الفصل 2 | من 20 فصل

رواية حارة العشاق الفصل الثاني 2 - بقلم أمنية أشرف

المشاهدات
21
كلمة
1,552
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

مشيت ومش هرجع تاني وهستنى ورقة طلاقي توصلي ع مكتبي. كانت هذه الكلمات التي خطتها كارمن قبل أن تترك الفيلا، وهي ما قرأه جاسم. توسعت عيناه بشدة وارتفعت وتيرة أنفاسه أثر الصدمة. قام من مكانه بجنون وهو يطوح بيده كل ما هو موجود ع التسريحة الموجودة بالجناح، وهو يصرخ بجنون. لن يتركها أبداً، سيقلب الدنيا رأساً على عقب حتى تعود إليه، فهو لا يترك شيئاً ملك له أبداً. في صباح اليوم التالي.

استيقظت كارمن على صوت الباعة الجائلين ورنين عربة الفول. ابتسمت بفرح، فهي منذ سنوات لم تسمع هذه الأصوات. كانت معتادة أن تستيقظ على السكون والهدوء الذي يسود الفيلا والكمبوند المحيط بها. أما في الأحياء الشعبية، فالوضع يختلف تماماً. هنا الضوضاء هي ما تسود المكان بأكمله، أصوات الباعة ورواد المقهى والورش وغيرها الكثير والكثير. قامت تشعر بتحسن كبير عن الأمس وما مرت به.

أخذت حماماً دافئاً وارتدت فستاناً أزرق قصيراً ذات حملات عريضة وصندلاً أصفر عالي الكعبين، وتركت لشعرها الكستنائي العنان، وهي تقرر أن تنزل الحارة تشتري بعض طلبات المنزل، فهو خالٍ تماماً من جميع الأشياء، وهي تشعر بالجوع الشديد، فمنذ الأمس لم تضع شيئاً بفمها. خرجت من البناية تتطلع حولها بابتسامة واسعة وهي تنظر للحارة، وكأنها رأتها. هدير وهي تقف أمام ورشة زوجها الراحل تتحدث مع الصبي الذي يعمل بها.

لتتركه وتذهب إليها سريعاً. اقتربت منها هدير بابتسامة وهي تقول: صباح الفل. ابتسمت كارمن وردت بصوت ناعم: صباح النور. رفعت هدير أحد حاجبيها وهي تنظر لها من رأسها حتى أخمص قدميها، ثم هتفت: انتي بتدوري ع حد ولا أي؟ هزت كارمن رأسها بنفي وقالت: لا. عبست ملامح هدير وهي تقول: أومال انتي مين؟ ابتسمت كارمن ابتسامة واسعة وقالت: أنا كارمن. هزت هدير رأسها ببلاهة وسألت: أيوا كارمن مين يعني؟ سكتت كارمن لثوانٍ تفكر ماذا تقول لها،

ثم هتفت فجأة: تعرفي الدكتور صلاح؟ أومأت هدير برأسها بسعادة وهي تجيب: أيوا طبعاً، هو في حد في الحارة كلها ما يعرفش الدكتور صلاح؟ ضحكت كارمن وقالت: هو بقا يبقى ابن عمي. انفرجت أسارير هدير، ثم انقضت على كارمن تحتضنها وتقبلها من وجنتيها وهي تقول: يا أهلاً يا حبيبتي أهلاً أهلاً، دا الحارة نورت. ضحكت كارمن بسعادة: أهلاً بيكي ميرسي. سألت هدير بجدعنة: مش عايزة أي حاجة يا حبيبتي؟ أنا تحت أمرك.

ابتسمت كارمن: تسلمي، أنا بس كنت عايزة أشتري طلبات للبيت. جرتها هدير خلفها وهي تثثر: تعالي يا حبيبتي، تعالي وأنا أجيب لك كل اللي انتي عايزاه، دا أنا قلبي انشرح لك خالص وحبيتك والله. ثم انطلقت تشتري لها الكثير من الخضروات والفاكهة الطازجة، وكارمن تراقبها بسعادة وهي تشتري وتفاوض البائعين وتمازحهم، والجميع يكن لها الاحترام ويلقبونها بـ "الست هدير". وأثناء سيرهم في الحارة، رأتهما سهير من بعيد، فأقتربتهما سريعاً

وهي تنظر لكارمن بفضول: صباح الفل يا ديرو. ابتسمت هدير وأجابت: صباح الورد يا قلبي. نظرت سهير لكارمن وقالت: هي مين الحلوة دي؟ ربتت هدير على كتف كارمن وهي تقول: دي كارمن بنت عم الدكتور صلاح. ابتسمت سهير واقتربت من كارمن تسلم عليها وهي تحتضنها وتقبلها، كالعادة السلام المعتاد: أهلاً يا كارمن، منورة الحارة والله. ابتسمت كارمن وردت: ميرسي. ضحكت سهير وربتت على شعرها: هو انتي حلوة كدا طبيعي ولا حاجات من بتاع الأيام دي؟

ضحكت كارمن بشدة وأجابت: لا طبيعي تماماً. نظرت لها سهير وكأنها كائن من الفضاء وقالت: بسم الله ما شاء الله، الله أكبر، دا انتي يا حبيبتي لازم تخافي ع نفسك من الحسد. حاولت كارمن كتم ضحكتها على أفعال سهير وأردفت: سيبيه لله. هزت سهير رأسها وقالت: ونعم بالله، طب أسيبكوا أنا بقا عشان الحق حصتي في المدرسة. ودعتها هدير: ماشي يا حبيبتي، مع السلامة وخذي بالك من نفسك. رحلت سهير وبقيت هدير تثثر مع كارمن في كل شيء وأي شيء.

قالت فجأة: وانتي يا حبيبتي كنتي ساكنة فين قبل ما تجيء الحارة؟ حزنت ملامح كارمن وشردت قليلاً، ثم ردت: كنت متزوجة وعايشة في فيلا في كومبوند في... دهشت هدير وهتفت: يا ما شاء الله، وأي اللي حصل كفى الله الشر. ابتلعت كارمن الغصة في حلقها حتى لا تنفجر في البكاء: اتطلقت ورجعت أعيش هنا تاني. شهقت هدير بصدمة وضربت على صدرها بيدها كعادتها دائماً حينما تتفاجأ بشيء: يا عينيا، واطلقتي ليه؟ دا انتي لسه في عز شبابك وكمان زي القمر.

امتلأت عيون كارمن بالدموع وهي تشعر بحاجتها الشديدة أن تشارك أحداً ما حدث لها، وانطلقت تحكي لهدير قصة حياتها منذ أن تزوجت حتى حدث ما حدث، وهدير تستمع لها بإنصات شديد ويظهر على ملامحها التعاطف مع كارمن، حتى وصلت إلى رؤيتها لزوجها وهو يخونها. شهقت هدير بفزع وملامحها

تتلون للغضب الشديد وقالت: الخاين العرة، عرة الرجال، ياما نفسي أشوفه عشان أطبق في زماره رقبته، والله هو الخسران، وانتي يا حبيبتي بكرة ربنا يعوضك بأحسن منه 100 مرة. ابتسمت كارمن بحزن وقالت: الحمد لله، أنا خلاص جربت حظي مرة وكفاية، بس هو يطلقني ويسبني في حالي لأني تعبت والله تعبت. ربتت هدير على كتفها تدعمها: إن شاء الله هتخلصي منه عرة الرجالة دا، وإن ما كانش بذوق يبقى بالعافية واحنا معاكي متخافيش.

ابتسمت كارمن لهدير بمودة: أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا هدير، أنا والله حاسة إني أعرفك من زمان ودخلتي قلبي وحبيتك جداً. ضحكت هدير بخفة: والله وانتي كمان دخلتي قلبي. واعتبرتك أختي الصغيرة، وأي حاجة تعوزيها تجيلي عند الورشة اللي هناك دي وأنا تحت أمرك في أي حاجة. هزت كارمن رأسها وقالت: تسلمي يا حبيبتي، يلا سلام. ابتسمت هدير ولوحت لها بيدها: مع السلامة. دخلت كارمن إلى بنايتهم ووقفت هدير شارده وهي تنظر إلى مدخل البناية.

حتى سمعت صوته يتنحنح من خلفها ويقول: السلام عليكم. استدارت هدير بابتسامة واسعة وقالت: وعليكم السلام يا معلم. تنحنح نعمان مرة أخرى وهتف بفضول: ألا قوليلي يا ست هدير، هي مين الست اللي كانت معاكي دي؟ ابتسمت هدير وانطلقت تثثر تحكي له عن كارمن: دي يا أخويا كارمن بنت عم الدكتور صلاح، كانت متزوجة واحد علوي أوي من اللي هما بيقولوا لهم إيه، آه رجل أعمال، بس عيني عليها يا أخويا اتطلقت. هز نعمان

رأسه بتفهم وسأل بفضول: واتطلقت ليه؟ غضبت ملامح هدير وردت: العرة يا أخويا كان بيخونها. اتسعت عين نعمان بصدمة ثم أردف: بيخونها؟ هي دي تتخان؟ انطلقت الشرارات الغاضبة من عيون هدير وهي تنظر له بغضب وغيره: نقول إيه؟ فراغة عين يا معلم، ما هما الرجالة كدا كلهم، ما يملاش عينهم غير التراب. ثم نظرت له بغضب وتركته ورحلت. نظر نعمان في أثرها بصدمة وقال: هي زعلت ليه؟ في مكان آخر، في إحدى الشركات الكبرى للمقاولات.

كانت تجلس بخيلاء خلف مكتب والدها، تضع ساقاً على ساق، حتى سمعت طرقاً على الباب، فسمحت للطارق بالدخول، ليدخل كارم بابتسامة عملية محرجة: قالوا لي إن حضرتك عاوزاني. هزت سمران رأسها بابتسامة ساحرة وردت بصوتها الرقيق ذي البحة الطبيعية: أيوا يا بشمهندس اتفضل. ثم أشارت له على الكرسي أمام المكتب ليجلس عليه. جلس كارم وهو يتنحنح ويدفع نظارته الطبية للخلف.

أما هي، فاستقامت من جلستها خلف مكتبها لتتحرك بجسدها الفاتن ذي الانحناءات الأنثوية المهلكة، تجلس في الكرسي المقابل له وتضع ساقاً على أخرى بأناقة، ترتدي بلوزة حرير من اللون الأبيض وجيبة سوداء قصيرة للغاية وحذاء أحمر عالي الكعبين، وتضع أحمر شفاه أحمر فاقع، وقد تركت لخصلات شعرها السوداء الهائجة العنان وهي تصل لآخر ظهرها.

تنحنح كارم مرة أخرى وهو يشعر بالخجل، فهو لا يحب أبداً التعامل مع السيدات، دائماً متحفظ ولا يحب الاختلاط. ركزت سمران عينيها الرمادية عليه وهتفت: أنت عارف طبعاً يا بشمهندس إنّي همسك الشغل لحد ما بابي يرجع من رحلته العلاجية. أومأ كارم برأسه إيجاباً وقال: أيوا طبعاً عارف يا فندم. ابتسمت سمران ابتسامة واسعة أظهرت

أسنانها البيضاء وقالت: طب تمام، أنا سمعت بقا إنك أشطر مهندس في الشركة كلها، فهعتمد عليك إنك تعرفني كل كبيرة وصغيرة في الشركة. هز كارم رأسه وقال: تمام حضرتك، أنا تحت أمرك. نظرت له سمران وقالت بدلع تجيده: يبقا اتفقنا يا كارم، أنا هقولك يا كارم عشان مش بحب الألقاب، ثم عضت على شفتيها وقالت: ولا أنت بتفضل الألقاب؟ بلع كارم ريقه بصعوبة وهو يشعر بعدم الارتياح لميوعتها الشديد،

ولكنه هتف بعملية: اللي حضرتك تحبيه يا فندم، مفيش مانع. ضحكت سمران بخفة: ميرسي يا كارم. ابتسم كارم ابتسامة عملية: تمام يا فندم، عن إذن حضرتك. ابتسمت سمران وهزت رأسها: اتفضل. خرج كارم وابتسمت سمران بخبث وهي تشعر أنه لقمة سائغة تستطيع أن تسيطر عليه بسهولة. وتتسلى. في مكتب كارمن للهندسة المعمارية، دخل جاسم كالثور الهائج يبحث عن كارمن بجنون. فقابل السكريتيرية في طريقه ليمسكها من ملابسها كحرامي الغسيل وهو يصيح: "كارمن فين؟

فزعت السكريتيرية المسكينة وهي تقول بتلجلج: "في أي.. في أي؟ صرخ جاسم مرة أخرى: "كارمن فين؟ بكت السكريتيرية بخوف: "معرفش.. معرفش.. مش هنا.. مش هنا." تنفس جاسم بعنف: "أومال فين؟ ابتلعت السكريتيرية ريقها وهي تشهق باكية: "معرفش.. هي اتصلت وقالت مش هتيجي النهارده." تركها جاسم أخيرًا لتتنفس الصعداء، ولكنه هدر مرة أخرى: "لو عرفتي أي حاجة عنها أو كلمتك تاني.. تبلغيني.. سامعة؟ هزت السكريتيرية رأسها

سريعا عدة مرات وهي تجيب: "حاضر.. حاضر." زفر جاسم بعنف ونظر لها بغضب ثم تركها وغادر. أما هي فسقطت على الكرسي خلفها تشعر بقرب فقدانها للوعي بسبب خوفها الشديد.

ظل جاسم يدور بسيارته حتى المساء يبحث عنها في كل الأماكن التي من الممكن أن تذهب إليها، وكلف العديد من رجاله للبحث عنها، ولكنه لم يصل إلى أي نتيجة. زفر بحنق، فهي المرة التي لا يعرف عددها يتصل عليها ولكن هاتفها مغلق. تبا لها، تعلم أنها لو فتحت هاتفها لاستطاع أن يصل إليها في لمح البصر، لذلك أغلقته تمامًا. ولكن إلى أين ذهبت؟ عصر رأسه عله يصل إلى مكان. حتى أنارت في رأسه فكرة ذهابها لمكان ما بعينه تعلم أنه لن يخطر على باله.

كانت تجلس أمام التلفاز تشعر بملل شديد، فهي غير معتادة على الحبس هذه ولا الجلوس بدون عمل. دائمًا لها برنامج خاص ليومها، ولكن حياتها انقلبت رأسًا على عقب. لذلك يجب أن تتأقلم وتساير حياتها الجديدة، فهي قد اتخذت قرارًا ولن تعود فيه أبدًا. ابتسمت حينما تذكرت حديثها مع هدير اليوم صباحًا. يا الله، كما هي طيبة وودودة وابنة بلد كما يقولون. وأيضًا الأخرى سهير تبدو بشوشة وطيبة أيضًا. تذكرت أيضًا صلاح، لم تراه اليوم قط، أين ذهب؟

وهل نسي أنها موجودة؟ فمن الواجب أن يسأل عنها إن كانت تحتاج شيئًا، فهي ابنة عمه على كل حال. أخرجها من شرودها جرس الباب لتنهض تفتح، اعتقادًا منها أنه أحدًا من الحي أو من الممكن أن يكون صلاح. ولكنها فتحت وتسمرت أمام الباب وهي ترى جاسم واقفًا أمامها ينظر لها بغضب شديد.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...