بظلمات الليل، شارع نائي بشوارع مدينة القاهرة، به عدة مباني غير مسكونة، يعمه الهدوء والسكينة. سكينة مرعبة ليست بالتي تدفئ القلب بالاطمئنان بل ترهبه أكثر، يجعلك عندما تدخل أوله تهرول لتغادره. بأحدي جانبي الطريق وقفت سيارة تضم ثلاثة رجال، طوال القامة، أقوياء الجسد تبدو على ملامحهم علامات الإجرام، يمتلكك شعور بعدم الراحة منهم والخوف عند النظر إليهم. نظر أولهم لباقيتهم وهو يردف بقلق غريب:
"على واحد مثله يملك تلك القامة وهذا الجسد! الليل ليل علينا ودلوقتي مجبناش المطلوب لـ البية." أردف الثاني وهو يمشط الشارع بعينيه: "نستنى في الشارع دا شوية، لو لقينا حد معدي يبقى دا قدره، ملقناش يبقى نروحله فاضيين وأمرنا لله." صاح ثلاثهم بزعر: "عايزين تروحوا فاضيين روحوا، لكن أنا مهرجعش غير بـ طلبه، ياما مش هتشوفوا وشي تاني."
نظر له الأول بسخرية وكاد يتحدث، لكن توقفت الكلمات بحلقه وهو يرى فتاة تأتي من بعيد، راكبة دراجة نارية تقودها ببطء شديد يدل على خوفها وقلقها الواضح من المكان. ابتسم بشر وعينيه مرتكزة عليهم، قائلاً لهم: "العروسة وصلت."
نظروا لحيث ينظر فتوسعت عيونهم وهي تتقدم بالدراجة منهم، حيث وضحت الرؤية ورأوا فتاة جميلة بملابس جريئة تتقدم منهم. لم يسمحوا لنظرهم أن يتفحصها بكل تعمق، بل فقط رأوا ما أرادوا وهو أنها ضعيفة الجسد وهذا المطلوب ليسهل مهمتهم. كان ما يفصل بينهم متراً، قطعوه هما عندما توجهوا نحوها بخطوات قوية. لمحت فتوقفت بدراجتها بقلق، أرعبها مظهرهم ولم تعرف ماذا عليها أن تفعل.
كادت تتوجه بدراجتها لناحية العودة مرة أخرى، لكن أحدهم سبقها ووقف على نهاية الدراجة وآخر بأولها، والثاني وقف جوارها تماماً. نظرت لثلاثتهم برعب ناطقة: "انتوا مين وعاوزين مني إيه؟ قال واحد منهم بصرامة يأمرها: "امشي معانا." صرخت بوجل وهي تستعد لترك دراجتها: "أمشي معاكوا فين، انتوا مجانين ولا إيه؟
لم تكمل عبارتها ووجدت واحد منهم ترك مكانه ووقف خلفها مباشرة. صرخت برعب وهي تنظر له، لم تعرف ماذا تفعل، كل ما جاء على أفكارها أنها تركض، ولكن قبل أن تفعل، كبل وثاق يديها الرجل وجاء الاثنان الآخران وساعدوه بتحكيم تكبيله حولها. ظلت تتحرك بين أيديهم في محاولة منها للهرب، لكن لم تستطع. هتفت بضعف: "سيبوني وهديكم اللي انتوا عايزينه، سيبوني والنبى." لكن واحد منهم رد بأسف:
"للأسف البية مش عايز فلوس، البية عايز واحدة نسوان وحظك وقعك في إيدين." لم تفهم عبارته، حاولت أن تتحدث لتفهم، أن تصرخ لعل أحداً يسمعها، لكنه أغلق فمها بلاصق أخرجه من جيب بنطاله بلحظة سريعة وهو يردد: "شكلها فارعة وصوتها فيه الروح وأنا معنديش خلق لـ كهن البنات دا." ومن كثرة حركتها وصراخها خمدت قواها بعد دقائق وغابت عن الوعي.
حملوها الثلاثة من داخل السيارة وأخرجوها منها، بعدما وصلوا للمكان المنشود، منزل عبارة عن طابقين مساحته ليست بهينة، له طلة حجرية تعطيك إشارة عن كونه منزل ذات أثاث قديم أثري فخم. ترك أحدهم جسدها بيد الاثنان الآخرين وتوجه للباب طارقاً عليه، لحظات وطلت الخادمة "أم السعد". لم تكد تتحدث ولمحت الفتاة رمقته بعدم فهم وقلق ونظرت للطارق الذي ما كان سوى "جعفر" بنظرات مستفهمة، إلا أنه تلاشاها وكأنه لم يفهمها هاتفا: "الـ بية جوه؟
ردت مختصرة: "مستنيك من زمان في أوضة المكتب." أشار للاثنين الآخرين أن يتبعوه وهي نائمة بين أيديهم. هتف واحد منهم وهو يرمق الفتاة التي بين ذراعيه: "الباشا هيفرح أوي بالعروسة." نظر لها الآخر بعيون وقحة مردداً: "البت الحقيقة وتكة أوي." طرق جعفر على باب غرفة المكتب ثم دخل بعدما أذن له سيده بذلك. قبل أن يدخل أشار لهم أن يقفوا أمام الباب ولا يدخلوا إلا إذا نادهم. قطع الخطوات الفاصلة بين الباب ومكتب السيد حتى وقف أمامه.
نظر لسيده فوجده يطالعه بنظراته التي تشعرك بالتعرية أمامه، يشعرك كأنه يقرأ دواخلك. جعفر وقد رجفت جفونه: "تايسون بية... قال اسمه وتوقفت الكلمات بحلقه، فهو أتى بالمطلوب ولكنه ليس واثقاً إذا كان محققاً لشروط السيد تايسون أم لا. "إممم." هكذا كان رده، وتابع: "جبت اللي عايزه؟ جعفر يماؤه برأسه: "أيوة ياباشا."
ودون أن يترك مجالاً للقلق ليراوده، نادى الرجلين الواقفين أمام الباب بالخارج ليدخلا لهم. لحظات وكانا يدخلان وهي بيدهم. تعلقت عيون تايسون بها وهي بين أذرعهم. أشار لهم أن يضعاها على الأريكة الموجودة بغرفة المكتب. وضعاها، فأشار لهم بالمغادرة. نطق جعفر: "أمشي أنا كمان؟ أشار له بنعم، فغادر مع الآخرين وهو يتنفس الصعداء أخيراً.
وعاد هو بنظراته نحوها، جالس ببصره عليها من أول خصلات شعرها البنية الحريرية القصيرة التي تصل بالكاد لمنتصف عنقها، لحتى عنقها المرمري الأبيض، لكنزتها القصيرة ذات الأكتاف المعراة، مرتدية عليه بنطال قصير "شورت" يصل لقبل الرقبة بقليل وحذاء رياضي. كانت طلة جريئة رياضية، أعجبته الطلة وبالتالي صاحبتها أعجبته. حيث عاد بنظره لوجهها مرة أخرى يتفحصه هذه المرة بكل تركيز.
عيونها واسعة ظهر هذا رغم جفونها المغمضة، رموشها كثيرة وكثيفة، أنفها رفيعة منحوتة، شفتيها... آه من شفتيها لم يستطع أن يمررها مرور الكرام بلونها الأحمر الطبيعي وصغرها. كانت صغيرة لكنها مكتنزة. لم يفكر كثيراً، بل هبط بوجهه نحوها عارفاً ما سيفعله، سيقبلها، سيقبلها. كادت أن تصل شفتيه لخاصتها لكنها فتحت عيونها فجأة بتلك اللحظة. فابتعد وانتفضت هي جالسة في مكانها خائفة. نظرت للمكان حوله وله بعيون مرتعبة صائحة:
"أنا فين وانتوا عايزين مني إيه؟ كانت خائفة ولها الحق، فهي غابت فجأة عن جنة الحياة لتستيقظ في جحيمها. لم يرد، كان يراقبها بعيون لا تحتوي على أي تعابير، ووجهه جامد كذلك. حاولت أن تنهض عن مكانها لكن يده منعتها. نظرت له بغضب صائحة: "انت مين؟ وعاوز مني إيه؟ ومين جابني هنا؟ أجابها ببرود بعد صمت دام للحظات: "مين جابك؟ رجالي. أنا مين؟ تايسون. عايز منك إيه؟ ولد مني صلب... هي هنا لأمر ما، هل ستستطيع تنفيذه؟
هل ستوافق عليه من الأساس؟ أم ستفعل المستحيل لتهرب من براثنه! نقلت أبصارها من على باب المنزل لزوجها الجالس بقلق يحاول إخفاءه. عيونها كانت دامعة وهي تنطق بحزن: "نصر." نظر لها مستفهماً، فتابعت بقلب أم تشعر بخطر على فتاتها: "حاسة إنها مش بخير." نفس إحساسه، بل تفكيره كان يتخيل الأعظم وما يوجعه فكرة أنه من الممكن أن يكون السبب. عمله كضابط رَبي له كثيراً من الأعداء، فهل من الممكن أن يكون أحدهم ينتقم منه في ابنته؟
كأنه كان ينتظر كلماتها حيث نهض وهو يردف: "أنا استنيت بما فيه الكفاية لكن فعلاً دلوقتي معادش عندي صبر، الساعة عدت اتنين الفجر والبنت لسة مفيش عنها خبر." كان ما زال مرتدياً ملابس الشرطة، فعندما جاء أخبرته زوجته بتأخير ابنته فجلس من وقتها ينتظرها. توجه لباب المنزل وقبل أن يغادر أوقفه صوت زوجته "نشوى" الباكي: "نصري متجيش من غير بنتي." نظر لها بعيون حانية محاولاً أن يطمئنها بنظراته و: "متخفيش، إن شاء الله هرجع بيها."
وهل سيفعل؟ هل سيعود بها؟ هل سيجدها من الأساس؟ عودة لحارة تايسون. كلماته أوقفت عقلها عن التفكير للحظات، ظلت تنظر له بصدمة دون حراك ودون رد فعل. بقي هو يراقبها بلا تعابير تُعتبر. أخيراً فاقت من صدمتها فصاحت بدهشة ممزوجة بعدم فهم: "وأنا مالي بأبنك؟ ابتسم مجيباً بثقة غريبة بكلمات ينطقها بكل بطء: "ما أنا عايزه منك انتي."
أومأت بالنفي عدة مرات كأنها تحاول أن تدخل حديثه لعقلها أو تطرده منه. حركاتها الطفولية بالنسبة له مسلية، تحوذ على إعجابه وتقطع ملله. لقد أحسنوا رجاله في اختيارهم، لأول مرة يقوموا بعمل يطلبه منهم بكل هذا الإتقان والتفوق. رددت بغضب: "أنا عايزة أمشي، انت شكلك مجنون أو شارب حاجة، الكلام اللي بتقوله دا مستحيل يكون طبيعي أو خارج من حد عاقل."
ابتسم بسمة مخيفة وهو يقترب منها، قاطعاً ما بينهم من خطوات قليلة حتى صار جسده وجسدها يفصل بينهم فقط عدة سنتيمترات قليلة لا تحتسب. لفحت أنفاسه الساخنة بشرتها فبلا شعور رجف قلبها خوفاً منه وزاد الخوف وتحول إلى رعب عندما استمعت لكلماته: "اللي بيدخل حارة تايسون مبيخرجش منها غير على كفنه. شوفي بقى اللي بيدخل بيته؟ باقي كلامك مش هحاسبك عليه لأنك لسة معرفتنيش، لكن بعد ما تعرفيني لو لسانك طول...
ترك حديثه معلقاً وقد اصطدمت عيونه السوداء الكحيلة بنظراتها المخيفة التي تبث بالقلب الرعب بعيونها العسلية الممزوجة بالاخضرار المرتعبة وتابع: "هقصه، وصدقيني الكلمة اللي بقولها بنفذها من غير ما يرجف ليا جفن." ودون شعور منها رجف جفنها هي. بأي جحيم بالله دخلت هي؟ بأي نار ألقت نفسها فيها هي؟ بنار تايسون يا عزيزتي، بجحيم تايسون يا عزيزتي. ها هي الإجابة قد وصلت لكِ.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!