تحميل رواية هالة والادهم بقلم هدي زايد pdf
بقلم هدي زايد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
هدوء شديد عكس الضجيج الذي يحدث داخلها. لكل بداية نهاية، ولكل نهاية مؤلمة بداية مذهلة. تُرى أين بدايتها؟ هل عندما تزوجته في سن العشرين؟ أم عند أول عناق حدث بينهما؟ عشرة سنوات كاملة قضتها هنا في بيت عمها. تزوجت من حمزة نصر الدين. كان عاشقًا لها حد النخاع آنذاك، أما الآن فتبدل تمامًا. تزوج بأخرى متعللًا بتلك الحجج والأعذار التي تُقال في مثل هذه المواقف. لم تُنجب منه حتى الآن، ولم يتذمر أو يخبرها بما يجيش في صدره عن تلك العاطفة تجاه الأطفال. كم يتوق شوقًا لرؤية طفلًا صغيرًا يحمل صفاتهما، يخبره عن أم...
رواية هالة و الادهم الفصل الأول 1 - بقلم هدي زايد
هدوء شديد عكس الضجيج الذي يحدث داخلها. لكل بداية نهاية، ولكل نهاية مؤلمة بداية مذهلة.
تُرى أين بدايتها؟ هل عندما تزوجته في سن العشرين؟ أم عند أول عناق حدث بينهما؟
عشرة سنوات كاملة قضتها هنا في بيت عمها. تزوجت من حمزة نصر الدين. كان عاشقًا لها حد النخاع آنذاك، أما الآن فتبدل تمامًا. تزوج بأخرى متعللًا بتلك الحجج والأعذار التي تُقال في مثل هذه المواقف. لم تُنجب منه حتى الآن، ولم يتذمر أو يخبرها بما يجيش في صدره عن تلك العاطفة تجاه الأطفال. كم يتوق شوقًا لرؤية طفلًا صغيرًا يحمل صفاتهما، يخبره عن أمه الحنونة، الجميلة، والمجذوبة في بعض الأحيان.
أطلقت تنهيدة طويلة من صدرها. كانت ترتشف رشفات سريعة ومتتالية من قهوتها المُرة كأيامها الأخيرة من وجهة نظرها. تنظر بين الفنية والأخرى في ساعة معصمها. لم تنتبه لوجود حمزة في شرفة غرفته المجاورة لغرفتها. ربما تشعر وتتجاهل الأمر لتمرر أيامها معه.
خرجت من الغرفة في اتجاهها للمطبخ. بدأت تجلي الصحون والجلبة التي صنعتها بنفسها، تاركة ما صنعته زوجته. ما إن انتهت من تلك الفوضى، توجهت نحو الحجرة. وقبل أن تلج، وجدته يقف حذاء العروس الجديد وضاحكاتهما تدوي المكان. داخل شقة أخيه، أكلتها نار الغيرة والغيظ. لم ترَ أمامها سوى الغضب الشديد. ألهذه الدرجة لا يراها؟ ألهذه الدرجة لا يشعر بها؟
فجأة وبدون سابق إنذار، هدرت بصوتها المرتفع وهي تصفع ابن أخيه على وجهه. لقد كسر شاشة التلفاز ودمر المكان بالكرة خاصته. بالطبع لم يقصد ما فعله، ولكنها اليوم مصابة بالغيرة. أتى الجميع وخطواتهم تتعثر في بعضها البعض. وقف حمزة متسائلًا من بين لهاثه:
– في إيه؟ إيه اللي حصل؟
رد الصغير الذي تجاوز السبع سنوات بأيام معدودة وقال ببكاء:
– كسرت الشاشة غصب عني والله يا عمي ومرات عمي ضربتني.
ردت وداد زوجة حمزة الثانية وقالت:
– تعال معايا يا سيف. مرات عمك مكنش قصدها يا حبيبي.
ردت هالة بنبرة مغتاظة قائلة:
– وأنتِ بتتدخلي ليه في اللي ملكيش فيه؟ ولأنتِ فاكرة نفسك طيبة يا خرابة البيوت؟
ردت وداد بنبرة هادئة:
– ربنا يسامحك يا هالة. مش هرد عليكِ عشان عذراكِ.
كادت أن ترد عليها، لكن صوت حمزة بتر الحديث بينهما. خرجت وداد كما أمرها، وظلت هالة تشاهدهُ بنظراتٍ ساخطة. اقترب منها وقال:
– وأنتِ بقى كل يوم والتاني ليكي موال شكل؟ في إيه مالك ومال الواد الصغير؟
– كسر الشاشة.
– ما يكسرها ولا تغور في داهية. كنتي بتجيبي حاجة من جيبك؟
دفعها لتهوي بجسدها على المقعد. رفعت بصرها له. ما إن احتوى فكها السُفلي بقبضته وقال من بين أسنانه:
– بصي بقى. لما أقولك شغل قلة الأدب اللي حاصل دا، أنا ما بحبش عمالة تغلطي في دا وتضربي دا. وأنا بقول عدي ياواد، ما هي تلاقيها زعلانة. لكن هاتمدي إيدك على عيل صغير هزعلك. فاهمة ولألا؟
ردت بعنادٍ وعصبية مفرطة:
– لا مش مفهوم. وبعدين أنت مالك ومالي؟ ما أنت رحت اتجوزت ورميني. بتتدخل فيا ليه أصلاً؟
تابعت بغضبٍ جم دون قصد:
– فوق لروحك. ولأ فاكر نفسك إني واقعة في هواك لسه؟ أنا اللي رميتك ومش عاوزك. فوق لنفسك يا حمزة بيه. الست اللي توافق تعيش مع واحد وهو متجوز غيرها يبقى ولا فارق معاها بالبلدي كدا. مش شايفاه. وأنت لو عندك ذرة كرامة طلقني.
صك على أسنانه وهو يعتصر قبضته نصب عينيها. محاولات جديدة للضغط عليه. هي على علم بأنه لن ينفذ هذا الشرط. فهذه المرة ستكون الأخيرة بالفعل بالنسبة لهم. زفر ما برأيته وقال بتحذيرٍ:
– لآخر مرة يا هالة بقلك ابعدي عن الشر و غني له.
ابتسم بانتصار لإهانته وعدم قدرته على رد الإهانة. ضغطت أقصى ما لديها وقالت بسخرية:
– إيه يا زومي؟ مش عجبك كلامي؟ تحب أتلوّن لك زيها عشان أعجبك؟
تابعت بنبرة صارمة وهي تحدجه بسخطٍ وكره:
– كنت فاكرك راجل وهاطلق. يا خسـ…
بتَرَت كلماتها بصفعة مدوية. تحسست محل الصفعة. وعلامات الدهشة والذهول تتنابها. نظرت له وجدته يُلقي ما في جعبته قائلًا:
– أنتِ كدا جبتي أخرك معايا. لو كنتي بتشوفي حمزة الحنين اللي بيدلع ويطبطب، دلوقتي هتشوفي واحد تاني خالص.
ردت بنبرة مغتاظة وصوتٍ مرتفع:
– أيوه كدا. اظهر على حقيقتك. ما هي تلاقيها شحنتك عليا، بس هقول إيه؟ ما أنتـ…
كادت أن تكمل حديثها، لكن منعها دخول والدته التي سئمت الحياة بسبب ابنها وزوجته. حاولت أن تفض المشاجرة بعقلانية، لكن صراخ حمزة وانفجاره وهو يخبرها بعيوبها أمام الجميع جعلها تتمنى الموت اليوم قبل غدًا. هزها في كتفها وقال:
– أوعي تكون فاكرة نفسك أنتِ بس اللي مستحملاني. أنا كمان مستحمل يا ماما كتير. مستحمل عفنتك وإهمالك في البيت ونفسك.
وردت والدته قائلة بهدوءٍ:
– خلاص يا حمزة. صل على النبي كدا، وشوف يلا كنت هتروح فين.
رد حمزة بصراخ قائلًا:
– لا مش رايح. وكفاية بقى طبطبة في واحدة فاكرة نفسها بتتفضل عليا بالعيشة معايا.
تابع وهو يشير لأنحاء الشقة ثم عاد بسبابته وقال:
– شوفوا الشقة بقت عاملة إزاي. وقبل ما وداد ما تتدخلها، كان شكلها إيه؟
وقفت هالة ذاهلة وهي ترى بأم أعينها زوجها وحبيبها يقلل من شأنها أمام جميع أفراد العائلة. لم تتوقع ما حدث منه حتى هذه اللحظة. ظل يردد كلماته ولم يصل لمسامعها إلا القليل. فالعالم الذي هي بداخله الآن غريبًا عليها. غادر المكان بعد أن أهانها بالكثير من العبارات التي لم تستوعبها حتى الآن. ألهذه الدرجة الإهانة وكشف عيوبها أمام الجميع شيء هين عليه.
بعد مرور ساعتين.
كانت والدته تضع بين يديها كأسًا من الليمون البارد. ربتت على كتفها وقالت بنبرة حانية:
– معلش يا هالة. معلش يا حبيبتي. أنتِ عارفة حمزة يطلع يطلع وينزل على ما فيش. وقلبه أبيض من اللبن الحليب. هو أنا بردو اللي هاقولك عليه؟
نظرت هالة لوالدته وقالت بدهشة وذهول:
– حمزة؟ هو فين حمزة دا؟ أنا عاوزة أعرف اللي حبني راح فين؟ اللي أنا عايشة معاه دا واحد غريب عليّ.
ربتت والدته عليها وقالت بنبرة حانية وهي تحثها على الوقوف:
– متزعليش. بكرة يرجع أحسن من الأول. أنتِ بس بلاش تنكدي عليه كدا كل شوية، خليه يرجع يشوف الوش الحلو بتاع زمان.
ختمت حديثها قائلة بجدية مصطنعة:
– قومي يلا يا حبيبتي من غير مطرود على بيتك. شوفي جوزك. قومي يلا. مش النهاردا يومك؟
وقفت هالة وهي تسخر من حالها. صعدت الدرج وبداخلها ومضة أمل بأن ما حدث سيمر ويعتذر لها وينتهي الأمر بالمصالحة. لم تكن تعرف أن زوجته جالسة بجانبه حد الالتصاق تغنجه حتى ينسى غضبه الشديد منها. رد حمزة وقال بنبرة مكتئبة:
– وداد، قلت لك مليون مرة مش كل اللبس اللي ينفع تخرجي بيه برا أوضتك.
– فيها إيه بس يا زومي؟ مش أنا بلبس كدا في أوضتي. إيه الفرق؟
– الفرق إن هالة معانا في الشقة، وأنتِ عارفة إن الدنيا بينا ولعة على الآخر. ما تجيش أنتِ بقى تزودي.
ردت وداد باسمة وهي تجذب الرداء من خلفه. كانت تقترب منه بطريقة منفرة بالنسبة لـ هالة. كيف لها أن تقترب منه هكذا؟ واللعنة عليه لقد سمح لنفسه أن ينظر لها نظراته تلك. بل تبادل القبلات المحمومة أيضًا! فتحت الباب بعنف مما جعلهما ينتفضان من جلستهما المخالفة لمكان كهذا. ولجت دون أن تحدث أحدهم. ولجت غرفتها وبدأت تلملم متعلقاتها، ملابسها، وحتى أوراقها الشخصية قررت أن تأخذها معها. أغلقت السحاب الخاص بحقيبة السفر. لم تترك شيئًا إلا وأخذته عدا صورتهما التي وضعتها منذ فترة قبل زواجه الثاني.
خرجت والدموع تأبى الانصياع لها. كفكفت الدموع بطرف أكمامها وخرجت. استوقفها قابضًا على ذراعها برفق وقال بتساؤل:
– رايحة فين كدا؟
– ملكش دعوة.
– ردي عليا عدل بدل ما والله العظيم أعرفك إن الله حق. رايحة فين كدا؟
نظرت لرقبته وشفتاه الغليظتان. وجدت ما لم تود رؤيته. تملكها الغيظ من جديد وقالت:
– سايبة لك البيت يا عريس.
– راحة فين يعني؟ فاكرة نفسك متجوزة مين؟
بلعت مرارة حلقها وقالت من بين دموعها:
– حمزة نصر الدين. ابن عمي المحاسب اللي شقي واتغرب سنين عشان يرجع يتجوز حب عمره. واللي فضلت صابرة عشر سنين وفي الآخر كفائتها واتجوز عليها.
ختمت حديثها قائلة:
– أنا نازلة عند أمك يا حمزة ومش طالعة هنا تاني. أنا مليش مكان هنا. خدوا راحتكم يا عرسان.
ترك حمزة ذراعها وهو يتحاشى النظر بخاصتها التي اغرورقت بالدموع. لقد بات الوضع يزداد سوءًا. كلما حاول إصلاح شيء فسد. اندفعت بجسدها تجاه باب الشقة وهي لا تشعر بساقيها. انتهت نصف المهمة وبقى النصف الآخر. بشكل أو بآخر ستحصل على الطلاق. شاء من شاء، وأبى من أبى. ولجت الشقة الخاصة بوالدته. هوت بجسدها على أقرب مقعد. خارت كل قواها في البكاء. وبعد ساعة تقريبًا من الانهيار، استطاعت أن تسرد ما حدث.
– مافيش أي حل يا هالة غير إنك تقبلي بالوضع الجديد يابنتي. معلش اتحملي.
أردفت والدة حمزة عبارتها المواسية لها رغم عدم قبولها من البداية. نظرت هالة لها وقالت بنبرة متحشرجة وهي تبتلع مرارة حلقها:
– وإشمعنى حمزة اللي اتجوزها؟ ليه مخلتيش محمود؟
ردت والدة حمزة قائلة بمرارة:
– يا بنتي والله العظيم أنا لا كنت عاوزة حمزة ولا محمود. هو سهل عليا أشوف مرات ابني الكبير بتتجوز حد من أخواته! أنا اللي فيا مش حد وساكتة وصابرة. فكرك سهل عليا أوجع قلبك؟ ولأ أنا مبسوطة وأنا بجيب لك ضُرة؟ والله وغلاوتك ومعزتك في قلبي زيها زي ريهام ورغدة. ويمكن أكتر. هما اتجوزا ومشوا، لكن أنتِ اللي باقية.
إيماءة من رأسها علامة الموافقة والانصياع لأوامر تلك المرأة المسنة التي تفعل ما بوسعها لتسعد قلبها بعد أن جرّحته. وقفت عن مقعدها. ما ولج حمزة وخلفه زوجته الجديدة. تجاهل وجودها كعادته. على الرغم من معاتبة قلبه له، إلا إنه قرر أن يعاقبها كما فعلت هي بقرارها هذا.
ولجت المطبخ وأعدت الطعام. وفي أذنيها سماعات الرأس، تستمع لإحدى الأغاني التي تعشقها. حالة من الهروب ظنًا منها أنها بهذا الأمر ستتجاهل ما يحدث بالخارج. فصل هاتفها وانقطعت الأغنية عند المقطع الذي تعشقه. وصل لمسامعها صوت العروس الجديدة وهي تقول بنبرة صادقة:
– هي هالة لسه زعلانة مني؟ أنا والله ما كان قصدي أخطف جوزها منها زي ما هي فاهمة الموضوع. وما في إن محمود صغير و…
ردت والدة حمزة قائلة:
– هالة من حقها تزعل يا وداد. وأي حد مكانها ها يزعل. مهما كانت المشاكل بينها وبين حمزة. مكانتش متوقعة إن جوزها يبص لغيرها. فـ معلش اتحمليها واتحملي معاملتها الجافة معاكي.
ردت وداد باسمة:
– حاضر يا مرات عمي.
وقفت عن مقعدها وقالت بإبتسامة واسعة وهي تنظر لزوجها:
– عن أذنك هـاروح المطبخ أساعدها عشان الشغل كتير عليها أكيد.
رد حمزة بإيماءة من رأسه وقال:
– روحي بس بلاش مشاكل. أنا مش عاوز وجع دماغ.
– حاضر.
نظرت والدته له دون أن تتفوه بكلمة واحدة. بينما هو هز رأسه وقال بتساؤل:
– خير. في إيه؟
– مش شايف إنك مهمل في حق هالة؟
– على فكرة أنا مهمل في حق وداد بردو. القصة وما فيها إن مشغول الفترة دي يعني. لا فاضي لدي ولا رايق لدي.
– مليش دعوة. أنت فيك إيه؟ أنا ليا دعوة إن من يوم كتب كتابك على وداد وأنت ما طيبتش خاطر اليتيمة اللي جوا دي. كل يوم تنام ودموعها على خدها.
رد حمزة بضيق من حديث والدته. يريد عليها ثقل فوق ثقله. إن كان عليه سيذهب على الفور ويعانقها وينتهي الأمر بها ليُعيدها لمكانها في شقتها تمامًا كـ قلبه. لكن تصرفاتها تلك تجعلها تزيد الأمر سوءًا.
شاح ببصره تجاه النافذة. بينما غادرت والدته لصلاة العصر. خطواتها السريعة من المطبخ إلى غرفة النوم خاصتها بمنزل والدته جعلت نبضات قلبه تكاد تخرج من قفصه الصدري. لكن ظاهريًا متخشبًا كالتمثال. كاد أن يقف عن مقعده ليستوقفه صوت أخيه وهو يلج بصغاره وخلفه زوجته. صافحه ثم جلس محدثًا إياه بجدية:
– فينك يا عم؟ بقالي شهر باجي ألاقيك نايم بدري يعني.
تابع بغمزة من طرف عينه وقال:
– هو الجواز لتاني مرة حلو كدا؟
ابتسم حمزة ابتسامة باهتة عكس حزنه الذي يعتري قلبه. تنحنح وقال بسخرية:
– تقدر تقول كنت ميت ورجعت تاني. مش أكتر.
كاد أن يكمل حديثه لكن قاطعته والدته قائلة:
– يلا يا ولاد. الغدا جاهز.
التف الجميع حول المائدة. بدأت الأم في توزيع الصحون والطعام. أما وداد وضعت الطعام أمام حمزة وقالت بخفوت:
– اتفضل يا حبيبي.
ابتسم بتوتر وقال:
– تسلم ايدك.
فـ تابع وهو يخفي توتره قائلاً بمجاملة ظاهرية:
– يا حبيبتي ربنا ما يحرمني منكم.
وصلت الكلمة لمسامع الجميع رغم انخفاض نبرة الصوت. لم تعلق وداد واكتفت بالإبتسامة مراعاةً لشعور هالة. تنهدت الأم وقالت بإبتسامة واسعة:
– تسلم ايدك يا لولو. الأكل زي العسل.
تابعت بمجاملة:
– وأيدك يا وداد.
ردت وداد باسمة:
– أنا معملتش حاجة. الأكل الحلو دا مبيطلعش غير من ايد هالة.
هالة اليوم لم تكن هي تلك المتعارف عليها. تُعد امرأة أخرى غير التي يعرفها حمزة. لو يطاوعه عقله ويسألها بلسانه بدلًا من قلبه. توقفت عن الأكل فجأة وقالت:
– الحمد لله شبعت. أنا هروح أصلي العصر بقى وأرتاح شوية. عن أذنكم.
ردت والدته وقالت بإبتسامة واسعة:
– ماشي يا حبيبتي. روحي وأنا هاصحيكِ بليل عشان نروح لـ ريهام سوى.
ردت هالة قائلة:
– معلش مرة تانية. أنا تعبانة ومش قادرة أخرج. روحوا أنتوا.
– هتقعدي لوحدك يعني يا لولو؟!!
– ماما أنا تعبانة. من فضلك سيبيني.
– طيب يا حبيبتي. على راحتك.
في المساء.
– كفاية يا ريهام. مش قادرة بجد. أنتِ فظيعة أوي. بطني وجعتني من كتر الضحك!
أردفت وداد عبارتها وهي تضع صحن الكيك على سطح المنضدة الزجاجي. بينما حمزة كانت في عالمًا آخر. حاول أن يتظاهر بالانسجام لكنه فشل. انتشله من بئر أفكاره رفض والدته على حديث زوجته الجديدة حين قالت:
– لا معلش. أنا مش هقدر أسافر. سافروا إنتوا.
رد حمزة وقال بتساؤل:
– ليه يا ماما؟ إحنا هنغير جو.
– معلش يا حمزة. سافروا إنتوا.
ردت وداد قائلة بإصرار:
– لا مرات عمي السفرية مش هتبقى حلوة من غيرك.
– السفرية حلوة بناسها يا بنتي. سافروا واتبسطوا وسابوني.
رد محمود قائلاً:
– يعني هتقعدي لوحدك يا ماما؟
– لا هقعد مع هالة.
ردت وداد قائلة:
– ليه هتخليها تقعد يا ماما؟ ما تخليها تيجي معانا وتغير جو.
تنهدت والدة حمزة قائلة بضيق:
– بصراحة بقى هالة مش عاوزة تروح السفرية. وأنا مردتش أغـ صب عليها. هي نفسيتها لسه مش كويسة.
كاد أن يتحدث حمزة لكنه اكتفى بالصمت. عنادها كل مرة يحاول أن يفعل لها شيئًا يرضيها يفسده.
عاد إلى بيت العائلة من جديد. وقبل صعوده إلى شقته استوقفته والدته قائلة:
– حمزة عاوزك في كلمتين.
– ماما أنا تعبان وعاوز أنام.
– لا معلش. كلمتين مش أكتر.
تابعت حديثها قائلة:
– اطلعي أنتِ يا وداد وهو ها يجي وراكِ.
ردت وداد باسمة وقالت بأدبٍ:
– حاضر يا مرات عمي.
صعدت وداد إلى الشقة. بينما نظر حمزة لوالدته وقال:
– خير يا ماما. في إيه؟
– مراتك بتنزف.
– مراتي مين؟!!
– مراتك مين!! مراتك هالة يا حمزه بقالها شهر بتنزف والنزيف مش راضي يقف. حاولت آخدها ونروح لدكتور بس هي مصممة إن دا بيحصل لها طبيعي. خدها وروح لدكتور وحاول تطيب خاطرها بكلمتين وإنتوا برا.
كاد أن يتحدث لكن عيناه وقعت عليها وهي تخرج من الغرفة متجهة نحو المرحاض. عاد ببصره لوالدته وقال بهدوء:
– بكرا طول النهار ها بقى برا. ها حجز لها وأخدها. خليها تجهز نفسها وابقي تعالي معانا.
ربتت على كتفه باسمة وهي تقول:
– ربنا يرضيك ويهديك ليها. كنت عارفة إنها مش هتهون عليك بردو.
– وهي هالة بردو يا أمي تهون؟ أنا بس اللي هُنت عليها و خلاص. خلصت الحكاية.
ختم حديثه قائلاً بضيق:
– أنا طالع. ابقي عرفيها إني هاستنها بكرا الساعة سبعة.
في شقة حمزة بالطابق العلوي.
كانت وداد خارجة من المرحاض وبيدها اختبار جديد غير الذي ابتاعته منذ يومين. وقفت أمامه وقالت بسعادة:
– حمزة أنا عاوزة أقولك على حاجة.
رد حمزة وقال بضيق:
– بعدين يا وداد. أنا هلكان وعاوز أنام.
– دي حاجة هتهون تعب الدنيا كلها عليك.
– حاجة إيه دي؟
– أنا حامل يا حمزة!
رواية هالة و الادهم الفصل الثاني 2 - بقلم هدي زايد
لم يُبدِ أي رد فعل تجاه هذا الخبر الجميل من وجهة نظر وداد. ظلت عيناه معلقتين في عينيها في انتظار المباركة، لكنها وجدته يتساءل بهدوءٍ عجيب:
– هو أنتِ متأكدة؟
تحاملت على نفسها مانعة الدموع أن تتجمع في مقلتيها، وقالت بجدية:
– أنا عملت التحليل مرتين، وفي مرتين طلع إيجابي يعني حامل.
– طيب مبروك.
قالها حمزة بنبرة مقتضبة، محاولًا مجاملتها وإخفاء حزنه الشديد بعد سماع هذا الخبر. استوقفته قابضة على يده برفق، وقالت:
– حمزة، أنت مش مبسوط إنك هتبقى أب؟
لم ينكر شيئًا، اليوم لن يجامل أحدًا على حساب قلبه وسعادته الحقيقية. نظر لها وقال:
– هاكذب عليكي لو قلت إن أنا مش نفسي أبقى أب، بس حابب دا وها أموت عليه من هالة يا وداد.
نظر لها وقال بجدية لا تأتي في صدره:
– مش قادر أخبي أكتر من كدا يا وداد، هالة هي حبي الأول والأخير. أنتِ، ومتزعليش مني، مراتي آه، بس في نفس الوقت كنتِ مرات أخويا. أنا أصلًا لسه مستغرب أنتِ إزاي نسيتي جوزك بالسرعة دي. أنتِ حزنتي عليه فترة العدة بس، وبعد كدا قالوا لك لازم تتجوزي حد من إخواته، قلتِ ماشي.
مصارحته بكل هذه الأشياء جعلتها تتمنى أن تختفي داخل سابع أرض، لكنها قررت أن تتحمله لنهاية الحديث. ثم أتى الرد بطريقة غاية في البساطة وهي تقول:
– طلقني يا حمزة، واعتبر إن مدخلتش حياتك.
– لو كان ينفع أطلقك كنت عملت، مكنتش اتجوزتك أصلًا. أنا بربي ابن أخويا.
تابع بحسرة تملأ نبرة صوته، ناظرًا لباطنها، وقال:
– وابني اللي جاي في الطريق.
كاد أن يلج غرفته، لكنه غير مسار طريقه واتجه نحو الباب. استوقفته متسائلة بمرارة:
– على فين يا حمزة؟
رد دون أن يستدير قائلًا:
– النهار ده يوم هالة، وها أروح لها منين ما تكون يا وداد.
خرج من الشقة وصوت بكاء وداد يصل لمسامعه.
لم تجد الحنان الذي بحثت عنه في زوجها السابق. ظنت أنها بمجرد الزواج من أخيه الذي ظل يدلل زوجته ويعاملها معاملة الأميرات، ستنال من هذا الحنان. لم تكن تعلم أن ما يفعله هو نابع من أعماق قلبه، وأن زواجه منها كان بضغط من والدته ليس إلا.
رغم المشكلات التي حدثت بين حمزة وهالة، إلا أن الحب والتفاهم قبل زواجه كان يسود علاقتهما.
لم يكن عدم إنجابه لأطفال معضلة بالنسبة له، ما دامت هالة بجواره، فلا يريد شيئًا آخر سواها.
***
داخل غرفة هالة بالطابق الأرضي.
كانت في سباتٍ عميق حين ولج حمزة الحجرة. رفع الدثار ببطءٍ، حتى لا يوقظها. جلس بهدوءٍ تام، لأول مرة منذ زواجه الجديد، يتشاركا ذات الفراش. نظر لوجهها الشاحب، وجدها مغمضة العينين. مال بوجهه ليُطبع قُبلة ناعمة. شعرت بأنفاسه، فتحت جفنيها بثقل، ووجدته يتوسد الوسادة وهو يقول:
– هو مش المفروض إن النهار ده يومك؟
ولّته ظهرها وقالت بجمود:
– أنا انتهت كل أيامي معاك خلاص يا حمزة.
احتقن الدم في عروقه وهو يستمع لكلماتها الصارمة، دون أن تتواجه مع نظراته المغتاظة. ضغط على كتفها جابرًا إياها أن تنظر له، وقال:
– أيام مين اللي تنهتي؟ أنتِ بتخرفي كتير الأيام دي وأنا ساكت ومتحمل عشان حالتك النفسية، بس...
ردت مقاطعة إياه وهي تعتدل في رقدتها، قائلة بهدوءٍ حد الاستفزاز:
– ما بسش يا حمزة، أنا حالتي النفسية ما فيش أحسن منها. أوعى تكون فاكر إني أنا الست الضعيفة اللي هاتموت عشان جوزها اتجوز عليها. فوق يا بابا، وأعرف أنت بتكلم مين. أنا هالة. أنت جيت عليا كتير من يوم ما فكرت تتجوز وداد. أنا كنت بستحمل عصبيتك ونرفزتك بين الوقت والتاني عشان كنت بقول: كفاية يا بت، إن متحنل يعيش معاكي وأنتِ مبتخلفيش.
نظرت له، وجدته يجلس على حافة الفراش يستمع لحديثها. تابعت بكل ما أوتيت من هدوء وبرود أعصاب:
– بس لا، أنا ما فيش حاجة ناقصاني. وإن كان على الخلفة، بكرة ربنا ها يعوضني. أنا واثقة في ربنا خير.
– خلاص يا هالة، خلصتي كلامك؟ طلعتي اللي في قلبك؟
– أيوه، واتفضل روح نام جنب مراتك.
ختمت حديثها بمراوغة رغم جمود ملامحها:
– ومبروك على الحمل يا حمزة.
– أنتِ مين قالك؟
– مراتك من فرحتها بالخبر قالت لأمك، وأمك ومن فرحتها قالت ليك.
كاد أن يقترب منها، لكنها استوقفته قائلة:
– إياك تلمسني ولا تقرب لي. أنا مش الرف الاحتياطي اللي ها تيجي تحط عليه حاجتك وتمشي.
– رف إيه وكلام فارغ إيه، هالة. أنا مش عاوز أضغط عليكي أكتر من كدا، بس أنتِ كمان بلاش تضغطي عليا، الله يبارك لك.
– أضغط عليك!! غريبة. أنا من يوم جوازك وأنا ببعد عنك بكل اللي أقدر عليه. بس اللي ملاحظاه إنك أنت اللي ماشي ورايا زي ال...
صمتت حتى لا يحدث مشاجرة جديدة بينهما، وهي لا تريدها الآن تحديدًا. وقفت عن حافة الفراش، وقالت بهدوءٍ تام:
– بص يا ابن الناس، أنا اتحملتك فوق طاقتي، وربنا أمرني بالصبر. البلاء وإن أقول الحمد لله في السراء والضراء، وأنت كنت بالنسبة لي الاتنين. فأنا بكل الهدوء اللي في الدنيا بقولك: طلقني.
هدر حمزة بصوته الجهوري قائلًا:
– هو في إيه؟ كل شوية طلقني، طلقني، طلقني. مش ها أطلقك يا هالة، ولو اتقلبتي قرد.
ردت هالة بعنادٍ:
– مش ها تقلب قرد يا حمزة، وبرضه ها أطلقك.
نهض عن الفراش بعنف متوجهًا نحوها، وقال بنبرة مغتاظة:
– طب اسمعي بقى، طلاق مش مطلق، وأعلى ما خيالك اركبيه. فاهمة ولا لأ؟
ابتسمت ماء شدقيها، وقالت بهدوءٍ تام:
– حاضر يا حمزة.
في عصر اليوم التالي.
ولج حمزة منزل والدته باحثًا عن هالة. رفع الستار الموضوع على باب المطبخ، وقال بنبرة متعجبة قائلًا:
– فين هالة يا ماما؟ بكلمها مبتردش.
استدارت والدته قائلة بذات النبرة:
– هي مش معاك؟ دي خرجت وقالت لي إنك اتصلت عليها عشان تروحوا سوا للدكتور!
كور قبضته وقام بضرب الحائط بقوةٍ شديدة وهو يقول بغضبٍ:
– الهانم مشت زي ما قالت.
– هو في إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة.
كادت أن تسأله، لكنه خرج من المطبخ وهو يتمتم بحنق. حاول أن يسأله أخوه، لكنه لم يلتفت لأحد اليوم.
داخل منزل والدة هالة.
وقف أخوها إبراهيم، وقال بجدية مشيرًا تجاه المقعد المجاور:
– تعالي هنا يا هالة جنبي.
جلست كما أشار له إبراهيم، وقالت بحزنٍ دفين:
– أنا خايفة من حمزة، دا مجنون وممكن يبهدل الدنيا.
ارتشف إبراهيم المشروب الدافئ، ثم نظر للكوب بتقييم، وقال:
– عليها كوباية سحلب يا روحي، عليها تحفة.
ردت والدته و قالت بنبرتها المغتاظة قائلة:
– أنت يا واد، أنت جايب البرود ده منين؟ بتقولك جوزها حلف يمين طلاق ما تخرج من البيت وخرجت، يعني اطلقت، وأنت قاعد بتشرب سحلب!!
رد إبراهيم قائلًا بنبرة حائرة:
– هو الطلاق له مشروب معين؟ طب قولوا لي عليه وأنا أعمله.
سألته هالة قائلة بتساؤل:
– ناوي على إيه يا إبراهيم؟
أجابها وهو يرتشف المشروب قائلًا:
– ناوي أقوم أعمل كوباية تانية، أعملك؟
هدرت والدته بصوتها المرتفع، ثم أمرته بالمغادرة، وقبل أن تُصاب بذبحة صدرية، ولج المطبخ يُعد مشروبًا جديدًا. أتاه اتصالٌ من صديقه المقرب، ضغط على زر الإجابة وقال:
– وعليكم السلام يا عم، كل ده نوم؟ آه، كنت ناوي أخرج النهار ده، بس مش ها ينفع بقى خلاص. لا أبدًا، ما فيش اختي هالة اطلقت. أنا ها أعمل إيه؟ بعمل سحلب، أعمل لك معايا؟ خلاص نتقابل هناك، سلام.
***
أغلق الهاتف، وعلامات الدهشة والذهول ترتسمان على وجهه. ظل يجوب الغرفة كالمجذوب وهو يقول:
– هالة اطلقت؟ معقول يكون ليا نصيب من تاني؟
– يا محمود، تعال بقى خليني نخلص.
ردفت الجدة تيسير جملتها متأففة من ذاك المحمود الذي لن يهدأ حتى تُصاب بالجنون يومًا ما.
خرج من غرفته والسعادة تنير وجهه أخيرًا. جلس بجوار جدته بجسده وعقله يسبح في أفكار انتظرها طويلًا، أكثر من عشرة سنوات كاملة في انتظار هالة. تزوجت بابن عمها بعد رفض والدها له، معللًا بأنه لن يصون ابنته. واليوم الرجل الذي رهان عليه هو من تركها مجذوبًا، من يترك هالة وناقمًا على النعمة من لا يصونها.
انتشلته الجدة من بئر ذكرياته بلكزة من عكازها.
– لا يا ستي مش عاوزها، البت دي.
أردف محمود عبارته وهو يتحاشى النظر لجدته التي حملت بين يديها مجموعة من الصور.
– لإحداهن، لكزته جدته في كتفه وقالت بنبرة غاضبة:
– ليه بقى يا إن شاء الله؟ مالها دي كمان؟ طويلة ولا قصيرة؟
بلع لقيماته بهدوء وهو يخبرها بجدية:
– دي بتعامل الطبال على إنه جوزها، يعني اتجوزها دي بقى وجايبها من كل فرح شوية.
– يا واد، دي كانت بترقص في فرح أختك بتجاملها يعني.
– تجامل أختي ماشي، إنما الطبال يطبل وهي ترقص من غير خشا ولا أدب، وأنا اتجوز!!
وضعت الجدة الصور فوق سطح المنضدة الزجاجي وقالت بعصبية:
– دي عاشر عروسة تطلع فيها البدع. أنت إيه حكايتك بالظبط يا واد أنت؟
رد محمود بهدوئه المعتاد:
– والله يا ستي ما عارف أنا حكايتي إيه، بس مصر كلها عارفة عادي.
ختم حديثه قائلًا:
– بصي، عشان أنتِ مبتحبيش اللف والدوران وأنا نفس الحكاية، أنا مش هتجوز غير اللي بحبها، وأول حرف من اسمها هالة. عجبك ولا لأ؟ لو مش عجبك ها أدخل آخد هدومي وأمشي.
ردت الجدة بجمود وهي تشير بيدها قائلة:
– مع الف سلامة، والباب يفوت جمل. مش محمود.
ردت الجدة قائلة بنبرة مغتاظة:
– لسه عاوز تتجوزها بعد ما أبوها مسح بكرامتك الأرض وقال ابن عمها يصونها، والغريب يبهدلها؟
رد محمود قائلًا:
– يا ستي الكلام ده من عشر سنين أيام ما أبوها كان اللي يرحمه لسه عايش. لكن إبراهيم أخوها صاحبي وعارف إن لسه بحبها ومتجوزتش لحد دلوقتي عشان...
– وكرامتك يا محمود؟
– مالها يا ستي كرامتي؟ وبعدين هما رفضوا مرة.
– الله ينور عليك، يعني رفضوا نخلي عندنا دم بقى ونسكت، ولا نبقى من باردين ونروح نقولهم جوزونا بنتكم؟
رد محمود قائلًا:
– نبقى باردين ونروح نقولهم جوزوني بنتكم. أنا بس يا ستي اللي ها اتجوزها، محدش معايا.
رواية هالة و الادهم الفصل الثالث 3 - بقلم هدي زايد
بعد مرور ثلاثة أشهر من التأجيل لرؤية هالة بناءً على طلب إبراهيم، قرر أن يذهب دون اتصال مسبق. ذهب هناك ليعرف بما لا يود أن يسمعه من أخيها أو حتى هي.
الوضع بات يسوء أكثر من ذي قبل. تريد أن تتركه وحده. من أين أتت بهذه الجرأة التي تتحدث بها! تمردت عليه وعلى قلبه الذي أصبح يعاني بسبب عنادها وقسوتها.
كان ينفث دخان لفافة التبغ خاصته وهو يستمع لقرارها بواسطة أخيها إبراهيم. وضعها في المنفضة وقال بغضب مكتوم:
– يعني إيه مش عاوزاني؟ أنا عاوزها يا إبراهيم. أنا مش هاسيب مراتي.
رد إبراهيم بهدوءٍ حد الاستفزاز، مربتًا على فخذيه قائلًا:
– اشرب قهوتك يا حمزة وروق كدة.
تابع بجدية قائلًا:
– أنا كمان يا ابن عمي، والله ما عاوزك تسيب مراتك بس هي مش جاية. أعمل إيه بس يا حمزة؟
هدر حمزة بصوته الجهوري وهو يقف عن مقعده بهرجلة مما أدى لسقوطه. نظر إبراهيم بطرف عينه أرضًا، ثم عاد ببصره وقال:
– كدة وقعت الكرسي؟ اعدله بقى عشان أمي مابتحبش الكركبة.
رد حمزة وقال بنبرة مغتاظة وهو يبحث عن هالة في كل مكان:
– هالة يا هالة.
خرجت هالة من حجرتها وقالت بهدوء:
– أنا أهو يا حمزة، في إيه؟
رد من بين لهثه وقال:
– أنا عاوز أعرف إيه اللي أنتِ عملتيه دا؟
– عملت إيه؟
– سبتي البيت ليه وأنتِ عارفة إني حالف عليكي بالطلاق ما تخرجي منه غير بعلمي؟
– حمزة أنا تعبت ومش قادرة أكمل بالشكل دا.
– يعني إيه؟
ردت بمرارة في حلقها قائلة:
– يعني خلاص كفاية بقى نتعب بعض أكتر من كدا. أنت اتجوزت وجاي لك عيل في السكة. سيبني في اللي أنا فيه، الله يرضى عليك.
اقترب حمزة منها وهو يحتضن يدها بين كفيها وقال بتوسل:
– هالة أبوس إيدك بلاش تبعدي عني. أنا بحبك والله ما عاوز من الدنيا غيرك. لو بعدتي عني أنا ممكن أموت.
رد إبراهيم وقال بهدوء:
– محدش بيموت ورا حد يا حمزة. وبطل بقى شغل الصعبانيات دا، مش هيأثر فينا.
رد حمزة بنبرة صادقة وهو ينظر لهالة وقال:
– والله العظيم بحبك. ووجودك في حياتي كفايتي من الدنيا واللي فيها. أبوس إيدك يا هالة ارجعي لي. ولو وداد اعتبريها مش في حياتنا. وإن كان على اللي جاي بردو مش عاوزه طالما مش منك.
ردت هالة من بين دموعها وقالت:
– مبقاش ينفع يا حمزة. أنا مش عاوزة نص راجل. أنا كنت ليك كل حاجة وأنت رحت اتجوزتها. وياريتك اتجوزتها كدا على الورق وخلاص. أنت اتجوزتها فعلاً ودست على قلبي وحبنا اللي أنت بتتكلم عنه. أنا أناني يا حمزة، عاوزني وعاوز تخدف. وعاوز وداد اللي بتلبي طلباتك من قبل ما تقولها. أنت م عاوز تتنازل عن حاجة وعاوزني أقبل بدا عشان أنا مبخلفش. مع إن كل الدكاترة اجمعت على إني ينفع أخلف بدل العيل عشرة بس من حد غيرك أنت يا حمزة. فاهم إني هقبل عشان بحبك. بس اللي بيحب ما بيوجعش حبيبه. اللي بيحب ما بيدورش على حد تاني، بيكتفي باللي هو وبس عشان هو دنيته وكل ما لي. لكن أنت عملت إيه؟ قل لي عملت إيه عشان حبك ليا زي ما بتقول؟ اتجوزت عليا وعاوزني أقبل بدا. طب ليه؟ عشان إيه؟ أقبل بكل الوجع دا والمفروض عليا أضحك في وشك وأقول حاضر؟ رد عليا يا حمزة عشان إيه؟
رد إبراهيم مقاطعًا إياها ببرود:
– عشان هو هارون الرشيد.
***
داخل منزل جدة محمود.
كان جالسًا في غرفته ممددًا على حافة الفراش يتذكر المواقف العابرة التي جمعته بحبيبته. لم تكن حتى الآن بما يجيش في صدره. طلب يدها من والدها فرفض مبررًا أنه بن أخيه سبق وعرض عليه هذا. رفع بصره لسقف الغرفة وهو يطلق تنهيدة قوية تعبر عن مدى حزنه. كان يظن أن صداقته مع أخيها إبراهيم ستكون سببًا قويًا لموافقة والدها عليه. علم بعد ذلك أن حمزة يعشقها منذ الصغر وعرض على عمه الزواج منها قبل تغربه لإحدى الدول العربية ووافق العم دون أدنى تفكير. عاد بعد عامين وتزوج بها في عمر الثامنة عشر. وبعد مرور عشرة سنوات تزوج بأخرى. من أين أتى بهذه الوقاحة يتزوج بأخرى وهي معه؟ لو كان هو لمات ولا يفعل فعلته تلك.
وقف عن حافة الفراش متجهًا نحو شرفته. وقف يراقب ما يحدث داخل غرفة الضيوف المطلة على غرفة نومه. يراه يتوسلها، يقبل يدها حتى توافق أن تعود له من جديد. ابتسم بجانب ثغره وقال بخفوت:
– مقدرتش النعمة اللي في إيدك يا غبي. تستاهل.
ولجت الجدة وعصبيتها تفوق الحد. استدار بجسده كله وقال:
– مالك يا ستي، في إيه؟
– قل لي يا محمود مين اللي عمل كدا في الطاسة التيفال الجديدة؟
– أنا يا ستي لقيت المطبخ مبهدل قلت أغسل المواعين وأظبطه ولقيتها سودا قلت لا ستي بتخب النضافة أغسلها يا واد وخليها بتلمع عشان ستك تدعي لك.
ردت الجدة بنبرة مغتاظة وقالت:
– دا أنا هدعي عليك من هنا للصبح. دي هي بتبقى كدا يا واد.
– وأنا أعرف منين بس يا ستي؟ أنا قلت أساعدك.
وضع قدح القهوة وقال بهدوء:
– سيبك من كل دا وقولي لي عملتي إيه مع أبويا وأمي؟
– عملت إيه في إيه؟ مش فاهمة.
– مش قلت لك تقولي لهم إن عاوز اتجوز هالة؟
شاحت الجدة بوجهها بعيدًا عنه ثم عادت ببصرها وقالت:
– هو أنت مافيش عندك دم ولا كرامة؟ تتجوز واحدة متجوزة قبل كدا ليه؟
– يا ستي أنا بحبها وكنت مانع نفسي طول السنين اللي فاتت دي عشانها وهي دلوقتي اطلقت خلاص. يبقى ليه متجوزهاش؟
ردت الجدة بضيق من حفيدها وقالت:
– يا واد دي مبتخلفش. هتعمل بيها إيه دي؟
رد محمود وقال بحب ورضا:
– أنا عارف وراضي ومش عاوز غيرها يا ستي من الدنيا. ليه مش عاوزين تعملوا لي اللي أنا نفسي فيه؟ يا ستي دا أنا لو طلبتوا مني نور عينيها أحطوا على طبق من دهب وأقولكم اتفضلوا. وأنا بطلب منكم تيجوا معايا نطلبها تقولوا لا؟
ردت الجدة بعصبية مؤيدة قرار والديه:
– أنا مليش دعوة بيك يا خويا. أنا لو رحت معاك أبوك هايزعل وأمك هتقول بتقوي على الغلط.
سألها محمود بنبرة ذاهلة قائلة:
– غلط؟ غلط إيه يا ستي اللي بتقولي عليه دا؟ بقى لما اتجوز اللي بحبها تقولي غلط؟
ردت الجدة بعصبية محاولة الهروب من الإجابة قائلة:
– معرفش بقى. المهم أنا لا رايحة ولا جاية معاك في حتة. ولو عاوز تتجوزها أنت حر بس أبوك وأمك مش راضين عن الجوازة دي وأنا كمان. وابقى دور لك ع أي مكان تاني غير هنا تتجوزها فيه.
***
في منزل حمزة.
كان الشر والغضب يتطاير من عينه يتذكر ما فعله معه إبراهيم طيلة هذه المدة ويعض على أنامله من الغيظ. جلست وداد جواره وقالت:
– رجعها يا حمزة وطلقني لو دا هايرضي هالة.
رد حمزة بعصبية مفرطة قائلاً:
– أنتِ بتفهمي عربي ولا لأ. بقولك مش عاوزة أصلًا ترجعي لي ودي كانت الطلقة التالتة وعدينا خلاص شهور العدة.
ردت بإقتراح قائلة:
– طب ما تشوف محلل و ارجـ…
ضرب بيده على صدغه وقال بصوت جهوري:
– قومي من جنبي بدل ما أطلع كل جناني عليكي. محلل إيه وزفت إيه؟
وقفت عن الأريكة وهي تستمع لعتابه ويضرب جبهته بغيظ شديد:
– غبي غبي. كان لازم أفهم لعبه إيه. اللي أنا عملته في نفسي دا.
***
بعد مرور يومان.
كان محمود جالسًا في غرفة الضيوف داخل منزل صديقه المقرب إبراهيم، يستمع لحديثه وهو يقول بهدوء:
– طب ولما أهلك مش موافقين يا محمود جاي تعمل إيه في بيتنا، لا مؤاخذة؟
– أنا بحب هالة يا هيما وأنت عارف كدا وعارف إن قا طع الجواز عشانها وسبق وطلبتها منكم قبل كدا والنهاردة وبعد عشر سنين جاي لك تاني أطلبها. سيبك من أهلي هما أصلاً لو جبت لهم مين ما هايوافقوا عشان أنا وأنت عارفين كويس إنهم عاوزين اتجوز بنت عمي. والقلب وما يريد يا صاحبي بقى.
– معلش يا محمود ومتزعلش مني. أنا أختي مش تعباني في حاجة ولا بتأكل من أكلي عشان أجري أجوزها لتاني مرة جوازة كدا والسلام.
– اخس عليك يا هيما. وهو أنا بردو جوازة والسلام؟
– مقصدي بس أنت جاي بطولك وتقولي لي أهلي م حابين اختك ومش عاوزينها وأنا عاوز اتجوزها. عاوزني أقولك إيه مبروك؟ ما هو طبيعي أقولك لأ. أنا أختي عندها تمانية وعشرين سنة يعني لسه صغيرة. واللي في سني لا اتجوز ولا حتى اتخطب. يبقى ليه أستعجل على جوازها؟
رد محمود بإصرار قائلاً:
– طب خد رأيها وشوفها كدا هاتقول إيه؟ يمكن ربنا كاتب لنا حياة مع بعض.
رد إبراهيم وقال بهدوء:
– خلاص سيبني ليوم الخميس وهرد عليك. بس إيًا كان الرد أنت أخويا وصاحبي. بعيد عن اللي هايحصل يعني متزعلش وتاخد لك جنب.
– عيب عليك يا هيما. إحنا أخوات من غير حاجة يا جدع.
بعد عدة ساعات من المناقشات بين إبراهيم وهالة، جلست بجوار أمها حائرة في ردها. نظرت لأمها وقالت:
– مش عارفة يا ماما. هو محمود كويس وغلبان بس الصراحة عمري ما فكرت فيه كزوج.
ردت والدتها ساخرة منها قائلة:
– واللّي فكرتي فيه زوج ياختي عمل إيه؟ ما هو راح واتجوز عليكي. وبعدين محمود دا متربي معانا وعارفينه من زمان وصاحب أخوكي الروح بالروح يعني عمره ما هايفكر يعمل فيكي حاجة كدا ولا كدا.
– مش عارفة يا ماما محتارة.
– خلاص شوفي واقعدي معاه. لو مش مرتاحة له يبقى نرفضه. لو ارتحتي يبقى على بركة الله.
نظرت هالة لوالدتها ثم عادت ببصرها لأخيها وقالت:
– خلاص يا هيما قل له يجي يوم الخميس.
***
يوم الخميس الساعة السابعة مساءً.
جلس داخل غرفة الضيوف يهز ساقه بتوتر ملحوظ. ولأول مرة سيحدث معها على انفراد. أتت أخيرًا وبين يديها حامل القهوة الساخنة. وضعته برفق ثم صافحته. جلست على المقعد المجاور وقالت بخفوت حين سألها:
– عاملة إيه؟
– الحمد لله بخير.
– يارب دايما تبقي بخير وسعادة. أنا بصي عاوز أقولك كلام كتير أوي بس م عارف أبدأ منين ولا منين. بس خليني أكلمك عن نفسي وأقلك أنا محمود جاركم. عارفاني يا هالة؟
ردت هالة باسمة:
– آه طبعًا عارفك. أنت صاحب إبراهيم أخويا.
رد بجدية قائلاً:
– بصي أنتِ شكلك متعرفيش عني كل حاجة. بس أنا هاختصر كل الطرق وأقول إني استنيتك كتير كتير أوي يا هالة لدرجة فقد الأمل في إنك تكوني ليا. بس ربنا قالي اصبر وأنا هكافئك أحلى مكافأة. يا محمود بعتك تاني ليا بعد ما خلاص كنت مقرر أسيب الدنيا كلها وأمشي. كنت ناوي أرجع أسافر تاني وأشتغل بس رجوعك تاني ليا خلاني وقفت فكرة السفر تمامًا من دماغي.
كادت أن ترد عليه لكنه استوقفها قائلًا:
– أنا عارف إني رغاي وكلت دماغك. بس أنتِ مش عارفة أنا جوايا إيه وحاسس بإيه. ولا اا….
ولج إبراهيم وقال بابتسامة واسعة:
– كمل كمل. قول حاسس بإيه. بص اتكلم وخد راحتك على الآخر. أصل أنا بحب أسمع الحاجات دي أوي.
رواية هالة و الادهم الفصل الرابع 4 - بقلم هدي زايد
وقفت هالة عن مقعدها بهدوءٍ معتذرة من الجميع ثم غادرت. الإرتياح كان يسود قلبها. علئما يبدو أنه يعرفها حق المعرفة. كاد أن يخبرها عن شيئًا هام لكن دخول اخيها و مشاكسته لهما منعته من ذلك.
تكررت الزيارة مرةً أخرى بعد ثلاثة أيام متواصلة من الصمت. وافقت بعد صلاة الاستخارة مرة تلوَ الأخرى. قرر أن يتحدث عن غياب أهله في هذه المناسبة السعيدة. هدأ من توتره و قال:
– هما مش راضين و عاوزني اتجوز بنت عمي و أنا بصراحة ربنا قلبي معاكي أنتِ و بس مش عارف أشوف غيرك حبيبة و لا قريبة.
ردت هالة بهدوءٍ قائلة:
– محمود أنا عاوزة اقولك على حاجة أنا لما اطلقت من حمزة ابن عمي اطلقت عشان مبـ….
قاطعها قائلًا بنبرة صادقة:
– عارف و قابل كفاية عليا إن أنا اتجوزك يا هالة. أنتِ أكتر حد حاجة اتمنتها من ربنا أنا مش عاوز حاجة من الدنيا غيرك أنتِ بنتي و اختي و أمي و كل ما ليا و يشهد ربنا على كدا.
ردت هالة بنبرة تملؤها الحزن الدفين:
– أنا عارفة إنك بتحبني و عرفت كمان إنك قررت تعيش بعيد عن أهلك بسببي. خايفة بعد جوازنا تقول إني السبب فـ….
قاطعها للمرة الثانية قائلًا:
– أنتِ هتكوني السبب في حاجة واحدة بس و هي السعادة يا هالة. هتكوني سبب سعادتي و بس. غير كدا اوهام شيلها من دماغك.
سعادة، أمان، سكينة، و ومضة أمل تسللت لقلبها من جديد. وافقت على عقد القران بعد أن أخذت وقتها في التفكير. أثرت والدتها عليها بكلماتها تجاه الأمومة و تجربة جديدة قد يأتي من ورائها الخير.
حركت غريزة الأمومة تجاه هالة. بدأ الحلم يظهر من جديد. هل إن خاضت التجربة مرة أخرى ستنجب أم لا؟ بالطبع ستنجب فالأطباء اجمعت على ذلك. وافقت و سلمت الأمر لله يدبرهُ كما يشاء.
بدأت في تحضير ليوم زواجها. كان أخيه معها خطوةً بخطوة في كل شئ. كان يحاول أن يوفر لها كل ما تحتاجه لهذا اليوم. على الرغم أنه ليس الزواج الأول إلا أن هذه المرة تشعر بأشياء لم تختبرها من قبل. ربما لأنها ناضجة و بدأت تستكشف الأمور من زواية أخرى.
تم عقد القران داخل قاعة مخصصة للزفاف. لم يحضر سوى أهل العروس. أما محمود فكان وحيدًا لم يأتي أحدًا من أهله لمُباركة هذه الزيجة. جلست على الأريكة المخصصة للعروسان و الحزن يعتري قلبها حين قالت:
– كنت فاهمة إن مش ممكن يعدوا اليوم كدا من غير ما يشوفك و أنت عريس.
نظر لها و قال باسمًا:
– سيبك من أي حاجة تعكر حلاوة اليوم الجميل دا. أنا مش عاوز من الدنيا غيرك و مكتفي بوجودك في حياتي.
***
داخل شقة حمزة.
كان ينفث سحابة دخان كثيفه و هو يعود برأسه للخلف. نير ان الغيظ و الغيرة تأكل صدره. ألهذه الدرجة لا ترأف بهِ؟ أيعقل أنها نست حبها له بهذه السرعة؟ حقًا اللعنة عليك يا هالة كيف سمحتِ لقلبك يسكنه غيره!!
وضع لفافة التبغ في المنفضة بغيظٍ شديد ثم قام بإشغال لفافة أخرى. قلبه يؤلمه يريد أن يصرخ بكل ما يجيش في صدره و يخبر العالم بأن هي له فقط. هل هذا القهر و الحزن الذي يشعر بهما نفس الشعور الذي اجتاح قلبها آنذاك؟ و اللعنة عليك أيضًا يا حمزة أليس من حقها أن تتمتع بنفس الحق الذي منحته لنفسك.
وقف عن حافة الفراش قام بتبديل ملابسه المنزلية بأخرى. ولجت وداد وجدته ينظر لصورته المنعكسة في المرآة يغلق أزرار قميصه الأسود. سألته بفضول قائلة:
– على فين كدا يا حمزة؟
– ملكيش دعوة بيا دلوقت سبيني في حالي.
– في إيه يا حمزة مالك متعصب ليه؟
– قلت لك سبيني دلوقت.
ردت وداد قائلة بعصبية مفرطة:
– لا مش هاسيبك و لازم افهم رايح فين.
– رايح مطرح رايح ملكيش دعوة.
– اقولك أنا أنت رايح فين؟ رايح لهالة رايح عشان مش قادر تصدق إنها سابتك زي ما أنت سبتهاتابعت بنبرة مغتاظة قائلة:
– مالك كدا هتموت و كأنك مظلوم و عايش دور الضحية مع إن لو بصيت على نفسك في المرايا هتلاقي نفسك إنك أنت السبب في دا كله.
سألها حمزة بنبرة ساخرة قائلًا:
– اه صح أصل أنا اللي رحت قلت لأمي جوزيني وداد عشان متسافرش و ابن اخويا يفضل وسطنا و لا أنا اللي قلت إنك تختاريني لما امي عرضت عليكي الجواز واخترتيني أنا مش محمود اخويا بحجة إيه اصلك أكبر منهابتسمت وداد و قالت بذات النبرة قائلة:
– و لا أنا بردو اللي استغليت غياب مراتك ودخلت اوضتك يا حمزة، أنت اللي جتني و قلت لي أنا جوزك و شرع ربنا بيقول اعدل بينكم و إنك سألت شيخ اوعى تكون فامر إن سكوتي ضعف و لا قلة حيلة يا حمزة سكوتي دا عشان ربنا منزل على قلبي الصبر.
– الصبر !!
– ايوة الصبر على واحد أناني مفكرش غير في نفسه و بس نفسك في عيل و بتحب مراتك بس مش قادرة تخلف لك العيل اللي نفسك في، تقوم تعمل إيه تضرب عصفورين بحجر اتجوز مرات اخويا و اخلف منها و كدا كدا هالة بتحبني ضامن إنها موجودة هتروح فين يعني بس ربنا قالك لا الظلم حرام و عمر ربنا ما بيظلم عباده، زي ما أنت نسيت حبك لهالة هي كمان نسيت و داست عليه فيها إيه لما تدور على حلمها زيك ليه الأنانية اللي أنت فيها عاوز كل حاجة عاوز الخلفة و الحب و هالة مش عاوز تخسر حاجة أبدًا بس ما فيش حد يا حمزة بياخد كل حاجة راحة البال في الأخرة مش هنا يا حمزة هنا مش هتلاقي غير شقى و تعب و حد يحبك و أنت مبتحبوش و حد ها تموت عليه و هو ميبقاش ليك عيش و ارضى يا حمزة عشان ربنا يراضيك، سيبها تشوف حياتها زي ما أنت شفت حياتك و لو كان عليا طلقني و هليني اربي ولادي زي أي واحدة بتطلق و لا جوزها بيموت الدنيا مبتقفش على حد الدنيا ماشية و مكملة سوى بيك أو غيرك أنت مجرد محطة في حياة أي شخص تقابله.
***
في الساعة الثانية عشرًا بعد منتصف الليل.
وصل محمود و هالة أخيرًا لمنزل الزوجية. ترجلا من السيارة معانقًا أنامل زوجته بأنامله. وقف أمامالمصعد الكهربائي و الإبتسامة لا تفارق شفتاه. ظل يضغط على الزر أكثر من مرة و هو ينظر لها قائلًا:
– معلش هو كدا ساعات بيحب يهزر معانا.
ردت هالة بنبرة متوجسة قائلة:
– يعني إيه بقى يعني هاطلع سبعتاشر دور على رجلي !!
– لا و لا تزعلي نفسك أنا هنادي عم فرج يمكن هو اللي عمل كدا. يا عم فرجهرول العم فرج بخطواته الواسعة و السريعة و هو يقول:
– ايوة يا أستاذ محمود ، مبروك يا عريس.
رد محمود و قال بإبتسامة واسعة:
– الله يبارك فيك يا عم فرج شغل الاسانسير بقى.
– دا عطلان و المهندس جاي بكرا الساعة تسعة الصبح.
ردت هالة ماسائلة بنبرة مغتاظة:
– هو إيه اللي عطلان؟
– الأسانسير!
كاد يُكمل حديثه لكن منعه محمود و هو يحتوي منكبيه و قال:
– دي أسرار سُكان ازاي تطلعها برا كدا اول ما حد يسألك يا عم فرج؟
– اللاه مش هي اللي بتسألني ؟! و بعدين مش دي بردو العروسة و ساكنة في العمارة يبقى من حقها تعرف.
رد محمود و قال من بين أسنانه قائلًا:
– امشي دلوقت خليني اشوف اقنعها ازاي تطلع على رجليها. امشي يا عم فرج.
استدار بجسده كله تجاه هالة. فرغ فاه ليتحدث لكنها أشارت بسبابتها قائلة بحزم:
– انسى يا محمود إني اطلع سبعتاشر دور على رجلي و الله لو إيه اللي حصل ما هطلع.
حملها محمود بين ذراعيه و هو يتمتم بكلماتٍ غير مفهومة. سألته بجدية مصطنعة قائلة:
– بتقول إيه يا أستاذ أنت؟
– مبقلش بقول ربنا يكملها معايا بالستر.
– يارب يا حبيبي و شيل عدل بدل ما اقع منك.
بعد مرور خمسة عشر دقيقة كاملة.
توقف محمود يلتقط أنفاسه من صعود الطابق الخامس عشر. لقد فاض به الكيل لم ترحمه طيلة هذه المدة. كانت تلوح بيدها على وجهها لتاتي بنسمة هواء تبرد حبات العرق المتكونة أعلى جبينها. نظر لها و قال بنبرة مغتاظة:
– لا و أنتِ تعبتي الصراحة.
كاد أن يحملها لكنه دعس على ذيل فستانها الأبيض و سقط. كادت أن تلحقه لكن يده فلت فتدحرجا سويًا على سلالم درج البناية. استقر جسد محمود و هالة عند الطابق الثالث عشر. حاولت أن تقف على ساقيها من جديد لكنها فشلت فشل ذريع. تاواهت و هي تضربه بيدها على كتفه قائلة:
– منك لله كسر تني حد يسكن هنا بردو !!
– و هو أنا كنت اعرف إني هتجوز فيها دا أنا خدتها تخليص حق.
– و أنا مالي أنا ما كنت بعتها و اشتريت غيرها آآآه يا رجلي و يا جسمي كله.
فتح باب الشقة رجلًا في الخمسين من عمره يحمل قدحًا من الشاي الساخن. نظر أسفل قدماه وجد محمود مازال يجلس أرضًا. سأله بنبرة متعجبة قائلًا:
– أستاذ محمود بتعمل إيه هنا؟
رد محمود و هو يتحامل على جسده. عدل من رقدته و قال:
– بتشمس عشان الشمس مبتطلعش عندي.
تابع بنبرة مغتاظة قائلًا:
– هكون بعمل إيه يعني يا أستاذ مدحت وقعت أنا و المدام من على السلم.
رد الرجل بفضول قائلًا:
– طب و هتعمل إيه دلوقت؟
– هعمل جمعية! هعمل إيه يعني يا أستاذ مدحت هاخد نفسي و ابقى اقوم اكمل ادخل أنت متشغلش بالك.
– طيب مش عاوز حاجة؟
– هات كوبية الشاي دي و اتفضل أنتاوصد مدحت الباب بعد أن نفذ طلب محمود.
كانت هالة تبحث عن الجروح المتفرقة في جسدها و هي تتأواه. عادت ببصرها لهزو قالت من بين أسنانها بنبرة مغتاظة:
– أنت لسه هتشرب الشاي !! قوم مش قادرة اقف على حيليشيلني يا محمود أنا تعبت.
– تعبتي من إيه دا أنا شيلتك اربعتاشر دور ووقعنا دورين يبقى كدا كام؟
– كام إيه يا محمود بقلك مش قادرة اطلع تعبت تعبتو الله ما هشيلك الدورين اللي وقعنا فيهم بس يا بنت الناس خُدي بعضك براحة كدا و اطلعي الدورين و استنيني في الدور الستاشر اكون خد نفسي شوية و خلصت كوبية الشاي اللي في ايدي ديماشي يا محمود ماشيازعلي براحتك دلوقتي و أنا فوق هاصلحك براحتيبعد مرور خمس دقائقيلا بقى كمل جميلك و شيلنيطب ما تخليكي أنتِ جدعة و سيبي اللي باقي من صحتي اتكلم في معاكي عن أول مرة حبيتك فيهالا ملي دعوة محدش قالك خد شقة في الدور السابعتاشر و الاسانسير يعطل في نفس يوم فرحنا اتصرف و شيلني بقى بدل نا اتصل باخويا يجي يشوف لك صرفة أنا تعبتتعالي يا مفترية عليكي ربناابتسمت ملء شدقيها و هي تحاوط عنقه و قالت بنبرة مدللة– تسلمي لي يا مودي– ايوة يا ختي ادلعي هو أنتِ تعبانة في حاجة ما هو أنا شايل هم على قلبيتوقف ليلتقط أنفاسه الموسوعة، بينما هي وضعت يدها في خصرها و قالت:– قصدك إيه يا محمود؟
رد محمود بنبرة مغتاظة قائلًا– ما محموداش يلا خلينا نطلع في السلم اللي مش راضي يخلص دا.
اصدرت هالة شهقة عالية ما إن حملها على كتفه بدلًا من ذراعيه. سألته بنبرة ذاهلة:
– أنت بتعمل إيه يامحمود؟
– أنتِ ليكي أكل و لا بحلقة !!
– يعني إيه بقى إن شاء الله؟
– يعني اشيلك على كتفي اشيلك على دراعي المهم النتيجة واحدة ادعي بس نوصل بالسلامة.
ربتت على ظهره بحنانٍ بالغ و هي تقول:
– هنوصل يا حبيبي أنت بس شد حيلك كدا و السلم يخلص بسرعة.
بعد عناء شديد وصلا اخيرًا إلى باب الشقة. فتح الباب ثم ترك يدها و سجد شكرًا لله. ابتسمت هالة على هذا المشهد و قالت:
– للدرجة دي يا محمود بتحبني و ماصدقت نبقى مع بعض.
وقف محمود مقابلتها و قال بإبتسامة واسعة:
– الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
تابع مناديًا إياها بنبرة خافتة قائلًا:
– هالة.
ردت بإبتسامة واسعة:
– نعم.
ابتسم محمود ملء شدقيه و قال بسعادة غامرة وهو يفتح ذراعيه على مصرعيهما و قال:
– أنا وصلت الشقة أخيرًا يا هالة.
رواية هالة و الادهم الفصل الخامس 5 - بقلم هدي زايد
لكزته هالة في كتفه و قالت بنبرة مغتاظة:
- تصدق إنك رخم.
رد محمود بنبرة لا تقل عن نبرتها:
- أنا بردو اللي رخم بعد كل اللي عملته دا؟!
حملت هالة ذيل ردائها الأبيض و قالت بجدية:
- بصراحة أنت تعبت و تعبت جامد كمان، بس جيت في الأخر و عكيتها بكلامك دا!
وقف محمود مقابلتها و قال بنبرة حانية و نظراته لا تبرح خاصتها:
- نورتي بيتك يا هالة، بيتك اللي حلمت سنين و صبرت سنين عشان يجمعنا سوا.
أكادت أن ترد على كلماته لكنه قاطعها قائلًا بتوسل:
- ارجوكي خليني اتكلم، أنا مش عايز اسمعك قد ما عاوزك تسمعيني. أنا فضلت كاتم حبك جوايا عشر سنين بحالهم يا هالة، عشر سنين لا بهدأ و لا بيرتاح لي بال، و أنتِ مع حد تاني. أنا جوايا نار محدش بيحس بيها غيري أنا يا هالة، نار واحد حب و مطالش اللي بيحبها.
خفض بصره و هو يحتوي كفيه بين راحتيه و قال:
- أنتِ كنتي حلم بعيد، بعيد أوي يا هالة، بعيد لدرجة إني كنت متأكد إنك مستحيل تكوني ليا، بس ربنا قالي لأ، مافيش مستحيل و إن اللي بيصبر بينول.
رفعت هالة كفيها محتضنة وجهه بين راحتيها و الإبتسامة لا تفارق شفتاها:
- أنا حبيبت نفسي من كتر حبك فيا، أنا مهما اتخيل إني في حد ممكن يحب حد، مش هتخيل حبك ليا.
حاوط خصرها و هو يقترب منها و السعادة تُنير وجهه ثم قال:
- و مين يعرفك و ما يحبكيش.
عانقها ليطمئن حاله بأنها ماثلة أمامه، ربتات خفيفة ربتتها على ظهره. حدثت نفسها بسعادة على عوض الله لها. الزيجة الثانية لها اختارتها بعقلها و ليس قلبها، و على ما يبدو أن اختيارات العقل أفضل بكثيرٍ من القلب.
بعد مرور شهرين.
لم يحدث شيئًا جديد يذكر سوى تردد هالة لطبيب النساء و التوليد للمرة الثانية على التوالي، رغم عدم رغبة محمود في ذلك إلا إنه وافق لأجلها.
جلس جوارها على المقعد بعد أن طلب من مساعدة الطبيب أن تتعجل في دخولهما. همس بجانب أذنها و قال:
- الدكتور دا شاطر أوي، أنا امي ولدتني عنده بعد ما قطعت الأمل. مكنتش حابب نكشف دلوقت، بس إصرارك و عياطك خلوني اسمع كلامك.
ربتت على كفه بهدوءٍ عكس القلق الذي يسود قلبه قبل قلبها. لحظات ثم أمرتهم المساعدة بالدخول.
ولج محمود و خلفه هالة. جلست على المقعد تاركة زوجها يصافح الطبيب بحرارة، على ما يبدو أنه على علاقة قوية تربطهما ببعضهما البعض. جلس على المقعد المقابل لزوجته بينما ابتسم الطبيب قائلًا:
- مبروك على الجواز، مع إنها جت متأخرة، لو كنت أعرف كنت جيت الفرح من غير عزومة. أنتِ متعرفيش محمود دا غالي عليا ازاي.
ابتسمت بتوتر له و قالت:
- الله يبارك في حضرتك يا دكتور.
سألها بعملية قائلًا:
- خير، بتشتكي من حاجة؟
تلعثمت من فرط توترها و لم تستطع الإفصاح عن شئ، بينما رد محمود بعفوية:
- إحنا عاوزين نعرف بس الدنيا أخبارها، بقالنا شهرين و لسه….
رد الطبيب و قال:
- شهرين إيه يا راجل اللي جاي بعدهم و تقول تعرف الأخبار؟ إنتوا لسه عرسان.
- لأ، ما هو أنا كنت متجوزة قبل كدا يا دكتور أدهم، و قعدت عشر سنين من غير حمل.
أردفت هالة عبارتها بعد أن استجمعت شجاعتها، بينما استمع لها الطبيب بكل حواسه. حرك رأسه و قال بتفهم:
- طب أنتِ كنتي بتتعالجي من حاجة، عملتي اشاعات و تحاليل قبل كدا؟
ردت هالة و قالت:
- أيوه، عملت كل حاجة تخطر على بال حضرتك، بس كل الدكاترة أكدت إني اخلف، و جوزي السابق بردو خلف، لكن إحنا مع بعض ما ينفعش نخلف.
- اه فهمتك تمام.
ضغط على زر الاستدعاء الممرضة التي أتت على الفور. أشار لها و قال بهدوء:
- مع المدام، حضريها.
حركت هالة رأسها علامة الإيجاب. بينما وقف محمود داهشًا مما يحدث، لا يعرف مالذي يقصده الطبيب. ستتعرض من جديد لتلك الكشوفات المحرجة. دقائق و ولج الطبيب ليبدأ أولى مراحل الكشف. لم يمر أكثر من خمس دقائق و غادر الدكتور أدهم الحجرة. أشار بيده تجاه السرير الآخر و قال:
- خلينا نطمن على الرحم و نشوف إيه الأخبار.
رفعت هالة بصرها للأعلى لتنعكس صورة الرحم على شاشة التلفاز. تسارعت نبضات قلبها و هي ترى الطبيب صامتًا يباشر عمله في هدوءٍ تام. لم تتحمل الصمت الذي يحدث فبادرت هي بالسؤال قائلة:
- خير يا دكتور؟
رد ادهم و قال:
- لا خير إن شاء الله، أنا شايف إن مافيش أي حاجة تمنع.
وقف عن مقعده و قال:
- إحنا كدا اطمنا على الرحم و الحوض و الحمد لله كويسين.
جلس على مقعده من جديد و قال حين سألته:
- هو حضرتك ها تكتب لي على منشطات؟ و لا تحاليل جديدة؟
رد ادهم و قال بهدوء:
- خلينا نصبر شهرين تلاتة كمان، إنتوا لسه صغيرين و مافيش حاجة تمنعكم، ليه نتجه للعلاج من دلوقت؟ دا غير التوتر و القلق اللي أنتِ في دا سبب رئيسي في تأخير الحمل و بيأثر على الهرمونات.
ترك القلم و قال بجدية و هو ينظر لمحمود:
- طب يا محمود أشوفك عن قريب إن شاء الله.
خرج محمود و هالة و بداخل كلاهما قلقًا تجاه شئ لا يود أحدهم الإفصاح عنه في ذلك الوقت.
بعد مرور أسبوعًا كاملًا من زيارة الطبيب، لم يحدث شيئًا جديد يذكر. وفاة والدة حمزة و ذهاب هالة إلى بيت عمها لقضاء واجب العزاء.
وافق محمود على مضضٍ و رافقها حيث منزل عمها. ولجت البيت اسفل أنظار حمزة الذي كان يصافح محمود و هو يحاول أن يمنعه رأهُ عند طبيب النساء الدكتور أدهم مع امرأة أخرى، ليس هو نفس الذي يأتي مع زوجته السابقة.
جلس محمود لدقائق معدودة ثم غادر معتذرًا من إبراهيم لتعب والده الذي أتى فجأة.
كانت والدة هالة جالسة جوار ابنتها تطمئن عليها بنبرة هامسة. حدثتها بهمس قائلة:
- حماكي تعبان و جوزك راح له، واجب تروحي تزوريه.
ردت هالة قائلة بذات النبرة:
- محمود محرج عليا، مرحش هناك و قالي اقطعي رجلك من هناك بعد آخر خناقة حصلت هناك، ما أنتِ عارفة.
ردت والدتها بإصرار قائلة:
- دا حاجة و دا حاجة، روحي، عيب كدا، دا مهما كان حماكي و هايزعلوا لو مرحتيش. ابقي خلي إبراهيم يوصلك بعد العزا.
- خلاص بقى، ابقى اروح أنا و خلاص لوحدي.
*******
على الجانب الآخر.
كان محمود جالسًا جوار جدته يعارض من يتحدث في حق زوجته. لم يعجبها تصرفات حفيدها. اغتاظت من معارضته قائلة:
- البت دي ساحرة لك و هو أنت بردو محمود اللي نعرف.
ردت والدة محمود و قالت:
- أيوه، هما بتوع اسحار، ماهي كانت عاملة كدا في جوزها الأولاني، اومال هو اتحملها ازاي من غير خلفة؟ دا حتى لما ربنا شال الغشاوة اللي عينه كرمه بواحدة زي الفل و حملت، و هي وقعت في ابني و بتعمل معاه نفس اللي عملته مع اللي قبله.
ردت جدته قائلة بتأييد:
- و لما بتغلط مابيشوفش غلطها!! و يقلك مراتي مبتغلطش، يعني إيه مراتك مبتغلطش يا محمود؟ يعني أنا كدابة؟
- لا أنتِ مش كدابة يا ستي، و مراتي مبتغلطش فعلًا، و ااااه يا عيني.
ردت الجدة بفزع قائلة:
- مالها عينك يا واد، إيه اللي حصل؟
رد محمود قائلًا:
- جناح مراتي دخل جوا عيني يا ستي.
ضربته الجدة في كتفه و قالت:
- و كمان ليك نفس تهزر!!
تنهد محمود و قال:
- من الآخر كدا يا ستي، عاوزة إيه؟
ردت الجدة قائلة:
- عاوزة مراتك ياحبيبي، تعرف إنك متجوز بنت عمك و إن جاي لك عيل في السكة، و لا بنتنا في حاجة غلط لا سمح الله عشان كدا مدراين عليها؟
وقف محمود عن مقعده و قال بعصبية مفرطة:
- لا متفقناش على كدا، و كان شرط اساسي على ابوي إن هالة متعرفش، إيه اللي جد بقى؟
ردت زوجة محمود قائلة:
- اللي جد يا حبيبي إن أنا مراتك، و زي ما هي ليها أنا ليا.
- و أنتِ ناقصك إيه بقى؟
- ناقصني إنها تعرف إني مراتك، و لا أنا مش حقي امشي معاك و اقول للناس كلها دا جوزي؟ و بعدين هي تقبل مش كفاية إنك قبلت بيها و هي مبتخلفش!!
عندك حق، فضل كبير منه عليا، و أنا حقيقي مش عارفة اشكرك ازاي على الجميل دا يا محمود.
أردفت هالة عبارتها و هي تتحامل على نفسها بعد ما وصل إلى مسامعها تلك الحقيقة المُرة:
- أنت اتجوزت بعد جوازك من هالة بأسبوعين بس، لا ليك حق تزهق بردو.
تابع و هو يمسك بيد هالة و قال:
- إحنا هنمشي دلوقت، و لما تخلص خناقتك مع اهلك تعال لي عشان نتفاهم على رواقة.
كادت أن تغادر المنزل لكنه استوقفها قائلًا:
- هالة اقسم بالله ابويا ضغط عليا، أنتِ متعرفيش عمل إيه عشان اتجوزها، دا دا عمـ…
قاطعه إبراهيم و قال:
- يا جدع عيب، رضا الولدين واجب، و رضا إبراهيم و اخته أهم واجب. سلام بقى دلوقت.
غادر إبراهيم و هو يمسك بيد اخته التي كادت أن تفقد وعيها لكنها تحاملت على نفسها. وصلت إلى منزل والدتها التي كادت أن تموت إثر صدمتها الجديدة. وقف إبراهيم عن مقعده بعد أن أخذت مفاتيح شقة أخته و قال:
- أنا ماشي بقى، ابقي حضري العشا على ما اجي.
خرج من بيته متجهًا نحو منزل شقيقته الذي يبعد عنه بما يقارب الخمسة عشر دقيقة.
وقف على باب الشقة و قال:
- يلا يا رجالة، شيلوا كل العفش اللي هنا، متخلوش مسمار في الشقة، حتى الصور اللي على الحيطة، عاوزكم تشيلوها، و يبقى يوريني بقى هايعمل إيه.
رواية هالة و الادهم الفصل السادس 6 - بقلم هدي زايد
بعد مرور يومين، لم يترك محمود هالة خلالهما. ما زال يركض خلفها، كلما ذهبت لمكانٍ ذهب ورائها، حتى الطبيب الذي تتابع معه حالتها الصحية التي تدهورت بسبب ارتفاع ضغط الدم.
أما هي، فكانت تتعامل معه بجفاءٍ تام، رافضة الرد على كلماته حتى. بكى وهو يتوسلها وكأنه طفل يخشى عقاب أمه. تعثرت خطواته في بعضها البعض، كاد أن يسقط لكنه حافظ على توازن جسده. لم ترأف بحالته ولن تفعلها. دعا على قلبها ببرودة أعصاب، والآن يطلب منها العفو.
استقلت سيارة الأجرة مع أخيها، لا تعرف إن كان ما يحدث حقيقية أم خيال. ليته خيال، وعندما تعود لواقعها تكتشف أن محمود ذاك الشاب الذي كاد أن يُكمل ما تبقى من عمره متحفظًا بحبه لها.
صدمة هالة لا تقل عن صدمة إبراهيم، بل كان أكثر منها تأثرًا، ولكن ترجم ذلك بشكلٍ آخر. استقل محمود سيارة أجرة أخرى وذهب خلفهما حتى منزل والدها. وصلا أخيرًا وترجل من سيارته، ركض خلفها وهدر بصوته الجهوري علها تسمعه.
وافق إبراهيم وصعدا ثلاثتهم. جلس في غرفة الضيوف وقال بنبرة صادقة وهو يضع يده اليمنى على كتاب الله:
– والله العظيم، والله العظيم ما كان في نية أتجوز غيرك. أنا ما كنتش أحلم أصلًا إني أتجوزك. أنا اتغـ ـصب عليا في الجوازة دي.
سأله إبراهيم بنبرة ساخرة قائلاً:
– ويا ترى بقى بابا غصـ ـب عليك وأنت وافقت عشان هايحرمك من المصروف ولا ها يحبـ ـسك لوحدك؟
رد محمود وقال بضيق من سخرية صديقه:
– لا دا ولا دا. أنا أبويا حلف بالطلاق لو متجوزتش بنت عمي ورضيته زي ما رضيت نفسي واتجوزت اللي بحبها، ليرمي أمي ويطلقها ويبهدلنا.
نظر إبراهيم لأخته وقال بنبرة ساخرة:
– لا طالما فيها بهدلة يبقى محمود لازم يضحي.
تابع بذات النبرة وقال:
– كمل يا مُضحي، كمل. سامعينك.
نظر محمود لهالة وقال:
– حطي نفسك مكاني. شايفة أمك هاتتبهدل والبيت ها يخرب وإيدك الحل. هاتعملي إيه؟
مازالت هالة ملتزمة الصمت، ونظراتها لا تبرح خاصته المتلألئات بالدموع. رد إبراهيم وقال بنبرة غاضبة:
– هو إيه الحكاية؟ هو كل واحد عامل نفسه راجل وقدام أهله عامل زي العيل ملوش كلمة ويجي يقولها حطي نفسك مكاني؟ طب ما تحط نفسك أنت يا باشا مكانها. واحدة اتجوزت واحد بعد ما قا ـ طع نفسه عن الجواز بسببها وفضل يقلها أنتِ قلبي وعينيا، وبعد عشر سنين صبر اتجوزها وبعد عشر أيام بس اتجوز عليها. تسمي دا إيه؟ ولا دا مش جواز وخدمة لله وللوطن!!
رد محمود بعصبية مفرطة قائلاً:
– اطلع منها يا إبراهيم. سبني معاها. أنا عاوز أسمع منها هي. عاوزها تتكلم بدل ما هي ساكتة كدابة.
بعد تردد لم يدوم طويلاً، تحدثت بنبرة هادئة قائلة:
– طلقني يا محمود.
وقف مقابلتها وقال بجنون:
– لا يا هالة. طلاق لا. اطلبي أي حاجة في الدنيا إلا إن أسيبك. أنا لو سبتك هاموت.
نفضت هالة يدها من بين راحتيه وقالت بغضبٍ جم:
– وأنا مُت لما عرفت إنك اتجوزت عليا. وهاموت لو فضلت معاك.
ضيقت حدقتها وقالت من بين أسنانها ودموعها تنساب على خديها:
– أنت إزاي قدرت تعمل فيا كدا؟ إزاي قدرت تنام جنبي وأنت متجوز غيري؟ إزاي إزاي قدرت تعيش معايا بوشين شهرين بحالهم؟ محسيتش بيهم قد إيه أنت كداب ولا مُخادع. يبقى إزاي عاوزني أصدقك وأنت بتقولي بحبك إزاي!!
أطلقت تنهيدة عميقة تُعبر عن الألم التي تعتمل صدرها، وراحت تقول بكل ما أوتيت من ثبات انفعالي:
– طلقني يا محمود. وزي ما دخلنا بالمعروف نخرج بالمعروف. وأنا متنازلة عن كل حقوقي ومش عاوزة حـ…
قاطعها بجنونٍ قائلاً:
– لا لا مش هاطلقك. أنتِ ليا وبس. أنتِ مستحيل حد ياخدك مني ومش هاسمح لحد غيري ياخدك مني. ولو بنت عمي هاطلقها ومشـ…
قاطعته هالة بنبرة ساخرة قائلة:
– وحلفان أبوك؟ بالسهولة دي هتخلي أبوك يغضب عليك؟
– ملكيش دعوة. أنا هاحل كل الأمور دي. أنتِ بس ارجعي لي ومتشغليش بالك بحاجة أبدًا!!
ردت بنبرة مغتاظة من إصراره بها وقالت بحدة:
– قلت لك مش عاوزة أكمل معاك. افهم بقى. مش عاوزاك.
وقف إبراهيم عن مقعده وقال بهدوء:
– روح يا حودة عشان عندك محكمة بكرة بدري. ما القانون نصّر المرأة وعملها قانون الخُلع. عقبال ما ينصرك زيها كدا إن شاء الله.
ظل إبراهيم يدفع بجسد محمود حتى باب الشقة. خرج من المنزل والغضب يملأ قلبه. ضرب بيده على النافذة الحديدية وقال:
– مش هاطلقك يا هالة. ولو عملتي إيه برضو مش هاطلقك. وابقي وريني مين ها يقف لك.
******
أنا مش لاقيك في الشارع يا إبراهيم يا ابني. دول باين عليهم ناس مش كويسة ووقعنا فيهم. سيبك من موضوع المحاكم ده. وبعدين هو قالنا اللي حصل. وعلى رأيه ما هي قدامه من زمانه مفكرش ليه يتجوزها. ما هو معذور بردو يا هالة دي أمه.
أردفت والدة هالة حديثها وهي تربت على كتف ولدها ليهدأ قليلًا من ثورته تلك. تابعت حديثها لابنتها التي لن تهدأ حتى تنفصل عن زوجها للمرة الثانية على التوالي. نظرت هالة لوالدتها التي ظلت تردد بحسرة قائلة:
– متزعليش مني يا بنتي بس دي الجوازة التانية ومكملتيش فيها شهرين بالعافية. طب الأولانية قلنا للناس اتجوز عليكي ومحصلش نصيب. إنما دي هنقول إيه للناس يا دي الفضا يح!!
ردت هالة مستنكرة كلمة والدتها قائلة بدهشة وذهول شديدان:
– فضا يح!! هي فين الفضا يح دي يا ماما. هو أنا مطلوب مني أروح أخبط على كل بيت وأحكي لهم كل واحد اتجوزته عمل فيا إيه وأنا مظلومة ولا لا؟ هو ليه كل اللي أمنت له يخون.
ردت والدتها قائلة:
– يا بنتي دا شرع ربنا. لو جينا للحق بقى.
– حق!!! وأنا حقي فين؟
– حقك محفوظ يا بنتي. وبعدين لو جينا للحق محمود مأثرش في معاملته معاكي طول الفترة اللي فاتت وشايلك من على الأرض شيل.
ردت هالة بنبرة ساخرة قائلة:
– وحمزة كمان كان شايلني في عينه واتجوز عليا. المشكلة مش فيهم. المشكلة فيا أنا. أنا اللي اتسرعت وقلت إن اللي حبيته بهدلني. فـ اللي بيحبك يمكن يسعدك. فبهدلني أكتر. كلهم صنف واحد. كلهم بيفكروا في نفسهم وبس. أما هالة فـ تو لع.
رد إبراهيم بنبرة حانية:
– بعد الشر. سيبك من كل دا وقولي لي عاوزة إيه وأنا هاعمله. ولو عاوزة ترجعي لمحمود نرجع وبشروطنا.
وقفت عن مقعدها وقالت بمرارة وهي تنظر لوالدتها بنظراتٍ لم تخلو من خذلان والحزن:
– اسأل ماما. يمكن طلاقي يبقى فضيـ ـحة جديدة وتتكسف منه.
ولجت غرفته مسرعة متجاهلة نداء أخيها. ما إن اختفت عن أنظاره، اقترب من والدته وقال بعتاب ولوم:
– ليه كدا؟ هي ناقصة؟ مش كفاية عمايل البيه جوزها!!
– يا ابني أنا خايفة عليكم. أنا لو عشت النهاردا مش هعيش لبكرة. ونفسي أشوفها في بيتها وأطمن عليها قبل ما أموت. أختك مبتخلفش ومش أي حد هايرضى بيها.
رد إبراهيم بضيق وقال:
– دا رزق زيه زي أي الصحة والفلوس. محدش بياخد الأربعة وعشرين قيراط بتوعه ناقصين. في ناس ربنا بيختبرها وبيشوفها قدها ولا لا. ولو هالة مش قد الاختبار مكن ربنا حطها فيه.
تابع حديثه قائلاً:
– وبعدين مين قالك إنها مبتخلفش؟ مش يمكن كاتب لها الخلفة مع حد يصونها ويحبها بجد. مش جايز لو كانت خلفت من واحد منهم كانت فضلت عايشة في المر اللي شافته دا عشان خاطر عيالها؟
ختم حديثه قائلاً:
– ساعات الأب بيكون نقمة على ولاده مش نعمة. وبيتمنوا زوالها. تجربتين أسوأ من بعض والاسم بيحبوها. ادعي لها ربنا يعينها على التعب اللي هي فيه بدل ما أنتِ بتحطي عليها بالكلام كل شوية.
ردت والدة إبراهيم قائلة بقلق:
– أنا خايفة عليك يا ابني. احنا مش قد الناس دي ولا قد شرهم.
وقف إبراهيم وقال بوعيد:
– طول ما أنا عايش وربنا مديني عمر هابهدلهم واخليهم يقولوا حقي برقبتي. وإن كان على محمود هو اللي بدأ والبادي أظلم.
بعدم مرور أسبوعًا كاملًا من زيارة محمود لهالة، ساءت الأوضاع ولم تجري الرياح كيفما أراد إبراهيم وهالة. حاول الجميع التدخل لفض النزاع بينهما، لكن إصرار هالة وأخيها على الانفصال كان حلاً جذريًا بالنسبة لهم.
رفض زوجها الانفصال وباءت جميع محاولات الجلسات العرفية بالفشل الذريع. وتبقى القضاء الحل الأمثل في مثل هذه الظروف. هذا ملعب إبراهيم فهو محامٍ معروف ولديه الكثير والكثير من القضايا التي أخذت الصيت الواسع. يتردد اسمه في المحاكم والجميع يتعاملون معه بحذر شديد.
البعض أطلق عليه (المُرعب) والبعض الآخر أطلق عليه محامي الضعفاء. لم يتقاضى جنيهًا واحدًا في قضية صاحبها لم يستطع دفع أتعابها، لذلك ذاع صيته في كل مكان.
قرر ولأول مرة يُلقي عباءة الشرف ويتعامل مع محمود وعائلته بكل ما هو خبيث وماكر.
مرت ثلاث أشهر كاملة وهو يجوب المحاكم ذهابًا وإيابًا، حتى حصل على وثيقة الطلاق بالتراضي بعد أن ضغط والد محمود على ابنه. كما تنازل عن جميع حقوقه مقابل التنازل عن جميع القضايا التي قام برفعها إبراهيم. تحولت الصداقة لعداوة وكرهًا. ولج منزله وبيده الوثيقة بعد أن ذهب مع من كان صديقه إلى (المأذون) قبل أسبوعين من اليوم. لم يخبر والدته حينها حتى لا يرتفع ضغطها ويحدث مضاعفات لها.
أتت هالة وبيدها منشفة مخصصة للمطبخ تجفف فيها يدها وقالت:
– إيه يا هيما مالك في إيه؟
وضع الوثيقة نصب عينها وقال باسمًا:
– مبروك عليكي الطلاق. لا وكل حقوقك محفوظة كمان.
ترددت الابتسامة على شفتاها والحزن يعتري قلبها. للمرة الثانية تقع في الموقف ذاته. خيبات أمل وأحلام حطمتها لها صخرة الواقع.
ترقرق الدموع في عينها وهي تنظر لأخيه الذي سرعان ما اختفت ابتسامته حين قال بندم:
– هو أنتِ زعلتي ليه؟ مش دي كانت أمنيتك؟
حركت رأسها علامة النفي وهي تكفكف دموعها وقالت كاذبة:
– لا لا بالعكس مبسوطة أوي أوي. أنا حاسة إن حمل وكان على قلبي.
احتضنته وقالت بامتنان:
– ربنا يخليك ليا يا هيما. من غيرك مكنتش هعرف أعمل أي حاجة. أنت ونعمة الأخ والسند. ربنا يخليك ليا يا حبيبي ويسعد قلبك يا رب.
رد إبراهيم بحزنٍ دفين وقال:
– ويخليكي ليا يا لولو.
خرجت والدتها من حجرتها متسائلة بنبرة متعجبة قائلة:
– خير. إيه الحنية دي كلها؟
ردت هالة بإبتسامة واسعة وهي تفرد وثيقة الطلاق أمام والدتها وقالت بنبرة متحشرجة:
– محمود طلقني خلاص. وهيما رجع لي حقي. أنا بقيت حرة خلاص يا ما مـ…
لم تكمل حديثها ما إن سقطت والدتها أرضًا بعد سماعها خبر الانفصال بشكلٍ رسمي. مازالت على أمل العودة رغم كل هذه المشكلات. الوضع تأزم والحال لم يبقى هو الحال وهي على أمل العودة.
تم نقل والدتها إلى المشفى بعد أن أمر الطبيب الذي قام بالكشف المنزلي. ما إن وصلت إلى المشفى تم عمل اللازم لها، وبعد الكشف المبدئي تبين أن يجب عليها الخضوع لعملية قسطرة استكشافية للقلب. لم تتحمل هالة هذا الخبر، سقطت أرضًا فاقدة للوعي.
انتقلت إلى غرفة الطوارئ وتم نقل بعض المحاليل الطبية لها. جلس إبراهيم على السرير المقابل في انتظار استعادتها للوعي.
ولجت الطبيبة وقالت:
– أنت جوزها؟
وقف إبراهيم عن الفراش وقال:
– لا. أخوه.
ردت الطبيبة بتفهم قائلة:
– اه. أنت اللي مع الحالة اللي في الدور الرابع صح؟
– أيوه. أنا هي. أمي عاملة إيه دلوقتي؟
– متقلقش بيعملوا لها اللازم.
– طب وهالة أخبارها إيه؟ مش راضية تفوق يعني؟
لم ترد الطبيبة عليه حتى ظن أنها تتجاهله. انتهت من كتابة بعض الملاحظات وقالت بإبتسامة واسعة:
– متقلقش هتفوق دلوقت وتبقى بخير.
كادت أن تغادر لكنه استوقفها قائلاً:
– دكتورة ا…
استدارت وهي تعرفه عن حالها قائلة:
– أنا الدكتورة ليالي الشرقاوي.
– معلش بس هو مين متابع حالة ماما؟ وهل ينفع أسيب أختي عادي هنا على ما أروح أطمن على أمي ولا لا؟
ردت ليالي باسمة وقالت:
– طبعًا تقدر تسيبها عادي لحد ما تحس نفسها كويسة. وفي الحقيقة مش عارفة مين متابع حالة والدتك بس تقدر تسأل في الدور الرابع. أي حد من فريق التمريض هيجاوبك.
ابتسم لها وقال بامتنان:
– شكرًا تعبتك معايا.
– العفو دا واجبي.
غادرت ليالي الغرفة تاركة إبراهيم جالسًا على حافة الفراش المقابل لأخته. صدح رنين هاتفه، فـ خرج من الحجرة ليرد ثم يذهب إلى الطابق الرابع ليعرف حالة والدته إلى أين وصل.
بعد مرور خمس دقائق، ولج شاب تجاوز الخامسة والثلاثين بأشهر قليلة يرتدي معطف أبيض وعلى يسار صدره لوحة معدنية دون عليها اسمه ” ادهم الشروقاي”. ولج غرفة الطوارئ باحثًا عن أخته التي لن تهدأ حتى تفقده ما تبقى من عقل. بحث عنها في كل مكان وهذا آخر مكان علم بوجودها فيه. اختفت كالزئبق على حد وصفه.
جلس وهو يدس يده في جيب معطفه ليخرج هاتفه. تراقصت أنامله ثم رفعه على أذنه وجده خارج التغطية. وصل إلى مسامعه صوت أنثوي يئن بخفوتٍ. كلماتٍ غير مفهومة على ما يبدو أن هناك مريضة تحت تأثير المخدر. فجأة وبدون سابق إنذار سقط من كان يئن وتحول أنينه لصراخ. هرول لمساعدته وجدها فتاة عشرينية تحاول الوقوف على ساقيها لكنها فشلت. سألها وهو يساعدها قائلاً:
– مكن ينفع تقفي مرة واحدة كدا. فين أهلك؟ أنتِ هنا لوحدك ولا معاكِ حد؟
– ماما ماما عاملة إيه؟ فين إبراهيم أخويا.
أردفت عبارتها بانهيار وهي تحاول نزع المحاليل المثبتة في يدها، مما جعلها تنزف. حاول تهدأتها لكنها دفعته في صدره بضعف وحاول الوقوف من جديد على ساقيها. ولكن الأرض تميد من حولها. اللعنة على المشفى والعاملين عليها. لماذا حدث بها؟ كانت في حالة صحية جيدة. ما الذي حدث لها؟
اقترب ادهم وقال بهدوء محاولًا مساعدتها:
– اهدي. أنا دكتور هنا وممكن أساعدك. قولي لي بس عاوزة وإنا هخلي الممرضة تعمله لك. ايدك بتنزف ما ينفعش كدا!!
ردت بعصبية قائلة:
– يا سيدي مش عاوزة منك حاجة شكرًا. عاوزة اخويا إبراهيم.
رواية هالة و الادهم الفصل السابع 7 - بقلم هدي زايد
ولجت ليالي وهي تسأل عن سبب تلك الفوضى التي تعم المكان وقالت:
– إيه دا في إيه؟!
رد أدهم وقال:
– ليالي شوفيها مالها بتقول عاوزة أخوها ومامتها.
حاولت ليالي أن تساعدها في الجلوس من جديد على طرف الفرش ثم نادت للممرضة وقالت لأخيها:
– معلش يا أدهم اخرج أنت دلوقت وأنا هخلص وأجي لك مكتبك.
– تمام.
بعد مرور نصف ساعة.
طرقت ليالي الباب قبل أن يأذن لها أدهم بالدخول.
جلست على المقعد وهي تضع ساق فوق الأخرى وقالت:
– خير يا دومي كنت عاوزني في إيه؟
ردت أدهم بجدية وحاجب مرفوع عن الآخر:
– إحنا في الشغل على فكرة.
ردت بمشاكسة مقلدة إياه قائلة:
– بس لوحدينا على فكرة.
تابعت بجدية قائلة:
– جيت ليه الطوارئ؟
ردت أدهم قائلاً:
– كنت عاوز منك إيه موضوع العزومة اللي عملتيها دي وقلتي بقلب قوي كدا لعمك يجي عندنا؟
حكت مؤخرة رأسها وهي تقول بجدية مصطنعة:
– بص بقى بصراحة ومن غير لف ولا دوران مش أنا صاحبة فكرة العزومة دي صاحب الفكرة هو عمك نفسه.
رد أدهم قائلاً بنبرة ساخرة:
– وهي مراته الست نازلي هانم حرم الدكتور أدهم الشرقاوي دكتور النسا والتوليد هتقبل تيجي عندنا الحارة؟
– متقلقش ما أنا سألت عمك قالي أنا اللي عازم نفسي هتقبلوا وإلا لأ يا ولاد أخويا قلت له تنور في أي وقت ونعملك أحلى غدا كمان.
رد أدهم باسمًا وهو يصحح لها قائلاً:
– تعملي له أنتِ أحلى أكل أنا طول الأسبوع دا يا حبيبتي إجازة من المطبخ والمواعين.
– دوومي دا عمنا وإحنا عزمنا.
سألها بنبرة مغتاظة قائلاً:
– أنا ليه مبسمعش بتتكلمي بصيغة الجمع في العزومات واللبس والفلوس ليه مبسمع فيها في تنضيف مكاننا أطباقنا مكواتنا ليه في دول بيتقالي نضف مكانك أطباقك واكوي هدومك.
وجهت ليالي سبابتها نصب عيناه وقالت بجدية مصطنعة:
– لأن المرأة نصف المجتمع ويجب عليها مشاركة الرجل في كل شيء ما عدا الطبخ والغسيل والمكواة وبالذات المكواة.
ابتسم لها ولم يعقب على تلك المحاضرة التي لن تنتهي إلا بفرض سيطرتها الكاملة على ما وضعته من قرارات.
ردت بتذكر قائلاً:
– صحيح البنت اللي بتدور على أهلها دي لاقيتهم؟
– قصدك مين؟ قصدك هالة؟
– هي اسمها هالة؟ إيه حكايتها البنت دي؟
– مش عارفة بس هي جت هي وأخوها عشان مامتها تعبانة والمفروض تعمل قسطرة استكشافية على القلب فـ هالة متحملتش الخبر واغمى عليها بس إحساسي بيقولي إن البنت دي حكايتها حكاية.
عقد ما بين حاجبيه وقال بفضول:
– ليه بتقولي كدا؟
رفعت كتفيها وقالت:
– مش عارفة بس وأنا بحاول أهديها قعدت تقول أنا السبب ياريتني ما كنت قلت لها وكلام من النوع ده.
بعد مرور يومين.
كانت والدة هالة في حالة صحية أفضل من ذي قبل بينما شحب وجه ابنتها وتغيرت حالتها النفسية والصحية.
انتظر إبراهيم وهالة الطبيب المعالج لوالدتهما ليطمئنهما ولكن ما قاله الطبيب زاد من قلقهم حين قال:
– للأسف لازم نعمل العملية محتاجين نركب دعامة للقلب وإلا الحالة هتسوق.
سألته هالة قائلة:
– طب لما تعملها يا دكتور هتعيش وتبقى كويسة؟
رد الطبيب بعقلانية وعملية:
– الأعمار بيد الله إحنا بنعمل اللي علينا مش أكتر مافيش حاجة مضمونة ولا أكيد غير بإذن الله معاكم يومين ترتبوا فيهم نفسكم للعملية.
ختم حديثه قائلاً:
– ياريت تبقى تعدي على الحسابات.
حرك إبراهيم رأسه وقال بتفهم:
– مفهوم يا دكتور شكرًا.
نظرت هالة لأخيها وقالت بنبرة متحشرجة إثر البكاء:
– ها نعمل إيه يا إبراهيم دا الموضوع دا شكله عاوز مصاريف جامدة؟
رد إبراهيم بابتسامة باهتة وقال:
– متخافيش ربنا مش هايسبنا إن شاء الله.
ربت على يدها وقال:
– أنا هاسيبك دلوقت وهروح أشوف الحسابات وبعدها هعمل كام مشوار متقلقيش لو مجتش تاني أو جيت متأخر.
– ماشي بس خليك معايا على التليفون وعرفني هاتعمل إيه؟
– حاضر.
تركها وسار تجاه المصعد الكهربائي.
ضغط على زر المصعد.
وقف لثوانٍ قبل أن يلوح بيده لأخته مغادرًا المشفى.
كان أدهم واقفًا في المصعد حين قام إبراهيم بتسجيل رسالة صوتية قائلاً:
– مصطفى أنا هابيع المكتب بتاعي شوف لي أي حد يشتري بأي سعر محتاج لفلوس ضروري حاول تشوف أي مشتري من اللي كانوا عاوزينها.
لحظات ثم أتته رسالة منه استمع لها ثم ضغط على زر التسجيل وقال:
– مش هاينفع وبعدين أنا سايب هالة أختي في المستشفى لوحدها مع ماما وأنتِ عارفاها بتخاف من المستشفيات وبتتعب منهم هي بتحاول تبين دلوقتي إنها كويسة عشان أنا سايبها بص هات المشتري ونخلص دلوقتي وبكرة نروح الشهر العقاري نخلص كل حاجة المهم تجيب لي فلوس النهار ده اتفقنا يا مصطفى؟
خرج إبراهيم من المصعد الكهربائي متجهًا نحو باب المشفى لا يعرف أن ما سيفعله من المحتمل أن ينهي حياته المهنية.
لم يكن أمامه أي خيار آخر سواه فقرر أن يذهب إليه لعله يجد عنده ما ينقذ والدته.
وقف على أعتاب مكتبه وقال بخفوت:
– يارب أنا مضطر أعمل كدا عشان أمي لكن أنا مش في نيتي أبدًا أمشي في طريق الحرام إن كنت مش راضي اقفل الباب دا في وشي وافتح لي طريق تاني يرضيك يارب.
ولج المكتب وانتظر زميل أيام دراسته.
الوضع بالنسبة له غاية في الحرج والحزن لأنه قرر أن يسير في نفس درب بعض المحامين غير الشرفاء لكسب الأموال.
طرقات خفيفة على سطح المكتب الزجاجي التوتر يجتاح قلبه كيف سيخبره بأن وافق على قبول تلك القضايا.
بينما كان زميله في مكتبه الخاص جالسًا يراقبه عبر شاشة الحاسوب النقال وابتسامة الشماتة تزين ثغره.
ما زالت عيناه معلقتان على تلك الشاشة حين قال:
– سيبي ربع ساعة وبعدها دخلي ولما يدخل ابقي قولي إن في ميعاد مع واحد مهم وكنتِ ناسيه.
ردت المساعدة قائلة:
– مفهوم يا فندم.
خرجت المساعدة وابتسامتها تختفي تدريجيًا من على ثغرها.
وصلت إلى مكتب الذي يجلس في إبراهيم ابتسمت له وحاولت أن لا تظهر عكس كلماتها المحذرة:
– حاول ما تبينش إنك فهمت حاجة ممدوح المفروض يرميك هنا ربع ساعة وبعدها تتدخل ويبدأ يترسم عليك امشي وأنا هابلغ بعدين اللي حصل.
سارت تجاه مكتبها جلست خلفه وقالت بابتسامة واسعة حين وقف هو:
– أنا هعمل نفسي بكتب لك معاد وهاديك رقمي عشان نعرف نتواصل أنت ربنا بيحبك اخرج من هنا وإياك تتواصل معاه مهما حصل.
أومأت له برأسها علامة الإيجاب.
وقالت:
– العفو يا فندم دا واجبي، نورت يا فندم.
*******
دول عشر ألف جنيه تقدري تعديهم قبل ما تمشي وبالنسبة لباقي فلوسك كمان ساعتين تقدري تاخديهم لأن السيولة اللي في المحل مش هتكفي.
أردف الصائغ عبارته وهو يلملم المصوغات الذهبية من على سطح الطاولة الزجاجية.
وأزاح الجزء المتبقي جنبًا.
جمعته هالة داخل صندوقها الخشبي وغادرت المكان قائلة بامتنان:
– متشكرة هاجي لك بليل إن شاء الله.
– تشرفي يا فندم المحل محلك في أي وقت.
خرجت هالة من المحل وهي تجر خيبات الأمل خلفها ظنت أن مصوغاتها الذهبية ستجمع لها مبلغًا كبيرًا لكن ما جمعته لا يتجاوز نصف المصروفات داخل المشفى.
تقابلت مع حمزة بن عمها في الطريق استوقفها قائلاً:
– هالة عاملة إيه؟
ردت بابتسامة متكلفة قائلة:
– الحمد لله بخير.
– أنا عرفت إن مرات عمي في المستشفى بس مش عارف أنهي مستشفى ياريت تعرفيني عشان عاوز أزورها.
– هي في مستشفى الأدهم الاستثماري.
– طب هو أنتِ رايحة إمتى عشان نروح سوا و…
ردت هالة بنبرة مقتضبة قائلة:
– أنا مش فاضية لو عاوز تروح روح أنت يا حمزة أنا لسه عندي كام مشوار.
نبرتها تلك وحدتها في الحديث جعلته يعلم تمامًا أن ما يحاول فتحه من جديد لن يتم بتلك السهولة.
تركته قبل يسألها سؤالًا آخر.
جفائها لم يأتي من فراغ بل أتى بعد سنوات من المحاولات في التنازل عن بعض الحقوق.
التراكم الذي حدث جعله يخسر الكثير من مكانته لديها.
******
في منزل محمود بمنزل أبيه كان جالسًا في غرفته مضطرب عن الطعام.
طالت لحيته وبكت عيناه حتى كاد أن يفقد بصره حزنًا على فراق حبيبته.
ولج والده محاولًا إخراج ولده من حالته تلك.
نظر حوله وجد حالة من الفوضى في كل مكان عاد ببصره له وقال:
– وآخرة اللي أنت فيه دا إيه؟
بلع محمود لعابه وقال بمرارة:
– عاوزين مني إيه تاني؟
رد والده وقال:
– عاوزينك تخرج من اللي أنت فيه دا وكفاية حزن بقى على ناس متستاهل هي لو كانت باقية عليك كانت عملت اللي عملته دا معاك فيها إيه يعني لما جوزها يتجوز عليها هي آخر أول ست ولا آخرهم؟ ما هي أمك اهي عايشة مع ضرتها في نفس البيت ومحصلش أي حاجة!!
رد محمود بنبرة مختنقة قائلاً بعصبية:
– عشان هالة مش أمي ولا أمي زيها عشان أنا عشت عشر سنين صابر وساكت وقافل على قلبي ومش عاوز حاجة من ربنا غير إن هالة تبقى من نصيبي ولما تبقى نصيبي تيجيوا بكل جبروت تقولوا أمي في كفة ومراتك في الكفة التانية ساكتين بقالكم عشر سنين ومحدش فيكم قدر يحلف عليا وبتقولوا سيبوا براحته ولما اتجوزت اللي بحبها قلتوا إزاي يعيش مبسوط يلا ننكد عليه ونجبره يتجوز.
رد والده بنبرة ساخرة قائلاً:
– لا والله بقالك حس يا محمود وبقيت تعرف تتكلم.
تابع بنبرة آمرة قائلاً:
– يلا قوم الحق دقنك دي وتعال معايا نرجع بنت عمك عشان تربي ابنك في وسطنا.
رد محمود بعناد قائلاً:
– لا مش هرجعها ودا كان شرطي عليكم لو خسرت هالة هتخسروني أنا كمان.
ختم حديثه قائلاً بعدم اكتراث:
– وإن على ابني اللي جاي في السكة هيتربى عادي ولو محتاج حاجة مني هاجيبها له.
سأله والده بنبرة مغتاظة قائلاً:
– بقى يا محمود هاتمشي كلمتك عليا!!
رد محمود بعصبية قائلاً:
– وعلى أي حد خلقه ربنا أنا خلاص خسرت ومش باقي على حد.
– طب عليا الطلاق لو مـ….
قاطعه محمود قائلاً:
– مبقتش بأكل من الكلام دا خلاص.
ختم حديثه قائلاً:
– خد بعضك بقى يابا وامشي عشان يادوب الحق أدور على طريقة أرجع بيها مراتي.
*****
بعد مرور يومان.
كانت هالة واقفة أمام المشفى في انتظار أخيها الذي تأخر كثيرًا عن الموعد الذي حدده.
كانت تنظر في ساعة معصمها بين الفنية والأخرى وهاتفها لا يهدأ من مكالمات صادرة من نفس الرقم الذي يحاول إزعاجها منذ فترة.
وصل أخيرًا إلى المشفى.
كانت يلتقط أنفاسه بصعوبة بالغة وهو يعتذر منها قائلاً:
– معلش يا لولو اتأخرت عليكي.
– ولا يهمك يا حبيبي قل لي مين شيري دي اللي بترن عليا ومصممة توصلك ومش عارفة.
رد بتأفف قائلاً:
– دي واحدة دماغها تعبانة سيبك منها عملت لي خدمة ومن يومها وهي لازقة لي فاهمة إني بحاول أخلع منها.
غمزت هالة بجانب عيناها قائلة:
– أيوه يا عم شيري وليالي وما خفي كان أعظم.
رد إبراهيم بنبرة ساخرة وهو يلج المشفى محاولًا تقليد نبرتها:
– هي شيري وليالي وبس دي ليلة طويلة أخاف أحكي لك عليها أتحسد وأتحقد منك.
ضحكت ولأول مرة منذ فترة طويلة.
ولجت أسفل ناظريها توقفت فجأة متعمدة محادثتها مع أخيها وهي تقول:
– دكتورة ليالي إزيك عاملة إيه؟
ابتسمت لها وقالت:
– بخير والحمد لله أنتِ إيه أخبارك؟
– الحمد لله فينك سألت عليكي ولقيتك إجازة.
– كانت إجازة صغننة ورجعنا للشغل ووجع القلب من تاني.
كلمات بسيطة حاولت من خلالها إطالة الوقت.
حتى قررت أن تغادر ولكنها عادت تسألها بتذكر قائلة:
– هالة هو المكتب اللي كنتي بتقولي عليه إيه اخباره اتباع ولا لسه موجود؟
نظرت هالة بابتسامة واسعة وهي تنظر لأخيه.
ثم عادت ببصرها لها وقالت بمكر:
– والله يا دكتورة كنت سمعت إن إبراهيم أخويا بيدور على مشتري جديد لو حابة.
ردت ليالي قائلة بجدية:
– طب أنا كنت عاوزة أأجر المكتب فـ لو حضرتك هتـ….
رد إبراهيم مقاطعًا إياها باعتذار قائلاً:
– للأسف كنت محتاج أبيعه مش أأجره لو هتشتري يبقى شوفي ميعاد يناسبك ونتفق على كل حاجة.
لوت ليالي فاها وقالت بإحباط:
– الظاهر إن مفيش نصيب ربنا يوفقك وتبيعه عن إذنكم.
– ليه كدا مش أنت كنت مش عاوز تبيعه؟ اديني جبت لك اللي يأجره دلوقتي عاوز تأجره؟
رد إبراهيم قائلاً بنبرة حانية:
– المكتب دا غالي عندي لما كنت بفكر أبيعه فأنا ببيعه عشان محتاج للفلوس لكن لو عليا مش هبيعه أصلًا والله.
– طب وهتعمل إيه دلوقت؟
– هعمل إيه يعني يا هالة بدور على حد يشتري بس السعر مش مناسب خالص المكتب في مكان حلو والناس استغلت ليه بتحاول تحرق سعره عشان محتاج.
ردت متسائلة بفضول:
– أنت عاوز كام في المكتب؟
– عاوز 100 ألف جنيه.
– طب واللي يجيب لك نص المبلغ دلوقتي؟
والنص التاني بعدين توافق؟
رد إبراهيم قائلاً:
– يا ستي أنا مش محتاج غير الخمسين ألف عشان مصاريف المستشفى والباقي كنت هخلي معايا عشان محتاجهم.
ردت هالة بجدية مصطنعة وهي تربت على كتف أخيها وقالت:
– متقلقش وراك رجالة اعتبر الخمسين ألف في جيبك وسيب المكتب.
رد إبراهيم بذات النبرة وقال:
– لا يا حبيبتي أنا عاوزهم فعلاً في جيبي شغل أطمن دا وأخد على قفايا زي كل مرة دا أنا ما بحبوش أنا خلاص قفايا قرب ينور في الضلمة بسببك.
رواية هالة و الادهم الفصل الثامن 8 - بقلم هدي زايد
الساعة الآن الثانية فجرًا.
داخل المشفى.
كانت هالة تسير بهدوء في الرواق المؤدي لمكتب الطبيبة ليالي. أصبحت صديقتها الوحيدة في هذا المشفى، تقضي معها معظم الوقت إن لم يكن كل الوقت. طرقات خفيفة، ثم ولجت بعدها كسابق عهدها معها. بحثت عنها ولم تجدها، وقبل أن تغادر المكتب تفاجأت بأدهم يلج مندفعًا، مصطدمًا بها.
عاد خطوة للوراء وقال:
– أنا آسف، كنت فاكرك ليالي.
ابتسمت بتوتر وقالت:
– ولا يهمك.
تابعت بتساؤل قائلة:
– هي مش موجودة؟ شكلها في الطوارئ؟!
عقد أدهم ما بين حاجبيه وقال بنبرة متعجبة قائلًا:
– أنا لسه جاي من هناك وكنت فاكرها هنا أصلا!!
نطق فاها لترد، لكن صوت محمود قاطعها قائلًا بنبرة حادة:
– بتعملي إيه يا هالة؟
عقد أدهم ما بين حاجبيه وهو يستدار بكامل جسده ليعرف صاحب الصوت، وقبل أن يتحدث سأله محمود بنبرة حادة قائلًا:
– أنت مين وبتعمل إيه معاها في الوقت دا؟
ابتسم أدهم وقال بنبرة جادة:
– أنت اللي مين؟ وإزاي تدخل كدا من غير ما الأمن ياخد باله؟
رد محمود بجدية قائلًا:
– أنا جوزها أنتـ….
ردت هالة بنبرة قاطعة قائلة:
– لا مش جوزي، وكفاية فضايح لحد كدا واتفضل برا بقى.
اقترب محمود منها قابضًا على رسغها برفق وقال:
– تعالي معايا، عاوز أتكلم معاكي في كلمتين.
نفضت هالة يدها بقوة وقالت بحدة وصرامة:
– لا مش جاية، واتفضل برا بدل ما أطلب لك البوليس ويعرف شغله معاك.
– هتيجي معايا بالذوق أحسن لك، وإلا تـ….
قاطعه أدهم وقال:
– هي مش قالت لك إنها مش عاوزة تروح معاك، هو أنت مبتفهمش؟
دفعه محمود في كتفه وقال بعصبية:
– ملكش دعوة، أنت واحد ومراته.
لم تتحمل هالة كلمته تلك، هدرت بصوتها قائلة بنبرة محذرة:
– قلت لك مش هاجي معاك، والله لو ما بعدت عني لأخلي إبراهيم يمسح بكرامتك المحاكم ويعرفك يعني إيه تقرب لي. امشي من هنا وكفاية فصايح لحد كدا.
اقترب محمود منها حد الالتصاق في محاولة منه لتأثير عليها، حين قال:
– هالة، أنا بحبك ولسه شاريك، أنا عاوز أرجعك تاني ونـ….
دفعته هالة بقوة عنها حتى اصطدم جسده بالجدار. اتسعت عيناه وهو يستمع إليها حين قالت:
– والله لو ما خرجت من هنا وبعدت عني لأعرفك مين هي هالة بجد، أنا لحد دلوقتي عاملة حساب العيش والملح. لحظة كمان وهنسى كل ده وأحطك تحت رجلي.
هدر أدهم بصوت مرتفع لأفراد الأمن قائلًا:
– طلعوا الشيء ده برا، وإياك أشوف خياله هنا تاني وإلا حسابكم معايا أنا.
دفعه أفراد الأمن للخارج عنوة، بينما كان محمود يهدر بكلماتٍ محذرًا إياها. وعيده وتهديداته كانت ترعب أي شخص يسمعه، عدا هي. اختفى عن أنظار هالة وأدهم. نظر لها وقال:
– أنتِ كويسة؟
اكتفت هالة بإيماءة من رأسها علامة الموافقة، عكس ما كانت تشعر حينها. أتى أخاها بخطواته الواسعة والسريعة وبجانبه ليالي. سألها بلهفة قائلًا:
– عملك إيه محمود؟ أنتِ كويسة؟ ردي عليا!
– متقلقش يا حبيبي، أنا كويسة وهو ما يقدرش يعمل معايا حاجة.
– طب الحمد لله.
نظر إبراهيم لأدهم وقال باعتذار:
– أنا بعتذر عن اللي حصل، بس ده غير مقصود وإن شاء الله مش هيتكرر تاني.
رد أدهم باسمًا قائلًا:
– ولا يهمك، بس ياريت تخلوا بالكم، ده باين عليه بتاع مشاكل.
ابتسم إبراهيم وقال:
– محمود ده أطيب خلق الله، هو بس اللي بيتصرف بهبل.
رد أدهم وقال:
– متخافش غير من اللي بيتقال عليه طيب ده.
– ربنا يسترها.
ختم حديثه قائلًا:
– عن إذنك، هروح أطمن على ماما. يلا يا هالة.
تناول يد أخته الذي شعر برعشتها. نظر لها وقال وهو يسير جنبًا إلى جنب:
– مال إيدك بتترعش كدا ليه؟
أومأت له بالإنكار وقالت بنبرة مرتجفة:
– لا أبدًا، مفيش. أنا كويسة.
على الجانب الآخر من نفس المكان، وتحديدًا داخل مكتب ليالي بالمشفى، جلس أدهم خلف مكتبها بدلًا منها، مسندًا بمرفقيه، مستمعًا بجميع حواسه ما تقوله عن تلك الهالة. حتى استوقفها متسائلًا بنبرة متعجبة قائلًا:
– يعني اتجوزت اتنين في أقل من سنة؟ والاتنين حبوها واتجوزوا عليها بسبب الخلفة!!
ردت ليالي بنبرة محللة كعادتها قائلة:
– بص، مقدرش أقول على الجوازة التانية إنها كانت حب زي الأولانية. بالنسبة لهالة، هالة اتجوزت محمود بدافع غريزة الأمومة اللي جواها. كان نفسها تبقى أم زي حمزة ما بقى أب، فقالت طالما محمود بيحبني وعاوز يتجوزني، يبقى ليه لأ؟
ختمت حديثها قائلة بنبرة جادة:
– تقدر تقول اخترت المرة التانية بقلبها، عشان كدا كانت صارمة معاه في انفصالها، عكس حمزة اللي كانت موجوعة منه وقت انفصالهم.
رد أدهم وقال بنبرة هادئة:
– مظنش إن وجعها كان بسبب الانفصال، قد ما كان بسبب إنه داس على حبهم الأسطوري اللي بتقولي عليه واتجوز غيرها. أكتر حاجة توجع أي ست هو إن الشخص اللي بتحبه والمفروض بيحبها يتجوز حد تاني.
ردت ليالي بمشاكسة قائلة:
– مين قال كدا؟ عندك أنا مثلًا، بردو لك على عروسة.
سألها أدهم باسمًا وقال:
– وهو أنتِ حاسبة نفسك ست!!
وثبت ليالي من مكانها وقالت بغضبٍ مصطنع:
– قصدك إيه يا دكتور!!
رد باسمًا وقال بخوف مصطنع:
– مش قصدي، أنا بس كنت بقول إنك ست البنات.
تابع بجدية متسائلًا بتذكر:
– صحيح، كنتي فين الوقت ده كله؟ كنت بدور عليكي، وهالة كمان.
ردت ليالي بتلعثم قائلة:
– ها! آه، أصل كنت بشوف موضوع المكتب اللي عاوز يبيعه إبراهيم، وبعدها….
قاطعت نفسها بتذكر مغيرة مجرى الحديث:
– آه صحيح، هو عمي كان عاوز إيه منك؟ ما فهمتش حاجة من كلامك الصبح.
رفع أدهم كتفيه وقال بهدوء:
– مش فاهم أنا كمان، بس تقريبًا كدا الكلام على العيادة بتاعته، عاوز يسيبها لي لأن محدش من ولاده ها يهتم بيها بعد عمر طويل.
ردت ليالي قائلة:
– أيوه، وأنت ها تعمل إيه؟ هتاخدها!
– لا.
– ليه يا أدهم؟
– عشان أنا مبحبش أطلع على أكتاف حد، وعمك عاوز يطلعني على أكتافه، وده هايسبب لي مشاكل كتير مع مراته وولاده في غنى عنها الحقيقة.
ختم حديثه قائلًا:
– ده غير إني خلاص مسافر بعد كام شهر.
ردت ليالي بنبرة تملؤها الحزن قائلة:
– طب وأنا يا أدهم مفكرتش فيا؟!!
ابتسم بحنو وحب وهو يقول:
– هو أنا بفكر في حاجة ولا في حد غيرك يا عبيطة!!
تابع بنبرة مطمئنة قائلًا:
– متخافيش يا لولو، أنا مقدم لك معايا، وإن شاء الله يقبلوا عروضنا ونسافر سوا.
ردت ليالي وقالت:
– سافر أنت بالسلامة، أنا مش هاسيب بلدي ولا أهلي وناسي، وأعيش في بلد معرفش حد فيها.
سألها بنبرة حزينة قائلًا:
– وهما فين أهلنا وناسنا دول يا لولو؟ إحنا ملناش غير ربنا في البلد دي، و كـ….
ردت ليالي قائلة بنبرة جادة:
– مش هسافر يا أدهم، وهفضل هنا. عاوز تفضل، اتفضل. مش عاوز ومصمم على السفر، يبقى لوحدك من غيري. وإن كان عليا، متخافش، أنا الحمد لله أقدر أحافظ على نفسي.
رد أدهم بنبرة مغتاظة وقال:
– ليه؟ قالوا لك عليا أناني ومبفكرش غير في نفسي وبس!! على العموم، لسه محدش عارف النصيب فين، سيبها لوقتها.
******
بعد مرور أسبوع كامل.
خرجت والدة إبراهيم من المشفى، ووضعها الصحي في تحسن مستمر. كانت هالة تلملم متعلقات والدتها بهدوء حتى لا تنسى شيئًا، بينما كان أخاها واقفًا أمام النافذة يناجي ربه بأن تأتي قبل مغادرتهم. وقفت هالة خلفه وقالت بنبرة خافتة:
– مش هتيجي النهار ده، ريح نفسك.
استدار إبراهيم وقال بلهفة:
– عرفتي منين؟
عادت تلملم أشياءها دون أن ترد على سؤاله. ذهب خلفها وقال:
– ما تردي عليا، عرفتي منين إنها مش جاية النهار ده؟
ابتسمت وقالت بتلاعب:
– والله يا هيما، دي أسرار. بس عشان خاطر اللهفة دي، ممكن أقولك عادي، وكله بحسابه. وربنا بقى يقدرني على فعل الخير.
أجلسها على المقعد وقال بنبرة مغتاظة:
– قولي، ومتبقيش بايخة. مجتش النهار ده ليه؟
ردت هالة بجدية مصطنعة وقالت:
– بقيت دلوقتي أنا بايخة، الله يسامحك.
– هــالة، خلصي بقى!
– طب يا سيدي، هي مجتش عشان تعبانة، واخدة دور برد شديد بقالها كام يوم، والنهار ده الموضوع زاد واغمى عليها.
سألها إبراهيم بلهفة وقال:
– وأنتِ عرفتي كل ده منين؟
رفعت كتفيها وقالت بجدية:
– أبدًا، مفيش. دا أنا كنت بكلمها النهار ده وأخوها أدهم رد عليا، وطلبت منه أطمن عليها. قالي مش هتقدر ترد، وإنها واخدة الدوا ونايمة دلوقتي.
– وبعدين؟
ردت ببلاهة قائلة:
– وبعدين إيه؟
– هالة، هو أنتِ بتيجي لحد عندي وتديني كلامك بالقطارة؟ خلصي، بعدين إيه اللي حصل؟
رد بهدوء قائلة:
– مافيش حاجة. قلت له يقولها إني اتصلت عليها وإني هاكلمها تاني تكون حالتها اتحسنت، بس كدا.
– هتكلميها إمتى؟
– مش عارفة، بس ممكن بكرة مثلا بليل.
رد إبراهيم برجاء وقال:
– طب ما تخليها النهار ده بليل عشان خاطر.
نظرت هالة لأناملها وقالت بجدية مصطنعة:
– كان على عيني يا هيما، والله، بس مش معايا رصيد.
– هاشحن لك.
ردت بذات النبرة وقالت:
– السماعة بايظة!
تنهد بقوة وقال من بين أسنانه:
– هاجيب لك غيرها.
داعبت ياقة قميصه وقالت بابتسامة ماكرة:
– حلو قميصك ده.
ابتسم لها وقال بكل ما أوتي من هدوء أعصاب:
– بقى قميصي….
كادت أن تتحدث، لكنه رفع سبابته وقال بنبرة محذرة:
– قسمًا بالله العلي العظيم لو فتحتي بوقك ده تاني، لاسحب كلامي وأتصرف بطريقتي.
ختم حديثه مداعبًا خديها قائلًا:
– وشوفي طريقتي ولا طريقتك يا هالة، والخسارة اللي هتتعرض لها يا لولو.
ردت هالة بنبرة مغتاظة قائلة:
– خلاص يا خويا، هو الواحد ميعرفش يطلب منك طلبين.
****
في المساء.
كانت تجوب الغرفة ذهابًا إيابًا، تسرد ما حدث لأخيها في الفترة الماضية. لم تكن تعلم أن ما تفعله سوف يؤثر بالسلب عليه. ظلت تتحدث عن تلك الفتاة التي نصحته بأن يغادر مكتب زميله كي لا يقع في الفخ المنصوب له، وأن تسوء سمعته المهنية. تأججت نار الغيرة داخل ليالي دون أن تشعر. ظنته بأنه له ماضٍ مع الفتيات. أشارت هالة بيدها تجاه أخيها وقالت بابتسامة واسعة وقالت:
– تعال يا هيما بسرعة.
وضعت الهاتف في يده وقالت بنبرة هامسة:
– خد واتكلم، يكش تسمي بنتك على اسمي في الآخر. اديني مهدت لك الموضوع.
ختمت حديثها قائلة:
– أنا هروح أعمل لك قهوة، ومتنساش تدعي لي.
ما إن ذهبت هالة، رفع إبراهيم الهاتف على أذنه وقال بابتسامة واسعة:
– آلو، إزاي…. طب اهدي، طب اصبري، هافهمك. ربنا، أنا مش بتاع بنات، أنا بس ليالي.
نظر للهاتف وقال بنبرة مغتاظة:
– دي قفلت السكة!! منك لله يا هالة.
على الجانب الآخر من نفس المكان.
كانت هالة تبتسم بين الفينة والأخرى على أخيها الذي وقع أخيرًا في العشق. ولج وهو لا يرى أمامه أي شيء. جلس جوارها. نظرت له وقالت بابتسامة واسعة:
– نقول مبروك؟
رد عليها وقال بوعيد:
– والله ما هسيبك. ورجعي بقى كل اللي خدتيه مني. بدل والله العظيم شغل المحاميين عليكي، لتكوني فاكرة إني أهبل.
سألته ببلاهة قائلة:
– يعني مش هتسمي بنتك على اسمي؟
وثبت من مقعدها قبل أن يحصل على رأسها. احتمت بوالدتها وجلست خلفها. رفعت والدته يدها وقالت بضيق:
– انتوا رجعتوا عيال من تاني ولا إيه؟
– اسألي بنتك.
نظرت والدتها لها وقالت بفضول:
– هو في إيه يا هالة؟
قلبت هالة شفتها وقالت ببراءة:
– معرفش والله يا ماما، مع إني كنت ماشية في الخير! صحيح، خيرًا تعمل شرًا تلاقي إبراهيم في وشك.
أجبرته والدته على الجلوس وقالت بجدية:
– مالك ومالها، في إيه؟
– مافيش يا ماما، خير؟ حضرتك عاوزاني ليه؟
ردت هالة وقالت:
– جايبة لك صور عشان تختار لك منهم عروسة يا هيما.
رد إبراهيم وقال بنبرة مغتاظة:
– خليها تخرس، مش طايق صوتها.
– بس يا هالة.
ردت ببراءة وقالت بحزن مصطنع:
– حاضر يا ماما، خرست أهو.
تابعت والدته وهي تضع صورة فتاة عشرينية لإحدى الجيران وقالت بابتسامة واسعة:
– دي دنيا بنت عمك مسعد، بنت زي الورد، وخريجة حقوق زيك وشاطرة في البيت وشغلها، يعني مش ها تتعبك.
رد إبراهيم وقال بابتسامة واسعة:
– دنيا مين يا ماما، اللي اتجوزها؟ دنيا دي لحد السنة اللي فاتت كانت بتقولي يا عمو هيما. إيه السنة دي و’تتجوزها؟
ردت هالة بجدية مصطنعة ساخرة منه قائلة:
– اتجوزها وخليه يقولك يا هيما من غير عمو.
– قلت لك اخرسي.
– حاضر.
ردت والدته لتفض النزاع وقالت بنبرة مغتاظة قائلة:
– بلاش دنيا، إيه في أمنية بنت عمك حسن؟ أهي بقى مافيهاش عيب، وقريبة منك في السن، ودكتورة قلب وشاطرة.
ردت هالة مشاكسة قائلة بخبث:
– لا يا ماما، بلاش دكاترة، أصل إبراهيم مابيحبش الدكاترة وبيقول عليهم دمهم تقيل.
رد إبراهيم بنبرة محذرة وهو ينظر لوالدته وقال:
– هاضربها لك، خليها تسكت عشان مش طايقها الوقتي، و’قفلي على سيرة الجواز دي دلوقت، وبصراحة، مافي واحدة فيهم عجبتني.
ردت والدته وقالت بنبرة مغتاظة قائلة:
– وبعدين يعني يا هيما؟ دي عاشر عروسة أجيبها لك وتقولي لأ. تعبتني يا ابني، كل ما أجيب لك عروسة تقولي مش حلوة!!
– يعني أكدب يا ماما؟ يعني ماهي فعلاً مش حلوة. أنا عاوز واحدة حلوة كدا تنسيني كل الحالات اللي بتورد عليا في المكتب. أقولك يا ماما، أنا هو عاوز مين؟
– قولي يا هالة.
– لا، متقوليش يا هالة عشان كلامك وحش.
اقتربت هالة من إبراهيم وقالت بنبرة هامسة:
– هاتديني الچاكت الجديد بتاعك، ولا؟
– آه، بس استر عليا الله يستر عليك.
ردت والدته قائلة:
– ماتقولي يا هالة، هيما عاوز مين؟
ردت هالة بكذب:
– مش عارفة، بس واحدة كدا شوفناها في المستشفى، بس مش فاكرها.
سألته والدته بفضول:
– طب وأنت مش عاوزني أعرف ليه يا حبيبي؟ هو أنا هاكرها لك الخير؟
ردت هالة قائلة بسرعة:
– لا يا ماما، أصل ليالي بهدلته في التليفون وقالت له لو شفت وشك تاني ها أبلغ عنك يا بتاع شيرين.
نظرت هالة لأخيها وقالت:
– متقلقش يا هيما، سرك في بير. أنا حافظة لكل أسرارك.
نظرت والدتها وقالت بتساؤل:
– ليالي مين؟ قصدك الدكتورة اللي كانت بتتابع حالتي في المستشفى؟
أومأت هالة رأسها علامة الإيجاب، بينما ردت والدته وقالت بابتسامة واسعة:
– طب وهي دي بردو حاجة تستخبى؟ اخس عليك يا هيما، دي بنت زي السكر. مبروك يا حبيبي.
– مبروك على إيه يا ماما؟ هي بنتك لما بتحط عينها في حاجة بتعمر. أهي خربت، واللي كان كان.
ردت والدته وقالت بابتسامة واسعة:
– متقلقش يا حبيبي، طالما في تفاهم والدنيا بينكم كويسة، يبقى إن شاء الله خير. وإن كان على لولو، فهي بتحبك وبتسعى للخير دايما. مش معقول يعني هتيجي على أخوها وتمنع الخير.
ردت هالة ببراءة وقالت بنبرة طفولية:
– آه والله العظيم.
*****
بعد مرور اسبوع كامل.
في محاولات عديدة من هالة للصلح بين ليالي وإبراهيم، نجحت أخيرًا، وعادت المياه لمجرها الطبيعي. كانت تلك التي جمعتهما هي أفضل صدفة عرفها إبراهيم. قرر أن يذهب إلى أخاها ويطلب منه الزواج بشكلٍ رسمي كخطوة جديدة تضاف لحياته الشخصية. جلس والتوتر يسود قلبه، بينما جلس الدكتور أدهم الشرقاوي، العم الأكبر لـ ليالي وأدهم أخيها، يتناقش معه في بعض الأمور. انتهى كل شيء على خير، حتى أتت هالة من المطبخ وقالت بهدوء:
– كدا نحدد معاد كتب الكتاب والفرح.
رد أدهم وقال:
– مستعجلين ليه؟ سيبوا الأمور تاخد مجراها الطبيعي، أنا مبحبش الاستعجال.
رد العم وقال مؤيدًا:
– أنا كمان رأيي من رأي أدهم، وبعدين إحنا لسه بنتعرف على بعض، ليه الاستعجال؟
ابتسم إبراهيم وقال بهدوء:
– مش استعجال ولا حاجة، بس هالة أختي وكان نفسها تفرح بيا مش أكتر، وبعدين أنا جاهز والحمد لله يعني. أنا بس كان عندي طلب، يا ريت ليالي وحضراتكم طبعًا توافقوا عليه.
سأله أخاها وقال:
– طلب إيه؟
رد إبراهيم وقال:
– في الحقيقة، أنا أمي وأختي ملهمش غيري، فكان طلب مني إنهم يعيشوا معايا بعد الجواز و لـ….
رد العم وقال بنبرة معارضة:
– مستحيل طبعًا، بنت أخويا تعيش في نفس الشقة. أنتَ بتتكلم في إيه؟
تابع حديثه بغطرسة قائلًا:
– متزعلش مني يا إبراهيم، بس اختك اتطلقت مرتين بسبب مشاكل بيت العيلة، واللي عرفته إن اختك كانت هي اللي بتخلق المشاكل دي، وإن أي مكان بتتواجد فيه هي بتعمل المشاكل دي. فإحنا اللي لينا شرط، وهي لو يعني وافقنا عليك، أختك متدخلش بيت بنتنا. إحنا مش حابين نخرب عليها زي ما بنسمع إن اختك بتدخل البيت بيبقى هادي وبعده يقوّم حريقة. أنا آسف، ده شرطي عشان الجوازة تمشي.
وقف إبراهيم عن مقعده وقال بنبرة لا تقبل النقاش:
– لا تتشرط عليا ولا أتشرط عليك، بنتك عندك متلزمنيش. اللي يمنع أهلي من دخول بيتي ميلزمنيش، لا هو ولا بنته.
نظر إبراهيم لأدهم أخيه، الذي التزم الصمت طوال هذه الجلسة، وقال:
– فرصة سعيدة يا دكتور أدهم، وربنا يوفق الدكتورة مع حد تاني.
رواية هالة و الادهم الفصل التاسع 9 - بقلم هدي زايد
خرج إبراهيم بعد أن أمر أخته بالذهاب دون أن تعقب على حديث عم ليالي.
نظر أدهم له وقال بهدوء:
– أنا التزمت الصمت احترامًا لحضرتك، لكن اللي حضرتك عملته دا أنا مش راضي عنه.
رد العم وقال بنبرة متغطرسة:
– أنت بتغلطني يا أدهم؟
خرجت ليالي من حجرتها وقالت بضيق:
– أدهم مش قصده يا عمي، بس برضه حضرتك مكنش ينفع تقول كدا لإبراهيم وأخته.
قاطعها بنبرة حادة وصوت مرتفع:
– أنتِ بتقولي إيه؟ يا بنت؟ وبعدين مين دا اللي أنتِ بتدافعي عنه؟ دا حتة محامي لا راح ولا جه. بص لنفسك و لمركزك، شوف أنتِ مين وعمك يبقى مين؟
وقف أدهم عن مقعده لينهي الجدال وقال بنبرة هادئة على النقيض لما يحدث بداخله:
– هي ليالي أحمد الشرقاوي بنت أحمد الشرقاوي الموظف البسيط اللي كان شغال في مصلحة الضرائب، وأمها الست نوارة الخياطة اللي ضهرها اتقطم لحد ما علمتنا وبقينا دكاترة.
نظر له وقال بابتسامة واسعة:
– عمنا بقى الدكتور أدهم الشرقاوي، الدكتور العظيم، الرجل العصامي اللي بدأها من الصفر، ودلوقتي بقى عنده أكبر مستشفى في مصر واسمه من أكبر وأهم دكاترة مصر.
ختم حديثه قائلاً:
– أختي لو هي اللي موافقة على العريس، فأنا هعمل دا وأنا راضي. ولو قابلة تعيش معاه في أوضة تحت السلم وهي راضية، أنا كمان راضي.
– أنت بتتحداني يا ولد؟
– أنا بعمل اللي يريح أختي. أنا لو عشت لها النهاردا مش هاعيش لها بكرة.
رفع سبابته وقال بنبرة حادة:
– طب اسمع بقى، لما أقول لك لو اختك اتجوزت الولد دا، لا أنت ابن أخويا ولا أعرفك.
رفع أدهم رأسه بشموخ وهو يضع يده داخل جيبه وقال:
– شرفت يا عمي، وياريت تبقى تشرفنا دايما، وطبعًا تبلغنا قبلها.
غادر العم منزل أبناء أخيه والشر يتطاير من عيناه.
ماذا يفعل ليكسر أنف أدهم؟ فهو من المتمردين عليه من وجهة نظره. يحاول بشتى الطرق كسبه في صفه، ولكن الأخير لا يريد ذلك ويعي جيدًا ما يريده العم.
نظرت ليالي لأخيها وقالت بضيق:
– مكنش ينفع تطرد عمك يا أدهم، هو مكنش قصده حاجة.
رد أدهم وقال بغضب مكتوم:
– أنتِ مستوعبة كويس أنتِ بتقولي إيه؟ ولا بتحاولي تجملي اللي حصل؟ عمك لا هو عاوز يحافظ على جوازتك دي زي ما بيقول، ولا هو فعلًا العم الحنون اللي بيخاف على مصلحة ولاد أخوه. دا واحد أناني مش عاوزنا نخرج من تحت طوعه ونفضل طول عمره تحت جناحه، عشان كدا بيطفش في عريسك بحجة أخته وجوازاتها اللي مبتكملش.
ردت ليالي وقالت بنبرة حزينة قائلة:
– طب وهتعمل إيه دلوقتي؟
– في إيه؟
– في عمك؟
– ولا أي حاجة. واعملي حسابك محدش فينا رايح المستشفى تاني ولا هنشتغل تاني هناك.
– عشان كدا كنت مصمم تعمل شغل خاص بيك.
– طبعًا.
جلست على المقعد وقالت بنبرة مختنقة:
– طب وإبراهيم؟
نظر لها أدهم وقال بتساؤل:
– بتقولي حاجة يا لولو؟
ردت ليالي نافية.
تابعت بإحباط وهي تقف عن مقعدها وقالت:
– أنا هقوم أرتاح شوية، أنا تعبانة.
غادرت الردهة قبل أن يسألها سؤالًا آخر، لكن تملك منها اليأس والإحباط. نظرات الشفقة والعطف كانتا تشعان من أعين أدهم. ود لو يستطيع مساعدتها، لكنه يريد أن تنعم أخته بالراحة بدلًا من الشقاء بعيدًا عن تلك الهالة.
***
أسبوعًا كامل مر على الجميع لم يحدث فيه شيء جديد سوى نجاح إبراهيم المستمر وإلحاقه بالنيابة العامة. كان يسعى لهذا المنصب منذ أشهر ولم يخبر أحد ظنًا منه بأنه لن يناله. الوحيدة التي كانت تعرف هي هالة. قررت أن تقف بجانبه كما فعل معها بالسابق. رفضه المستمر جعلها تخطط في أكثر من طريق حتى يحصل على ليالي.
توقفت أمام العيادة الخاصة بشقيقها الأخيرة. ترددت في بادئ الأمر خوفًا من هذه الخطوة، لكنها قررت أن تكمل ما بدأته. طرقات خفيفة ثم ولجت بعدها.
جلست على المقعد المقابل لمكتبه. كاد أن يتحدث، لكنها ردت بهدوء مصطنع:
– أنا دفعت حق الكشف وجيت لك النهاردا مخصوص بعد ما فشلت أوصلك عن طريق تليفوناتك وأي حاجة ممكن تخليني أعرف أوصل لحضرتك.
التزم الصمت حين تابعت حديثها قائلة بتوتر:
– أنا عارفة إن اللي هاحكي ما يخصش حد غيري، بس أنا بحاول أسعد إبراهيم زي ما هو دايمًا بيعمل معايا. فـ ارجوك اسمعني.
– اتفضلي، سمعك.
كانت جملته بمثابة الثلج الذي هبط على تلك النيران المتأججة داخلها. ناهيك عن ابتسامته الخفيفة التي زادت من توترها وهي تقول:
– طبعًا الكل عارف إني اتجوزت مرتين، ولكن اللي محدش يعرفه إني في المرتين مظلومة. سيبك من الكلام اللي اتقال لأن الكذب مافيش أسهل منه. ربنا قادر يجيب لي حقي وهو سامع ومطلع على كل أذى اتأذيت من اللي اتجوزتهم.
نظرت له وقالت بنبرة مختنقة:
– ربنا مكتبش إني أخلف منهم، وعرفت في المستقبل حكمة ربنا سبحانه وتعالى. وراضية والحمد لله. بس لأن صوابعك مش زي بعضها، ربنا وقعني في واحد حبه ليا اتحول لكره. معرفش إزاي بعد ما انفصلت عنه اتكلم عليا بالسوء وبحاجات مليش علاقة بيها من الأساس.
تنهدت بعمق وهي تختم حديثها بابتسامة مريرة:
– عم حضرتك كان الدكتور اللي أخدني عنده طليقي محمود، ومحمود دا حاليًا بيتابع معاه حمل مراته الجديدة. وطبعًا مش محتاجة أحكيلك إيه هو شغل الضراير.
نظرت له وقالت برجاء:
– والله العظيم لا أنا ولا أمي موافقين إننا نعيش مع إبراهيم أصلًا، واتفاجئنا زينا زيكم بالظبط. وافق عليه. وإن كان عليا أحلف لك على مصحف ما هدخل بيت أخويا لحد ما أموت. كفاية عليا أشوفه مبسوط مع الإنسانة اللي اختارها قلبه.
لحظات من الصمت التام كانت تسود المكان. تنفس بعمق وقال بهدوء:
– أنا طبعًا مش حابب دي تكون علاقتكم بـ أخوكي الوحيد، ولا أنا أرضاها على أختي. ولكن أنا آسف، بس أخوكي تخلى عن أختي ومفكرش حتى في حل وسط يرضي جميع الأطراف. تفتكري دا أنا هأمن على أختي معاه؟!
– أخويا عمل كدا عشان بيحبنا ومن كتر حبه فينا مفكرش غير بالشكل دا. صحيح تصرفه غلط، بس هو برضه معذور. هو مش ذنبه إن أهله بيحبوه أكتر من نفسه.
رد أدهم وقال بهدوء شديد:
– ولا ذنب أختي تاخد واحد مبيحاولش يعمل عشانها الممكن!!
ختم حديثه قائلاً باعتذار وهو يقف من خلف مكتبه وقال:
– شرفتيني يا مدام هالة. كان نفسي أساعدك، بس للأسف طلبك مش عندي!
وقفت عن مقعدها وهي تتابعه بعينيها وهو يتجه نحو باب الحجرة وقالت:
– لو بتحب أختك، سيب لها هي القرار. دي حياتها هي.
هتف أدهم لمساعدته الجالسة بالردهة. أتت على الفور وقالت بأدب:
– نعم يا دكتور؟
– رجعي للمدام تمن الكشف.
– حاضر، ثواني.
– أرجوك فكر.
رد أدهم وقال باعتذار:
– أنا آسف، بس حقيقي أخوكي مسبليش أي شيء أفكر في دا. حتى مفكر يجي لي نتفق بعيد عن عمي!!
أتت المساعدة ووضعت النقود بين أدهم ثم غادرت المكان. نظر أدهم لها وقال:
– نورتي العيادة، وياريت متعمليش الحركة دي تاني طالما مش في إيدي أساعدك.
نظرت هالة له وقالت بيأس:
– كنت فاهمة إنك هتساعد أختك اللي بتحبها زي ما بتقول، لكن للأسف طلعت أناني وحابب تخليها جنبك.
كادت أن تغادر المكان، لكنها عادت وقالت:
– آه، أختك بتحب إبراهيم ومش هتتجوز غيره. وطول ما أنت مش موافق عليه، هي هتفضل جنبك. وبالنسبة لتمن الكشف، أنا خدت من وقتك ودا تمنه. متشكرة مرة تانية.
***
في منزل إبراهيم.
كانت هالة ترص الصحون الفارغة على المائدة بينما كانت والدتها تعد وجبة الغداء. ولجت هالة المطبخ وقالت بنبرة مغتاظة:
– وابنك بقى بايخ أوي. كل ما أقوله تعال نتمشى يقولي تعبان يا هالة، مخنوق، سبيني لوحدي دلوقتي.
ردت والدتها بنبرة متعاطفة مع ولدها وقالت:
– لي حق يا حبيبي، ملحقش يفرح.
رفعت رأسها لأعلى وقالت:
– أدعي عليك بإيه يا محمود، وأنت فيك كل العبر.
– لا تدعي عليه ولا على غيره، ربنا يبعدهم عنا وخلاص.
– هو لسه بيضايقك برضه؟
– وطي صوتك هيما يسمعنا. دا مش راضي يسبني في حالي خصوصًا بعد فركشة خطوبة هيما.
– طب روحي نادي أخوكي وقولي يلا الغدا جاهز.
– حاضر.
داخل غرفة إبراهيم.
كانت تراسله ولم يرد على رسائلها. لم تتركه منذ ذاك اليوم. كان يجلس القرفصاء مسندًا بذقنه على ركبته. ولجت وجلست بجانبه. لم يشعر بها حتى قالت له:
– ياااه، دا أنت في آخر الدنيا يا هيما؟
– في إيه يا هالة؟
– أبدًا مافيش، كنت بقول لو ينفع يعني نتمشى شوية أنا وأنت بعد الغدا أكون شاكرة ليك بجد.
– معلش يا هالة، تعبانة ومش قادر، وكمان عندي شغل بكرة بدري.
– كدا يا هيما، ماشي شكراً. من يوم ما بقيت وكيل نيابة، وأنت لا بتخرجني ولا بتفسحني، وكأنك بتتكسف تمشي جنبي!!
نظر لها وقال بضيق:
– إيه الهبل اللي بتقول دا؟ أكيد طبعًا مش كدا، بس أنتِ عارفة إني بقى عندي مسؤوليات أكبر وشغل أكبر.
ردت هالة بإصرار قائلة:
– طب لو زي ما صحيح ما بتقول، تعال نتمشى النهاردا بعد الغدا.
– خليها بكرة.
– مش هاينفع.
– ليه؟
– عشان عندي شغل كتير وهبقى مشغولة جامد أوي.
كرر جملتها محاولًا تقليدها قائلًا:
– جامد أوي.
تابع بجدية وقال:
– حاضر يا ستي، بعد الغدا أبقى آخدك ونتمشى شوية.
***
في المساء.
كانت تشير بيدها تجاه إحدى اللوحات وقالت برجاء:
– أنا نفسي أشوف الفيلم دا، تعال نتفرج عليه.
– يااه يا هالة، فيلم يعني تلت ساعات وأنا هلكان وعاوز أنام بجد.
– لو معجبنيش همشي، مش مهم نكمل، عشان خاطري دا رومانسي وصدقني هايعجبك، تعال بس.
ما فعلته وما سوف تفعله من المؤكد لن يمر على عقله كمحامٍ سابق يعرف ببواطن الأمور وتلك التمهيدات جيدًا. لن ينكر بداخله أنه كان يتوق شوقًا لرؤيتها. لا يعرف أن يبقى أم لا، ولكن قلبه أمره بالبقاء. جلس وتظاهر بالجمود وهو يشاهد أحداث الفيلم. نظرت ليالي له وقالت:
– فعلاً الحب موجود، بس في الأفلام. إنما الحقيقة كله كلام في كلام.
تجاهل حديثها، بينما هي اغتاظت منه فقررت أن تسأله بنبرة مغتاظة:
– جيت ليه لما أنت تتقمص دور الكومبارس!!
– والله أنا لو أعرف الحركات العيالي دي ما كنت جيت.
تابع بنبرة ناعمة:
– بس أقول لك على حاجة؟ دي أحلى حاجة عملتها هالة. كان نفسي أشوفك بجدارة.
ردت ليالي وقالت بنبرة معاتبة:
– ما هو واضح بأمارة اللي حصل.
– اللي حصل غصب عني. أهلك عاوزني أرمي أهلي وهما ملهمش غيري. تفتكري رد أي حد عاقل كان هيبقى إيه؟
ردت ليالي قائلة:
– كان هيبقى حل وسط يرضي جميع الأطراف ويأكد إنك عاوزني. مش من أول ما حطوا شروطهم تقولهم بنتكم مش عاوزها!!
ابتسم وقال باعتذار:
– في دي عندك حقك. حقك عليا.
– بعد إيه يا بيه؟ ما خلاص شكلك بقى زي الزفت قصادهم وفاهمين إنك مش شاريني.
– دا أنا أبيع الدنيا كلها وأشتريكي.
– دا كلام متأسفة مش هصدقه. أنا عاوزة فعلًا.
إيه الفيلم بدأ من بدري؟ فاتني كتير؟
أردفت هالة عبارتها المتسائلة، وبين يدها الذرة المقرمشة. جلست بينهما ثم نظرت لهما وقالت بفضول:
– إيه مالكم؟ ساكتين ليه؟ هو أنا جيت في وقت مش مناسب؟
رد إبراهيم وقال بنبرة مغتاظة:
– تقريبًا!
***
بعد مرور يومين.
كانت ليالي جالسة المقعد تتناول وجبة الغداء مع أخيها. وبداخلها تردد شديد في أن تتحدث معه وتُمهد لحبيبها من جديد. لاحظ هذا التردد أدهم لكنه تجاهله تمامًا. تنهدت بعمق قبل أن تتحدث بهدوء:
– إبراهيم عاوز يجي يتقدم يا أدهم.
رد أدهم وقال بهدوء:
– وبعدين؟
– هو إيه اللي وبعدين؟ ولا قبلين. إبراهيم حاسس إنه اتسرع في رده وعاوز يجي يتقدم من تاني.
– ويا ترى لسه مصمم على نفس طلبه ولا غيره؟
– أدهم، اعتقد إنك أنت وإبراهيم نفس الشيء، وإن لو حطيت نفسك مكانه هتلاقي تصرفك نفس تصرفه. تنكر دا؟
– طبعًا لأ. بس أنا على الأقل مش جبان عشان أسيب الإنسانة اللي بحبها وأقول لأهلها مش عاوزها!!
ردت ليالي وقالت:
– إبراهيم خانه التعبير يا أدهم، وأظن هو مش قصده المعنى الحرفي للكلمة. فبلاش نعلق شماعة الغدر والجبن والكلام اللي ملوش لازمة.
أعاد أدهم بجسده للخلف وقال بهدوء:
– ليالي، أنتِ عاوزة إيه بالظبط؟
ردت ليالي بنبرة مختنقة:
– عاوزك تدي له فرصة تانية وتكون راضي عن جوازي.
التزم الصمت، بينما هي كانت تناجي ربها بأن يمر الأمر على خير. تنهد بعمق وقال:
– خليه يجي يوم الخميس الساعة خمسة.
تابع بجدية مصطنعة قائلًا:
– ولو اتأخر دقيقة واحدة، مش هحدد مواعيد تانية. أنا حذرتك أهو.
ثبتت ليالي عن مقعدها وقالت بسعادة غامرة:
– ربنا يخليك ليا يا أحلى دومي في الدنيا كلها.
كانت تغمره بقبلاتها السريعة والمتتالية، بينما كان هو يحاول التملص من عناقها الشديد له.
هرعت نحو حجرتها لتخبر إبراهيم. ظل ينظر لمكانها والابتسامة لا تفارق شفتاه. فاق على صوت رنين هاتفه، وجده صديقه يخبره بموعد السفر الذي حدده ليتسلم وظيفته الجديدة بألمانيا. أنهى حديثه معه وعلى أن يمد له المهلة أسبوعًا فقط لا غير حتى يستطيع إنهاء كل شيء.
***
في مساء يوم الخميس.
كانت ليالي تقرأ الفاتحة وهي جالسة بجوار إبراهيم. الفرحة التي تجتاح قلبها لا تقدر بثمن. وأخيرًا مر اليوم بسلام وانتهت المراسم على خير. وافق أدهم على مضض بأن الخطبة ستة أشهر كحد أدنى، بينما كان إبراهيم يشعر بطول المدة. وبسن هذا وذاك ربحت كفة أدهم وتمت الموافقة النهائية. أتى موعد السفر وليالي لا تكف عن البكاء. رغم فرحتها لأخيها بهذا العمل الجديد، إلا أن هذه المرة تعتبر الأولى في ابتعادهم عن بعضهما البعض.
وعدها بأن عودته قريبة ليتمم زواجها من إبراهيم.
خلال الستة الأشهر لم تشعر بأنها بمفردها. كانت هالة شبه مقيمة معها في المنزل. على الرغم من ترقيتها في عملها الجديد والذي يتوجب عليها أن تثبت جدارتها، إلا إنها لم تتخلى عن أخيها في أدق تفاصيل حياته ومساعدته في كل شيء يخص المفروشات والأثاث. لم يتركها محمود تنعم بحياتها. قرر أن تعود له أو لا تبقى على قيد الحياة. هددها كثيرًا مرارًا وتكرارًا، لكنها لم تلتفت لمثل هذه التهديدات. حتى سئمت ليالي من اللامبالاة التي تتعامل بها مع ذاك البغيض. نظرت لها وقالت بنبرة حادة:
– هالة، أنتِ ليه ساكتة على اللي محمود بيعمله؟ بلغي عنه، كفاية بهدلة فيكي لحد كدا. أنتِ خايفة منه؟
– أنا خايفة على أخويا منه، خايفة إبراهيم يخسر كل حاجة بيسعى ليها بقاله شهور بسبب واحد زيه. وبعدين هو هيعمل إيه يعني؟ دا بيحبني ومستحيل يأذيني، هو بس عشان مش عارف يرجع لي بيقول كلام وخلاص.
كلمات طمأنت بها قلبها قبل ليالي. لا تعرف إن كان سيفعل هذا بالفعل أم لا. غادرت عيادة تلك الأخيرة وفي طريقها للعودة إلى المنزل.
استوقفها محمود محاولًا تخويفها، لكنها كانت صارمة معه. حاول جذبها من ذراعها، فقامت بصفعه وبدأت تتشاجر معه، حتى أخرج من جيب سترته زجاجة من مادة كيميائية تشوه الجلد في ثوانٍ معدودة. كاد أن يوجه فوهة الزجاجة في وجهها، وبحركة عفوية منها انقلب تجاهه هو. ابتعدت وصرخاتها تدوي المكان بالتزامن مع صرخاته. هرع أحد الواقفين تجاه منزلها ليخبر أخاها. طرقات على الباب الخشبي. قام بفتحه. هتف الشاب بسرعة:
– الحق اختك هالة يا هيما. محمود رمى عليها مية نار وشوه لها وشها عند البيت المهجور.
دقائق أم ثوانٍ، لا يعرف إبراهيم بالتحديد كم الوقت الذي اتخذه حتى يصل إلى هناك حافي القدمين. وقف مقابلتها محاولًا فهم ما حدث. نظرت له بأعين دامعة والخوف يدب في أوصالها، بينما قال هو بذعر:
– مالك؟ في إيه؟ ردي عليا؟
بعد مرور عدة ساعات.
تم نقل محمود إلى المشفى والقبض على هالة بعد اتهامه لها بشكل مباشر. بدأت التحقيقات تأخذ مجراها. انقلب السحر على الساحر وفقد هو جزءً من وجهه بسبب تلك المادة التي أذبته. بينما هي حتى الآن لم تستوعب أنها كانت ستفقد وجهها أو بصرها بسبب ذاك محمود.
علم أدهم ما حدث. ثورة من الغضب انتابته وهو يخبر أخته بعصبية شديدة قائلًا:
– مش قلت لك الناس دي بتاعت مشاكل!! أخته ماشية بمية نار، هتعمل معاكي إيه؟
– أفهمك إيه بس يا ليالي يا ليالي؟ أنا قلبي مش مطمن من ناحية الناس دي. أرجوكي افسخي الخطوبة. يعني إيه مش هاتفسخي؟ لأول و لآخر مرة بقولك الناس دي ملكيش علاقة بيهم. أنا نازل مصر وأنا بنفسي اللي هقول لإبراهيم مش عاوزينك. ومش بس كدا، كمان هتيجي معايا ألمانيا. سلام.
بعد مرور أسبوع.
كان أدهم جالسًا في غرفة الضيوف الخاصة بمنزل إبراهيم. وضع علبة المصوغات والهدايا ثم قال باعتذار:
– ربنا يوفقك يا إبراهيم مع حد تاني.
– هي ليالي اللي قالت لك كدا؟
– أنا أخوها الكبير وأنا أدرى بمصلحتها.
– معلش يا أدهم، بس إيه سبب فسخ الخطوبة؟
– أنا آسف، بس كلامي مش هايعجبك وأنت عارف كدا كويس. أختك هالة شكلها بتاعت مشاكل وأنا خايفة على اختي من المشاكل.
لقد تعلم إبراهيم الدرس جيدًا، فقرر أن يتحلى بالصبر حين قال:
– بس أختي النيابة برأتها وسجنت محمود.
– أنا آسف لتاني مرة، بس أنهي نيابة دي؟ النيابة اللي أنت واحد منهم، فطبيعي يجاملولك.
– يجاملوني!! أنت فاهم أنت بتقول إيه؟
– أستاذ إبراهيم، من فضلك كفاية لحد واسمح لي أمشي.
رد إبراهيم قائلًا بعصبية:
– لا مش هاسيبك تمشي وأسيبك تفهم كلام عني وعن أهلي غلط ومحصلش. خليني إن النيابة جاملتني زي ما بتقول، كمان الشهود والكاميرات اللي في الشارع بتجامل؟ مشكلتك إيه؟ مش فاهم ليه كل حاجة تحصل تقول اختي!! مع إنها أطيب خلق الله ودايمًا في حالها. ليه حكمك المتسرع دا؟
وقف أدهم وقال باعتذار:
– أنا آسف يا إبراهيم. تفهم خوفي وقلقي على أختي.
رد إبراهيم وقال بعصبية:
– لا مش متفهم. عشان اختي كانت شبه مقيمة مع اختك، مفكرتش ليه تأذيها؟ إيه العجرفة اللي في كلامك دي وإيه الأسلوب دا يا أخي؟ دا إحنا كلنا عباد الله.
غادر أدهم منزل إبراهيم أسفل ناظريها. لا تعرف مالذي تفعل حتى تحسن صورتها في نظره لأجل أخيها، بينما كان إبراهيم يهشم كل ما طالته يده.
بعد مرور أسبوع كامل.
كانت هالة في حفل زفاف صديقتها المقربة تقف وسط الجمع تصفق كما يفعل المدعوين. تدندن وهي تقترب من صديقتها. راقت للمصور فبدأ يسلط الضوء عليها، حتى لاحظ شقيق العريس فسأله بجانب أذنه:
– تقرب لكم دي؟
– دي صاحبة العروسة. ولم نفسك بقى عشان أخوها وكيل نيابة وهي دكتورة في إدارة الأعمال، يعني حاجة على مستوى عالي.
نظر له المصور وقال وهو يقطم التفاح:
– وإيه يعني؟ ما إحنا كمان عالين وعندنا رتب وناس عالية عالية يعني.
تابع بغمزة من عينه قائلًا:
– ما تشوفلنا أخبارها إيه كدا؟ يمكن تفرح بيا قريب.
أشار بسبابته وقال:
– مش هتناسبك. دي كانت متجوزة مرتين واطلقت وتقريبًا مبتخلفش.
رد المصور وقال:
– يا خسارة الحلو مبيكملش.
عارف لو خسرت صاحبتي بسبب صاحبك اللي كل يوم والتاني يكسفنا مع العرايس دا هعمل فيك إيه أنت وهو يا خالد؟
قالت عبارتها شهد وهي تقف أمام الموقد تعد قدحان من القهوة، بينما داعب خالد خديها وقال بنبرة خافتة:
– ولا تقلق يا جميل. أنا قلت له إن العروسة دي آخر عروسة هاجيبها لك عشان دي تبع مراتي ومراتي هتر ميني قبلك بسبب صاحبتها.
كاد أن يذهب ليفتح باب الشقة، لكنها استوقفته قائلة بهمس:
– خلي أدهم هو اللي يفتح لها يا بيبي. خليك ناصح.
– أيوه صح، معلش أصل نسيت. وقعتيني في حبك إزاي؟
– خااالد!!
– أنا آسف. كملي. المفروض يحصل إيه دلوقتي؟
ردت بحماس قائلة:
– هالة هتدخل هتتفاجئ بأدهم. هتسأله إن كانت غلطت في الشقة ولا إيه. هو بقى هايقول لأ دي شقة صاحبتك. فتدخل.
تكلم وارد خالد وقال بنبرة ساخرة:
– حيلك حيلك يا حبيتي. دا أدهم صاحبي وأنا عارفه دا. لولا كنت صاحبه من أيام الكدية، كنت قلت عليه آخرس يعني اللي حصل معانا مستحيل يحصل بـ….
عقد ما بين حاجبيه وقال:
– هو صوت الخناقة اللي شغالة برا دا في شقتنا ولا الجيران صوتهم عالي لدرجة وصلت لهنا؟
ردت شهد بعصبية قائلة:
– تلاقي قليل الذوق صاحبك. هو أنا تايهة عنه؟
خرجا الاثنان لمعرفة ما حدث. وجدت شهد هالة واقفة مقابلة أدهم تتشاجر معه وتتحدث بعصبية:
– أنا أخويا ألف واحدة تتمناه. وابقى روح اتعالج يا معقد يا ضيق الأفق.
تابعت بهدوء قائلة:
– بس لو وافقت إنهم يرجعوا لبعض أكون شاكرة ليك جدًا والله.
رواية هالة و الادهم الفصل العاشر 10 - بقلم هدي زايد
عقد خالد ما بين حاجبيه وقال:
– هو صوت الخناقة اللي شغالة برا دا في شقتنا ولا الجيران صوتهم عالي لدرجة وصلّت لهنا؟
ردت شهد بعصبية قائلة:
– تلاقي قليل الذوق صاحبك، هو أنا تايهة عنه؟
خرجا الاثنان لمعرفة ما حدث، وجدت شهد هالة واقفة مقابلة أدهم تتشاجر معه وتتحدث بعصبية:
– أنا أخويا ألف واحدة تتمناه، ابقى روح اتعالج يا معقد يا ضيق الأفق!
تابعت بهدوء قائلة:
– بس لو وافقت إنهم يرجعوا لبعض أكون شاكرة ليك جدًا والله.
وقف خالد وسط الردهة محاولًا فهم ما حدث، ابتسم بتوتر ملحوظ وهو يجلس صديقه قائلًا:
– اهدأ يا أدهم، إيه اللي حصل لكل الزعيق دا؟
رد أدهم بنبرة حادة تملؤها الغيظ من تلك الماثلة أمامه بشموخ وكأنها لم تفعل شيئًا. بعد مرور عدة دقائق استطاع العروسان تهدئة الأجواء نوعًا ما.
ما زال أدهم يهز ساقه كنوع من العصبية المفرطة، بينما كانت هي تحدقه بنظرات حادة يتطاير منها الغضب والشر. تنحنح خالد وهو يقول بهدوء:
– ما تصلوا على النبي يا جماعة، كدا في إيه؟
ردد الجميع في آن واحد بخفوت:
– عليه أفضل الصلاة والسلام.
سألتها صديقتها قائلة بتوجس:
– مالك يا لولو؟ مضايقة ليه؟ هو دكتور أدهم زعلك؟ دا حتى دكتور أدهم راجل ذوق.
لكزها زوجها في كتفها لتحسن تعبيراتها، تأوهت بخفوت وهي تنظر لصديقتها التي تبرر سبب عصبيتها قائلة:
– ما فيش يا ستي، كل دا عشان بقول له إنه متحكم في أخته وكل يوم والتاني يفرق بينها وبين أخويا الغلبان.
وجه أدهم سبابته تجاهها وقال بنبرة حادة:
– الشيء ده ما يتكلمش خالص، أنا لما بسمع صوتها بتعصب.
وقفت هالة عن مقعدها بهرولة وهي تقف أمامه آمرة إياه بالاعتذار وسحب إهانتها قائلة:
– لو سمحت اسحب إهانتك دي، أنا مقبلهاش نهائيًا ولازم تعتذر. ثم أنا ليا يا أستاذ!
ابتسم أدهم ابتسامة سمجة وهو يقول بهدوء حد الاستفزاز مصححًا:
– دكتور، أنا دكتور مش أستاذ يا هالة.
ردت بنظرات تحدٍ وكبرياء قائلة بنبرة لا تقل عن نبرته:
– الدكتورة هالة، دكتورة في إدارة الأعمال والحاصلة على المركز العاشر في أكتر ميت مؤثر على مستوى مصر.
رد خالد بعقلانية وقال:
– يا جماعة مش كدا، في إيه؟ المفروض إنكم كبار وعاقلين، مالكم بس!
تابع حديثه وهو يدفعه برفق على المقعد. هوى أدهم بجسده على المقعد، ونظراته لا تبرح تلك الماثلة بشموخ وعناد لا يعرف حتى الآن من أين أتت به. بدأت الأوضاع تهدأ شيئًا فشيئًا، ما إن سردت هالة ما يحدث لأخيها وكم الحروب الذي خاضها ليفوز بقلب شقيقة أدهم. ومن الجهة الأخرى من نفس المكان كان أدهم يعارضها بين الحين والآخر.
وصلا العروسان خالد وشهد أخيرًا إلى حل يرضي جميع الأطراف ووافق عليه أدهم قائلًا بنبرة صارمة:
– أنا موافق بس بشرط الدكتورة دي متدخلش في أي شيء تخص أختي ولا تدخل لها بيت، ومن هنا لحد ما جوازة أخوها تتم يفضل تبعد تمامًا عن أي تفاصيل تخصهم. أنا أخاف على أختي و...
وثبت هالة عن مقعدها وقالت بنبرة مختنقة إثر البكاء الذي منعته بأعجوبة حين قالت:
– متقلقش يا دكتور، أنا مستحيل أدمر بيت اتنين بيحبوا بعض، واحد منهم أخويا والتانية صاحبتي.
التقطت حقيبتها بعنف ثم غادرت المكان. نظر خالد لصديقه وقال بعتاب:
– ليه كدا يا أدهم؟ أما ليك حق بجد، ملقتش إلا هالة؟ طب دي أطيب خلق الله والله.
رد أدهم بعصبية وقال بتوتر:
– أنا عارف بقى يا خالد، أنا قلقان من كتر الكلام اللي بيتقال عنه.
ردت شهد وقالت بجدية قائلة:
– كان أقول معاك حق في كلام وأعذرك لو أنا معرفش هالة، بس هالة دي صديقة الطفولة واتربينا مع بعض. متصدقش يا أدهم أي حاجة بتتقال، شوف بعينك واحكم بنفسك.
رد أدهم وقال بضيق:
– أيوه بس إزاي كل اللي اتجوزتهم مش حلوين فيها وهي اللي ملاك؟ معلش مع احترامي ليكي بس الموضوع فيه حاجة غلط.
ردت شهد قائلة بهدوء:
– لا غلط ولا صح، الموضوع وما فيه إن هالة اتجوزت اتنين، ابن عمها كانت بيحبها وبيحب نفسه، اختار نفسه وخسر هالة. بس لما طلبت منه يبعد عنها عشان مستحيل ترجع له، تقبل كدا جدًا. التاني لأ، التاني قالها ياتكوني ليا يا متكونيش لحد أبدًا. وبدأ بقى شغل قلة الأدب ورمي البلا، ومرضتش تقول لأخوها عشان ما يضرش مركزه.
رد خالد وقال بهدوء:
– من الآخر كدا يا أدهم، صوابعك مش زي بعضها. زي ما جه اللي احترمها، جه برضه اللي بهدلها. من الآخر هي اللي ظلمت نفسها بنفسها.
ختم حديثه قائلًا:
– ومتزعلش مني يا أدهم، مافيش راجل في الدنيا هايقبل إن راجل غريب يقوله تدخل مين بيتك ومين لأ. لا و مين الناس دي؟ أهله اللي هي أمه وأخته. طب بالذمة تأمن على أختك معاه إزاي بعد كدا؟ دا أنت المفروض تقلق يا دكتور يا متعلم يا فاهم، بس أقول إيه دبش في كل تصرفاتك وكلامك والله.
وقف أدهم عن مقعده متأففًا من عتاب صديقه والذي على ما يبدو أنه لن يتركه الليلة حتى يهدر بصوته متأسفًا لتلك هالة.
غادر المكان بخطواته الواسعة والسريعة قبل أن يفصل رأسه عن جسده. توقف أمام المصعد الكهربائي في انتظاره. حاول خالد أن يعتذر له عن ما بدر منه، لكنه رد بهدوء وقال:
– مش زعلان والله يا خالد، أنا مضايق بس. على العموم ليك زيارة تانية غير دي، دي مش محسوبة. سلام.
غادر قبل أن يسمع رد صديقه. خرج من المصعد متجهًا نحو سيارته، وجدها تستند عليها وهي تكفكف دموعها بظهر يدها.
تردد في بادئ الأمر أن يقترب منها، لكنه حسم تردده بخطواته الهادئة تجاهها. وقف وقال بجدية وهو يضع يده في جيب سرواله:
– اتفضلي أوصلك.
عقدت ساعديها أمام صدرها ولم ترد عليه. كرر عرضه لكن رأسها تحولت لحجر صوان لا يلين.
جلس على حافة السيارة وقال بتساؤل:
– طب أنتِ واقفة ليه هنا؟
ردت هالة بنبرة مغتاظة قائلة:
– وأنت مالك يا بارد؟ إيه التطفل دا! أنا مش سبتلك المكان كله ومشيت، جاي ليه ورايا بقى يا بارد؟
رد أدهم وقال بغضب مكتوم وهو يغمض عينيه بقوة:
– يا صبر أيوب، أنتِ ليه لسانك طويل كدا؟
تابع بنفس النبرة وقال:
– ثم اللي ركنة عليها دي أصلًا عربيتين.
نظرت هالة للسيارة ثم عادت ببصرها له وقالت:
– بقى العربية دي بتاعتك أنت؟ مع إن شكلك يقول شحاتها.
وقف أدهم وهو يشير بسبابته وقال بنبرة مغتاظة:
– تصدقي أنا غلطان إن واقف معاكي، بتكلم واحدة زيك.
اتجه نحو باب سيارته واستقل وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة يسبها. كاد أن يغادر لكنه أطل برأسه عبر النافذة وقال:
– ها، تيجي أوصلك ولا هتفضلي مستنية التاكسي اللي طلبيه ومش راضي يعبرك؟
رفعت ذقنها بشموخ وقالت بعناد:
– لأ.
رد أدهم بنبرة مغتاظة:
– أحسن، وفرتي والله.
سارت بخطواتها الواثقة بعيدًا عنه. نظرت للجرو الذي يقترب منها، قام بتحذيره والرعب يدب في أوصالها قائلة:
– امشي، امشي.
سارت بخطوات أشبه بالركض محاولة الفرار منه، وقبل أن تطأ خطوة أخرى وجدت مجموعة كبيرة تفوق جسد ذاك الجرو الذي تركته. عادت للوراء بخطوات متعثرة. نظر لها وجدها تقترب منه. طرقت على زجاج السيارة وقالت:
– أستاذ أدهم، أنا قبلت عرضك خلاص.
رد أدهم وقال بابتسامة سمجة مصححًا اللقب:
– الدكتور أدهم.
– طب يا دكتور أدهم وصلني من فضلك.
أشار أدهم بيده تجاه الباب المجاور لبابه وقال:
– اتفضلي.