفنا.
جسور بخبث: احنا مش فيلم بينا اتفاق ولا إيه؟
جميلة بحذر: احنا بينا اتفاق. اتفاق إيه؟
جسور: انكري بقى، مش اتفقنا آخدك معايا عند الدجال في المقابل تنفذي لي طلب. صحيح، انتي كنتي قاعدة مركزة مع رجله ليه كدة؟
جميلة ببراءة: كنت عايزة أعرف رجله هتبقى رجل معزة زي الفيلم.
جسور ضاحكاً: انتي مصيبة، بس بردوا ليا طلب.
جميلة بمرح: لاء، مالكش. حد ياخد على كلام العيال يا عمدة، بس حلو العمدة الكاجول دا.
تقدم جسور بضعة خطوات بها إلى أن وصلا خلف شجرة.
جميلة: انت بتعمل إيه؟
جسور: استنى بس لحد يشوفونا. أيوه كدة تمام.
جميلة بخجل: اوعي يا جسور، بطل قلة أدب.
جسور مبتسماً بخبث: احنا لسه عملنا قلة أدب.
جميلة بصدمة: انت ناوي على إيه؟
اتسعت ابتسامة جسور الخبيثة ولم يرد.
جميلة بدلال: جسور.
جسور ضاحكاً: قديمة، هتفضلي تقولي جسور وفي الآخر هتقولي لي يا عجوز وتطلعي تجري.
نفخت خديها بغيظ طفولي وربعت ذراعيها أمام صدرها: أوووف، طب انت عايز إيه دلوقتي؟
مال على أذنها وهمس لها بما يريد، لتتسع عينيها بخجل.
جميلة بصدمة: يا قليل الأدب، يا سافل.
فابتلع باقي شتيمتها في فمه، فكانت قبلتهما الأولى.
جسور بيه، يا جسور بيه.
ابتعد عنها سريعاً ينظر للغفير الذي يأتي ناحيتهم مهرولاً.
جسور غاضباً: عايز إيه يا زفت؟
الغفير: الست صفاء هانم بتسأل على جنابك.
جسور غاضباً: غور، قول لهم جاي.
رحل الغفير مسرعاً. فعاد ينظر لها وجدها كالياقوتة الحمراء، وجهها بأكمله مشتعل من الخجل، تغمض عينيها وتضغط عليهما بشدة.
جسور بهدوء: جميلة.
فتحت عينيها المليئة بالدموع تنظر له.
جسور بصدمة: انتي بتعيطي للدرجة دي؟ مش طيقاني؟
لم يمهلها الفرصة للكلام، كان غاضباً بسبب تلك الدموع التي مبررها الوحيد عنده أنها تكره قربه.
جسور ساخراً: ما تشوفيش نفسك أوي، دا أنا متجوزك شفقة. وآخر مرة هفكر حتى إني أقرب ناحيتك.
ثم تركها ورحل غاضباً، ووقفت هي متجمدة من الصدمة مكانها.
ذلك الأحمق لا يعرف أنها عندما تشعر بالخجل الشديد تدمع عينيها تلقائياً.
جميلة بضيق: جسور، لو سمحت استنى.
هرولت ناحيته سريعاً ووقفت أمامه تنظر له بتحدي.
جميلة غاضبة: ممكن أعرف مين اداك الحق تقرر بلساني، أنا طيقاك ولا لأ؟
جسور ساخراً: ردك وصل يا دكتورة.
جميلة بضيق: على فكرة يا جسور، أنت بتاخد قراراتك غلط. ما بتديش نفسك فرصة تفكر ولا تسأل، بتحكم على ظاهر الصورة بس. ثم أكملت بارتباك وهي تفرك يديها بخجل: أنا لما بتكسف، عينيا بتعيط.
رمقته بعتاب ثم تركته وهمت بالرحيل، عندما قبض على رسغ يدها برفق.
جميلة: لو سمحت سيب إيدي.
جسور بإحراج: جميلة، أنا آسف. أنا عمري ما اعتذرت لحد تقريباً غيرك.
جميلة بضيق: مش ذنبي إنك اتنكت وشايف نفسك.
جسور بضحكة صغيرة: ماشي يا ستي، أنا آسف. ما كنتش أقصد أضايقك. أنا بس...
جميلة مقاطعة: اتسرعت في الحكم.
جسور: عندك حق. خلاص بقى سماح.
جميلة: ماشي، يلا بقى نروح. أنا بردت. الجو هنا برد أوي والجزمة كعبها عالي ووجعالي رجلي.
جسور بصوت عالي: عززززام، انت يا زفت.
الغفير: أيوه يا سي جسور بيه.
جسور: هات لي عبايتي من العربية.
هز الغفير رأسه إيجاباً سريعاً وهرول إلى سيارة جسور.
جميلة: جسور، مالوش لازمة. احنا هنروح العربية أهوه.
أحضر الغفير جلباب جسور الأسود الصعيدي الذي يضعه على كتفيه. فاخذه جسور منه ولفه حول جميلة بإحكام، وانحنى بجذعه قليلاً وحملها بين ذراعيه.
جميلة بصدمة: يالهوي، نزلني يا جسور.
وقفت السيدات والفتيات ينظرن إلى عمدة بلدهن الوسيم وهو يحمل زوجته. ترمقهم الفتيات بابتسامة حالمة، بينما تختلف تعابير المتزوجات ما بين غبطة وسرور وحقد وحسد. وتنظر بعضهن إلى أزواجهن شرزاً برسالة فحواها: (ليلتك مش فايتة الليلة دي).
وضع جسور جميلة في السيارة، ثم ذهب ليحضر والدته وأخته. فوجد زين يلعب مع مجموعة من الأولاد.
جسور غاضباً: زين، تعالا اهنه.
تقدم زين نحوه برعب: أيوه يا خال.
جسور غاضباً: إني مش خبرتك قبل سابق ما تلعبش مع حد.
زين بخوف: إني آسف يا خال، هما اللي جم لعبوا معايا.
جسور غاضباً: عقابك بعدين. روح على العربية يلا.
هرول الصغير مسرعاً من أمامه إلى سيارة خاله.
جميلة مبتسمة: ما تخافش يا زين، خالك بيحبك، مش هيعاقبك.
زين بحزن: عارف أنه هيحبني، بس إني نفسي ألعب مع العيال. خالي ما بيرضاش خالص ودايماً عايزني أبقى لحالي.
جميلة بحزن: ما تزعلش يا حبيبي، أنا هكلمه وهخليه يوافق تلعب مع العيال.
زين مبتسماً: بجد يا مرات خالي.
جميلة بضيق: إيه مرات خالي دي؟ قولي يا جميلة.
زين: لع، عيب. خالي يزعل. وكله إلا زعل خالي دا. هو كل حاجة ليا بعد أبوي الله يرحمه.
جميلة مبتسمة: ماشي يا سيدي، قول اللي يعجبك.
جاء جسور ومعه صفاء وسهر. ما إن رأت جميلة جسور، شعر بضيق واختناق، فاشاحت بوجهها بعيداً عنه.
***
أيهم: طب انتي زعلانة ليه يا جميلة؟
جميلة الصغيرة: عشان انت زعقت لعمو.
أيهم بصدمة: مش عمو دا كان مخوف جميلة؟
جميلة: لاء، عمو كان بيضرب الراجل الترير اللي عايز يموت العيال التغيرة (الصغيرة).
أيهم بضيق: يعني انتي عايزاني أعمل إيه؟
رفعت جميلة حاجبها بضيق، فأكمل أيهم بضيق: حاضر يا ست ميلا، هروح أعتذر. حلو كده؟
قبلته الصغيرة على وجنته بسعادة: شاطر يا أيتم.
أيهم بحنان: قلب أيتم، يلا بقى عشان تنامي.
دثرها أيهم بالغطاء جيداً وجلس بجانبها يمسد على شعرها بحنان. وهي نائمة، بدأ بداخله قلق لا يعرف ماهيته. ذلك الجسور يثير قلقه تجاه ابنته. نظر أيهم ناحية وجهها الملائكي وهي نائمة وأردف في نفسه بتصميم: أيوه، انتي بنتي ومستحيل أخلي أي حاجة في الدنيا تبعدك عني.
***
في السرايا، ما إن وصلوا إلى السيارة حتى تركتهم جميلة وصعدت إلى غرفتها بضيق.
صفاء: أنت زعلت جميلة يا جسور؟
جسور: لاء، ومش فاهم هي مضايقة.
صفاء مبتسمة: طب اطلع شوفوها، عروسة جديدة بقى وبتتدلع.
هز جسور رأسه إيجاباً بابتسامة صغيرة وقبل رأس صفاء: تصبحي على خير يا ست الكل.
صفاء مبتسمة: وانت من أهله يا حبيبي. ربنا يريح قلبك يا ولدي ويرزقك الذرية الصالحة.
ابتسم جسور لها ابتسامة صفراء ثم صعد لأعلى. دخل غرفته فوجد جميلة تقف أمام النافذة تعقد ذراعيها بضيق أمام صدرها، تحرك قدمها بعصبية.
جسور في نفسه: مالها دي؟
تقدم ناحيتها إلى أن أصبح قريباً منها: جميلة.
نفخت بغضب ثم تركته وذهبت ناحية الفراش.
جسور بضيق: في إيه يا جميلة؟
جميلة غاضبة: مالكش دعوة.
قبض جسور على رسغ يدها بعنف: صوتك يعلى أقطع لك لسانك. مالك في إيه؟
جميلة بضيق: ما أعرفش. المشكلة إن أنا ما أعرفش. أنا مخنوقة ومضايقة ومش طايقاك.
جسور بدهشة: لا حول ولا قوة إلا بالله. مالك يا بنتي؟
جميلة بدموع: ما أعرفش يا جسور. حاسة بخنقة وحاسة إني مضايقة، كأن في حاجة طابقة على نفسي.
جسور بهدوء: طب اهدي كدة وروحي اغسلي وشك واتوضي وتعالي.
هزت رأسها إيجاباً ثم تركته وذهبت إلى المرحاض وفعلت مثلما طلب منها وخرجت، فوجدته جالساً على الفراش بعدما بدل ملابسه.
أشار إلى أن تأتي وتجلس بجانبه. نظرت له بقلق، فابتسم لها ابتسامة هادئة.
جسور: تعالي، ما تخافيش.
جلست بجانبه، فوضع يده على رأسها وبدأ يقرأ عليها الرقية الشرعية.
شعرت بجفنيها يتثقلان وهو يقرأ عليها، وبدأت تشعر بالنعاس يداهمها.
جميلة بنعاس: جسور، أنا عايزة أنام. هاااااااا.
شهقت بعنف عندما ألقى على وجهها بعض قطرات من الماء فجأة.
جسور مبتسماً بهدوء وهو يمسح قطرات الماء عن وجهها: اهدي، اهدي. خلاص.
جميلة بنعاس: هو إيه اللي حصل؟
جسور مبتسماً: محسودة يا ستي.
جميلة بنعاس: على إيه يعني؟
جسور بغرور: كفاية أنك مراتي يا ماما.
جميلة بنعاس: طب احاسب من كتر النفخة تفرقع.
جسور ضاحكاً: انتي مشكلة.
حملها بين ذراعيه ووضعها على الفراش ودثرها جيداً بالغطاء، وظل يمسد على شعرها وهو يقرأ بعض آيات القرآن الكريم حتى غلبه النعاس.
***
في صباح اليوم التالي.
يالهوي، مزح حتى وهو نايم.
قالتها جميلة بابتسامة حالمة وهي تتطلع إلى ملامح جسور المستكينة وهو نائم.
وبأبقى مز أكتر لما بصحى على فكرة.
قالها جسور بخبث وهو يفتح عينيه، فخبأت جميلة وجهها تحت الغطاء.
جسور بخبث: جميلة.
جميلة بخجل: أنا نايمة.
جسور ضاحكاً: لاء يا شيخة، وبتردي عليا إزاي وإنتي نايمة؟
جميلة مبتسمة ببلاهة: عادي، أنا بتكلم وأنا نايمة. في ناس بتمشي وهي نايمة.
رفع الغطاء عن وجهها ليقابل ذلك الياقوت الأحمر مرة أخرى.
جسور بخبث: بقولك إيه.
جميلة ببلاهة: إيه؟
جسور بخبث: قربي بس، هقولك حاجة مهمة.
جميلة: صحيح، أنت اتجوزتني ليه؟
نظر لها جسور باشمئزاز: تكفير ذنوب. اللي بتعمليه فيا ده تكفير ذنوب. أنا رايح الحمام.
تركها وغادر إلى الحمام وهو يتمتم بغضب: انت اتجوزتني ليه؟ مش لما اتجوزك الأول، فصيلة.
دخل إلى الحمام وصفع الباب خلفه بضيق.
جميلة: إيه ده؟ هو اتضايق ليه؟
خرج جسور من المرحاض يجفف شعره بضيق.
جميلة: جسور.
جسور بضيق: نعم.
جميلة: هو أنت ليه مش بتخلي زين يلعب مع العيال؟ عشان هو ابن أخت العمدة ودول ولاد ناس غلابة.
جسور بملل: جميلة، الساعة كام؟
جميلة: 8.
جسور: بصي يا جميلة، قاعدة كدة اعرفيها. ما تسأليش راجل مصري صاحي من النوم. ولا سؤال. عارفة، إن شاء الله حتى تفطر إيه؟ بدل ما تلاقي إيده معلمة على قفاكي.
جميلة: بس أنا عايزة أعرف. وعايزة أعرف كمان أنت اتجوزتني ليه.
جسور: حاضر. بليل، تمام كدة؟
دق باب غرفة جسور.
جسور: ادخل.
دخلت الخادمة: جسور بيه، في راجل واقف تحت اسمه أيهم ومعاه عيلة صغيرة.
هتف جسور بقلق: جميلة.
نزل جسور يهرول لأسفل سريعاً إلى أن وصل إليهم.
جسور بقلق: خير. في إيه؟ جميلة كويسة؟
أيهم بإحراج: ما تقلقش حضرتك. أنا طبعاً آسف على الإزعاج وإني جيت لحضرتك بدري كدة، بس جميلة أصرت إننا نيجي دلوقتي.
جسور سريعاً: انتوا تيجوا في أي وقت.
فتح جسور ذراعيه وهتف بلهفة: تعالي يا جميلة.
تركت الصغيرة أيهم وأسرعت تحتضن جسور.
جميلة الصغيرة بسعادة: عمو جتور.
أيهم بإحراج: معلش يا افندم، أصلها لدغة في السين بتقولها تة. أنا كنت لحضرتك أعتذر عن اللي قولته امبارح. أنا آسف يا جسور بيه.
جسور: ما فيش مشكلة. ما حصلش حاجة.
أيهم مبتسماً: يلا يا جوجي بقى، مش اعتذرنا لعمو؟
جسور سريعاً: بالسرعة دي؟ أكيد لسه ما فطرتش، صح؟ صح يا حبيبتي.
هزت جميلة رأسها إيجاباً: أنا عايزة كورن فلكس.
جسور سريعاً: من عينيا.
أيهم بإحراج: بس يا افندم...
جسور مقاطعاً: ما فيش بس. مش هتمشوا من هنا من غير فطار. ثم صاح بصوت عالي: يا أم السعد.
جاءت الخادمة مسرعة: أيوه يا بيه.
جسور: حضري الفطور بسرعة.
الخادمة: حاضر يا بيه.
جسور لجميلة: تعالي انتي معايا أجيب لك كورن فلكس.
حملها على ذراعه وخرج بها من غرفة الصالون متجهاً إلى المطبخ.
أم السعد: خير يا بيه.
جسور: مالكيش صالح، انتي شوفي بتعملي إيه.
فتح جسور دولاب المطبخ الذي يحوي تلك العلب على مصرعيه، فزين ابن أخته يحبه لذلك يحضر منه الكثير.
جسور مبتسماً: اختاري يا ستي، اللي يعجبك. ولو عايزهم كلهم نجيبهم كلهم.
جميلة الصغيرة: أنا عايزة بالشوكولاتة.
جسور: بس كدة.
أخرج لها جسور كل العلب اللي بنكهة الشوكولاتة.
***
في غرفة الصالون يجلس أيهم قلقاً على صغيرته.
إلى أن سمع صوت أنثوي يهتف بنعاس.
سهر بنعاس: يا أم السعد، حضري الفطور لزين عشان يروح المدرسة.
نظر لصاحبة الصوت ليفغر فاهه بصدمة.
رواية جسور و جميله الفصل الثامن عشر 18 - بقلم دينا جمال
في غرفة الصالون يجلس أيهم قلقا علي صغيرته.
الي أن سمع صوت أنثوي يهتف بنعاس.
سهر بنعاس: يا أم السعد حضري الفطور لزين عشان يروح المدرسة.
نظر لصاحبة الصوت ليفغر فاهه بصدمة من تلك الحورية فاتنة الجمال.
لأول مرة يري ذلك الجمال الطبيعي الغير ملطخ بتلك الألوان الاصطناعية.
تسأل في نفسه هل يعقل أن يكون شعرها بهذا الطول فعلا فهو يغطي ظهرها بأكمله.
أيهم بهيام: يا نهار أبيض علي الجمال، دا الصعيد احلو قوي قوي.
خرج جسور من المطبخ وهو يحمل الصغيرة علي أحد ذراعيه ويمسك بيده طبق كبير من الكورن فلكس.
سهر باستفهام: واااه مين الاصغيرة دي يا اخوي.
جسور مبتسما: دي جميلة بنتي.
ثم تركها وغادر إلى غرفة الطعام.
سهر بأسى: حسرة قلبي عليك يا أخوي.
بعد قليل كان الجميع متجمعين في غرفة الطعام وجسور يجلس الصغيرة على قدميه يطعمها بيده.
أيهم: نزلها يا جسور بيه عشان ما تتعبش حضرتك.
جسور بضيق: أنا الي هتعب مش أنت.
دخلت سهر غرفة الطعام ومعها الصغير زين.
الذي ظل ينظر لتلك الصغيرة بدهشة.
ذهب كعادته وقبل يد خاله باحترام.
زين: صباح الخير يا خال.
جسور مبتسما: صباح النور يا زين الرجال، تعالا اهنه جاري.
عقد زين حاجبيه بدهشة منذ متى وخاله يبتسم.
جلس زين على الكرسي المجاور لجسور.
زين: مين دي يا خال.
جسور مبتسما: دي يا سيدي جميلة.
مد زين يده ليسلم على جميلة.
زين: اني زين.
نظرت له الصغيرة بتناكة واشاحت بوجهها بعيدا.
زين غاضبا: واااه شوف عتبصلي كيف.
كتم جسور ضحكته بصعوبة.
نظر ناحية الصغيرة.
جسور: جميلة ما سلمتيش على زين ليه.
جميلة ببراءة: عشان أحمد مت يزعل مني.
رفع جسور حاجبه باستفهام.
جسور: أحمد مين.
أيهم سريعا: دا دا دا شيخ الجامع الي جنبا.
جميلة الصغيرة: لاء يا أيتم مت تكذب، أحمد دا حبي.
لطم أيهم على خده.
أيهم في نفسه: الله يخربيتك هيدفنونا هنا.
جسور بضيق: صاحبك ازاي يا جميلة.
جميلة الصغيرة ببراءة: حبي في الحضانة بيقعد جنبي في الفصل ويبجبلي حاجات حلوة وبيبوس جميلة من خدها.
انحبست أنفاس جسور من المفاجأة.
طفلته الصغيرة التي لم تتجاوز الخمسة أعوام لديها صديق والادهى من ذلك أنه يقبلها.
جسور في نفسه: أجوزها وأستر عليها قبل ما تفضحني وأقتل أحمد، دا أسلم حل.
هز رأسه نفيا بقوة.
جسور في نفسه: استغفر الله العظيم يا رب، إيه الي أنا بقوله دا.
أيهم: جميلة كفاية كده بقي ويلا نمشي.
جسور: تمشوا فين.
أيهم: نروح حضرتك أصريت نفضل لحد ما الفطار وأدينا أهو فطرنا، ممكن تديني البنت بقي عشان أمشي.
جميلة الصغيرة: لاء أنا هفضل مع جتور، هو هيلعب معايا بالكورة تح يا عمو.
اتسعت ابتسامة جسور.
جسور: تح يا قلب بابا.
امتعضت ملامح أيهم بضيق من تعلق ابنته بجسور.
فاق من شروده على صوت جسور.
جسور: صحيح يا باشمهندس، أنا عايز شهادة ميلاد البنت.
ازدرد أيهم ريقه بتوتر.
أيهم: شهادة ميلادها ليه.
جسور: أنت مطول هنا معانا ما تقلقش، أنا عايز شهادة ميلادها وبطاقتك عشان أعملكوا بطاقة تموين ونقدملها في حضانة هنا في البلد.
أيهم بتوتر: شهادة ميلادها في القاهرة ما جيبتهاش معايا.
جسور بمكر: معقول تبقي مسافر وعارف أنها سافرية طويلة وما تجبش شهادة بنتك معاك.
أيهم بتماسك: أهم حاجة تكون بنتي معايا، بنتي أهم حاجة عندي في الدنيا، أنت عمرك ما هتحس بقيمة النعمة دي عشان ما عندكش عيال.
انقبض قلب جسور بغصة مريرة ورغم ذلك ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيه.
جسور: عندك حق، أهم حاجة البنت.
قام جسور من مكانه يحمل الصغيرة على ذراعه.
جسور: البنت عايزة تلعب وزي ما أنت قولت أهم حاجة البنت، عن إذنك عايز تقعد بيتك ومطرحك، مش عايز اتفضل وأنا بنفسي هجبلك البنت لحد البيت.
نظر أيهم ناحية سهر التي تطعم زين.
فهتف في نفسه بهيام: لاء أمشي إيه بقي، أنا قتيل البيت دا.
زين بضيق: مش هروح يا أما.
سهر: وبعدين وياك يا زين، كل يوم نفس الحكاية، المرة دي هقول لخالك.
زين بخوف: لع عشان خاطري يا إما ما عاوزش أروح، طب خليني النهاردة بس.
صفاء: خلاص بقي يا سهر، سيبيه النهاردة.
سهر: يا أما مغلبني، ما عايزش يروح خالص.
كان أيهم يراقب هذا الحديث من بعيد.
إلى أن وجد زين يخرج من غرفة الطعام متجها إلى الحديقة.
فخرج خلفه بهدوء.
صفاء بمكر: ما خدتيش بالك من المهندس كان بيبصلك إزاي.
سهر بضيق: يا أما أنا بعد رامز قفلت على قلبي بالضبة والمفتاح، الله يرحمه كان زين الرجال.
صفاء: لحد امتى بقي إن شاء الله، هتفضلي دافنة نفسك وشبابك بالحي لحد ما تشيبي وتعجزي وسنانك تقع، ما تقوليلها حاجة يا جميلة، جميلة انتي يا بنتي.
جميلة: هااا.
صفاء: دا انتي مش معانا خالص، مالك يا جميلة.
جميلة بقلق: مش عارفة يا ماما، قلبي مقبوض أوي، حاسة إن في حاجة وحشة هتحصل.
رامز بمكر: كده انتي جاهزة.
نظرت نهى إلى نفسها في المرآة.
لتشهق بفزع مما رأت.
نهى: الله يخربيتك، إيه الي أنت عملتوا دا.
رامز ضاحكا بخبث: بس إيه رأيك، ولا أكبر جراح فيكي يا بلد يقدر يكشفنا.
نهى: شيطان يا رامز.
انحنى رامز بحركة مسرحية.
رامز: عارف يا قلب رامز، دلوقتي دورك انتي ومش عايز أفكرك يا نهى.
نهى مكملة بخوف: الغلطة قصادها حياتي.
رامز مبتسما بخبث: بالظبط، يلا بقي يا روحي، لسه الطريق طويل.
في سرايا السيوفي (في الاسطبل).
جميلة بخوف: لاء الحصان وحش، الحصان وقع جميلة.
جسور مبتسما: جميلة شاطرة ومش هتخلي حاجة تخوفها.
جميلة بخوف: لاء أنا خايفة الحصان وحش.
جسور: طب إيه رأيك يا ستي، هركب معاكي.
صعد جسور على صهوة جواده ومال بجزعه قليلا ليلتقط الصغيرة.
لتصبح بين أحضانه على صهوة الجواد.
حرك جسور لجام الجواد فبدأ يمشي بها برفق.
على الجانب الآخر في الحديقة.
جلس زين على مقعد خشبي ينظر للأرض بحزن.
سمع صوت يهتف بجانبه بمرح.
أيهم: أنا لقيتك قاعد لوحدك، قولت أجي أونسك.
زين بحزن: ما فرقتش، أنا عمري لحالي.
ربط أيهم على كتفه برفق.
أيهم: أنت ليه مش عايز تروح المدرسة.
زين بحزن: أكده ومش هروح المدرسة تاني واصل.
أيهم: ليه كده يعني، معقول ما عندكش حلم عايز توصله لما تكبر.
زين: نفسي أبقى دكتور.
أيهم: طب واللي نفسه يبقى دكتور يهمل دروسه وما يروحش المدرسة.
زين: إني بطلع الأول كل سنة.
أيهم: هايل، طب ليه مش عاوز تروح المدرسة.
زين بدموع: عشان دايما ببقى لحالي، العيال بيخافوا يتكلموا معايا عشان إني ابن أخت العمدة، ببقى دايما لحالي حتى في الفسحة كل العيال بتلعب مع بعضيها وأنا بقعد بحالي بعيد أتفرج عليهم.
وخالي ما يرضاش يخليني أتكلم مع حد ولا ألعب مع حد.
أيهم بشفقة: ليه خالك ما بيرضاش.
زين بدموع: ما أعرفش، أخاف أسأله يزعل مني.
أيهم بمرح ليخفف عنه.
أيهم: بقولك إيه، بتحب الكورة.
هز زين رأسه إيجابا سريعا.
أيهم: طب يلا قوم نلعب أنا وأنت.
أحضر زين الكرة وبدأ هو وأيهم في اللعب.
بينما انتهى جسور وصغيرته من جولتهم بالحصان.
فسلماه للاسطبل.
جسور: ها بقي يا ستي، الحصان وحش.
جميلة الصغيرة بسعادة: لاء الحصان حلو وأنت عمو حلو أوي.
يحملها جسور على ذراعه وقبل وجنتها المملتئة.
جسور: وانتي قلب عمو أوي.
ازدرد زين ريقه بخوف عندما وجد خاله يتقدم ناحيتهم.
زين بخوف: خال والله......
جسور مقاطعا بابتسامة: ممكن ألعب معاكوا.
جميلة الصغيرة: وأنا كمان.
جميلة: وأنا كمان.
جسور بدهشة: سلاما قولا من رب رحيم، انتي بتطلعي منين.
جميلة بغيظ: أنا عايزة ألعب معاكوا.
ناولها جسور الصغيرة.
جسور: يلا يا ماما من هنا، هش هش، دي لعبة للولاد بس.
وخدي قلبظ الصغيرة دي معاكي.
ضيقتا الجملتين أعينهما بغيظ ثم عقدا ذراعيهم بغضب.
جميلة بغيظ: ماشي يا جسور، احنا هنلعب لعبة للبنات بس ومش هنلعبكوا معانا.
يلا يا جميلة.
هزت الصغيرة رأسها إيجابا.
ثم رحلا بغضب.
ضحك جسور عليهم.
ثم تركهم وذهب ناحية زين وأيهم ليلعب معهم.
في داخل السرايا.
جميلة للصغيرة: عسل يا جوجو، بخدودك دي.
ثم قبلتها بقوة على خدها.
جميلة بمرح: عايزة تتاكل يا أخواتي.
رمقتها جميلة الصغيرة بغيظ.
ثم رفعت يدها عاليا تدعي.
جميلة: ليه يا ربي خليت خدودي مقلبظة (مقلبظة).
كل الناس عمالة تأكل فيها.
صفاء ضاحكة: والله انتي عسل يا جميلة.
ثم نظرت ناحية سهر واردفت بألم.
صفاء: عارفة قلبي حاسس بردوا أنها بنته، ربنا يريح قلبك يا ابني.
جميلة بمرح: بقولكوا إيه، مش هنقلبها دراما، جسور مش راضي يخليني ألعب معاهم كورة وعمال يقولي لعبة للولاد بس، احنا بقي هنلعب ومش هنلعبهم معانا.
سهر ضاحكة: واااه هنلعب يا جميلة في سننا دا.
جميلة بضيق: مالوا سننا دا يا اختي، دا أكبر واحدة فينا الي هي ماما صفاء شكلها ما يبجاش عشرين سنة.
يلا يلا بلاش الكلام العبيط دا، هنلعب يعني هنلعب.
جميلة الصغيرة: تح يا جميلة، تعالي نلعب القطة العايمة.
جميلة ضاحكة: اسمها العمية يا جميلة، والله ما هزعلك، يلا نلعبها، مين الي هيغمي عينها.
نظر الجميع لها.
فأردفت بابتسامة بلهاء.
جميلة: ماشي خلاص، أنا الي هغمي عيني.
أمسكت إيشارب قطني اللون وربطته حول عينيها.
وبدأت تحرك يديها في الهواء تحاول الإمساك بهم.
في الخارج.
أيهم بتعب: يا نهار أنا والواد زين عليك ومش عارفين نغلبك ستة، صفر يا مفتري.
حد يناولني كوباية مياه، فرهدت خلاص.
أسرع زين ليحضر المياه.
فأوقفه صوت جسور.
جسور: خليك يا زين، كمل لعبك وأنا هروح أجيب الماية.
تحرك جسور إلى داخل السرايا.
فسمعها تهتف ضاحكة.
جميلة: الي همسكها هقطعها زغزغة وانتي يا جميلة يا صغيرة هقطع خدودك المقلبظة بوست.
تحرك جسور ناحيتهم وهو يضحك بخفوت.
وضع إصبعه على شفتيه إشارة لهم بالصمت.
تقدم ناحيتها بخفة وصفعها برفق على رقبتها من الخلف (قفاها).
جميلة غاضبة: اااه، إيه يا سهر شغل المخبرين دا، طب والله لو مسكتك لهاكل دراعك.
وقف جسور أمامها مباشرة عاقداً ذراعيه أمام صدره.
فاصطدمت جميلة به.
جميلة: قفشتك يا سهر يا جزمة يا حيوانة يا ديل المعزة، إيه دا.
ضغطت جميلة بكف يدها على ذراع جسور المكتل بالعضلات.
جميلة بارتياب: بت يا سهر انتي مالك نشفتي ليه كده، يا رب ما يطلع الي في بالي.
أزاحت جميلة الإيشارب ببطء من على عينيها تنظر حولها بنصف عين بحذر.
فسرعان ما اتسعت ابتسامتها البلهاء.
جميلة مبتسمة ببلاهة: أيه دا جسور، أزيك عامل إيه.
أنت جيت إمتى.
رفع جسور حاجبه بمكر.
جسور: بقي أنا ديل المعزة.
جميلة سريعا: والله أبداً، دا أنا كنت أقصد البت سهر.
مال على أنفها وهمس بمكر.
جسور: هعاقبك على الشتيمة زي المرة اللي فاتت بس مش قدام الناس.
اتسعت عينيها بخجل.
فتلقائياً غزت حمرة الخجل على خديها.
فرفعت راية انتصار فرسانها الحمراء.
جسور بجد: خلصتوا الغدا.
سهر: أيوه يا أخوي، ثم أكملت بمكر: دا حتى جميلة عاملة المكرونة بيدها.
أيهم: إيه يا جماعة، هو اللي يطلب منكم مياه يموت عطشان.
هتف بها أيهم بضجر وهو يدخل من باب السرايا.
رمقه جسور بتحذير.
فأردف بابتسامة بلهاء.
أيهم: أنا قصدي يعني إني عطشان أوي، بوق مياه الهي يا رب تشربوا من زمزم.
جسور: خلاص، أنت هتشحت، هنجبلك مياه.
أحضر له جسور بعض المياه.
أيهم: مش يلا بقي يا جميلة، احنا بقالنا كتير هنا.
جسور: يلا فين، ما فيش مشيان من غير غدا.
أيهم بضجر: لاء بقي وبعد كده تقولي ما فيش مشيان من غير عشا وشكلنا كده هنبات هنا.
نظر له جسور بتوعد.
أيهم مبتسما: هي السفرة منين من هنا صح، طب أنا هسبقكم.
ضحك كل من كان واقفاً على خفة ظل أيهم.
أيهم في نفسه: يالهوي على دي ضحكة عصافير بتغني، هيييييح.
تجمعوا بعد قليل على طاولة الطعام.
وكالعادة جلست جميلة الصغيرة على قدم جسور.
مد زين يده بقطعة من الدجاج تجاه الصغيرة ليطعمها.
فغضت الصغيرة أصابعه بقوة.
زين بتألم: اااااه واااه، شايف يا خال.
جسور ضاحكاً: ليه أكده يا جميلة.
جميلة الصغيرة: عشان هو وحش وأنا بموت فيه.
ثم أخرجت طرف لسانها لتغيظ زين.
زين غاضباً: شايف يا خال.
جسور مبتسما: معلش يا زين الرجال، عندي دي.
أيهم بضيق: كده يا جميلة، ينفع الدلع دا، يلا خلصي أكلك عشان نمشي.
جسور بضيق: ما تزعقلهاش، إني اللي قولتلها، صح يا جميلة.
جميلة: أيوه عمو جتور قالي عيب ألعب مع ولد ولا أخلي ولد يبوس جميلة عشان جميلة ملكة ومش أي حد يكلم الملكة، تح يا عمو.
جسور مبتسما: صح يا قلبي.
تضايق أيهم كثيراً.
فالموضع بدأ يخرج عن سيطرته وصغيرته بدأت تتعلق بشدة بهذا الجسور.
عليه إذا أن ينهي عمله بأسرع وقت ويأخذها ويرحل.
هو أيضاً يشعر أن جسور هو والدها.
خاصة عندما سأله على شهادة الميلاد.
يعرف أن عاجلاً أم آجلاً سترحل صغيرته عنه.
ولكنه يحاول أن يؤخر ذلك الأمر المحتوم إلى أبعد وقت.
بعد يوم طويل ملئ بالضحك والمزاح.
ودع جسور جميلة الصغيرة بعناق حنون.
جسور بحنان: خلي بالك من نفسك.
قبلته الصغيرة على وجنته.
جميلة الصغيرة: وانت كمان يا عمو.
جسور لأيهم: خلي بالك منها أوي.
أيهم بضيق: ما أعتقدش إن حد هيخاف على بنتي قدي، عن إذنك يا جسور بيه.
رحل أيهم ومعه الصغيرة.
شعر جسور وقتها أن قطعة من روحه ترحل معها.
تركهم وصعد إلى غرفته بدون كلمة واحدة.
صفاء بشفقة: ربنا يريح قلبك يا ابني، اطلعي يا جميلة يا بنتي خليكي معاه، ما تسيبهوش لوحده.
هزت جميلة رأسها إيجابا.
جميلة: تصبحوا على خير.
صفاء / سهر: وانتي من أهله.
صعدت جميلة لأعلى.
فلم تجد بالغرفة ولكنها سمعت صوت المياه قادماً من الحمام.
فخلعت حجابها وجلست على الفراش تنتظره.
دقائق وجدته يخرج من الحمام.
نظر ناحيتها نظرة باردة.
وبدون أن ينطق بحرف ذهب ناحية الفراش ونام عليه مولياً ظهره.
جميلة: جسور.
جسور: نامي يا جميلة، أنا تعبان.
حاولت أن تضفي جو من المرح.
فأردفت بضحكة مرحة.
جميلة: آه طبعاً تعبت عشان أنت عجوز.
جسور: شكراً، نامي بقي.
قوست شفتيها بحزن.
جميلة: جسور، جسور، جسور.
قام جسور غاضباً يهتف بحدة.
جسور: يوووه، هو أنا مش قولت نامي، ما بتسمعيش الكلام ليه.
ارتجف جسدها خوفاً من تغيره المفاجئ.
تلقائياً تجمعت الدموع في عينيها.
هي لم تكن تقصد شيئاً فقط أرادت التخفيف عنه.
مسح جسور وجه براحة يده بعنف وهو يستغفر ويستعيذ من الشيطان.
جسور: ما تزعليش يا جميلة، أنا بس مخنوق شوية.
جميلة بدموع: أنا آسفة، أنا بس ما كنتش عايزك تنام زعلان.
لاحت ابتسامة صغيرة على شفتيه رغماً عن ما به من آلام تعصف بقلبه.
جسور: خلاص بقي يا ستي، ما تزعليش عشان خاطر سور.
جميلة بانتباه: جسور، إيه حكاية سور، أنا مش فكراه غير طشاش بعيد.
تنهد جسور بتعب.
جسور: حكاية سور هي إجابة سؤال اتجوزتني ليه.
Flash back.
كان يقف في شرفة غرفته.
على الرغم من كونه مازال طفلاً في الخامسة عشر.
إلا أنه يشعر بأن هموم الدنيا جميعها تقف فوق كتفيه.
يشتاق لأمه بشدة.
لم يستطع كرهها بالرغم من كل ما قاله له والده عنها.
كان شارداً عندما وجد سيارة فضية اللون تدخل من باب السرايا.
يعرفها فقد جاءت حوالي أربع مرات قبل ذلك.
ودائماً ينزل منها رجلان يتشاجران مع والده.
ولكن تلك المرة نزلت والدته وتلك الجنية الصغيرة ذات الشعر الأسود الطويل الذي يصل لنهاية قدميها.
تعلقت عينيه بوالدته أول الأمر.
ولكن سرعان ما وجد نفسه لا يستطيع أن يحيد بعينيه عنها.
فقرر الذهاب إلى اسطبل الخيل حتى يبتعد عنهم ولا يدفعه شوقه بأن يذهب راكضاً إلى أمه.
في الحديقة.
هشام بدبلوماسية: يا سليم بيه، ما ينفعش كده، دي المرة الخامسة اللي نجيلك فيها، مدام صفاء من حقها تشوف عيالها، ما ينفعش حضرتك تحرمها منهم.
سليم بقسوة: إني حر، هي اللي اختارت تبعد عن والدها الـ ×××××مختار غاضباً: احترم نفسك بدل ما أمد إيدي عليك.
هشام بهدوء: اهدي يا يا مختار، سليم احنا جايين نلاقي حل وارجو من حضرتك تلزم حدك، أنا كان ممكن أجي بقوة وأخليها تشوف ولادها غصب عنك، بس أنا قولت نمشي الموضوع ودي أحسن.
ضاقت الصغيرة ذرعاً من هذا الحديث الذي لم تعي منه شيئاً.
فانسحبت بهدوء من بين والدها وعمها وبدأت تتجول في الحديقة تنظر حولها بدهشة.
إلى أن سمعت صوت صهيل جواد بصوت عالٍ.
ظلت تمشي خلف الصوت إلى أن وصلت إلى اسطبل الخيول.
فوجدت حصان أسود صغير.
جميلة: أنت جميل أوي.
تقدمت ناحيته ببراءة وبدأت تمسد بيدها على شعره الأسود الطويل وهي تبتسم بسعادة.
إلى أن سمعت صوت غاضب يهتف خلفها.
جسور: بعدي يا بت عن حصاني.
التفت جميلة له متخصرة بضيق.
جميلة: أنت مين.
جسور بفخر: إني جسور السيوفي.
جميلة: وأنا جميلة يا سور.
جسور بضيق: اسمي جسور مش سور.
جميلة ضاحكة: لاء اسمك سور عشان أنت طويل زي السور.
جسور ساخراً: وانتي قصيرة وازعة.
جميلة بدموع: أنت وحش يا سور، جميلة طويلة.
تقدم جسور ناحيتها سريعاً وجثى على ركبتيه أمامها.
جسور: طب خلاص، كفاية بكاء عاد، انتي يا ستي طويلة قوي، حلو كده.
هزت رأسها نفياً واستمرت في البكاء.
نظر جسور حزناً يفكر في حل لإسكات تلك الصغيرة الباكية.
فحملها فوق كتفيه.
جسور مبتسما: أكده بقيتي أطول مني، حلو كده، كفي بكاء عاد.
جميلة ضاحكة: أنت حلو أوي يا سور عشان خليت جميلة طويلة.
جسور: تحبي تاكلي الحصان.
هزت رأسها إيجاباً بحماس طفولي.
فأنزلها برفق من على كتفيه وامسك يدها متجهاً ناحية حصانه الأسود.
وضع في يدها بعض السكر وقربها من فم الحصان.
جسور: ما خايفاش.
هزت رأسها نفياً ببراءة وابتسامة واسعة تشق شفتيها.
جسور: ليه.
جميلة ببراءة: عشان أنت حلو يا جسور ومش هتخليه يخوف جميلة.
جسور مبتسما: أوعدك إني ما أخليش حاجة واصل تخوف جميلة.
ظلت تلعب مع الحصان إلى أن نامت.
في ذلك الوقت وعلى الجانب الآخر كاد قلب هشام أن يتوقف عندما لم يجدها.
ظل يبحث عنها هو ومختار وصفاء دون جدوى.
هشام غاضباً وهو يمسك سليم من تلابيب ملابسه: بنتي، فين؟ قسماً بربي يا سليم لو بنتي جرالها حاجة لهقتلك.
بعد قليل وجدوا جسور قادماً يحمل جميلة النائمة على ذراعه.
أخذها هشام منه بلهفة.
هشام: جميلة انتي كويسة يا بنتي.
جسور: ما تخافش، دي نايمة.
صفاء بلهفة: جسور ولدي.
سليم غاضباً: جسور ادخل السرايا.
دخل جسور إلى غرفته وهو يقبض على تلك القلادة التي سقطت منها عندما كان يحملها على كتفيه بقوة.
ومرت الأيام ومازالت تلك الذكرى عالقة بقلب جسور قبل عقله.
دخل كلية الشرطة وتعرف على اللواء هشام.
وفي أحد الأيام ذهب جسور لزيارة منزل اللواء لغاية في نفسه.
كان يود التقدم لطلب يد ابنته.
كان في ذلك الوقت في الخامسة والعشرون من عمره.
هشام مبتسما: منور يا جسور.
جسور مبتسما بتوتر: دا نور حضرتك، بصراحة يا أفندم أنا كنت عايز أفاتح حضرتك في موضوع مهم.
هشام: خير يا جسور.
كاد جسور أن يتكلم عندما سمع صوت باب الشقة يفتح.
دخلت تلك الصغيرة ولكن تلك المرة كانت بهيئة مختلفة.
كانت ترتدي جيبة المدرسة السوداء وقميص أبيض ويزين وجهها حجابها الأبيض.
تحتضن حقيبتها.
جميلة مبتسمة: السلام عليكم.
هشام مبتسما: وعليكم السلام يا حبيبة بابي، تعالي.
ذهبت جميلة وجلست بجانب هشام.
هشام: ما سلمتيش ليه يا جوجو.
مدت جميلة يدها ناحية يد جسور التي تكاد ابتسامته تشق وجهه.
جسور مبتسما باتساع: ازيك يا جميلة، أنا جسور.
جميلة مبتسمة: ازيك يا عمو جسور.
تلاشت الابتسامة تدريجياً من على شفتي جسور بعد كلمة عمو.
عاد ينظر لها مرة أخرى ولكن بنظرة مختلفة.
فما أمامه الآن ليست سوى طفلة.
كيف سيتزوج أو يخطب حتى طفلة.
شعر بمدى حقارته في تلك اللحظة.
فاق على صوت هشام وهو يهتف.
هشام: خير يا جسور، إيه الموضوع المهم اللي كنت عايزني فيه.
جسور: هااا، لا أبداً، أنا كنت جاي أقولك إننا مسكنا العيال اللي كانوا بيتجاروا في المخدرات في .......
هشام مبتسما: عفارم عليكم يا وحوش.
جسور بابتسامة مصطنعة: طب عن إذن حضرتك أنا لازم أستأذن، مع السلامة يا أفندم، سلام يا جميلة.
جميلة مبتسمة: سلام يا عمو.
Back.
جسور: لما قولتيلي يا عمو حسيت قد إيه أنا ندل إزاي أفكر فيكي كزوجة وانتي شايفاني عمو، عشان كده قررت أنساكي.
بعدها على طول اتجوزت نهى.
كان عندها مشاكل في الحمل في بداية الجواز.
لكن بعد شوية ربنا رزقنا ببنوتة فصممت اسميها جميلة.
جميلة: أنا برضه مش فاهمة، أنت اتجوزتني ليه.
جسور: لاء يا جميلة، انتي فاهمة بس عايزة تسمعيها صراحة، جميلة أنا بح....
قطع جملته صوت دقات سريعة وعالية على باب الغرفة.
جميلة بقلق: في إيه.
تركها سريعاً ونزل لأسفل ليعرف من ذلك المجنون الذي يدق بابه بذلك العنف.
فتح الباب سريعاً ولكنه ما أن رأى الطارق حتى اتسعت عيناه بصدمة.
جسور بصدمة: نهى.
رواية جسور و جميله الفصل التاسع عشر 19 - بقلم دينا جمال
جميلة: أنا بردوا مش فاهمة أنت اتجوزتني ليه.
جسور: لاء يا جميلة انتي فاهمة بس عايزة تسمعيها صراحة.
جميلة: أنا بح...
قطع جملته صوت دقات سريعة وعالية على باب السرايا.
جميلة بقلق: في إيه؟
تركها سريعا ونزل لأسفل ليعرف من ذلك المجنون الذي يدق بابه بذلك العنف، فتح الباب سريعا ولكنه ما أن رأى الطارق حتى اتسعت عيناه بصدمة.
جسور بصدمة: نهي.
فتح عينيه وأغمضها عدة مرات، مستحيل أن التي تقف أمامه الآن هي زوجته نهي المتوفية قبل ثلاث سنوات.
صاحت نهي باكية: جسور، جسور الحمد لله يا رب الحمد لله.
عقد حاجبيه بدهشة، نهي تقف أمامه، منظرها في غاية البشاعة، جسدها يعتبر مشوه من كثر ما فيه من آثار حرق وتعذيب، شعرها معظمه مقصوص بطريقة وحشية، وجهها ملئ بالكدمات الحمراء منها والزرقاء، دماء متجلطة على شفتيها وأنفها.
قال بحروف ملعثمة: نـ نهي، اززاي، ازاي.
نهي باكية: جسور، احميني يا جسور هيموتوني.
قبض جسور على ذراعيه بصدمة: انتي إزاي عايشة؟
نهي باكية: هقولك، المخزن اللي كانوا خاطفني فيه قبل ما يحرقوه لقيت حد ضربني على دماغي، لما فقت لقيت نفسي في أوضة غريبة، فضلت أنادي عليك أو على حد ينقذني، دخل راجل طويل وأصلع وأنه هو رئيس الشبكة اللي أنت بتدور وراها، وما رضيش يموتني عشان عاجبته، اااااااااه يا جسور حاول يعتدي عليا بس ما رضتش، ما رضتش أسلم له شرفك فبدأ يعذب فيا، شايف، شايف.
بدأت تريه علامات الحرق والتعذيب على جسدها.
جسور بصدمة: وبنتي فين؟
صرخت نهي ببكاء: قتلوها يا جسور، قتلوها قدام عيني، خدوا بنتي مني بالعافية وموتوها.
جميلة: في إيه يا جسور ومين دي؟
هتفت بها جميلة وهي تنظر لنهي بدهشة.
جميلة بفزع: انتي كويسة؟ مين عمل فيكي كده؟ تعالي أنا هساعدك.
نهي باكية: انتي مين؟ مين دي يا جسور؟
جميلة باستفهام: مين دي يا جسور؟
كاد أن ينفجر في الضحك مما يحدث، يشعر أن عقله سيفر من داخل رأسه، زوجته المتوفاة حية ومعذبة بشكل بشع تقف أمام زوجته الجديدة وكلتاهما يسألانه نفس السؤال.
شقت جميلة حاجز الصمت عندما قالت لنهي: أنا جميلة مرات جسور، انتي مين؟
شهقت نهي بصدمة: مراته، مراتك؟ أنت اتجوزت؟ معقولة نسيتني بالسرعة؟
ثم بدأ بالصراخ والبكاء: لييييه يا جسور لييييه؟ حرام عليك، فضلت محافظة على اسمك وشرفك 3 سنين استحملت فيهم ضرب وتعذيب، موتوا بنتي قدام عيني، لكن أنت، أنت أناني، عشت حياتك واتجوزت، ليييييه؟
أسرعت نهي ناحية الباب لتخرج منه، ولكنها ما أن لمست مقبض الباب حتى سقطت أرضا فاقدة للوعي.
جسور بفزع: نهي.
أسرع يحملها بين ذراعيه مهرولا لأعلى.
استوقفته جميلة بسؤالها: مين دي يا جسور؟
جسور بجمود: دي نهي مراتي.
قالها وصعد يهرول بها لغرفتها، وضعها على الفراش وجلس ينظر لها بريبة، مئات الأفكار عصفت برأسه، كان شاردا عندما لاحظ أنها ترتجف وهي نائمة تتمتم ببعض الكلمات الغير المفهومة في بدايتها، ولكنه سرعان ما اتضح بما كانت تهذي.
نهي باكية: لالالا حرام عليكوا كفاية كفاية بقي، جسور جسور انت فين الحقيني أبوس ايدك.
جلس جسور بجانبها يمسد على شعرها برفق حتى هدأ جسدها وعادت للنوم مرة أخرى، مد يده ومسح دموع عينيها برفق وهو ينظر لها بشفقة.
Flash back
هشام غاضبا: اسمع الكلام يا جسور وابعد عن القضية دي.
جسور غاضبا: مستحيل، دم رامز دين في رقبتي، لازم آخدله حقه منهم.
هشام غاضبا: يا ابني افهم، في خطر على حياتك أنت ومراتك وبنتك.
جسور غاضبا: ما حدش هيخاف على مراتي وبنتي قدي، أنا حاطط عليهم حراسة ما حدش هيقدر يوصلهم، وإن كان على حياتي فصدقني ما تفرقش معايا قد ما يفرق معايا آخد بطار رامز.
رن هاتف جسور برقم نهي، فتح الخط وقبل أن يتكلم سمعها تصيح بفزع: جسوررر الحقني يا جسورررر.
جسور بفزع: نهي، نهي.
هشام: في إيه؟
لم يرد جسور عليه، أسرع يركض خارج الإدارة، ركب سيارته وانطلق إلى شقته التي كان يعيش فيها مع زوجته وابنته، فوجد الحرس مقتولين، دخل المنزل فوجد آثار دماء على الأرضية، باب المنزل مسكور، آثار طلقات نارية، كان يركض في أنحاء المنزل كالمجنون يبحث عن أثر لزوجته أو ابنته.
عندما رن هاتفه.
سمع صوت ساخر يهتف بتهكم: طبعًا مش لاقيهم، مش احنا حذرناك، أنت ما بتسمعش الكلام ليه؟
جسور غاضبا: فين مراتي وبنتي؟
الرجل ساخرا: مش احنا قولنالكم سيب القضية وانت عملت فيها بورم وسبع الرجال وما بيهمكش، احنا بقي قررنا نقرص مراتك وبنتك في مخزن في *******، يلا يا جسور قدامك دقايق والقنبلة اللي في المخزن هتنفجر، تك تك تك.
أغلق جسور الخط سريعا، كان يقود بجنون في طريقه للمخزن، اتصل بهشام يخبره ما حدث، فأسرع هشام بإرسال قوة لمكان المخزن ومعهم خبراء مفرقعات.
ولكن عندما وصلت وجد النيران تلتهم المخزن التهاما، اندفع صوبه بجنون، فاوقفه بعض زملائه بقوة.
جسور صارخا: لاااااا سيبوني مراتي وبنتي، سيبوووني.
بدأ جسور يلكم زملائه الذين يحاولون منعه بوحشية، إلى أن شعر بألم قوي مؤخرة رأسه، سقط أثره فاقدا للوعي.
هشام باسئ: أنا آسف يا ابني.
فاق جسور بعد ذلك فوجد نفسه على فراش في مستشفى، حرك رأسه بألم، ينظر حوله فوجد اللواء هشام يجلس على الكرسي بجانبه.
هشام: حمد لله على السلامة.
لحظات حتى عادت ذكري ما حدث، فصرخ في هشام: مرراتي وبنتي فين؟ مراتي وبنتي؟
هشام بحزن: البقاء لله.
جسور صارخا: ليييييه ما انقذتهومش ليه؟ ما سبتنيش انقذهم؟ حرررررام عليك، حرام عليكوا.
ثم بدأ في البكاء بقوة.
هشام بحزن: جسور يا إبني.
جسور صارخا بغضب: اطلع بررررة، بررررررة، أنا مستقيل، ابعدوا عني بقي.
هشام بحزن: وتفتكر استقالتك هترجع اللي راح؟
جسور باكيا: يا رتني ما مسكت القضية، يا رتني سيبتها، أنت مش حاسس بالنار اللي جوايا، بنتي اللي لسه ما تمتش سنة، كان عيد ميلادها النهاردة.
ضحك بمرارة وهو يكمل: هتعرف ترجعهالي يا سيادة اللواء؟
وبعدها مباشرة استقال جسور من عمله وعاد إلى بلده وحبس نفسه داخل قوقعة حزنه وشعوره بالذنب تجاه ابنته وزوجته وأنه هو السبب في موتهم، لم يضحك إلا عندما جاءت جميلة لحياته.
Back
فاق جسور من شروده على صوت دقات على باب الغرفة.
جسور: ادخل.
دخلت جميلة تنظر لهم بتوتر وشعور غريب، ربما تلك هي الغيرة تنهش بقلبها.
جسور: عايزة إيه يا جميلة؟
جميلة بجمود: طلقني.
جسور في نفسه: استغفر الله العظيم يا رب.
قام جسور من مكانه وأخذ يدها وخرج بها من الغرفة ذاهبا إلى غرفتهم.
جسور: ممكن أفهم إيه الهبل اللي انتي بتقوليه دا؟
جميلة: أنا ما بقولش هبل، أنا عايزة أطلق، أنا مستحيل أفضل مع واحد متجوز.
صاح جسور غاضبا: يا بنتي ارحميني بقي.
من يوم ما قابلتك وأنا عمال أداوي فيكي زي الطفلة، الأول ما كانش ينفع تتزوجي واحد عجوز أكبر منك بعشر سنين ودلوقتي مش عايزة تفضلي مع واحد متجوز، أنا لحد دلوقتي مش مستوعب أن مراتي اللي مفروض ميتة من 3 سنين عايشة، وجميلة الصغيرة اللي كنت خلاص شبه اتأكدت إنها بنتي طلعت بنتي مامت، وانتي كل اللي فارق معاكي دلوقتي إني أطلقك عشان مش عاوزة تعيشي مع واحد متجوز، انتي بتعملي فيا كده ليه؟
جميلة باكية: عشان حبيتك.
اتسعت عيناه بصدمة ولأول مرة صدمة سعيدة.
جسور بصدمة: انتي قولتي إيه؟
جميلة باكية: أيوه حبيتك، حبيت حنيتك وطيبتك، حبيت حنانك، بقيت بتلكك عشان أشوفك، عايزاك دايما قدامي، عايزة أشوفك على طول، بحس إن في حاجة نقصاني لما بتبعد، مش هقدر يا جسور مش هقدر أخلي واحدة تانية تشاركني فيك، فالأحسن إني أبعد عنك، عشان خاطري طلقني.
في لمحة كان يجذبها لصدره يضمها له بقوة.
جسور: بحبك يا جميلة، والله بحبك أوي، بحبك من وانتي عيلة صغيرة.
من يوم ما قولتلي يا جسور وأنتي كسرتي سور قلبي يا جميلة الجميلات.
جميلة باكية: مش هقدر يا جسور، مش هستحمل واحدة تانية تشاركني فيك.
جسور بشرود: ما تقلقيش، هتفضلي انتي وبس اللي في قلبي. صحيح اقلعي السلسة اللي على رقبتك.
جميلة: ليه؟
ذهب ناحية دولابه وفتحه وأخرج منه قلادة تحمل اسم ( جسور وجميلة).
جميلة مبتسمة: الله دي جميلة أوي.
لبسها القلادة على رقبتها.
جسور بحب: بحبك.
جميلة بخجل: وأنا كمان.
جسور بمرح: يا بركة دعاكي يا أمي، أخيراااا.
_____________________________
يا اهلا يا اهلا بسيادة اللوا.
رد الرجل المقيد عليه بغضب: أنت فاكر إنك هتفلت منها يا ماهر؟
ماهر ضاحكا: وحياتك انت هفلت.
الرجل غاضبا: أنا كنت شاكك إنك ****** عشان كده ما كنتش قايل لك أي تفاصيل أو معلومات عرفتها عن قذارتك.
ماهر غاضبا: المعلومات فين يا هشام؟
هشام ضاحكا: والله لو قلبت سابع أرض ما هتلاقيها يا ماهر.
عمي حبيبي.
هتف بها رامي بسخرية وهو يدخل إلى تلك الغرفة.
هشام غاضبا: رامي أنت بتعمل إيه هنا؟ ابعد عن الناس دول يا رامي.
رامي ضاحكا: ابعد عن مين بس يا عمي، يااااه دي جوجي هتفرح أوي لما تعرف إنك عايش.
هشام غاضبا: مالكش دعوة بجميلة يا رامي.
رامي ضاحكا: أنت ما قلتلوش يا ماهر ولا إيه؟ مش جوجي اتجوزت؟
هشام بصدمة: اتجوزت، اتجوزت مين؟ أكيد مش أنت، جميلة مستحيل تتجوزك.
رامي بحزن مصطنع: كده يا عمي، دا أنا ابن أخوك لحمك ودمك.
هشام غاضبا: أنت معقد ومريض، انطق بنتي فين واتجوزت مين؟
رامي ساخرا: اتجوزت مين يا رامي، مين يا روميوا؟ آه اتجوزت تلميذك النجيب جسور.
لاحت ابتسامة مطمئنة على شفتي هشام: جسور يعني جميلة دلوقتي عند جسور.
رامي لماهر بسخرية: الحق دا فرحان.
هشام مبتسما: طبعًا فرحان وفرحان جدًا، جسور هيعرف يحافظ عليها، جسور بيحبها من زمان ومش هيخلي أي حد في الدنيا يأذيها.
جثي رامي على ركبتيه أمام الكرسي المقيد به عمه: تؤتؤتؤ الكلام ده غير صحيح بالمرة لأن جسور نفسه أذاها.
هشام بقلق: أذاها!!
هز رامي رأسه إيجابا بتأكيد وهتف بسخرية: اممم اغتصبها، هو صحيح كان متجوزها بس بردوا يا عمي، يبقى الاغتصاب اغتصاب حتى ولو تحت غطاء شرعي.
هشام بحدة: أنت كداب، مستحيل جسور يعمل كده.
رامي ساخرا: لاء عمل، أصل ما قلتلكش أنا روحت له يوم فرحه وقولت له إن جوجي كان في حضني، يوووه عليا مش عارف الواحد بقي بينسي كتير ليه، أصل أنا حاولت أعتدي على جوجي.
اتسعت عينا هشام بفزع، فهز رامي رأسه إيجابا بتأكيد: ااه والله بس بنتك ضربتني بالسكينة وهربت، فأنا قولت أضرب عصفورين بحجر واحد، أنتقم من جميلة ومن جسور.
بصق هشام على وجه رامي باشمئزاز: أنت شيطان، مستحيل تكون بني آدم، عملتلك إيه جميلة عشان تعمل فيها كده؟
رامي بغل وهو يمسح وجهه: انتوا السبب، أنا بس باخد حقي.
ماهر غاضبا: انطق يا هشام المعلومات فين؟
هشام غاضبا: والله لو عملتوا إيه ما هقولكوا، نهايتكوا على إيدي يا...
رامي ساخرا: يبقى جوجي اللي هتخليك تنطق.
ماهر ساخرا: كده يا رامي، تحرق المفاجأة.
هشام غاضبا: مالكوش دعوة ببنتي انتوا فاهمين.
سيادة اللواء وحشتني يا راجل.
هتف بها رامز ساخرا وهو يدخل الغرفة.
ماهر: كل حاجة تمام.
رامز: ما تقلقش نهي وصلت قصر جسور، وفي خلال أيام هتشرفنا جميلة هشام الدميري.
رواية جسور و جميله الفصل العشرون 20 - بقلم دينا جمال
فتحت عينيها بحذر تنظر حولها بقلق.
تنهدت براحة عندما وجدت الغرفة خالية.
انتصفت على الفراش تبتسم بخبث.
فها هي قد خطت أول خطوة داخل قصر السيوفي، ويبدو أن جسور صدق خطتها.
آه من دماغك الشيطانية، فهو قد أحضر خبير مكياج عالمي ليصنع لها تلك العلامات على جسدها كأنها آثار حرق وتعذيب.
وعلى الرغم من أن هذا الخبير حذر رامز أن الألوان ما زالت غير ثابتة وعليه الانتظار على الأقل 48 ساعة حتى تثبت، ولكن رامز لم يستمع له وأصر على أن تذهب في نفس اليوم.
نزلت من على الفراش ببطء متجه ناحية باب الغرفة، فقد جاءت تلك المتطفلة زوجة زوجها الجديدة وأخبرته أنها تريد الطلاق، فاخذها جسور وخرج من الغرفة.
تسللت على أطراف أصابعها إلى أن سمعت صوته الغاضب يصدح من ناحية إحدى الغرف، فذهبت ناحية الصوت ووقفت تراقبهم من فتحة الباب، فيبدو أن جسور لم يغلق الباب جيدًا.
اشتعلت عينيها حقداً عندما اعترف لجميلة بحبه لها منذ كانت طفلة، وتلك القلادة التي تحمل اسميهما وهو يطوق عنقها بها، لينتهي المشهد الغرامي بقبلة جسور.
عند ذلك الحد قررت.
دفعت باب الغرفة بحدة لتشهق بصدمة مصطنعة عندما رأت جسور.
نهى باكية: آسفة لو قاطعتوا. أنا همشي. ربنا يهنيك يا جسور بعروستك الجديدة.
جسور بحدة: تمشي تروحي فين؟ أنتي ناسية أنك مراتي.
نهي بسخرية من بين دموعها: لاء مش ناسية، بس ما اعتقدش إن هتعوزني بعد كدة. هتعمل إيه بواحدة مشوهة؟ بس عيزاك تعرف حاجة واحدة. الي أنا فيه ده بسببك. أنت السبب. لولا القضية ما كنتش خسرت بنتي، ما كنتش عشت 3 سنين في عذاب عشان أحافظ على شرفك.
جسور بندم: نهي استني. أنا آسف.
تقدم ناحيتها بخطوات واسعة إلى أن وقف أمامها، فجذبها لصدره يضمها لها بقوة.
جسور بحنان: أنا آسف يا نهي. أنتي ما تعرفيش السنين دي عدت عليا إزاي. أنا كنت بموت من غيركوا.
نهي باكية: أنت كذاب. أنت أهو اتجوزت وعايش حياتك.
جسور بندم وهو يشدد من احتضانها: أنا آسف. اعتبريها مش موجودة، صدقيني. أنا متجوزها حماية. أنا كلي ليكي انتي يا نونا.
نهي بسعادة وهي تبكي: يااااه يا جسور. ما تخيلتش إن أنا هعيش لحد ما أرجع لحضنك تاني. وحشتني أوي. وحضنك وحشني أوي.
جسور مبتسماً بحنان: يا حبيبتي. أنا كلي ملكك. وحياة حبك في قلبي. هاخدلك حقك من اللي عمل فيكي كده.
بينما كانت تقف هي تنظر لهم بألم، تسيل دموع عينيها بصمت.
تلك الكلمات الحنونة التي يغدق بها زوجته الأولى تنزل كالخناجر على قلبها، فتطعن حبه في مهده.
نهي باكية: أنت سبتني ليه؟ أنا اتفزعت لما مالقتكش جنبي. افتكرت نفسي بحلم وإني ما رجعتلكش. يااااه يا جسور. أنا كتير حلمت بيك وإني رجعت لحضنك تاني. بس في الآخر كنت بصحي ألاقي نفسي في مكاني. وبعدين ألاقيهم جايين عشان... عشان... عشان. ثم بدأت ترتجف وتبكي.
مسح جسور دموعها بحنان: هششش. خلاص. اهدي. كل حاجة هتبقى كويسة. مش هسيبك أبداً.
نهي باكية: نفسي أنام في حضنك زي زمان.
انحنى بجذعه وحملها بين ذراعيه متجها بها إلى غرفتها، بدون حتى أن يلقي ولو نظرة واحدة ناحية تلك التي انهارت في البكاء.
ما إن حمل زوجته الأولى وخرج من الغرفة، انهارت على ركبتيها تبكي.
جميلة باكية: أنا بكرهك يا جسور. بكرهك.
ظلت على وضعها ذلك إلى أن نامت رغماً عنها على الأرض.
***
في صباح اليوم التالي.
فتحت عينيها بألم تشعر بصداع شديد يكاد يفتك برأسها، وبملمس ناعم تحت خدها.
انتصفت جالسة فوجدت نفسها نائمة على الفراش.
حكت شعرها بحيرة، آخر شيء تتذكره أنها غفت على الأرض رغماً عنها من شدة بكائها.
من وضعها على الفراش ووضع الغطاء عليها، وما ذلك الشيء الذي تقبض عليه بيدها.
في الأسفل كان خبر رجوع نهى صدمة كبيرة.
سهر بصدمة: أنا لحد دلوقتي ما مصدقاش إنك عايشة يا نهي.
نهي بضيق: اومال مين اللي قاعد قدامك ده عفريت.
جسور بحدة لسهر: سهر بطلي حدويتك الماسخة دي. دا بدل ما تقولي لها حمد الله على السلامة.
سهر سريعاً بإحراج: طبعاً طبعاً حمد الله على سلامتها. أنا بس مستغربة.
صفاء وهي تربت على كتف نهي بحنان: ما تزعليش يا بنتي. سهر ما تقصدش حاجة. منهم لله اللي عملوا فيكي.
جسور غاضباً: قسماً بربي لهوريهم العذاب ألوان.
ثم أكمل برفق لنهي: نهي ركزي معايا يا حبيبتي. أوصفي لي شكل الراجل تاني. بس بدرجة أدق.
نهي بخوف: مش عايزة افتكر شكله. مش عايزة.
جسور بحنان: معلش يا حبيبتي. معلش. تعالي على نفسك عشان أعرف أجيب لك حقك.
هزت نهي رأسها إيجاباً وبدأت تقول بصوت مرتجف: هو طويل. لالا مش أوي يعني. عارف أقصر منك شوية. جسمه مليان وعنده شعر أبيض. ملامحه مخيفة أوي يا جسور. مخيفة أوي. كان... كان... كان. كل ما يدخل يفضل يقولي جملة واحدة. "لتبقي ليا بمزاجك لهخليهم يكملوا تعذيب فيكي". ما رضتش. ما رضتش. ثم بدأت تبكي وترتجف.
جسور سريعاً: نهي خلاص. نهي. اهدي يا نهي.
صفاء بعتاب: ليه يا جسور يا ابني. فكرتها.
جثى على ركبتيه أمام كرسيها، فجذبها إليه يخبئها داخل صدره.
جسور بحنان وهو يسمد على شعرها: بس يا حبيبتي. هششش. ما تخافيش. ما حدش هيقدر يجي جنبك طول ما أنا عايش.
رفع نظره ناحية الباب عندما شعر بظل يقف عنده، فوجدها تنظر له بانكسار وألم، وتلك الدموع الحبيسة في سجن عينيها الباكيتين.
صفاء بود: تعالي يا جميلة يا بنتي افطري.
أخذت نفساً عميقاً لتسيطر به على دموعها.
تقدمت بخطى هادئة، وعلى شفتيها ابتسامة صغيرة مصطنعة.
جميلة: صباح الخير.
صفاء/ سهر: صباح النور.
جلست على الكرسي المقابل لنهي، الذي يجثي جسور على ركبتيه بجانبه ليحتضنها.
كم ودت في تلك اللحظة أن تقتل تلك اللعينة.
وللحظات فكرت ماذا لو كانت هي مكان نهي، أن كانت هي الزوجة الأولى ووجدت زوجها فجأة متزوج عليها.
أي ألم تشعر به نهي الآن بسببها.
فاقت من شرودها على يد صفاء تربت على يدها بحنان.
صفاء: كلي يا بنتي.
جميلة: الحمد لله شبعت. لو سمحت يا جسور.
نهي بضيق: نعم. عايزة إيه.
جميلة بضيق: والله أنا بتكلم مع جسور مش معاكي انتي. انتي مالك.
جسور غاضباً: جميلة الزمي حدودك وانتي بتتكلمي مع نهي.
جميلة بدموع: حاضر. حاضر يا جسور بيه. لو سمحت أنا كنت عايزة أنزل شغلي.
جسور غاضباً: ما فيش شغل. أنا قلت ميت مرة ما فيش شغل.
نهي بخبث: ما تسيبها يا جسور. قصدي يعني سيبها عشان ما تقولش إنك دكتاتور وظالم وكدة.
جسور مبتسماً: أنتي رأيك كده.
نهي مبتسمة: يا حبيبي. الرأي رأيك أولاً وآخراً. أنا بس بقترح.
هز جسور رأسه إيجاباً بابتسامة لنهي.
ثم نظر لجميلة بجمود: ماشي. تقدري تنزلي شغلك.
جميلة ساخرة: ما كنتش أعرف إن جسور بيه السيوفي هايف كده وكلام مراته بيمشي عليه.
جسور غاضباً: اخرسي.
هتف بها بغضب مرعب.
لتجد يده تهوي على وجنتها بعنف، فسقطت أرضاً ممسكة بخدها، التي صفعها.
حاضر العين بصدمة.
هبت صفاء تصرخ فيه بغضب: أنت اتجننت يا جسور. بتمد إيدك عليها.
جسور غاضباً: واقطع خبرها كمان لو فكرت تطول لسانها عليا.
رن هاتف جسور برقم ما.
فامسك الهاتف وفتح الخط: أيوه. تمام. أنا جاي.
جسور غاضباً: أنا خارج. في مشكلة في الأرض القبلية. سهر.
سهر سريعاً: أيوه يا أخوي.
جسور بتحذير: تاخدي بالك من نهي زين. ما عايزش حد يوصل يضايقها. مرت أخوكي شافت المر عشان تحافظ على شرفه، وتيجي بت امبارح تعيب عليا. وما فيش شغل. لو عرفت إنها خرجت من هنا هقطع رجلها.
ثم تركهم ورحل غاضباً.
جثت صفاء بجانب جميلة أرضاً تنظر لها بحزن.
صفاء بحزن: ما تزعليش يا بنتي. حقك عليا. هو بس جسور عصبي شوية.
نهي بضيق: بس هي غلطت فيا.
صفاء: خليكي محضر خير يا بنتي.
نهي بضيق: أنا مالي. اعملوا اللي انتوا عايزينه. أنا طالعة أوضتي أستريح. سهر طلعيلي الفطار في أوضتي.
ثم تركتهم وصعدت لأعلى وهي تبتسم بتشفي على جميلة وما فعله بها جسور.
بينما في الأسفل قامت جميلة تتحرك بجمود وكأنها جسد بلا روح.
تركتهم وفرت لغرفتها بال أعلى.
فوجدت نهى جالسة على فراشها تضع قدماً فوق أخرى بغرور.
جميلة غاضبة: انتي إيه اللي جابك هنا.
نهي ضاحكة: أنا يا ماما. أدخل المكان اللي يعجبني. دا بيتي أنا. انتي صدقتي نفسك إنك فعلاً مرات جسور ولا إيه. هو بس عشان جسوري قلبه طيب قال يتجوزك من باب الشفقة مش أكتر. وأهو يلاقي حاجة تسليه في الحلال بدل ما يعمل حاجة حرام.
جميلة غاضبة: امشي. اطلعي برة أوضتي.
نهي ضاحكة: تاني أوضتك. ماشي يا ستي. همشي. بس قريب جداً انتي اللي هتبقي برة. وجسور بنفسه هو اللي هيرميكي. باي يا جميلة.
ضحكت نهي بسخرية ثم خرجت من الغرفة وصفعت الباب خلفها.
فامسكت جميلة القلادة التي تطوق عنقها ونزعتها بعنف وألقتها بعيداً.
لتلقي بعدها بجسدها على الفراش تبكي.
مدت يدها وأخرجت تلك الورقة التي وجدتها في يدها صباحاً ومكتوب عليها جملة واحدة: (أنا آسف).
امسكت الورقة ومزقتها بعنف إلى أن أصبحت فتات صغير.
جميلة باكية: أنت كداب. أنا بكرهك.
التقطت هاتفها تتصل بعمها.
مختار بسعادة: أهلاً أهلاً. أخيراً جميلة الجميلات قررت تسعد عمها وتسمعه صوتها. وحشتيني يا حبيبتي.
تعالت شهقات جميلة عبر الهاتف، فهتف مختار بقلق: جميلة انتي بتعيطي. مالك يا حبيبتي. في إيه.
ظلت تبكي بدون إجابة ليزداد قلق مختار.
مختار بقلق: مالك يا حبيبتي. فيكي إيه. انتي كويسة. طب كويسة. حد فيكوا حصله حاجة. جوزك عملك حاجة.
جميلة باكية: جسور. جسور ضربني يا عمو.
مختار غاضباً: ضربك. يعني إيه ضربك. وضربك ليه.
جميلة باكية: أنا مش عايزة أعيش معاه. عشان خاطري يا عمو تعالا خدني.
مختار: حاضر يا حبيبتي. حاضر. بكرة من النجمة هكون عندك. بطلي عياط بقى عشان خاطري.
جميلة بتماسك زائف: حاضر يا عمو. مش هعيط. بس ما تتأخرش.
مختار: أول ما تفتحي عينيكي الحلوين دول هتلاقيني قدامك.
جميلة: ربنا يخليك ليا يا عمو.
مختار: ويخليكي ليا يا بنتي. دا انتي اللي بقيتيلي من ريحة الغالي.
جميلة باكية: تفتكر لو بابا كان لسه عايش كان هيسمح لجسور يعمل كده.
مختار بحزن: سامحيني يا بنتي. وحياة روحي عندك لهدفعه. لهدفعه تمن دموعك غالي أوي. خلي بالك من نفسك على ما أجيلك بكرة أخدك انتي وصفاء.
ثم أكمل بمرح ليخفف عنها: أصل بصراحة عمك حالته وحشة أوي من غير صفصف.
جميلة ضاحكة من بين دموعها: ربنا يخليهالك يا عمو.
مختار: ويخليكي ليا يا قلب عمو. يلا مع السلامة يا حبيبتي.
جميلة: سلام يا عمو.
***
في منزل أيهم في البلد.
سمعت الصغيرة صوت دقات على باب المنزل فركضت سريعاً لتفتح الباب.
جميلة صائحة بسعادة: عمو جتووووور.
جسور بابتسامة حزينة: إزيك يا عمو. اومال بابا فين.
أيهم: أنا أهو يا جسور بيه. خير.
***
ماهر بسعادة: يا سلام على دماغك يا رامز.
رامز بفخر: تلميذك يا ريس. بس إيه اللي حصل.
ماهر: يوم ما سافرت جميلة عند جسور. اديتها موبايل عليه خط قال إيه متشفر عشان ما حدش يعرف يوصلها. لكن في الحقيقة الخط ده متراقب. وأي مكالمة بتعملها أو بتجيلها بتتجل كاملة. وطبعاً لما أنت بعت نهى. صحت حب جسور في قلبها وقلب على جميلة وضربها. تقريباً وهي يا عيني اتصلت بعمها بتعيط ومتشحتفة خالص. وعمها طبعاً مش هيسكت وهيروح لها بكرة.
رامز: طب والمطلوب.
ماهر بحدة: ما تركز يا رامز. لو مختار عرف ياخد جميلة من بيت جسور.
رامز مكملاً بسعادة: هنعرف نخطفها وتبقي تحت إيدينا. وساعتها هشام هيتكلم غصب عنه.
ماهر: بالظبط. ادعي بقى إن مختار يسلك مع جسور ويعرف ياخد جميلة.
رامز برجاء: ياااارب.