يتهمونك بالخيال المريض وبالهروب من الواقع. كأن قلبك آلةٌ اختلَّت أو أن روحك أضحت مسرحًا للوهم. أنت وحدك تدرك الحقيقة تسمع وقعها في صدرك كما يُسمع نبض الحياة. ترى آثارها منقوشةً على جدران الصمت، وتشعر بها كأنها لهيبٌ لا ينطفئ في داخلك. أيكون الجنون في أن ترى ما لا يريدون رؤيته؟ أيكون المرض في أن تؤمن بما لم تجرؤ أفواههم على الاعتراف به؟
أنت تعلم أن الحق لا يحتاج إلى شهودٍ كي يبقى وأن البصيرة قد تكون أثقل من العيون العمياء. دعهم يضحكون ويتهمون، ويُطلقون أحكامهم الرخيصة عليك. فأنت لست وحدك بل الحقيقة معك، وما يُتَّهَم بالخيال اليوم سيغدو غدًا واقعًا يبتلعهم بصمتٍ مهين حين تكشف عن الحقيقة والغرض مما يحدث أمامك الآن. هناك شيء ٌ غامض تحاول أمي أن تفتح عيني عليه وقد فهمتُ الرسالة ولن أرضخ حتى أعرف ماذا تريد مني فعله؟
لم يحاول النوم مرة أخرى، فقد كان يفكر بما قاله أسعد. أخبره مرارًا بأنها كانت مريضة، ولكن ما رآه منذ قليل على هذا التلفاز يخبره بأن هناك خطبًا ما. لماذا أصرت صفية على إنها لم تمت وأنها لم تكن تعاني من أمراض؟ ولماذا قام أسعد بطردها من المنزل؟ وأين اختفت منذ وفاة والدته؟ ظل يفكر حتى أشرقت شمس الصباح وارتفعت بالسماء، ثم أمسك هاتفه واتصل بقصي قائلًا: "أيوة يا قصي، أنا عايز منك خدمة." "قول يا ريان."
"عايز حد من عندك يدور على واحدة اسمها صفية مهران، كل اللي أعرفه إنها كانت ساكنة في الجمالية زمان، معرفش إذا كانت لسه هناك ولا لأ." "طيب متعرفش فين في الجمالية بالظبط؟ "لا، ما لو كنت أعرف كنت رحتلها." "طيب، هبعت حد من الرجالة هناك يدورو عليها." أنهى ريان المكالمة ونهض من الفراش وهو يشعر بالصداع. حتى سمع صوت الهاتف مرة أخرى فعاد لينظر بالرقم المتصل فوجده حور. فتلقى المكالمة فقالت: "إزيك يا ريان؟
"بخير الحمد لله، إنتي عاملة إيه يا حور؟ "الحمد لله، بابا قالي إنك تعبان، مالك حاسس بإيه؟ "لا كان تعب بسيط وراح، شكرًا على سؤالك." "إنت بتشكرني على إيه يا ريان ده أحنا متربين سوا يعني مفيش بينا شكر أو كده." "صح مفيش بين الأخوات شكر، معاكي حق." استمعت حور إلى كلمته الأخيرة وصمتت قليلًا والحزن يرتسم على ملامح وجهها البرئ. فا ها هو يرفضها مرة أخرى ويضع بينهما هذا الحاجز.... حاجز الأخوّة. فقالت في صوت ضعيف مخنوق بالبكاء:
"أيوة طبعًا، على العموم كويس إنك بخير، هقفل عشان عندي شغل." أنهت حور المكالمة دون أن تنتظر رده. فنظر ريان إلى الهاتف في حزن وقال: "معلش يا حور، قلبي متعلق بغيرك، أنسيني بقى وعيشي حياتك." سمع ريان صوت طرق الباب فذهب ليفتحه ووجد تالين تقف أمامه فقالت: "صباح الخير، الفطار جاهز تحت." "صباح النور يا قمري." ابتسمت تالين وقالت: "هو إنت كنت بتكلم حد؟ "آه، ديه حور كانت بتطمن عليا." تبدلت ملامحها في ضيق وقالت:
"طيب عن إذن حضرتك." كادت تذهب فأمسك يدها وجذبها لتدخل الغرفة وأغلق الباب ونظر داخل عينيها وقال: "شكلك وإنتي غيرانة حلو أوي." "وإنت شكلك بقيت كويس عشان بقيت غلس تاني." "لا خالص، بس حاسس إن فيه حد بيحاول يوصلي رسالة فا همشي ورا الرسايل ديه لحد ما أعرف الأشباح عايزة مني إيه." عقدت تالين حاجبيها في ذعر وقالت: "أشباح؟! أشباح إيه يا ريان؟ "زي ما بقولك كده، أنا بشوف شبح أمي." نظر لها ريان قليلًا ثم قال:
"عارفة إن فيكي شبه منها بس هي عينيها كانت ملونة مش زيك، عمري ما هنسى لون عينيها ولا شكلها، إنتي عارفة إن لون عينيها ده اللي خلاني أتأكد إن الشبح اللي بيظهرلي ده شبحها هي؟ "تاني هيقولي شبح، إنت بتخوفني ليه؟ "متخافيش يا حبيبتي، متجننتش لسه، هو اه كان باين عليا الجنان لما حبيتك بس لسه بعقلي متقلقيش." "ليه بقى، وأنا لو حبتني تبقى مجنون؟ اقترب منها ريان لينظر داخل عينيها في حب وقال: "مجنون بيكي يا قلب ريان." دفعته تالين
بيدها في عاتقه وقالت: "هتفضل تضحك عليا كده كتير، إوعى أنا نازلة." وضع ريان يده على الحائط بجوارها ليمنعها من الحركة وقال: "لا مفيش نزول، ما تيجي نتجوز؟ "بالأشباح ولا من غير؟ "لا هتتجوزيني بالأشباح اللي معايا ولا مش طايقة حماتك من أولها؟! تنهدت تالين وقالت: "الصبر يارب، بس يا ريان بقي الكلام ده." "تالين أنا مش بهزر، أنا فعلًا بشوف شبح أمي وواضح إن فيه حاجة عايزة توصلهالي بس مش عارف هي إيه." "يعني إيه؟!
وليه بعد كل السنين ديه؟! ديه خالة سعدية قالتلي إنها ماتت من سنين." صمتت تالين قليلًا ثم قالت: "معقول بسبب الدور اللي تحت؟! "ماله الدور اللي تحت؟ "أصل يوم الحفلة حد فتح الباب اللي تحت خالص وأنا نزلت قفلته." "وإيه علاقة الدور اللي تحت بماما؟ "أصل الموضوع حصل في نفس اليوم، وبصراحة كلنا بنخاف من الدور ده." "مفيهوش حاجة أصلًا، بس بابا قافله من ساعة ما خدنا البيت ده ومحدش بينزل فيه يعني."
"طيب الأكل برد، يلا عشان تفطر لأن أسعد بيه أمرنا إنك تاكل كويس عشان فيه ضيوف جايين بليل." "ضيوف مين؟ "معرفش، يمكن حور." "لا حور بعد اللي قولته من شوية مش هتيجي." ابتسمت تالين وقالت: "ليه قولتلها إيه؟ لاحظ ريان سعادتها فقال: "قولتلها بحب واحدة تانية مجنناني ومش عايزة تقولي كلمة حلوة تبرد قلبي ده." شعرت تالين بالخجل من نظراته ودفعت يده التي وضعها على الحائط بجوارها وخرجت سريعًا من الغرفة.
نظر ريان إلى أثرها بسعادة، ثم أخذ حمامًا دافئًا وارتدى ثيابه، واتصل بأسعد يسأله عن ضيوف هذه الليلة. فأخبره أن ذلك الروحاني سيأتي الليلة بعد أن توسّط له أحد المعارف ليحضر إلى المنزل. نزل ريان لتناول الطعام، ثم تلقّى مكالمة من قصي وأخبره بعنوان صفية. فترك المنزل سريعًا وتوجّه إلى العنوان. اقترب بسيارته من أحد المنازل القديمة فأوقفها أسفل المبنى ثم نزل منها وصعد إلى الطابق الثاني. طرق الباب مرّاتٍ عدة
حتى خرج أحد الجيران وسأله: "بتدور على مين يا ابني؟ "خالة صفية... صفية مهران." "يااااه، ديه سابت البيت من زمان." "من إمتى بالظبط؟ "من ساعة ما أختها ماتت الله يرحمها، عزلت ومرجعتش تاني ولا حتى باعت الشقة، زي ما هي كده مقفولة بقالها سنين." "طيب متعرفش هي فين أو أي حاجة عنها؟ "لا يا ابني، أخبارها اتقطعت من ساعتها، زي ما تكون هربانة من حد والله أعلم."
ذهب ريان يجوب بالشوارع، عقله مشتّت. انقلبت حياته رأسًا على عقب في يومين. تُرى، ما الذي حدث بالماضي؟ وماذا تريد أمه منه؟ حلّ المساء، وعاد ريان إلى المنزل ليجد أسعد في انتظاره وقال: "كويس إنك جيت كنت لسه هكلمك، الراجل جي كمان شوية، تعالى استناه معايا." جلس ريان بجواره وهو يبدو عليه الحزن فقال أسعد: "هو فيه حاجة تاني حصلت إمبارح؟ "لا."
"يبقى زي ما قال الدكتور تعب بسيط هيروح، على العموم برده الراجل اللي جي ده لو فيه حاجة فعلًا في البيت هيعرف." أومأ له ريان في صمت. وبعد وقت طُرق الباب وفتح أحد الخدم ليدخل الروحاني المنزل. قام أسعد وريان بالترحيب به وجلسو معًا. بعد قليل قال الروحاني سلطان: "مفيش أشباح بس البيت فيه طاقة سلبية كبيرة، فيه حاجة غلط فيه، لكن مش حاسس بأشباح في المكان." "ما يمكن مش موجودين دلوقتي."
"لو فيه شبح في مكان بيبقى مربوط بيه، مش بيبعد عنه بسهولة، وحاليًا أنا مش حاسس بأي حاجة غير إن فيه طاقة غريبة في البيت مش أكتر، على العموم الملح ده يتحط في الأركان هيسحب الطاقة السلبية والبخور ده يفضل شغال في البيت لمدة أسبوع، وهاجي تاني وأشوف الوضع بعدها." ذهب سلطان وترك الملح والبخور. فنظر إليهما ريان وصعد إلى غرفته. فقال أسعد: "مش هتتعشّى؟ "مش قادر، عايز أنام."
"طيب هخلّي الخدم يعملولك حاجة دافية تشربها قبل ما تنام." أومأ له ريان وطلب من سعدية أن تعد له لبن دافئ وترسله إلى غرفته. بعد وقت بدّل ريان ثيابه وجلس بالفراش ودخلت سعدية لتعطيه اللبن ثم خرجت. كان ريان ينتظر تالين ولكنها لم تأتِ فشرب اللبن وأطفأ الأضواء القريبة منه ثم استلقى لينام.
قبل الفجر، سمع ريان أصوات نداء داخل الغرفة مرة أخرى؛ أصوات مرعبة. يتخللها فحيح غريب ينادي باسمه. مد يده المرتعشة خوفًا ليضيء المصباح بجواره ولكن لم يعمل، فجلس بالفراش وهو ينظر حوله في ذعر في هذا الظلام. وضع يده على الفراش ليرفعه عنه ولكن شعر بشئ عليه، تحسّسه بيده ليجد ورقة مطوية. الأصوات بدأت تهدأ تدريجيًا حتى اختفت تمامًا.
أمسك ريان الورقة ونهض من الفراش ومشى بحذر حتى وصل عند الباب وأشعل الضوء ونظر إلى الورقة التي بيده وفتحها. وجد اسم المشفى التي يمتلكها دكتور عادل صديق والده واسم عادل بالكامل أيضًا ورقم غرفة وتاريخ وفاة والدته. نظر إلى الورقة في يده في دهشة وهو يعقد حاجبيه في حيرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!