الفصل 1 | من 37 فصل

رواية حارة الباشا الفصل الأول 1 - بقلم فيروز احمد

المشاهدات
21
كلمة
2,283
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 3%
حجم الخط: 18

دقت الساعة منتصف الليل، والجميع نائم في تلك الليالي الشتوية الباردة. كانت هي تركض بين ممرات الشوارع حافية القدمين، تلف نفسها بملاءة الفراش. جسدها يقطر دمًا، وأرجلها قد جُرحت بسبب ركضها المتواصل طوال الطريق. كل فترة تلتفت خلفها لتتأكد أنه لا أحد يراقبها، ولكنها في لحظة أصبح جسدها خائرًا ولم تستطع إكمال الركض، وهي ترى الظلام يغلفها. لتسقط فاقدة الوعي، تفترش الطريق بملاءتها بينما تهطل الأمطار فوقها بغزارة. ***

كان علي الباشا عائدًا مع شقيقه الأكبر عماد من الإسكندرية، حيث كانا يتعاقدان مع شركة لبيع المنتجات التي تحصل عليها وكالتهما من المزارعين والتجار. كان عماد يتأفف بشدة: "ده وقت حبك الدنيا تمطر فيه؟ أنا مش شايف الطريق." نظر له علي الباشا بهدوء وصمت قاتل، ولم يجب. ولكنه فجأة لمح شيئًا على يسار الطريق، فهتف له بلهجة آمر: "عماد استني... اقف على جمب! توقف عماد متعجبًا، يسأله بعدم فهم: "في إيه يا علي؟

أشار علي إلى شيء ما هناك، يهتف لشقيقه بتساؤل: "إيه اللي هناك ده؟ حاول عماد أن ينظر لتلك المسافة البعيدة قليلًا، ولكن هطول الأمطار بشدة لم يساعده، فهتف يخبر الآخر: "هتلاقيه شوال زبالة ولا حاجة... انت شاغل نفسك ليه؟ "مش حاسة زبالة... انزل هنشوف إيه اللي هناك ده! قالها علي الباشا بحزم وهو ينزل من السيارة، بينما بقي عماد محله ينظر خلف شقيقه بصدمة، يردف متعجبًا: "انزل! انزل إيه في المطر ده، هو أنا مجنون زيك!

بقي عماد في السيارة، بينما نزل علي الباشا يتحرك بخطوات واسعة ناحيتها. وحين اقترب أبصر شعرها المنسدل على الأرض، وبقعة الدماء التي تتواجد أسفل جسدها. علم أنها ضحية ما، قد يكون أحد ما قتلها وألقاها على الطريق. ظل يبحث في جسدها عن موقع الإصابة أو الطعنة التي تخرج منها الدماء، ولكن جسدها مدمى بشدة من آثار جلدات على جسدها. تحسس جسدها فوجدها باردة كقطعة جليد. فوضع يده على عرقها النابض في رقبتها يحاول تبين النبض، ثم همس:

"عايشة! هو نبض ضعيف بس هي عايشة! حملها بين ذراعيه سريعًا، وأسرع يأخذها ناحية سيارة شقيقه. ما إن رآه عماد قادمًا حتى فتح فمه بصدمة، ونزل سريعًا من السيارة يتساءل بصدمة: "إيه داااا يا علي يا باشا!! ... أوعى تقول إنك هتلبسنا مصيبة جديدة! نظر له أخوه بغضب، ولكن لم تتبين من الأمطار الهاطلة فوقهم. قبل أن يفتح الباب الخلفي يضعها فيه ويغلقه، هاتفا لشقيقه: "مش وقته... هي عايشة، لازم نساعدها." ثم ركب محله بجوار شقيقه.

ليركب عماد هو الآخر بقلة حيلة. وما إن أدار المفتاح ليقود السيارة حتى سمع أخاه يهتف بهدوء: "اطلع على البيت! "كمااااان؟ يعني هنلبس المصيبة للبيت كله! نظر له علي ببرود، هاتفا له: "مينفعش ناخدها المستشفى، هيتهمونا إننا اللي قتلناها. اطلع على البيت، أختك ممرضة وهتعالجها." قالها بينما يخرج إحدى سجائره يشعلها، ينفث دخانها بغضب وهو ينظر للطريق. بينما نظر له عماد بقلة حيلة، وأدار السيارة وانطلق. ***

توقف المطر مع وصول الشقيقين للمنزل. حاول علي إدخال الفتاة إلى المنزل دون أن يلاحظ أحد الجيران. ثم أسرع يصعد بها الدرجات لشقة أمه. طرق الباب بعنف، ففزع كل من بالداخل. وأسـرع عبدالرحمن يفتح الباب هاتفا بصدمة: "الباشا! فيه إيه؟ ومين دي؟ زجه علي الباشا بغضب، بينما يصرخ بعنف: "أوعى مفيش وقت! ثم أسرع يأخذها إلى غرفة شقيقته التي كانت قد استيقظت من طرق الباب. نظرت لها مريم وأصدرت شهقة قوية، وصرخت برعب: "ميييين دي يا أبيه؟

وضعها هو فوق فراش مريم، هاتفا بغلظة وحزم: "مش وقته يا مريم، عالجيها دلوقتي وبعدين نتكلم." ثم ترك الغرفة وخرج. أسرعت مريم لصندوق دراستها والإسعافات الأولية وخزانة الأدوية الصغيرة في غرفتها، تحضر ما تحتاجه، تحاول مداواة جروحها وإنقاذها. بعد ساعة خرجت مريم من الغرفة تتنهد بإرهاق. نظر لها شقيقها يسألها دون حديث، فهتفت تخبره:

"متقلقش يا أبيه، لحقتها الحمدلله. أنا أنعشت قلبها وركبتلها محاليل وطهرت كل الجروح اللي في جسمها، ولبستها من هدومي. بس هو إيه اللي عمل فيها كده؟ نفث دخان سيجارته بغلظة، بينما يهتف باقتضاب: "معرفش! نظر عبدالرحمن لتوأمته هاتفا: "أنا مش فاهم حاجة! نهض علي الباشا من مكانه، يلقي السجارة في المطفأة، قبل أن يربت على كتف شقيقه هاتفا: "مش لازم تفهم. وأنتي يا مريم خليها عندك لحد ما تفوق ونعرف حكايتها إيه!

ثم تركهم وغادر الشقة يليه عماد. بينما بقي التوأمان يقفان أمام بعضهما بعدم فهم، وكل منهما بداخله أسئلة كثيرة. لتهتف مريم أخيرًا: "يا خبر بفلوس، بكره يبقى ببلاش! *** "ياااا مصيييبتي! علي البااشااا اتجوز عليا! قالتها فاطمة بصراخ وهي تلطم صدرها بعنف، حين استمعت من مريم ما حدث في مساء الأمس. بينما نظرت لها سناء ساخرة ببسمة متفشية: "أحسن والله، ده كان المفروض يعملها من زمان." نظرت لها فاطمة غاضبة، تهتف لها:

"والنبي نقطيني بسكاتك انتي يا سناء. لازمن أعرف قصة البت دي إيه! ثم نهضت لتغادر شقة حماتها التي تجلس فيها مع مريم وسناء، ولكن دخل عماد والحاجة وداد. لتهتف لها: "اقعدي يا بطة، جوزك متجوزش عليكي ولا حاجة." نظرت لها بغضب، تمصمص شفتيها بضيق، هاتفة: "أمال الحلوة اللي جوا دي تسميها إيه يا ماما الحاجة! نظرت لها وداد غاضبة، تهتف بحزم: "اقعدي يا بت واسمعي من عماد وهو هيقولك! جلست على مضض، بينما قص لهم عماد ما حدث معهم أمس.

فشهقت مريم بفزع هاتفة: "يااااانهار أبيض! يعني أبيه مدخل القتيلة بيتنا! زجتها فاطمة بعنف، تهتف بغيظ: "نقطيينا بسكاااتك يا مريم، هو إحنا ناقصين مصايب من تحت راس أخوكي! "قصدك إيه يا بطة؟ هو علي الباشا عمره جاب مصايب، ولا هتتبلي على جوزك في غيابه؟ قالتها سناء، تقصد إشعال الأجواء بين وداد وفاطمة. لتنهض فاطمة من مكانها، هاتفة بحزم ل تنهي الحوار:

"أنا لا بهبل ولا بهلس، الباشا مش صغير، هو حر يعمل اللي هو عايزه. وخليكي محضر خير يا سناء." التفتت تهتف لمريم بعصبية: "قومي فزي يا بت يا مريم، يلا علشااان نروح السوق، ولا هتفضلي قاعدة جمب السنيورة! "حالا يا أبلة جاية أهو." قالتها مريم، بينما تسحب حجابًا لها على العباءة السمراء التي تخص السوق. تركض خلف فاطمة التي ذهبت وهي غاضبة بشدة. *** مر اليوم، ومريم تتابع الفتاة التي ارتفعت حرارتها ولم تستيقظ بعد.

ثم اليوم التالي وهي كذلك، لم تستيقظ. في اليوم الثالث، ظنت مريم أنها لن تستيقظ أيضًا ولاقت حتفها بالفعل. ولكن حين دخلت لتطمئن عليها، تفاجأت بها مفتوحة العينين تنظر للسقف بشرود. ابتسمت مريم بسعادة، وأسرعت ناحيتها تهتف فرحة: "يا صبااااح الخير، بقالك يومين نايمة! لم تجبها الأخرى، ولم تنظر لها، بقت تنظر للسقف بشرود وجمود فقط. هزتها مريم برفق لتنتبه لها، هاتفة: "انتي سااامعاني؟

أدارت لها الفتاة وجهها لتبصرها، قبل أن تنكمش على نفسها بخوف، تشير إلى مريم برعب هامسة ببحة ولغة عربية غير سليمة (مكسرة) "أنتا مين؟ ابهد (ابعد) عني بلييييييز! ثم بدأت تتساقط دموعها بخوف شديد. لتطمئنها مريم هاتفة بقلق: "اهدي اهدي، ما تخافيش، انتي في أمان معانا هنا، محدش هيقدر يأذيكي ولا يوصلك." نظرت لها الأخرى بتشكك، وحدقتاها تهتزان بخوف، قبل أن تهمس ببكاء: "أنتا مين؟ وأنا فيين؟ هايز (عايز) مني إيه؟

تنهدت مريم تحاول الثبات، قبل أن تهتف لها برفق تحاول طمأنتها: "متخافيش يا ستي، أنا مريم، ومش عايزة منك حاجة خاااالص، اهدي بس وقوليلي انتي اسمك إيه؟ شكلك مش مصرية! قالتها مريم بلطف وابتسامة مطمئنة. اطمأنت لها الفتاة، فنظرت لها قليلًا وأومأت، قبل أن تهمس بصوت مرتجف: "رو…. روسيل! ابتسمت مريم بسعادة، هاتفة لها برقة: "اسمك حلووو اوووي يا روسيلاماءت روسيل، بينما تنظر حولها بخوف. قبل أن تعود لمريم تسألها بنبرة مرتجفة:

"أنا فين؟ "انتي في بيتنا يا ستي متخافيش. علي الباشا أخويا لاقاكي على الطريق من يومين مغمي عليكي، جابك على هنا وأنا عالجتك وبس." "هلي (علي) قالتها بتعجب، بينما تحاول تذكر من تعرف باسم علي؟ ولكن الذكريات بدأت تراودها، لتبدأ بتذكر كل شيء عن حياتها وما أوصلها للإغماء على الطريق. بدأت ترتعش بخوف شديد، وبدأ جسدها يرتجف، وهي تضع يدها على أذنها تهتف بهذيان: "لا.. لا.. سيبيني.. مام بليييز خدني مهاك (معاك) ماااااام!

ارتابت مريم مما يحدث لها، وأسرعت تركض إلى الخارج تستدعي عبدالرحمن. دخل شقيقها للغرفة سريعًا يمسك بروسيل التي بدأت تخرج عن السيطرة. لتحقنها مريم بحقنة مخدرة، وتذهب الأخرى في نوم عميق. أراحها عبدالرحمن على الفراش، ومريم تتدثرها، بينما تهتف وداد التي تقف مع سناء وفاطمة على باب الغرفة بتساؤل: "هو إيه اللي حصلها بالظبط؟ "مش عارفه، صحيت وكانت مرعوبة وقعدنا نتكلم شوية، وأول ما قولتلها اسم أبيه علي عملت زي ما انتو شايفينها."

شهقت سناء بتصنع، بينما صرخت فيها الحاجة وداد: "بس يا بت انتي! ثم التفتت لمريم تهتف بغضب: "و مال أخوكي و مالها! "معرفش يا ماما." "طيب لما يجيلي! قالتها وداد، بينما تغادر الغرفة غاضبة غير راضية على ما يحدث، وخلفها سناء. أما فاطمة فبقت تنظر لروسيل هامسة، واحد حاجبيها مرفوع: "يا ترى عملت في البت إيه يا علي يا باشا؟ يا ترى مخبي إيه وهتجيلنا بمصيبة إيه المرادي؟ استر يارب! قلبي مش مستريح!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...