وصلت كارمن إلى الحارة الشعبية وأوقفت سيارتها أمام إحدى البنايات. نزلت تنظر إلى الحارة بشوق وحنين. "يا الله، لقد تغيرت الحارة كثيرًا." هذا المقهى الشعبي أصبح أكبر وأوسع وأحدث، ومحل البقالة أصبح سوبر ماركت كبير للغاية، والحارة امتلأت بالعديد من الورش، ورشة الميكانيكي والمنجد والاستورجي وغيرها الكثير. ابتسمت بحنين، ثم رفعت عينيها إلى البناية القائمة أمامها. لقد احتفظت البناية بحالتها كما هي، وكأنها تعاند مرور السنوات.
ابتسمت بفرح وحنين وحزن وهي تتأمل الطابق الثالث، حيث كانت تسكن مع أمها وأبيها وأخيها الأكبر. رحمه الله على أبيها وأمها. أما أخاها، فمنذ أن سافر إلى أمريكا، بدأت اتصالاته تقل حتى انعدمت تمامًا. وهي لا تنكر أبدًا تقصيرها تجاهه، فهي أيضًا انشغلت بحياتها ونسيت العالم من حولها، بل تظن أنها نسيت نفسها أيضًا.
تنهدت بيأس. "لم يعد يفيد شيء بعد الآن." فهي قد قررت أن تبدأ حياة جديدة. فتحت السيارة وأخرجت حقائبها، ثم انطلقت صاعدة إلى شقة والديها. كان يجلس أمام المقهى الخاص به، يرتدي جلبابًا رمادي اللون وعمامة بيضاء ناصعة البياض. يضع ساقًا على ساق ويراقب المارة في الحارة، وبجانبه أرجيلته، كعادة المعلمين.
رأى سيارة غريبة تدخل إلى الحارة، ومن ثم نزلت منها فتاة تبدو صغيرة السن، خمن أنها في أواخر العشرينات تقريبًا، تشبه الأجانب أو تلك الممثلات التي يراهم في التلفاز أو على مواقع التواصل. "من جاءت هذه الفتاة ومن تريد في حارة شعبية كهذه؟ " زاد تعجبه أكثر حينما دخلت بناية الدكتور صلاح. "هل إحدى الساكنات الجدد؟
" ولكن الدكتور لا يسكن أحدًا في بنايته، فهي خاصة ملك له ولأبناء أعمامه. ولكن كل هذه الأفكار قد طارت من رأسه حينما شاهد أخرى ذات طول فارع وجسد متوسط، لا هو رفيع ولا ممتلئ، ولكن ذات جسد ممشوق لا يستطيع إنكاره. ترتدي عباءة سوداء وحجاب أسود يطل منه وجه القمر، فهي بيضاء ذات عيون سوداء واسعة وقسمات مريحة للنفس. تتبختر في مشيتها، بأحد يديها محفظة نقودها، وفي اليد الأخرى تمسك يد صغيرها ذي الخمسة أعوام.
الذي ما إن اقتربوا من المقهى ورأى المعلم نعمان، حتى انطلق إليه سريعًا وهو يصيح بفرح: "عمو نعمان... عمو نعمان! ضحك نعمان وهو يحمله ويقبل وجنتيه: "حبيب عمو نعمان... عامل إيه يا بطل؟ ابتسم الصغير بفرح ورد: "أنا كويس." ضحك نعمان وأردف: "الحمد لله." كانت قد اقتربت منهم وهي تبتسم لمشاهدة منظر صغيرها وهو معلق على كتف نعمان. عذرًا، المعلم نعمان، كما تحب أن تدعوه. تكلمت بصوتها ذي الرنين المميز: "العوافي يا معلم."
تنحنح نعمان بحرج وبعض من الخجل، لا يظهر إلا حينما يراها: "الله يعافيك يا ست هدير." ابتسمت هدير وأجابت: "تسلم وتعيش يا معلم." سكت نعمان لثوانٍ، ثم نظر للصغير وسأل: "على فين العزم؟ ردت هدير بسرعة ولهفة لاهتمامه بها: "هروح أشوف سهير، أصلها كلمتني وقالت لي أروح معاها شوية هي وروان." ابتسم المعلم برزانة وأردف: "وماله." ثم وجه كلامه للصغير: "خد بالك من ماما يا ياسين." هز الصغير رأسه بجدية: "حاضر يا عمو."
ضحكت هدير بخفة، واضطرب قلب نعمان وازدادت خفقاته كمراهق صغير يسمع لأول مرة ضحكة حبيبته، وليس رجل في الأربعين من عمره. أمسكت هدير يد صغيرها، ثم قالت: "قول لعمو سلام يا ياسين." رد الصغير سريعًا: "سلام." ابتسم نعمان وقال: "مع السلامة يا حبيبي." ثم انطلقت هدير مع طفلها وهي تودع نعمان بنظرة وابتسامة. ***
صعدت كارمن إلى الدور الثالث ووقفت أمام باب الشقة تبحث في حقيبتها عن مفتاح الشقة. في نفس اللحظة التي خرج فيها الدكتور صلاح من شقته المقابلة لها. وقف صلاح للحظات يفكر في الواقفة والتي تعطيه ظهرها، وبجانبها العديد من حقائب السفر الملونة. ثم غلبه الإدراك وهو يتعرف عليها. إنها هي، لن يخطئها أبدًا ولو بعد مئات السنين. همس اسمها، همس خرج من قلبه قبل شفتيه: "كارمن."
وكارمن كأنها سمعته، استدارت تنظر إليه بابتسامة رائعة أعادته لسنوات مضت. أخرجته كارمن منها بفرحتها برؤيته: "صلاح." ابتسم صلاح وهو يبعد شعره عن عينه، في عادة ملازمة له: "إزيك يا كارمن؟ هزت كارمن رأسها: "بخير الحمد لله. أنت عامل إيه؟ تنحنح صلاح يبعد عن رأسه أفكاره عن نعومة صوتها ورقتها، وأردف: "أنا كويس الحمد لله." ثم سكت وسأل مرة واحدة: "إيه اللي فكرك بينا بعد الغياب دا كله؟
مرت سحابة حزن على وجهها، وامتلأت عيناها بالدموع، وكادت أن تفقد تماسكها الهش حتى تبكي وتنتحب، مفرغة شحنة البكاء التي حبستها بحزم. ما إن رأت بعينيها زوجها وهو يخونها، ولكنها تماسكت وأجابت: "والله أنا على طول فكراكم، بس أنت عارف الدنيا بتلهي." هز صلاح رأسه بتفهم، ثم سأل: "وناوية تقعدي هنا قد إيه؟ أنا شايف إن معاكي شنط." ابتسمت كارمن وقالت: "ناوية أكمل اللي باقي من عمري هنا وسط أهلي وناسي. أنا شبعت بعد."
مرت في رأس صلاح العديد من التساؤلات، ولكنه قرر أن يتركها كما تريد. فهي تبدو ضعيفة وهشة جدًا، ولن تتحمل أي مناقشات الآن. فهو يعرفها أكثر من نفسها، يعرف أنها مكسورة وتريد أن تبكي بشدة، ولكن كعادتها تعاند نفسها وتظهر بمظهر اللامبالية، ولكنها تحترق من الداخل. ابتسم صلاح وقال: "والله دي الحارة تنور بوجود كارمن هانم." ضحكت كارمن: "منورة بأهلها يا دكتور." ابتسم صلاح ولم يعلق.
لتردف كارمن: "صلاح، ممكن تساعدني في فتح الباب والشنط؟ أسرع صلاح نحو الباب وقال: "أكيد طبعًا، بس يا كارمن الشقة بقالها سنين مقفولة ومحتاجة تنضيف. مش هتعرفي تقعدي فيها وهي كدا." عضت كارمن على شفتيها وقالت: "طب هعمل إيه؟ ابتسم صلاح وهتف: "متشليش هم حاجة. أنا هجبلك حد ينضفها. ادخلي أنتِ اقعدي في شقتي، أنا كدا كدا نازل العيادة، ولما الشقة تجهز هاجي أقولك." ثم أخرج من جيبه مفتاح شقته وفتح باب
الشقة وأخرج المفتاح وقال: "دا مفتاح شقتي، خليه معاكي عشان تبقي مطمنة أكتر، ماشي؟ شعرت كارمن بالحرج الشديد وقالت: "ملوش لزوم والله يا صلاح، أنا هقعد قدام الشقة لحد ما تتنضف، ويمكن أساعد في حاجة." هز صلاح رأسه بنفي: "لا والله أبدًا. ادخلي أنتِ بس اقعدي في شقتي وملكيش دعوة بأي حاجة." ابتسمت كارمن: "شكرًا يا صلاح، هتعبك معايا." رد صلاح بهدوء: "ولا تعب ولا حاجة يا كارمن." ...
"ادخلي أنتِ بقا عشان أنا كدا هتأخر على المرضى بتوعي." ابتسمت كارمن ودخلت الشقة بعدما أدخل صلاح الحقائب وخرج، ثم ألقى السلام وانطلق إلى عيادته وهو يكلم السيدة التي تنظف له شقته لكي تجلب أخرى معها لينظفوا شقة كارمن. *** في مكان آخر. كانت هدير تجلس مع سهير وروان، ابنة عمها، يتسامرون كعادة جلسة الفتيات. هتفت روان بشقاوة وهي تغمز بعينيها: "أخبار المعلم نعمان إيه يا ديرو؟ تنهدت هدير
بشوق وابتسمت بحب وقالت: "كويس يا أختي، بيسلم عليكي." ضحكت روان: "حبيبي يا معلم، سلميلي عليه كتير." نظرت لها هدير بغيظ وغيره: "ما تتلمي يا بت، محدش يقول عليه حبيبي غيري." انفجرت روان في الضحك وهتفت: "يا أختي بهزر، دا المعلم يجي من دور أبويا." شهقت هدير وهي تضرب بيدها على صدرها: "أبوكي دا إيه؟ دا المعلم لسه في عز شبابه." كادت أن ترد روان ولكن تدخلت سهير تفض النقاش قبل أن
يتطور في معرفة سن المعلم: "يا هدير، البت قصدها إنه أكبر منها بكتير، يعني ما أنتِ عارفة روان عندها 20 لسه." هزت هدير رأسها بتفهم وقالت: "يا أختي منا عارفة، أنا بس برخم عليها." ثم أردفت بمشاكسة: "أو مال سي كارم فين كدا يا سهير؟ مش باين الأيام دي؟ احمرت روان وأصبحت كحبة طماطم طازجة فقط من ذكر اسم كارم، مما جعل هدير تضحك بشدة: "مالك يا بت احمريتي كدا ليه؟ أومال لو كان قدامك كنتي أغمي عليكي."
نظرت لها روان بغيظ: تصدقي إنك رخمة. أنا عارفة إنك بتردهالي. ضحكت هدير وهي تلكزها في كتفها: خلاص يا رورو، دا أنا بحبك. نظرت لهم سهير بقرف واردفت: والله إنتو الاتنين تفقعوا المرارة. جرا إيه يا أختي إنتي وهي؟ ما تنشفوا شوية بدل ما إنتو مدهولين كدا، وياريت واحدة فيكم نافعة. لم تعرها هدير أي اهتمام وهي تقول: بكرة نشوفك يا أختي لما تتدهولي زينا.
ابتسمت روان بشماتة: آه يا سهير، ياما نفسي أشوفك لما تحبي وتتدهولي، شكلك هيبقى عامل إزاي. دا أنا هفرح فيكي يومها فرح. هزت سهير رأسها بسرعة وهي تنفي ما تقوله روان: لا لا لا، إن شاء الله مش هيحصل الكلام دا. ضحكت هدير وهي تقول بنبرة العارف بالأمور: بكرة نشوف. بعد 3 ساعات، كانت شقة كارمن قد أصبحت نظيفة تمامًا وصالحة للاستخدام. صعد صلاح إلى شقته ليبلغ كارمن. رن جرس الباب وانتظر حتى فتحت له كارمن وهي تبتسم.
هتف صلاح: السلام عليكم، اتأخرت عليكي. أجابت كارمن: وعليكم السلام، لا ما اتأخرتش ولا حاجة. ابتسم صلاح: طب كويس. اتفضلي مفتاح شقتك أهو. الشقة بقت زي الفل. أخذت كارمن المفتاح بخجل وقالت: ميرسي جدًا يا صلاح. والله مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه. صلاح شعره بيده وهو يقول: العفو يا كارمن، أنا في الخدمة دايما. هزت كارمن رأسها بتفهم وجرت حقائبها خلفها تخرج من شقته إلى شقتها. ثم أمسكت حقيبتها الصغيرة تخرج
منها بضعة نقود وهي تقول: ممكن تقولي اللي نضفت الشقة خدت فلوس قد إيه؟ نظر لها صلاح بغضب وقال: رجعي فلوسك في شنطتك يا كارمن، إنتي نسيتي الأصول ولا إيه؟ خجلت كارمن بشدة وتلجلجت وهي تقول: آسفة يا صلاح، مش قصدي أنا بس... زفر صلاح بضيق: خلاص يا كارمن، مفيش حاجة. وعن إذنك عشان عندي شغل كتير. ثم تركها وغادر إلى عيادته.
أما كارمن، دخلت شقتها وسندت بظهرها على الباب وهي تتنفس بعمق، تشعر بعبق الذكريات، رائحة أبيها وأمها وأخيها، ذكريات الطفولة والمراهقة والشباب. تطلعت في كل شبر في الشقة، تحفظه عن ظهر قلب. ثم اتجهت إلى غرفتها القديمة كما هي تمامًا، لم يتغير فيها شيء، وكأنها تركتها بالأمس. جلست على سريرها وأمسكت عروستها الأحب إلى قلبها، وهي تترك لدموعها العنان، تبكي وتنتحب بلوعة، وهي تشعر أن قلبها يتمزق من الوجع.
تبكي سنين عمرها التي ضاعت هباءً مع زوج خائن حقير. تبكي اشتياقها للأمومة التي حرمت منها لسبع سنوات بسببه. تبكي وحدتها، تبكي روحها المتألمة بشدة. ظلت تبكي وتبكي حتى تعبت من البكاء ونامت. بعد منتصف الليل.
وصل جاسم إلى فيلته وصعد إلى جناحه. يعلم أن كارمن لن تمرر الأمر مرور الكرام، ولكنه ترك لها الوقت حتى تهدأ تمامًا، وهو سوف يعتذر منها ويفعل لها ما تريد. فهي تعرف أنها نزوة ليس لها أهمية، تعلم أنها الأصل وأنه يحبها بشدة ولن يقدر على تركها. دخل إلى الجناح ليراه فارغًا تمامًا. دخل غرفة الملابس. ليتفاجأ بخلوها من جميع ملابس كارمن. جن جنونه وهو لا يعلم إلى أين ذهبت دون أن تخبره.
خرج يقلب الجناح علها تكون في مكان ما، وهو لا يصدق أبدًا أن كارمن تركته وغادرت. جلس على السرير بصدمة، يشعر ببوادر ذبحة صدرية. لفت نظره نوت وردية اللون موجودة على الكومود. أخذها ونظر للمكتوب في إحدى أوراقها بصدمة وعينه تتوسع بشدة، وهو يقرر أن يقلب الدنيا رأسًا على عقب حتى يعيدها إليه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!