تبدأ أحداث روايتنا في إحدى المناطق الراقية جداً في القاهرة، وتحديداً في فيلا جمال الصاوي. الفيلا كانت مليئة بالنساء، كلهن يرتدين الأسود، وجئن لتقديم واجب العزاء في وفاة جمال الصاوي وزوجته مريم، اللتان توفيتا وهما عائدتان من العمرة في حادث سيارة.
كانت ابنتاهما رهف ورغد تجلسان بجانب بعضهما، ودموعهما تنزل كالشلال على خديهما، غير مستوعبتين ما حدث. كانتا في انتظار والدهما ووالدتهما بفرحة كبيرة، وفجأة جاءهما خبر أن سيارتهما انقلبت وأنهما نُقلتا إلى المستشفى وحالتهما كانت خطيرة. وللأسف، توفيتا فور وصولهما المستشفى. الكل كان يقترب منهما ليواسيهما، وعيونهما عليهما. في منهم حزين على وفاة جمال ومريم، اللذين كانا يتميزان بطيبة قلبهما، وفي منهم من هو فرحان بموتهما. ***
رهف فاقت من ذكرياتها على صوت فتح باب غرفتها. دخلت رغد وجلست بجانبها. "مالك يا رهف؟ "مش مصدقة إن عدى سنة بسرعة دي يا رغد... السنة دي عدت علينا وهما مش معانا، بس وحشوني أوي يا رغد." رغد احتضنتها: "والله وحشوني أكتر يا رهف، بس اللي أنا متأكدة منه إنهم في مكان أحسن من هنا مليون مرة، وكفاية إنهم سوا." "بس إحنا مش معاهم... إحنا هنا لوحدنا يا رغد." "بت، بقولك إيه؟
إحنا هنقلبها غم من صباحية ربنا كده. يلا قومي غيري عشان هنروح نزورهم، بس واحنا بنضحك زي ما اتعودوا علينا يا رهف." "حاضر." رهف ورغد غيرتا ملابسهما وذهبتا لزيارة والدهما ووالدتهما في المقابر. رهف كانت منهارة، ورغد تحاول مواساتها وتكتم حزنها بداخلها عشان خاطر أختها.
قضتا وقتاً طويلاً أمام المقابر وتحدثتا معهما كثيراً، وبعدها رجعتا إلى الفيلا مرة أخرى. قابلتهما دادة سلمى، التي تعيش معهما في الفيلا منذ ولادتهما تقريباً، وحتى بعد وفاة جمال ومريم، فضلت معهما. "جيتوا يا حبايبي، يلا اطلعوا غيروا أكون جهزت الأكل." "ماليش نفس يا دادا." سلمى اقتربت منها واحتضنتها، ورهف بكت: "ادعيلهم يا حبيبة قلبي وبلاش توجعي قلبي كده... إنتي كل مرة بتروحي تزوريهم بتفضلي تعيطي كده."
"اهدّي يا رهف بقى واطلعي غيري وانزلي يلا عشان نأكل سوا، وكمان مؤمن ولارا جايين." "حاضر." رهف صعدت، وسلمى نظرت لرغد ورأت عينيها التي تلمع بالدموع: "ماتكتميش جواكِ يا بنتي! "متخافيش عليا يا سوسو، أنا ميت فل وعشرة. هطلع أغير على ما ييجي مؤمن ولارا." "مش هتروحي المستشفى؟ "لا، هفضل هنا مع رهف النهاردة." "أحسن برضه يا حبيبتي."
رغد صعدت وما صدقت إنها دخلت غرفتها. دخلت الحمام وفتحت المياه ووقفت تحت المياه بملابسها، وسمحت لدموعها أن تنزل. صوت بكائها كان عالياً، لكنها كانت تحاول كتمه عشان محدش يسمعها، لأنها لا تحب أن تبدو ضعيفة أمام أي أحد. وكمان تحاول أن تكون قوية عشان خاطر أختها رهف، التي تأثرت بوفاة والدها ووالدتها. بعد شوية، البنات نزلن ونظرن لبعض. رهف اقتربت من رغد واحتضنتها بقوة: "على فكرة، ممكن تعيطي في حضني أحسن ما تعيطي لوحدك."
"أنا كويسة يا رهف." رهف ابتعدت عنها ونظرت إليها: "يارب دايماً تبقي كويسة، لأن أنا بستقوى بيكي يا رغد." في هذا الوقت، دخل مؤمن ولارا، التي جرت على رغد: "دودو! رغد حملتها: "روح دودو يا ناس، اللي وحشاني موت موت." "وانتي كمان وحشتيني أوي... أنا قلت لبابي وهفضل معاكي هنا." "ده أحلى خبر ده ولا إيه." لارا نزلت واحتضنت رهف: "وحشتيني يا رهوفة." رهف قبلتها من خدها: "وانتي وحشتيني يا لولي أوي."
مؤمن رأى حالتهم: "رحتوا المقابر صح؟ "روحنا زورناهم الصبح وجينا." "إنتوا كويسين يعني؟ "الحمد لله يا مؤمن." "ازيك يا مؤمن يا ابني؟ "بخير يا سوسو." لارا جرت على سلمى، التي احتضنتها بحب. "يلا، السفرة جاهزة يا ولاد." الكل تجمع حول السفرة وأكلوا سوا. وبعد ما خلصوا، خرجوا ليجلسوا في الجنينة. لارا كانت تتمرجح على مرجيحة في الجنينة. "مش ناويين تغيروا الأسود ده بقى؟ البنات نظرن لبعض.
"خالتو وعمي جمال أكيد مش مبسوطين بحالتكم دي، وبعدين الحزن مش باللبس ولا إيه." "صح... بس سيبنا يومين كده وهنغيره." "لما نشوف... صح، فاروق جالي النهارده تاني." "عشان الوصية برضه؟ "أيوه، وكمان مجدي المحامي كلمني." "مش فاهمة، مستعجلين على إيه دول؟! "التأجيل ملوش أي لازمة يا رغد. النهاردة أو بكرة أو بعد سنة، الوصية لازم تتفتح." "صح... وبعدين يا ستي، عشان عمك فاروق يرتاح وتخلصي من زنّه."
"اللي أنا متأكدة منه إنه الوحيد اللي مش هيرتاح لما الوصية تتفتح." "هو انتي عارفة إيه اللي في وصية بابا يا رغد؟! "هو عمو جمال اتكلم معاكي بخصوص الوصية؟ "لا، متكلمش. بس أكيد عمك وابنه مش هيكون ليهم نصيب في أي حاجة من تعب بابا." "لو الموضوع كده بجد، عمك مش هيسكت." "يوريني هيعمل إيه بقى." "طب إيه، أقوله نجتمع امتى ونكلم مجدي المحامي؟ "بكرة بإذن الله." "تمام، هروح أنا بقى أخلص شوية شغل وهكلمه وأكلم مجدي." "تمام."
مؤمن نادى بصوت عالٍ: "لولى! لارا نزلت من على المرجيحة وجرت على حضن مؤمن، الذي قبلها بحب: "همشي عشان ورايا شغل يا لولي، وخليكي مؤدبة وبلاش تتعبّي رغد ورهف." "حاضر يا بابي." مؤمن قبلها من خدها وركب عربيته وخرج من الفيلا. *** في فيلا صغيرة، وهي فيلا فاروق الصاوي، الذي يجلس مع زوجته شهيرة، التي تمسك هاتفها وتركز فيه جداً. هاتف فاروق رن ورد بسرعة، وكان مؤمن. "أيوه يا مؤمن..... بكرة تمام أوي. هكون موجود على الميعاد.....
تمام." فاروق أغلق، وشهيرة نظرت إليه: "ميعاد إيه ده؟ "بكرة هيفتحوا الوصية." "أخيراً الست رغد حنّت عليكوا... أنا هاجي معاك طبعاً؟ "لا، أنا بس اللي هروح." "وده ليه بقى؟ "رغد عايزاني أنا وبس، حتى من غير ابنك." "البت دي شايفة نفسها على إيه مش عارفة، وعمالة تتنطط على ابني؟! "خليك أنت كده دايماً تحبط فيه." "أنتِ عارفة ابنك خسر الشركة كام آخر مرة... أكتر من 3 مليون جنيه بسبب غبائه." "الناس كلها بتغلط، محصلش حاجة يعني."
"خليكي أنتِ كده عمالة تدلعّي فيه. أومال هو البيه فين؟! شهيرة لم ترد. "مرجعش ونايم بره كالعادة؟! "ده شاب صغير، سيبه يعيش حياته يا فاروق." "أنا همشي أحسن." فاروق خرج من الفيلا، وشهيرة كانت متضايقة منه ومن رغد جداً. *** في حارة البطل، التي تتميز بطيبة قلوب الناس اللي عايشين فيها، بس طبعاً لازم يكون فيها مصدر للشر والخبث في أي مكان. تعالوا نوصف حارة البطل ونتعرف عليها أكتر.
حارة البطل اللي بتتميز بيوتهم بطابع قديم. وأول ما ندخل الحارة بيكون فيه قهوة الحاج عبده الطيب. وجنبه البيت اللي فيه ورشة البطل في الدور الأرضي، والدور الثاني معرض كبير لعرض الموبيليا. وفيه كمان أم فرح، الست الطيبة اللي بتشقى بعد وفاة جوزها عشان خاطر تفرح ببنتها فرح، اللي مخطوبة من صبي من الصبيان اللي بيشتغلوا في ورشة البطل.
وليها فرشة صغيرة بتبيع فيها خضار قدام بيت الشهاوي، اللي مقفول من سنين ومحدش يعرف أصحابه ماتوا ولا عايشين. وفيه كمان بيت المعلم منصور ومراته محروسة، ودول بقى مصدر الشر اللي في الحارة، وابنهم جابر اللي مسجون. وتحت البيت فيه محل جزارة بتاع منصور. وفيه صالون حلاقة رجالي، وسوبر ماركت صغير، ومحل لبيع الفاكهة. وكمان فيه سايبر، الشباب بيتجمعوا فيه ويلعبوا ألعاب إلكترونية على الكمبيوتر. وجامع.
وكمان عربية الفول اللي موجودة في كل حارة. وفي نص الحارة بيت عيلة البطل. والحارة فيها بيوت كتير وناسها طيبين، وكلهم أهل وعيلة واحدة في الحزن قبل الفرح. وآخر الحارة فيه أرض فاضية كبيرة بيعملوا فيها الأفراح والمناسبات بتاعتهم. *** تعالوا نرجع سوا لأحداث الرواية. في حارة البطل، وتحديداً في ورشة البطل الخاصة بتصنيع الموبيليا والأثاث. حسن البطل قاعد على مكتبه وبيتابع شغله. دخل عليه حمزة وقعد على الكرسي: "صباح الفل يا بطل."
"صباح الخير. سلمت الشغل؟ "آه يا معلم، سلمنا كل الشغل للمعرض." حسن مد ايده بورق: "تمام... ودي ورق الشغل اللي هيتسلم." حمزة أخد الورق منه: "الشغل خلصان، مش ناقص غير يتشحن." "كويس." دخل شاب من اللي بيشتغلوا مع حسن: "صباح الخير يا بطل." "صباحك فل يا محمد." "في حاجة حصلت ولازم تعرفها." حسن وحمزة بصوا له أوي!! "في إيه؟
"سمعت طراطيش كلام إن الواد محروس اللي كان شغال مع جابر ابن المعلم منصور هيسّلم الهباب اللي بيوزعه على شوية شباب من الحارة." حسن بعصبية: "وإمتى الكلام ده؟ "هيسلمه بليل الساعة 10 عند الأرض الفاضية اللي في آخر الحارة." "الواد ده زودها أوي." "وأنا مش هسكت له على عمايله، لأنه زودها أوي... روح أنت يا محمد وعينك على الواد ده كويس." "حاضر يا بطل." محمد خرج، وحمزة بص لحسن: "هتبلغ الشرطة؟! "لا، هروح له بنفسي."
"طب ما إحنا نسلمه ونخلص من قرفه يا حسن." "لا، جهز نفسك. بليل هنروح سوا... هو الظاهر كده جابر وحشه نفسه يشوفه، وأنا هنوّل له الشرف ده." "دماغك سم يا بطل." حسن ضحك: "يلا، روح شوف شغلك ونتقابل بليل." "هاخد المكنة بتاعتك أعمل بيها مشوار." حسن بص له بطرف عينه. "يا عم مشوار عالسريع، متخافش." حسن من غير ما يبص له: "ابقي فكّر تحط صابعك عليها بس." "ده إيه ده؟ هو ده... تمام يا معلم، هروح ماشي."
حمزة خرج، وحسن راح يمر على الورشة. *** بليل، في الأرض الفاضية اللي في آخر الحارة، كان محروس واقف ومعاه رجّالته وشوية شباب بيشتروا منه مخدرات. وفجأة شافوا نور عربية قوي بيقرب منهم. محروس اترعب لما شاف حسن وصل، وراكب الموتوسيكل بتاعه، وحمزة نزل من العربية ومعاهم عبده ومحمد، وبيقرّبوا منهم. "بتعمل إيه يا محروس هنا؟ مش الحاج محمود قال ممنوع حد يقرب من الأرض دي." "لا، أبداً. إحنا كان عندنا شوية شغل بس."
"أكتر حاجة تضايقني وتحرق دمي إن حتة عيل زيك يفكر يستغفلني أو يكسر كلمة الحاج محمود البطل." "معاش ولا كان اللي يستغفلك يا معلم حسن." حسن قرب منه وبص على اللي في إيده: "وإيه بقى الشغل اللي جمعكم هنا؟! الشباب اللي واقفين كانوا مرعوبين من حسن. حسن مد ايده وخد منه اللي في إيده: "الظاهر كده جابر وحشك وعايز تروح له، مش كده؟ حسن ضرب محروس فجأة بالبوكس في وشه، وقع على الأرض: "ده عشان كسرت كلمة الحاج محمود."
حسن قرب وضربه بوكس تاني: "ودي عشان فكرت تستغفلني." فجأة سمعوا صوت عربية الشرطة اللي قربوا منهم وقبضوا عليهم. حسن بص للشباب: "عشان تبقوا تمشوا ورا دماغه كويس.... حارة البطل، كل اللي فيها رجالة مش حشاشين." مراد، الرائد، أمر العساكر تاخدهم على البوكس، وبص لحسن: "تشكر يا بطل." "ده الواجب يا صاحبي." "ونبي مش عيب عليك تبقى رائد وتقعد على مكتبك وإحنا اللي بنشغلك." "شكل ابن عمك يا حسن عايز ينور التخشيبة النهارده ولا إيه؟
حسن ضحك. "طب ابقي اعملها عشان الحاج محمود يعلقك." "وإحنا نقدر نزعل الحاج محمود... يا عم، كان يوم أسود يوم ما سبت القاهرة وجيت إسكندرية والله." حسن ضحك: "طب يلا يا خفيف، روح شوف شغلك." "مقبولة منك يا صاحبي." مراد ركب البوكس واتحرك، وحمزة ركب العربية مع الشباب، وحسن ركب الموتوسيكل بتاعه ورجعوا على البيت. البيت اللي كان عبارة عن 5 أدوار. الدور الأول: الشقة اللي بتتجمع فيها العيلة طول اليوم.
الدور الثاني: شقة الحاج محمود ومراته هدى وحنين بنته الصغيرة. الدور الثالث: شقة أبو حمزة، بس طبعاً هو أبوه وأمه اتوفوا وهو عايش فيها لوحده. الدور الرابع: شقة حسن، اللي مجهزة من كل حاجة وهو عايش فيها. أما الدور الأخير وهو السطح، اللي موجود فيه أنواع كتير من الزرع والورد اللي بتهتم بيه حنين أخت حسن، لأنها بتحب تزرع جداً، وكمان بتدي دروس للأطفال الحارة فيه. *** حسن وحمزة دخلوا، كانت الحاجة هدى قاعدة مع حنين.
حسن باس رأسها: "مساء الفل يا ست الكل." "مساءك بيضحك يا حبيبي." "عملالنا عشا إيه يا هدى الجناين؟ هدى ضحكت: "عملالك الحواوشي اللي بتحبه يا واد يا حمزة." "حبيبتي يا هدى، ياللي مدلعانا." "قومي يا حنين جهزي العشا لأخواتك." "حاضر من عيوني." حسن شدها وباس رأسها: "تسلم عيونك يا بسكوتاية البيت إنتي." "حبيبي يا أبو علي." "يعني أبو علي بس اللي حبيبك... تصدقي يا بت، خسارة فيكي الشوكولاتة اللي جايبها لك!
"مش تقول إن الموضوع فيه شوكولاتة يا زومة." "كولي بعقلي حلاوة يا بت." "سيبك من الواد ده، بكرة يبقى عندك علبة من الشوكولاتة اللي بتحبيها." حنين باست خدّه: "حبيبي يا أبو علي." "يلا يا حنين، أخواتك جعانين." "حاضر يا ماما." حنين دخلت المطبخ، وهدى نظرت للشباب: "إنتوا عملتوا إيه النهارده؟ الحاج محمود سأل عليكوا ييجي عشر مرات وشكله مضايق أوي؟! حمزة بص لحسن: "أكيد الواد عبده اللي قاله. قولت لك ده ما يتبلش في بوقه فولة."
"طب تعالى نطلع نشوف الحاج الأول." حسن وحمزة طلعوا لحاج محمود في شقته ودخلوا. حسن باس إيده ورأسه: "عامل إيه يا حاج؟ "بخير يا ابني." حمزة باس إيده: "مرات عمي قالت إنك عايزنا يا عمي، خير؟ "إيه اللي خلاكم تروحوا للواد محروس بنفسكم؟ "كان لازم نتأكد إنه هيتقبض عليه يا حاج." "مراد كان هيقوم بالواجب، ماكنش لازم النمرة دي يا حسن."
"الواد كان مفكر إنه يقدر يستغفلنا يا حاج، وده درس صغير عشان محدش من الحارة يفكر يعمل زيه ولا يمشي الطريق ده زي الشباب دول." "ماشي يا حسن، بس يابني خليكوا بعيد عن المشاكل." "حاضر يا حاج." "هننزل نتعشى بقى يا حاج، لأننا واقعين من الجوع." "روحوا يا ولاد، ربنا يحميكوا لشبابكم يا رب." "تسلم يا حاج." الشباب نزلوا واتعشوا، وبعدها كل واحد طلع على شقته، وهدى وحنين طلعوا يناموا في بيتهم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!