تحميل رواية «حارة تايسون» PDF
بقلم زينب سمير
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بظلمات الليل، شارع نائي بشوارع مدينة القاهرة، به عدة مباني غير مسكونة، يعمه الهدوء والسكينة. سكينة مرعبة ليست بالتي تدفئ القلب بالاطمئنان بل ترهبه أكثر، يجعلك عندما تدخل أوله تهرول لتغادره. بأحدي جانبي الطريق وقفت سيارة تضم ثلاثة رجال، طوال القامة، أقوياء الجسد تبدو على ملامحهم علامات الإجرام، يمتلكك شعور بعدم الراحة منهم والخوف عند النظر إليهم. نظر أولهم لباقيتهم وهو يردف بقلق غريب: "على واحد مثله يملك تلك القامة وهذا الجسد! الليل ليل علينا ودلوقتي مجبناش المطلوب ل البية." أردف الثاني وهو يمشط...
رواية حارة تايسون الفصل الحادي عشر 11 - بقلم زينب سمير
غريب أن تظهر الحب وبداخلك شرور العالم.
لا يعلم كيف وافق على حضورها للمشفى لرؤية والدتها، وهو الذي أقسم ألا يخرجها من عرينه إلا على قبرها. أدموعها أثرت به أم أن قلبه بدأ يتلاين تدريجياً في حضورها؟
وصلت للطابق المنشود، الموجود به غرفة والدتها. لم تعلم أي غرفة هي، لكن تجمع بعض الأقارب حول باب إحدى الغرف أعلمها أنها هي المنشودة.
توجهت لهم سريعاً وقد بدأت الدموع تتجمع في عيونها. ما إن وصلت، تلقفتها يد زوجة عمها تحتضنها بحب ناطقة:
"وعد حبيبتي."
كانت تلك هي أم سامح، الفرع الطيب بعائلة مليئة بالخبث والشرور التي تجتهد في تخبيئتها. جميعهم لا يطيقون بعضهم البعض لكنهم يظهرون العكس. كانت أم سامح وابنها ثم زوجها هم ورقة الخير الوحيدة الموجودة بشجرة العائلة بعد ورقة أسرة نصري بالطبع.
سألتها وعد ببكاء:
"ماما كويسة يا طنط؟"
اشتدت من احتضانها لها وهي تجيبها في محاولة منها بأن تطمئنها:
"كويسة والله يا حبيبتي، لسة واخدة الدوا ونايمة على طول."
صمتت، ولكن صمتها لم يدم طويلاً حيث عادت تهتف بدموع:
"كانت بتسأل عليكي يا حبيبتي."
ازدادت الدموع حتى غشت عيونها بالكامل. طالعت تايسون الواقف بعيداً ببرود بنظرات حزينة متوجعة. وجعت قلبه عليها وتألم من شرور نفسه التي أوصلتها لتلك الحالة. ولأول مرة يحزن من نفسه.
دخلت لغرفة والدتها، وجدتها متسطحة على الفراش يظهر عليها الإرهاق ملياً. تدفقت الدموع في عيونها بغزارة أكثر وهي ترى والدتها بهذا الضعف. سارت حتى وصلت لها، أمسكت يدها بحنان واشتياق هامسة:
"ماما أنا جيت."
كان مفعول المنوم الموجود بالدواء كبيراً، لذا كان من المستحيل أن تستيقظ نشوى بذلك الوقت أبداً. ظلت تتلمس يدها ووجهها بحب واشتياق لعله يخف وهي تراها أمام نصب عيونها الآن. تريد أن تشبع منها حتى إذا اختفت وغادرت تكون قد قتلت بعض من الاشتياق نحوها.
كان واقفاً ورائها، ينظر لساعته كل دقيقتين ربما. مر بعض الوقت وبعده لم يستطع أن ينتظر أكثر، فهتف بجدية:
"يلا علشان نمشي."
قالت بدموع ورجاء:
"أرجوك خلينا شوية."
لم يتأثر بها، بل تابع بقسوة:
"متعاندنيش وامشي يلا، بدل ما تبقى دي آخر زيارة."
خافت من أن يحقق تهديده هذا، فنهضت فوراً لتغادر معه. بعدما قبلت كفي والدتها بحب، خرجا من باب الغرفة فوجدا رامز قد أتى. عندما رآها، اقترب منها بابتسامة ناطقاً:
"وعد حبيبتي، انتي جيتي؟"
كاد يلمس وجنتيها إلا أن يد تايسون الذي أمسكت ذراعيه منعته من فعل ذلك. طالعه رامز بغضب، لكن الآخر لم يتأثر. صرح رامز بضيق:
"على فكرة هي خطيبتي."
تايسون بملامح جامدة مجيباً عليه:
"وبقيت مراتي."
رامز بعنف وهو ينزع يده من بين يدي تايسون:
"هتطلقها."
دخل نصري هاتفا باشمئزاز من رامز نتيجة لما علمه حديثاً عنه:
"مفيش طلاق وهي بقيت مراته يارامز، ياريت تنسى وعد."
طالعت وعد والدها بذهول من تحوله. بينما أردف رامز مصدوماً:
"انت بتقول إيه يا عمي؟"
نصري:
"بقولك اللي لازم يتقال. جواز تايسون ووعد أنا راضي عنه وفرحهم هيكون في حارة تايسون بعد ما نشوى تفوق."
نظر لتايسون يسأله:
"مش صح يابني؟"
أومأ بنعم بملامح غير مقروءة. فتابع نصري:
"تقدر تاخد مراتك دلوقتي وتمشي."
بعدما غادرا، توجهت جميع العيون لنصري تناظره بعدم تصديق لحديثه. هتف رامز بغضب جلي:
"إزاي يعني يا عمي أنساها، وعد خطيبتي و...."
قاطعه نصري:
"اللي عندي قولته. تايسون هتكون في أمان مع جوزها أكتر منك."
شعر كأنه بتر كرامته، فأزداد غضبه صارخاً:
"يعني هي مش هتكون في أمان معايا، وهتكون في أمان بين إيدين قتال قتلة!"
نظر نصري له في قلب عينيه، قائلاً بصوت جامد:
"على الأقل بيظهر بوشه الحقيقي مش بيتلون زي ناس، بتعمل نفسها ملاك وهي شيطانة."
تزعزعت نظرات رامز وزاغت عينيه، وهو يشعر أن الحديث له هو. للحظة شك أن نصري يقصده هو بحديثه. أيعقل أن يكون فعلاً يقصده؟
هتف والدك سامح:
"بس يانصري برضوا غلط الجوازة تحصل بالطريقة دي."
نصري بهدوء:
"البنت موافقة وأنا موافق، فمبقاش مهم حاجة تانية."
على بداية مشارف الحارة بدأت هي تنظر لكل ما حولها باهتمام. ظنت أن المنازل ستكون من طين صغيرة الحجم ويظهر عليها الفقر. لكنها وجدت العكس. كانت لأول مرة ترى الحارة من الداخل. فعندما دخلت كانت مغيبة عن الوعي وتلك أول مرة تخرج من بيت تايسون. في طريق الذهاب كانت حزينة وقلقة على والدتها فلم تهتم بالنظر للحارة، لكنها بعدما اطمئنت عليها.. راحت تنظر الآن لها بتوسع. المنازل حجمها متوسط يفي بالغرض، ملونة جميعاً بألوان وأشكال رائعة وكأن من يلونها دارس للفنون الجميلة. شوارع الحارة نظيفة بها محال لبيع الأطعمة السريعة الغالية.
عيونها كانت تتوسع تدريجياً نتيجة لما ترى من أشياء عجيبة أمامها. فاقت على صوته:
"في حارة تايسون هتلاقي كل حاجة غير."
نظرت له هاتفة بصدق:
"دي مش حارة، دا كمبوند على الطريقة النوبية."
فالألوان والأشكال المتلونة بها المنازل كانت بجمال بيوت النوبة. أردف ضاحكاً:
"مش للدرجة."
وعد بتساؤل مهتم:
"بس ليه الحارة ليها بوابة؟"
تايسون بملامح عادت للجمود مرة أخرى:
"علشان الحارة دي ملك تايسون وتحت حكمه وكل حاجة فيها لازم تمشي على مزاجه."
وعد قائلة في محاولة منها لفهم ما يحدث حولها:
"انت إزاي بقيت كبير الحارة، يعني هي توارث ولا هما اختاروك ولا إيه؟"
أجاب ببسمة أخافتها:
"أخدتها بالغصب، بوضع الإيد، كنت عايزها فمحدش قدر يعمل حاجة علشان ياخدها مني."
خافت حتى أنها انكمشت في مقعدها بخوف منه. فعينيه بدأت تطلق شرارات من السواد بدت لها غريبة ومخيفة في آن واحد.
وصلت السيارة للمنزل أخيراً. هبطت من السيارة بعدما فتح لها الباب وسارت بخطواتها نحو الباب الداخلي للمنزل. وضع يده على خصرها ليجعلها تساير خطواته. حاولت أن تبعد يده إلا أنها لم تستطع، فلم تحاول مرة أخرى. ضغط على جرس الباب فمرت لحظات قبل أن تطل علا فاتحة الباب لهم. عندما رأت حصاره لخصرها تغيرت تعابير وجهها للحنق وقد لاحظت ذلك وعد، لكنها قررت أن تتجاهل تلك التعابير فهي ليست فارغة لها الآن تحديداً.
قالت علا لتايسون مرحبة:
"نورت ياتايسون بيه."
لم يهتم ليجيب عليها، بل قال آمراً إياها وهو مازال يساير وعد بجواره:
"خلي أم السعد تجهز الغدا."
"أمرك يا بيه."
دخلت غرفة المكتب وهي معه. أشار لها لتجلس على أريكة وجلس هو على مقعد مقابل لتلك الأريكة. فعلت ما أمر به، فقال هو:
"نتكلم جد بقى."
أومأت وهي تنظر له باهتمام فتابع:
"أنا مكنتش حاطط في بالي أمر عيلتك دا وإنهم هيوصلوا ليكي، لكن ما دام حصل فخلاص. جوازنا هيكمل وكأن مفيش حاجة، بخلاف حاجة واحدة هتتغير وإنك هتروحي تزوريهم كل فترة حسب مزاجي أنا."
وعد بضيق:
"انت ليه بتتكلم بسهولة كدا وكأني موافقة على الجواز دا من كل قلبي."
نطق ببرود:
"جوازك مني بقى أمر واقع هيتحقق.. هيتحقق، حاولي تتعودي عليه عشان متتعبيش."
تذكرت كلام علا لها فجأة، فبادرت:
"انت فعلاً عايزني مراتك ولا في الآخر هتعمل زي ما بتعمل مع غيري؟"
تايسون ببرود:
"وأنا بعمل إيه مع غيري؟"
وعد بتوتر:
"بتصفي أعضائهم."
ابتسم ابتسامة مخيفة وهو يقف عن مقعده. اقترب منها ومال نحوها قليلاً حتى وصل لوجهها و:
"وأنا لو عايز أصفي أعضاءك معملتش كدا من الأول ليه؟"
نطقت بتساؤل وتخمين:
"عجبتك؟"
أومأ بالنفي. ومازالت عيونه تناظرها فتابعت:
"خفت؟"
رد بملامح جامدة:
"تايسون مبخافش من حد."
"اومال ليه مصفتش؟"
نطق بنفس تسرع المرة الفائتة معترفاً:
"علشان حبيتك."
وبالمرة الأولى عندما اعترف تجاهلت الأمر، هل ستفعل تلك المرة أيضاً وتتجاهل؟
لم تستطع أن تتجاهل وعيونه تحاصرها من كل مكان. قالت بملامح مرتبكة:
"معتقدش إنك تعرف تحب."
ابتسم بألم فجأة ظهر في عيونه. تعجبت من نظراته المتألمة وذلك الوجع القابع فيها. خرج صوته بحديث غريب:
"مفيش حد بيتولد شيطان، كلنا بنتولد ملايكة بنشع نور، بس فيه اللي بيخلينا نتحول ونبقى بالشكل اللي إنتي شيفاه ده."
نطقت بتساؤل حزين:
"انت وراك إيه؟"
أجاب على الفور:
"ورايا دم، مش هموت غير لما آخد حق الناس اللي اتدهرت دمهم دي."
"من مين؟"
"من كل واحد ملهوش ذنب، شاف دمهم ومفكرش يقرب عشان خاف."
وعد بعد فهم:
"أنا مش فاهمة حاجة."
"ولا هتفهمي، لأني بنتقم من الخير عشان أثبت الشر."
تشوش عقلها من حديثه الغير مفهوم بالمرة. حاولت أن تفك شفرة الحديث لكن لم تستطع. ما علمته أنه ينتقم، وما علمته أيضاً أنه لا ينتقم من المذنبين بل من الصامتين، الذين دوماً ما يرون الشر ويصمتون عنه.
آكلت علا غرفة المطبخ ذهاباً ومجيئاً بغيظ. يزداد كلما تتذكر محاصرة يده لخصر تلك الفتاة. لا تعلم كيف لفتاة أن تغير مبادئه، تجعله من كاره للنساء لـ مجنون لتلك الفتاة. معروف بعرفانه أنه لا يحب، لا يهتم بأطفال وما يشابه، معروف أنه جبروت وفقط. لا زواج موجود بلائحة حياته ولا حب. ما الذي حدث فجأة وغير كيانه؟ ما الذي بتلك الفتاة جعله يتوب عن العزوبية ويقترب من الزواج والحب؟
هتفت أم السعد وهي تراقب احتراقها الداخلي:
"طلعي الأكل على السفرة وبعدين ابقي موتي بكيدك يا علا."
نظرت لها بكرة ولم ترد، بينما بدأت في أخذ الصحن التي ملأتها أم السعد والخروج بها نحو غرفة السفرة. وجدته جالساً على المقعد الرئيسي والأخرى سكنت على المجاور له تماماً على يده اليمين. عندما لمحت وعد.. علا اقتربت من تايسون وبدأت بالتدلل عليه. ففي قانون النساء اقترب من مَن لا تحب لتغيظ مَن لا تطيقه.
ابتسم تايسون بخفاء وهو يراقب حركاتها ونظرات عيونها المتجهة نحو علا واندامج معها. استغل الفرصة كذلك واقترب من وجنتها خاطفاً قبلة منها. شهقت وهي تناظره بذهول فقال بصوت خافت كي لا تسمعهم علا التي كادت أن تحترق من الداخل:
"لما تحبي تغيظي حد متخدنيش كوبري عشان ما استغلش الوضع وأنا كمان آخده كوبري وأعمل حاجات كتير هموت وأعملها."
ابتعدت وهي تضربه على كتفه هاتفة بغيظ:
"مش محترم."
تايسون بحاجبين مترافعان بمرح:
"إنتي لو عرفاني كويس هتعرفي إن الاحترام بيمشي في طريق وأنا في آخر."
وتد بخفوت:
"ما هو باين."
اقترب منها هامساً بخفوت:
"المهم مش يلا علشان نجيب العيل، أنا استنيت بما يفوق صبري."
احمرت وجنتها وهي تؤمي بالنفي و:
"يوم الفرح."
رفع حاجبه:
"دي حجة جديدة بقيت."
أومأت بالنفي وهي ترجوه بعينيها أن يوافق.
فتنهد وهو يقول على مضض:
"ده آخر معاد.. سامعة."
أومأت بنعم وهي تشعر بالسعادة لتأخر الأمر قليلاً بعد.
لكنه لن يتأخر أكثر من ذلك يا وعد. أخبركِ كي لا تضعي آمالاً ستذهب هباءً يوم الزواج.
رواية حارة تايسون الفصل الثاني عشر 12 - بقلم زينب سمير
مـرت الايام حتي انتهت فترة شفاء نشوي علي خير ، باتت افضل واكثر قوة، ربما سعادتها برجوع ابنتها فعلت ذلك!
قرر تايسون ان حفل الزواج سيكون الغد ومنذ صباح هذا اليوم والدنيا مقلوبة رأسا علي عقب في الحارة.
مـي التي جاءت لتحضر معها مراسم الزواج:
- لسة زعلانة يا وعـد من حكاية جوازك دي .. صح؟
كانت منتظرة الاجابة بنعم، لكن الاجابة كانت النفي من قبل وعـد التي قالت بأستغراب من نفسها ومن كل كلمة ستقولها الان:
- هتصدقيني لو قولتلك مبقتش زعلانة!
ضيقت مي ما بين حاجبيها بتعجب و:
- يعني انتي مبسوطة علشان سيبتي ظابط محترم وهتتجوزي قتال قتلة
جلست وعـد علي فراشها وتسطحت عليه براحة ثم خرج صوتها قائلا:
- لو سيبنا حكاية الشغل الخارجي اللي ان شاء الله هعمل المستحيل علشان اغيره ، هيتبقي طريقة تعامل الاتنين معايا ، رامز كان مصطنع في مشاعر الرومانسية ، كان بيقول كلام هو مش عارفة ، علي اساس اني كدا هحبه اكتر ، مفكر ان البنات بتموت في المحن ، كان بيفضل يقول انا امانك .. انا سـنـدك ولا كنت بشوف دليل علي كدا ، تايسون غيـر .. هو بارد وغلس ورخم وقليل الادب و.....
مي هاتفة بزهول:
- و اية ؟ هو لسة في تاني! لما كل دا فيه .. اومال حلو في اية؟
وعـد بنبرة هائمة وهي تأخذ إحدي الوسادات في احضانها:
- حلوة ضحكته اللي تحسي هموم العالم كله بتحاول متخلهاش تظهر لـ النور ، حلو لما يتخلي عن قسوته الظاهرية ويورينا وشه اللي بيحاول يخفيه ، فضل يقول مستحيل تطلعي من هنا غير جثة و .. و ، لما عرف ان ماما تعبانة كان اول واحد مقرر انه هيخليني اشوفها ، حلو انه مهما كان قاسي بس حنيته نقطة ضعفه
مـي محذرة اياها من السقوط في حبه اكثر:
- طيب متقعيش في حبه اكتر وتنسي انه قتال قتلة
اعتدلت في جلستها و:
- بس انا مبحبوش ..
مـي بنبرة ساخرة:
- باشيخة!
. . .
- بكرة ياباشا
قالها جعفر بزهول لـ سيده ' تايسون ' الذي اؤما ايجابا بملامح باردة و:
- محدش هيصدق ان في حد ممكن يخطف يوم فرحه ، وبكدا نكون برة الحكاية خالص وبرة دايرة الشـك علي الاقل المرة دي
جعفر بتردد:
- بس خمس روس كتير اوي
تايسون بملامح جامدة:
- كدا .. كدا هيجوا .. هيجوا ، فنجيبهم كلهم سوا احسن
جعفر:
- هنحطهم فين؟
تايسون بملامح عادية كأنه يتحدث عن بضائع غذائية:
- حطهم في المكان المعتاد .. المخزن اللي في اخر الحارة
اؤما بحسنا وغادر.
بينما بقي تايسون ينظر الي ما حوله بملامح لا حول لها.
. . .
كانت نيران الحقد تصل لزورتها في قلب عـلا وهي تري التجهيزات التي لم تشمل منزل تايسون فقط ، بل وصلت الي كافة انحاء الحارة ، رأت سعادة الجميع بما منحهم تايسون من اشياء فرحا بحفل زفافه ، ضغطت علي اسنانها بغل وهي تنظر من شرفة منزلها لكامل الحارة التي باتت اشكال الزينة تغمرها.
قالت صديقتها هويدا وهي تربت علي كتفها:
- متزعليش نفسك ياعـلا ، انتي كنتي عارفة ان دا هيحصل
علا بحزن ممزوج بغل من وعـد .. عروسه المصون:
- بس كنت حاطة في بالي اني انا اللي هكون عروسته
هويدا بتعجب من ثقتها بالامر:
- ودا من اي جهة؟
عـلا:
- علي اساس انه ميعرفش بنات حارتنا شكلهم اية ويوم ما هيقع اختياره علي حد كان هيبقي انا علشان انا البنت الوحيدة اللي بيشوفها
هويدا:
- واهو شاف غيرك واتجوزها .. ننساه بقي
عـلا بملامح تقطر وجعا وحزنا:
- ننساه .. اكيد هننساه ياهويدا
عادت تتطلع لـ الامام بملامح مكفهرة مرة اخري ، ظلت هويدا تناظرها بحزن عليها ولكن لم تنتظر قليلا ، فلحظات وكانت تعتذر لتغادرها ، فهي عليها ان تتجهز لتحضر حفل الزفاف ، فـ مَن الغبي الذي سيفوت حفلا ك هذا؟
اثناء خروجها من المنزل كان جعفر يدخل نظرت للارض بخجل عندما لمحته بيما سألها هو مبتسما:
- اخبارك اية ياهويدا
هويدا بنبرة خافتة بالكاد تُسمع:
- الحمدلله ياجعفر بخير
جعفر بنفس ابتسامته:
- دايما يارب
بادلته ابتسامة هادية وغادرت ، بينما بقي بصره ناظرا لها وهي تختفي بعيون لامعة سرعان ما اختفت لمعتها وهو يهمس بأسي لنفسه:
- انسي ياجعفر ، متخليش حد يدخل دايرة الشـر معاك ياجعفر .. الدايرة دي ليك انت وبس.
. . .
ما قالته وعـد منذ قليل لـ مي كان نابع من قلبها الذي وجدته يتأثر تدريجيا بذلك الـ تايسون ، يحن له ويُعجب به ايضا ، فطوال الاسبوع الماضي لم يكن يتعامل بحدة ابدا ، كان يعاملها برفق ويضحك معها طويلا ، لدرجة انها اعترفت ان ضحكته تعادل نصف وسامتها هي.
السياسة التي اخذها معها جعلته تقع في حبه دون شعور ، متجاهلة كونه قاتل ومتجاهلة كونها ممكن ان تُقتل في اي لحظة ، فـ لـ الغرابة شعور الامان بات يغمرها بين جدران منزله ولم تعد تشعر بالخوف منها.
يبدو ... انها جنت!!
هتف نصري لإحدي رجاله:
- جبتلي معلومات عن جاسر الصاوي؟
الرجل بملامح هادئة:
- جبتلك معلومات عنه وجبت معلومات عن عيلة الصاوي بس يانهار اسود ياباشا لو كان جاسر من عيلة الصاوي اللي انا جايب عنها معلومات دي
نطق نصري متعجبا:
- لية ، اية اللي هيحصل يعني ، وانتي تقصد انهي عيلة صاوي؟
الرجل بقلق:
- مش هنشوف خير من واحد شاف اعضاء اخوه بتتشال من جسمه وهو يدوب عنده سـت سنين
نطق نصري برعشة خوف .. قوية:
- اوعي تقولي انك تقصدي القضية اياها؟
اؤما بنعم و:
- هي يابية فاروق الصاوي واولاده
اخذ منه الاوارق التي بين يديه بملامح مرتعشة وبدأ في قرأتها بشفاة ترتجب خوفا ... .
. .
وقف امام إحدي الشقق الموجودة بوسط البلد وطرق الباب ، لحظات وفتحت له الخادمة التي راحت ترحب به بحفاوة لمعرفتها الشديدة به ، دخل وهو يسأل:
- فوزية هانم نايمة ولا صاحية ياام خالد
أجابته:
- جوه صاحية ياجاسر بية
توجه لغرفتها وطرق الباب ، سمحت لـ الطارق بالدخول فـ دخل هو وعلي وجهه بسمة هادئة ، تحولت ملامح وجهها لـ الجمود وهي تراه امامها ، دخل وهو يهتف بمرح:
- نانا زعلانة لية
زمت شفتيها وهي تجيبه:
- علي اساس انك مش عارف
ابتسم وهو يجلس علي فراشها بحوارها ، مال ليقبل جبينها و:
- عارف بس بستعبط
نطقت بحزن جلي عليه:
- يابني انا قلبي عليك ، ليه ماسك في نار الدنيا اللي هتوصلك لنار اخرتها ، سيب حقنا في الارض وربنا هيجيبهولنا في الاخرة
نطق بملامح جامدة عادت له بعدما غاب المرح عن وجهه:
- يرضيكي اعيش عمري كله ونار الدنيا جوايا انا بس وبتحرقني؟
فوزية بآلم:
- ميرصنيش بس ميرضنيش اشوفك بتقتل ارواح كلها هتبقي في رقبتك يوم القيامة
جاسر بملامح شرسة:
- هما اللي بدأوا .. واللي بدأ يستحمل نتيجة غلطه
فوزية:
- طيب لما هما اللي مفروض يشوفوا نتيجة غلطهم بتقتل حبايبهم لية؟
جاسر بوجع:
- علشان هما لما حبوا يكسروا ابويا ، اختاروا اكتر ناس بيحبهم علشان يؤذوه فيه
القي نفسه في احضانها هاتفا بشهقة بكاء مفاجأة:
- خطفوني انا واخويا .. صوت صراخ كريم لسة في ودني بسمعه ، حتي البنج ممنعوش يصرخ ، اللي خلاه يصرخ ربنا ، علشان كان عايزني اسمع صراخه ومنسهوش طول عمري ، علشان كل ما اندم علي اللي عملته افتكر وجعه ، استخصروا يحطوا له بنج زي الناس ، كأنه حيوان ، شفت قلبه بين ايديهك بينبض ، شفته والله
قالها بأنهيار كبير ، فـ لم تتحمل ان تكون اكثر قسوة عليه ، بل شددت من احتوائها له وهي تدمع بحزن عليه وعلي عائلة الصاوي التي انتهي زمن لمعانها منذ زمن ، وتورات جميع افرادها اسفل التراب عداه هو .. جاسر الصاوي المنتقم.
. . .
علي وقت العصرية عاد تايسون لـ الحارة ومعه مغلف كحلي اللون ، صعد به الي غرفتها وطرق الباب ، فتحت مي الباب وعندما رأته ابتسمت وهي توسع له المكان وتتركهم وتغادر الغرفة كليا ، دخل عليها فوجدها تقوم بـ كـي خصلات شعرها بمكواه الشعر.
ابتسم لها وهو يترك المغلف علي الفراش و:
- شعرك مش محتاج علي فكرة
ابتسمت وهي تجيبه:
- برضوا الاحتياط واجب
غمز لها بعينيه و:
- شكلك بتجهزي لـ ليلة انهاردة ياعروسة
خجلت ملامحها ما ان نطق كلمته وهتفت بخفوت:
- انت مش محترم
نطق بتلـذذ:
- عارف
نظرت بطرف عينيها لـ المغلف وقالت بفضول:
- اية دا؟
اجاب بنبرة هادئة .. غريبة:
- فستان فرحك ياعروسة
اقتربت من الفستان وقامت بفتحه بلهفة ، لكن سرعان ما تبدلت اللهفة بالزهول وهي تنطق:
- اية دا؟
اجاب ببرود:
- فستان
وعـد:
- اسود .. في فستان فرح يبقي لونه اسود
نطق بنبرة خافتة لم تصل لها:
- علشان يكون شبة لون حياتك الجاية معايا يا.... عروسة.
رواية حارة تايسون الفصل الثالث عشر 13 - بقلم زينب سمير
طال شروده وهو ينظر لها وقد ارتسمت على وجهه بسمة غير مفهومة لها بالمرة.
نظرت له بتعجب من نظراته لها وللفستان الذي بين يديها.
لا تنكر أن الفستان نال على إعجابها رغم سواده.
نادت عليه لتسأله:
- تايسون، أنت جايبه لي ليه أسود؟
أخيرًا فاق من شروده، خرج صوته الرجولي قائلاً:
- أنا شايفك مجنونة وبتحبي التجدد، فقلت أجيبه لك أسود وتتجنني فيه دا كمان.
أعجبتها كلماته وأفكاره، فاحتضنت الفستان لها وهي تهتف:
- تصدق فكرة حلوة!
ابتسم لها بنظرات رغم عنه كانت حنونة ولامعة.
نظرت له فرأت تلك النظرات، فبقيت تطالعه ببسمة سعادة كبيرة مرتسمة على وجهها، وهي تشعر بدقات قلبها تتعالى تدريجيًا بحب له.
وكلما زادت لمعة عينيها ولين نظراتها، كانت تتسع بسمته تدريجيًا.
فاق أخيرًا من حالته تلك، فتنحنح قائلاً قبل أن يغادر الغرفة:
- هسيبك بقى عشان تجهزي يا عروسة.
وتركها تقفز في مكانها بسعادة عليا لأنها ستتزوج به بعد قليل.
مع ارتفاع أذان المغرب، كانت الأصوات بدأت تعلو حول منزل تايسون والأرجل بدأت تتوافد على المكان.
ما إن خفت صوت الأذان الخاشع، حتى بدأت ترتفع الزغاريد من سيدات الحارة والأغاني.
الجميع كان يتراقص بسعادة.
بينما يتم توزيع المسليات عليهم والهدايا.
كانت الهدايا تزيد من سعادتهم أضعافًا.
وصلت أخيرًا نشوى لمقر المنزل، أخذتها أم السعد لغرفة ابنتها.
فتحت الباب دون طرق ودخلت بلهفة.
عندما لمحتها وعد تركت طاولة الزينة واقتربت منها لتحتضنها.
ما إن ضمتها، حتى علا صوت بكاء الاثنتين.
ونشوى تقوم بتقبيل كل ما يطولها من وجه ابنتها وهي تهتف:
- حبيبتي، وحشتيني يا عمري، وحشتيني يا روحي.
وكلمات كثيرة من ذلك القبيل.
لم تبتعد عنها بسهولة قط، بل طال الحضن ربما إلى مدة العشر دقائق.
حتى فرقتهما مي من أحضان بعضهما وهي تهتف بمرح:
- كفاية كآبة يا وعد وعياط، المكياج باظ.
ضمت نشوى وجه ابنتها بين يديها وهي تهمس بحب:
- برضه لسه حلوة من غير حاجة.
ابتسمت وعد لوالدتها وعادت تحتضنها باشتياق بالغ، وقد ترقرق الدمع في عينيها من جديد.
كان الجميع على علم مسبق بأنه تم كتب الكتاب، فلا حاجة للانتظار أكثر.
لذا، على الساعة السابعة مساءً تقريبًا، طرق تايسون على باب غرفتها ودخل.
وقعت عيناه عليها فتوقفت خطواته عن السير.
فتح فمه مشدوهًا من جمالها، حيث ارتدت فستانها الأسود الأنيق الذي كان يغطي جسدها كله.
ورغم ذلك كان فائق الجمال عليها.
صففت خصلاتها القصيرة ووضعت مشبكًا ماسيًا على جانبه، فكان مظهرها ما بين الطفولة والجمال.
ظل شارداً إلى أمد بعيد، يحاول أن يستوعب أن تلك الساحرة التي أمامه هي زوجته حقًا.
عندما طال تطلعه، زاد احمرار خديها.
ابتسمت بخجل وهي تنظر للأرض.
تركتهم مي واستأذنت لتغادرهم، هي وتتركهم على راحتهما.
اقترب منها بخطوات بطيئة، ما زالت تؤثر عليها شدة جمالها.
وعندما وصل، رفع كفه ليتلمس وجنتيها.
ارتعشت بين يديه بخجل بيّن، بينما خرج صوته هامسًا بحرارة:
- أنتي أجمل من الجمال يا وعد.
رمشت بعينيها عدة مرات بكسوف.
فقال وهو يمرر يده على سائر وجهها:
- أنا بقول نلغي الفرح.
وغمز لها بعينيه.
فقالت برجاء:
- لا، أرجوك، أنا عايزة أنزل.
أومأ بالنفي وهو يقول بعبث:
- تعالي بس معايا أوضتنا وهنعيش.
زمت شفتيها بضيق وخوف من أن يفعل ذلك.
فتبسم وهو يضع يدها بين يديه ويتجه بها صوب باب الغرفة.
- مش هنزعلك يا وعدي، وهننزل يا ستي.
قالت بتساؤل:
- أنت ليه بتقول وعدي؟
أجاب ببساطة:
- عشان انتي وعدي.
حديقة المنزل الكبيرة كانت مقسمة لنصفين، أحدهم خاص بالرجال والآخر للسيدات.
يفصل بينهم ممر طويل، على نهايته كان يوجد مقعدين مزينين خاصين بالعروسين.
كانت هناك أضواء تلف المكان أجمعه، والطاولات عليها أغطية زرقاء اللون جميلة.
"كوشة" العروسين كذلك كانت بها نقوشات زرقاء.
عندما طلت من بوابة المنزل، توسعت عيون الناس زهولاً من طلتها.
فستان أسود؟ هل ترتدي أحدهم فستانًا أسود يوم زفافها؟ أي تشاؤم هذا بالله؟
نطق نصري بزهول وهو ينظر لابنته:
- إيه اللي بنتك لابساها دا يا نشوى؟
نطقت نشوى بسعادة:
- فستان أسود، تصدق حلو وفكرة مجنونة.
تدخل سامح بضحك:
- والله يا مرات عمي، أنتي غريبة.
نشوى براحة:
- ما دام بنتي فرحانة في أي حاجة، يبقى أنا فرحانة. وبعدين ماله الأسود؟ ما مخلياها منورة أهي.
على الناحية الأخرى.. همست وعد لتايسون بضحك:
- الناس من الصدمة.
ابتسم وهو يوافقها رأيه.
- أصلهم أول مرة يشوفوا عروسة لابسة أسود.
طالعته بنظرات ذات معنى وهي تغمغم:
- وهو مين السبب؟
مال ناحيتها وقبل إحدى وجنتيها.
- خلاص، متزعليش يا وعدي.
شهقت بقوة من أثر فعلته وطالعته بنظرات محذرة.
ابتسم لها بلامبالاة مصطنعة وهو يعاود النظر للأمام بحثًا عن جعفر.
وجده بعد قليل، فتم تواصل بصري بينهم قصير، ثم اختفى جعفر عن الساحة.
كان عقل نصري مشوشًا وهو يحاول أن يربط الخطوط ببعضها، لعله يصل لشيء.
ينظر أمامه لابنته وزوجها وسعادتهما، بعقل شارد في أمر جاسر الصاوي وعائلة الصاوي.
حتى الآن لا يعرف أهناك علاقة تجمع بين الاثنين فعلاً أم لا؟
وإن كان.. فهل فعلاً جاسر يعرف بتلك الحكاية؟
إن كان يعلم، فحتماً ما يحدث الآن ليس من تدابير القدر وفقط، بل ممزوج أيضًا بتخطيط ذلك الـ تايسون.
حقًا بات تائهًا، أأخرج ابنته من جوف رامز ليضعها في جوف المخاطر؟!
على جانب آخر.. بعيدًا عنهم كليًا.. بوسط البلد..
هتفت السيدة فوزية وهي تتطلع للسماء بعين حزينة، رافعة يدها للسماء تشكو لربها وتدعو قائلة:
- يارب، أنا أكتر واحدة عارفة حفيدي ووجع قلبه وناره. متحرقوش بنار الكره يا رب، وفوقه منها. انتقم منهم من غير ما يرتكب هو حاجة يا رب، وسامحه. هو بيعمل كدا عشان حرقته على عيلة مقدرش يحس بحنانهم يا رب، خطفوهم من بين إيده، فماتخطفوش من الجنة يا رب. فوقه قبل فوات الأوان يا رب.
ولعل الله يستجيب لدعائها يومًا.. لعل!
أتذكرون تلك السيدة التي عملت وعد على إعفاء زوجها من الديون؟
ها هي تقترب من وعد، وبعينيها نظرات الامتنان.
لم تتذكرها وعد عندما نظرت لوجهها، لكن السيدة لم تُمحَ من ذاكرتها صورة تلك الفتاة أبدًا.
هتفت وهي تضم يد وعد بين يديها هاتفة بشكر:
- مش نسيالك معروفك أبداً.
لحظات كانت تطالعها وعد ببلاهة، حتى تذكرتها، فربتت على يدها.
- أي حد غيري كان هيعمل نفس اللي أنا عملته.
طالعت السيدة تايسون وهي تردف:
- ربنا يخلهالك يا تايسون بيه، ويبعد عنها الشر ويقربلها الخير يا رب. معروفها مش هنساه أبداً، ولو في يوم طلبت رقبتي، فرقبتي سدادة.
ونظرات تايسون التي كانت في ذلك اليوم جامدة.. الآن طالعتها ببسمة هادئة وهو يؤمن على دعائها بخفوت.
ماذا جرى له؟ أغيره الحب؟ أم أنه شارد في ملكوت آخر!
دخل أربعة رجال من رجال تايسون لمخزن الحارة وبيدهم أربعة أطفال في سنون مختلفة، مربوطين الأيدي وعلى أفواههم لاصقات لتمنع صرخاتهم عن الخروج، وعلى وجوههم أغطية سوداء.
هتف جعفر يأمر أربعتهم:
- دخلوهم الأوضة دي واقفلوا عليهم كويس، وتأكدوا إن مفيش صوت هيطلع منهم.
قال أحدهم:
- يعني نقتلهم يا باشا؟
جعفر بصراخ فيه:
- لا يا غبي، اتأكدوا بس إنهم ميعرفوش يصرخوا عشان ميفضحوناش، لكن القتل فمش دا وقته خالص.
أومأ بتفهم وخشوع، ودخلوا إلى إحدى الغرف ورصوا الأربعة بجوار بعضهم البعض.
نزعوا عنهم أغطية وجوههم، فكانوا عبارة عن ثلاث أولاد وبنت ينظرون لهم بخوف بيّن ودموع.
لكن نظراتهم لم تؤثر في الأربعة أبدًا!
انتهى الزفاف على خير بعد رقص طويل وغناء.
دخلت وعد لجناحها معه، وهو خلفها.
ظلت تتطلع للجناح بنظرات مبهورة بها، ثم نظرت له قائلة:
- جميل أوي الجناح ده يا تايسون.
هتف بنبرة غريبة عنها، وقد ارتسمت على وجهه بسمة مخيفة:
- مش بجمالك يا وعد.
رمقته بتعجب هاتفة:
- مالك يا تايسون؟
وتايسون بملامح ما زالت غريبة.. هتف:
- مفيش يا وعد تايسون، مش يلا بقى.
ونظر بعينيه لطرف الفراش.
كادت تتحدث، لكنه لم يسمع لباقي حديثها أن يخرج، حيث كان لحديثه هو بقية.
بقية كانت في غاية الحب والرومانسية، ولكن هل بعدها سيكون على نفس المنوال أم... لا؟
رواية حارة تايسون الفصل الرابع عشر 14 - بقلم زينب سمير
منزل عائلة الصاوي، يقع بمدينة القاهرة، تحديدا بوسط البلد، كان كبيرا وفخما، من أفخم المنازل تقريبا بذلك الوقت. يعود هذا لعلو مكانة فاروق الصاوي بين رجال الأعمال بذلك الحين، حيث استطاع أن يثبت اسمه بطريقة جيدة بين رجال الأعمال ويبقي من أزهى أغنياء مصر. لم يكن وحده بل انضم له ثلاثة: السيدان مجدي وعصام المنصوري وفتحي عاجور.
الساعة التاسعة ليلا بالمنزل، بمكتبه تحديدا، كان يجلس على مكتبه بين يديه عديد من الأوراق يقرأها بنظرات سريعة قبل أن يمضيها. ورقة وراء الأخرى، إلا أن هناك بعض البنود والكلمات التي توقفته. ضيق ما بين حاجبيه بعد فهم وتفكير. سرعان ما أعاد قراءة الأوراق مرة أخرى بتركيز جم، ثم أطلق صيحة غاضبة وهو يضرب بكفيه على سطح مكتبه.
ترك المكتب وتوجه لخارجه. وجد زوجته السيدة ليلي تسأله وهي تراه يتجه نحو باب المنزل:
- رايح فين يافاروق؟
قال بنبرة متعجلة لا تحمل الانتظار:
- عندي شغل ميتأجلش في الشركة.
ليلي:
- بس ياحبيبي...
قاطعها ناطقا وهو يفتح باب المنزل:
- مفيش بس ياحبيبتي، لازم أروح.
وغادرها وهي تطالعه بهدم فهم.
وصل لمقر شركته وظل يبحث عن أوراق معينة. أتى بها وبدأ بقرأتها بعيون مركزة، ثم تركها وتوجه لمكاتب شركائه تباعا. بدأ بالبحث هناك لمدة تصل لساعة في كل مكتب. بالنهاية خرج من كل مكتب وهو يضم عددا لا بأس به من الأوراق، وقد ظهرت على وجهه علامات لا تبشر بالخير أبدا.
طال يومه بغرفة مكتبه بالشركة، ورقة وراء الأخرى والصدمة كل مرة تتزايد أثرها على وجهه، وهو يرى تورط أصدقائه بأعمال غير مشروعة تُقام عن طريق شركته وهو بالتالي متورط معهم. لثقته بهم كان يمضي على بعض البنود والأوراق التي تدل على أنه موافق على مرور البضائع مهما كانت تُحمل، ما دام الجمارك موافقا على ذلك.
وماذا اكتشف بحق الله؟ اكتشف تهريب مخدرات واستلامها، تهرب أعضاء وتصفيتها واستلامها وأشياء أخرى لا تُعد ولا تُحصى.
راح جسده لـ الخلف وهو يهمس بداخله:
- ياولاد الكلب.
لم يستطع أن يغادر إلا عندما يواجههم. بالساعة الثامنة صباحا بدأت الأرجل تتوافد على المكان، عندما علموا ثلاثتهم بأنه موجود منذ الصباح الباكر جدا، كما أخبرهم الساعي. دخلوا له وملامح المرح الكاذب مرتسمة على وجوههم.
قال مجدي بمرح:
- إيه ياعم فاروق ارحم نفسك شوية الشغل مش هيطير يعنى.
نهض فاروق عن مقعده واقترب منهم هاتفا بصوته القوي:
- الشغل فعلا مش هيطير بس في رقاب انهاردة هتطير.
طالعوه بعدم فهم وشك. سأله فتحي بنبرة متشككة:
- تقصد إيه؟
أمسك الأوراق القابعة خلف ظهره والقاهم عليهم مرددا:
- اقروا دول وهتفهموا.
كل منهم أمسك بعض الأوراق وقرأها بحيرة، سرعان ما تغيرت الحيرة إلى توتر ثم إلى... غضب.
هتف عصام في محاولة منه أن يهديه:
- وإنت زعلان ليه؟
هتف بفوران دم:
- زعلان ليه؟ بتتاجروا في أرواح الناس وبتسألوا سؤال زي دا، مورطيني معاكم وبتقولولي زعلان ليه؟
قال فتحي ببرود:
- لو مش عايز من الشغل دا... بلاها، نفض الشراكة ونخلص.
فاروق بملامح جامدة:
- ما دا اللي هيحصل فعلا... بس برضوا أنا مش هسكت غير لما أوديكم في داهية.
رمقوه بقلق حاولوا اخفاءه، وقد هتف أحدهم بلامبالاة مصطنعة:
- اعمل اللي تعمله.
نظر لهم وتركهم وغادرهم مغلقا الباب خلفه بعنف.
قال عصام بقلق:
- أحسن يبلغ علينا.
مجدي بملامح مفكرة:
- لازم قبل ما يبلغ نسبقه ونكسره.
فتحي بـ شر:
- أنا هقولكم نعمل إيه...
نظروا له بفضول وقلق سائلين:
- إيه؟
فتحي:
- نهدده بالحبايب.
سكت تمام.
لم تسكت، بل مسكتش يبقي دا رزق وجه لينا.
وصل لمنزله ودخل ومازالت علامات الصدمة والغضب من ما حدث مرتسمة على وجهه. قبل أن يصعد درجات منزله وجد صوت رسالة أوقفته. أخرج هاتفه فوجدها منهم يهددوه بأحبابه إن لم يصمت. لكنه مناديا لـ الخير وباحثا عنه، واقفا ضد الشر، لذا... لم يهتم بتهديدهم.
وجد زوجته تخرج من غرفة أبنائهم. عندما وجدته اقتربت منه قائلة بلهفة:
- فاروق حبيبي إنت جيت.
ابتسم بارهاق بائن وهو يهتف بتعب:
- كان في شغل كتير لازم يخلص. هروح آخد شور وأتحرك على النيابة.
قالت بتعجب:
- نيابة؟ هتروح ليه هناك؟
قال وهو يتجه ناحية الغرفة:
- هتعرفي بعدين.
بعد ساعات قليلة كان في طريقه لـ النيابة، وعيون متربصة تراقبه. عندما علم بما يدور بخلد فاروق وإلى أين سيذهب، ضغط على زر الاتصال بأحدهم.
وقبل أن يدخل فاروق لـ النيابة، وصلت له رسالة أخرى. كاد يتجاهلها لكنه باللحظة الأخيرة قرر فتحها.
فوجد مضمونها:
" عيالك الحلوين عندنا... لسة برضوا عايز تعترف علينا؟ "
انتزع قلبه من بين أضلعه بخوف. وبقي قاب قوسين وعيونه تتحرك بحيرة بين باب النيابة وسيارته. أيقلها ويعاود المغادرة من جديد أم يدخل ويبلغ عنهم؟
لحظات وقرر إن.......
عودة إلى الحاضر.
بوقت الظهيرية فتح تايسون عينيه فوقعت عيونه عليها. ظل ينظر لها بابتسامة خفيفة على وجهه، وقد لمعت في عينيه بوادر العشق والحب لها. ليلته بالأمس معها كانت ضربا من الجنون، لم يتوقع أن يكون سعيدًا هكذا أبدًا وهي بين أحضانه وذراعيه. لكن لحظات واختفت سعادته.
وعاد الجمود لملامحه وهو يفكر بأي دربا يسير!
درب الكرة والتخطيط، أم الحب؟
ماذا يفعل معها؟
أيظل هادئًا معها ويزيق معها الحب ويعيش الحياة، أم يفر هاربًا من السعادة ويتجه إلى المشقة؟
فاق على صوتها وهي تئن بصوت خافت وهي تتحرك بالاتجاه الآخر. نسي كل ما كان يفكر فيه وهو يتجه بأصابعه نحو خصلاتها ويضعها بداخلهم ويبدأ في تخليل أصابعه فيهم بحب. بدأ عليها الراحة والاسترخاء من حركته، فاتسع مبسمه أكثر.
دقائق وطرقت أم السعد الباب. هتف بصوته الرخيم:
- عايزة إيه يا أم السعد؟
أجابته:
- أهل وعد هانم تحت يا بيه وعايزين يطمنوا عليها.
- طيب قوليلهم شوية ونازلين.
غادرت أم السعد وبقي هو، يحرك يده على طول ذراعها وهو يقول بنبرته الحنونة الخافتة:
- وعدي يا وعد.
همهمت وهي ما زالت مغلقة عيونها.
- يا وعد.
نطقت أخيرا بصوت ناعس:
- في إيه يا تايسون؟
هتف وهو يلاعب وجنتيها بيده:
- أهلك تحت وعايزين يشوفوكي.
أجابته بصوت ناعس:
- مشيهم.
قال بعبث:
- والله الود ودي أعمل دا بس للأسف هيشكوا إني قتلتك لو فعلا عملت كدا.
لم ترد وعادت لـ النوم مرة أخرى. حاول أن يفيقها لكنها لم تجيب على محاولاته. آخر ما وصل لـ أخره نهض عن مكانه وحملها على ذراعيه مرة واحدة.
صرخت وهي تحرك قدميها في الفراغ:
- بتعمل إيه يا تايسون؟
أجاب بمكر:
- هفوقك ياعيون تايسون.
توجه بها نحو حمام الجناح، أدخلها ووضعها في "البانيو"، وأشعل صنابير المياه لتبدأ بملء "البانيو" بالماء.
شهقت بفزع عندما شعرت بالماء يغمرها. نظرت له وهتفت بعتاب:
- المية ساقعة ياتايسون.
ربما حركت في قلبه شيئا! حيث لحظات وكان يدخل معها هو أيضا إلى "البانيو". قام باحتضانها وهو يردف:
- أنا آسف ياعيون تايسون.
ابتسمت له واقترب هو مقبلًا خصلات شعرها. كان يتعامل برومانسية وهدوء يشبهان لتعامله معها قبل أسبوع مضى، طوال الفترة التي كانت تسبق الزفاف، حيث كان تعامله راقيًا إلى حد كبير جعلها تصفو له. والآن مع تعامله هذا تشعر وكأنها ليست فقط تصفو وتعجب به... بل بدأت في أن تحبه!
ظل يداعبها قليلا ويتضاحكان معا. كانت تخرج ضحكاتها من القلب أثر أفعاله، فيبقى هو يراقب ضحكتها الآسرة بعيون لامعة بالحب ونابضة بالسعادة. لكن صرخ فجأة وكأنه تذكر شيئا:
- أهلك يا وعد.
طالعته بعدم فهم، فقال موضحا حديثه:
- أهلك بقالهم ساعة تحت.
انتفضت لتغادر "البانيو" وهي تقول:
- حرام عليك ياتايسون وجاي تقولي دلوقتي!
وتركت الحمام وتوجهت إلى الخارج لترتدي ملابسها.
وبقي هو ينظر لمكان اختفائها بشرود. كانت خطته في البداية أن يعاملها بعنف كي يحزن قلب والدها عليها عندما يعلم ما كانت تعانيه ابنته على يده. لكنه غير خطته بالاسبوع الفائت وقرر أن يعاملها بلطف حتى تتعلق به وعندما يهجرها تتألم، فيتألم والدها على تألمها. وهذا ما بدأ بتنفيذه... لكنه وجد نفسه يتعلق بها قبل أن يعلقها به أيضا، ويحبها قبل أن تحبه حتى. وجد نفسه يغضب عندما يفكر في فكرة البعد عنها.
وما الحل؟
الآن ما الحل بالله؟
يختار سعادته أم يختار السير في طريق انتقامه؟
بعد قليل.
هبطت وهو بجوارها، يده ملتفة حول خصرها بتملك واضح. ولم تكن كالماضي حزينة من مسكته بل كانت سعيدة! اقتربت من تجمعهم وبدأت السلام عليهم واحدًا تلو الآخر. عندما وصلت لوالدها هتف بقلق عليها بصوت خافت يسألها:
- إنتي كويسة يابنتي؟
فهو ما زال يبحث ولم يجد شيئا يدل على ربط تايسون بـ آل الصاوي. لكن خوفًا من أن يكون هناك رابطًا وتايسون يعلم ما حدث قديمًا، هو يسأل الآن ليطمئن.
أجابت ببسمة حقيقية:
- اها يابابا كويسة.
وأضافت بسعادة حقيقية:
- ومبسوطة كمان.
وصلت لحيث سامح فسلمت عليه وقامت باحتضانه. كان تايسون مازال بجوارها فقال بالضغط بقوة بيده على خصرها وكذلك قام بقرصها. تألمت ونظرت له بضيق، اقتربت تهمس له بتوضيح:
- على فكرة دا أخويا في الرضاعة.
هتف بطريقة تشبه طريقة "أحمد حلمي" وهو يردد:
- ولو.. ولو، إلا قلة الأدب.
ضحكت ولم تتحدث.
دخل جعفر إلى المخزن، معه عدة مغلفات مليئة بالأطعمة. دخل إلى الغرفة التي بها الأطفال وبها الحراس الذين يحرسوهم. أعطاهم العلب وهو يهتف:
- متوكلوش غير لما تضمنوا إنهم مش هيزعقوا لو بعدتوا اللزق عن بوقهم.
أومأوا له بتفهم، بينما نظر هو للأطفال بحزن وهو يهتف بداخله:
- مالكمش ذنب، بس ضعف وسكوت أهالكم هو السبب. اختاروا يسكتوا عن الحق عشان يعيشوا، فـ كان لازم يضحوا عشان هو كمان يرتاح ويحس إن أخوه وأهله مرتاحين في قبرهم. لازم يقدموا تضحية ويدفعوا تمن لحياتهم اللي عايشينها وانتوا تمن التضحية دي للأسف.
رواية حارة تايسون الفصل الخامس عشر 15 - بقلم زينب سمير
توالت التهنيئات من العائلة والأقارب، ثم غادروا. بدأت تتوافد جماعات من أهالي الحارة وأيديهم محملة بالخير لهم. كانوا يباركون لها ولتايسون بكل حرارة وسعادة، لا تدل أبدًا على كرههم أو خشيتهم منه. سيدات كثيرات وفَتَيات، تعاملن معه باحترام وكأنهم يكنون له فضلًا كبيرًا وشكرًا.
راقبت ما يحدث بعيون متفحصة، بينما تدور في عقلها أحاديث علا عنه. يبدو أن علا كاذبة! وكل ما قالته من أحاديث أيضًا كاذبة، فالجميع يحترمونه ويحبونه، والسيدات تقترب منه باعتيادية ولا تخاف منه!
وسط أفكارها الشاردة، وجدت يده تلتف حول خصرها. شهقت برقة وهي تنظر له هاتفة:
_ خضيتني.
هتف بغزل وعيون تطلق لمعات سعيدة:
_ أحلى خضيتني سمعتها في حياتي.
تورّدت وجنتاها خجلًا منه، ونظرت للأرض بكسوف. نظر حوله فوجد من حوله مشغولين بأحاديث جانبية، فمال عليها واختطف قبلة من إحدى وجنتيها. نظرت له بضيق مصطنع و:
_ تايسون عيب كدا.
تايسون برفعة حاجب:
_ عيب كدا؟ بتتكلمي ابن أختك أنتِ؟
أمسكت وجنتيه بين يديها وضمتها وهي تقول بضحك:
_ وأنا أطول يبقى عندي ابن أخت بخدود كدا.
مقها بنظرات ضيقة وهو يهتف بنبرة جادة:
_ تحبي أوريكي ابن أختك دا هيعمل فيكي إيه دلوقتي.
تطلعت له فوجدت النبرة الحادة ما هي إلا قشرة تخفي خلفها كثيرًا من الخبث. فهمت على الفور ما يقصده، فضربته على كتفه بخفة مرددة:
_ أنت مش محترم على فكرة.
وكادت تنهض إلا أنه سحبها لتجلس جواره مرة أخرى و:
_ أنا دارس في كلية قلة أدب قسم الشخلعة.
تعالت ضحكاتها عليه، فجذبت عيون أهالي الحارة لهم. أخذوا يطالعونهم بفضول وسعادة، لرؤية فرحة تايسون، كبيرهم، واضحة عليه.
مرت عدة أيام.
الحياة بينهم كانت تسير على ما يرام، السعادة تغمرهم كليًا. رأت فيه ما جعلها تقع في عشقه أكثر. استطاعت أن تعترف داخل نفسها أنها تحبه وقررت أن تعترف له بذلك. حاله كان غير... يتعامل بحب وبداخله حيرة العالم أجمع.
ليلاً.
دخل لجناحه فوجد الظلام يغمره، إلا من بعض أضواء الشموع التي تملأ الغرفة. ابتسم تلقائيًا وهو يرمق المكان بعينيه والورود الحمراء التي ملأت المكان. لحظات ووجد باب الحمام يُفتح وتخرج هي منه مرتدية قميص نوم أسود اللون، لا يكاد يستر منها شيئًا.
كانت تسير نحوه باستحياء عالٍ، ناظرة للأرض بخجل. ابتسم بزهول عند رؤيته لها بتلك الحالة. لا يصدق أن تلك التي أمامه هي وعد، التي كانت تكرهه منذ شهر أو أقل تقريبًا ولا تطيق أن تسمع اسمه. الآن هي تتزين له! يا للعجب!
سارت حتى وصلت له. عندما وقفت أمامه، كبلها بيديه وهو يقول بتغزل:
_ أول مرة أشوف القمر على الحقيقة وألمسه بإيدي.
ردت بصوت مازح:
_ وأنا أول مرة أعرف أن فيه واحدة بتحب خاطفه.
لم يستوعب كلماتها للحظة واحدة، لكن عندما استوعبه، فتح عينيه بعدم تصديق وهو يقول بزهول:
_ قولتي إيه؟
نظرت للأرض بخجل وهي تردد:
_ اللي سمعته.
شدد من تمسكه واحتضنها وهو يقول:
_ مش هسيبك غير لما أسمعها منك تاني.
ردت باستحياء:
_ بحبك.
قال بسعادة حقيقية، غير مصطنعة بالمرة:
_ وأنا بعشق أمك.
وعد:
_ سوفاج.
أو يرد بنبرة سوقية مصطنعة:
_ شاء الله يكرم أصلك.
فتعالت ضحكاتها الصاخبة بقوة، ضحكتها التي تزلزل كيانه دون جهد وتفعل به الأفاعيل. اضطرب قلبه أثر استماعه لضحكتها واقترب منها مقررًا اقتناص قبلة وغيرها الكثير وهو يهمس:
_ تعبتيني معاكي.
هتفت بمشاكسة:
_ أستاهل تتعب عشاني ولا لأ؟
أجاب بصدق:
_ تستاهلي ألف، عشانك العالم كله كمان عشان أراضيكي يا وعدي. مش أتعب بس.
وأخيرًا اعترفت بحبها له. كان سعيدًا بالاعتراف لأنه يبادلها الحب بمشاعر أقوى من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه استطاع أن يعلقها به بالفعل. انتقامه يسير على ما يرام، حياته الزوجية تسير على ما يرام، لكن حيرته وقفت بمنتصف الأمرين، وانتقامه ما زال يحثه على التكملة.
عائلته تستحق أن يضحي. بحبه وسعادته وروحه.
عائلته تستحق أن يقتل جميع تلك السعادة التي يحياها ويدمر فتاة ذنبها الوحيد أنها مرت على حياته.
لو كنت بين نارين. الحب والكره. الانتقام والتسامح.
ماذا ستختار؟
قضبان حديدية تُغلق عليه وعلى ذلك الرجل المسكين. بيده كرباجًا ينزل به على جسد الرجل مرة خلف الأخرى بغل وحقد شديد. مع كل ضربة يضربها له، يصرخ الرجل بوجع وقهر، ويصيح هو بكبت كبير.
توقف عن الضرب ليجثو على ركبتيه ويتنفس بحدة عدة مرات تباعًا.
رفع عينه عن الأرض بعد لحظات ونظر أمامه وهو يهمس بغل:
_ مش هسيبك يا وعد، وحياتك ما أنا سايبك.
وعاد يضرب الرجل مرة أخرى بغل أكبر. كان يقف عند القضبان الحديدة عسكريان اثنان. هتف أحدهما للآخر:
_ هيموته في إيديه.
هتف العسكري الآخر بضيق:
_ هييجي يوم وهياخد جزاءه على اللي بيعمله دا.
بالداخل.
هتف الرجل طالبًا العفو والسماح:
_ سامحني يارامز بيه، سيبني.
والبيضربه على ظهره الذي راح يقطر دمًا غزيرًا وهو يصرخ:
_ اخرس.
وصمت الرجل بوجع، وقد ازدادت آلامه أضعافًا وهو يرى قلة حيلته أمام رجال القانون والشرطة.
صباح يوم جديد.
الساعة العاشرة صباحًا. بذلك اليوم، كان قد مر على زواجهم عشرة أيام كانوا كالجنة بالنسبة للاثنين. كانت تقف هي أمام غرفة مكتبه، طرقت على الباب ودخلت بعد أن سمح لها. سارت لحيث مكتبه وهي تردد بدلال:
_ تايسون حبيبي.
رفع إحدى حاجبيه وهو يطالعها بنظرات ماكرة و:
_ شكلك عايزة حاجة.
جلست على سطح المكتب ومالت عليه بدلال. راحت تتدلل عليه وهي تهتف بغنج:
_ حبيبي عرف إزاي؟
ضرب بخفة على رأسها وهو يقول:
_ عشان حبيبك بقى حافظك وفاهمك كويس يا وعدي.
قالت بنبرة تدلُّل ورجاء:
_ عايزة أروح السوق.
فتح عينيه بزهول واضح و:
_ تروحي فين؟ وعد هانم عايزة تروح السوق! معقول.
ترك سطح المكتب وتوجه له ووقف خلفه. حاوط عنقه بيدها، مال برأسه نحوه مقبلًا إحدى وجنتيه و:
_ عايزة أجرب شعور إني ست بيت وأنزل سوق وأشتري الخضرة وكده.
أمسك يدها الملتفة حول عنقه وقبلها ناطقًا:
_ وما له يا حبيبتي. روحي السوق.
هتفت بنبرة رجائية أكثر:
_ وانت معايا بليز. وانت معايا.
هتف ضاحكًا:
_ من ساعة ما جيتي وإنتي قالبة حياتي، بس حاضر وأنا معاكي.
بعد ثلث ساعة.
بسوق حارة تايسون، على بدايته توقفت سيارة وهبطت وعد منها ومعها تايسون، المعروف بالطبع بين أهل حارته التي يعد هو كبيرها. سارا متجاورين وبدأوا بالدخول وسط الناس، التي كلما وقعت عيون أحدًا فيهم عليه حتى تتوسع بزهول وعدم تصديق.
تَفَ لها وهو يرى نظرات الناس له:
_ شايفة بسببك الناس بتبصلي إزاي.
أحاط ذراعيه بكلتا ذراعيها وهي تقول بضحك:
_ هما بيبصوا لك عشان حلاوتك يا حبيبي.
_ انتي بتاكلي بعقلي حلاوة؟
أومأت بنعم وهي تطلق ضحكة عالية. قرصها في خصرها وهو يقول بينما يضغط على أسنانه:
_ ضحكتك يا هانم.
وضعت يدها على فمها و:
_ أوبس. سوري.
وقفا أمام رجل أمامه خضروات عدة وفواكه. أمسكت ثمرة من التفاح وقطمت منها قطعة ثم سرعان ما أخرجت صوتًا يدل على تلذذها بالطعم. قربت الثمرة من فمه و:
_ دوّق يا حبيبي كدا وقول رأيك.
هتف وهو يلتقط منها الثمرة:
_ مش هنغسلها؟
وعد:
_ توء. كلها كدا.
رفع حاجبه وقطم من الثمرة و:
_ وما له ناكلها ونعمل غسيل معدة عشان خاطر عيونك يا وعدي.
وعد للبائع:
_ هات لنا نص كيلو تفاح ونص خوخة.
هتف بغيظ:
_ حبيبتي هو حد قالك إننا نسانيس!
رفعت حاجبيها بتعجب ونظرت له تسأله:
_ لا. ليه؟
تايسون:
_ اومال إيه نص دا، دا يدوب بتاكله أم السعد وهي بتغسل الفاكهة.
وعد بضيق:
_ بس كدا تبذير أوفر يا تايسون.
تايسون:
_ وإنتي متضايقة ليه يا عمر تايسون؟ هو انتي اللي هتدفعي.
رفعت حاجبها و:
_ طيب ما دام كدا يبقى براحتك.
نظرت للبائع وتابعت:
_ هات لو سمحت عشرة كيلو خوخ وعشرة تفاح وعشرة مانجة وعشرة مشمش و...
وضع تايسون يده على فمها وهو يردد بزعر مصطنع:
_ أبوس على إيدك كفاية، أنا الغلطان عشان وقفتك أصلاً، هاتي نص. ماله النص!
نظرت له بانتصار أنثوي. فرمقها بضيق وهو يرى تلك النظرة تطفو على عينيها الجميلة.
دخل نصري لمنزله فوجد زوجته تتأفف بضيق وهي تضع الهاتف على الطاولة. أراح جسده على الأريكة وهو يسألها:
_ إيه اللي مضايقك؟
نشوى بضيق:
_ لمياء كل يوم تكلمني وتديني كلمتين في جنابي، وعد ظلمت رامز، وعد غلطت في حق رامز. كل يوم أكتر من تلات مرات وكأنها جرعة دوا.
ضحك عليها وهو يقول:
_ معلش استحملي. الصدمة كانت توجع برضه إنها تسيبه في آخر لحظة وتتجوز غيره.
نشوى:
_ بس تعرف، رغم إن حكاية تايسون دا غريبة وخطف وبتاع، إلا إني لما شوفته مقدرتش أكرهه وحبيته، وفرحانة إنه جوز بنتي.
نصري برفعة حاجب:
_ اللي يشوفك زمان وإنتي فرحانة برامز ميشوفكيش دلوقتي.
نشوى بصدق:
_ أنا بحب رامز دا أنا اللي مربياه وبحبه كأنه ابني، بس شفت تايسون حامي لبنتي وضهر، راجل في نفسه كدا وقلبي مطمن عليها معاه.
هتف بداخل نفسه:
_ المشكلة إن رغم كل الشكوك اللي حواليه، أنا كمان شايفه كدا.
بينما هم في طريق العودة لمنزلهم، هتفت وهي ترهف بأسماعها لناحية ما:
_ استني ياتايسون في حد بيعيط هنا وبيزعق. استني نشوف مين.
رواية حارة تايسون الفصل السادس عشر 16 - بقلم زينب سمير
لم يأخذ فاروق دقيقة واحدة وكان قد قرر الدخول إلى النيابة لتقديم بلاغ في عصام ومجدي المنصوري وفتحي عاجور. فالنيابة خيرًا ستحقق العدل وتأتي له بأبناءه، وناصر الحق سيقف معه الله بالتأكيد.
دخل ولسانه يدعو الله بأن يحفظ له أبناءه. تسأل عن وجهته حتى وصل لغرفة بجوارها يقف عسكري.
فاروق للعسكري:
قولي للبشـا.. فاروق الصاوي عايز.
دخل العسكري لغرفة ثم عاد خلال لحظات له مشيرًا له بالدخول. دخل فاروق فوجد رجلًا جالسًا على مكتبه، وعلى مقدمة المكتب قطعة من الصفيح دون عليها "الرائد: نصري خالد".
ما إن لمحه نصري حتى وقف ومد يده له وهو يقول بترحيب شديد:
أهلًا أهلًا بفاروق باشا.
فمن لا يعرف فاروق الصاوي؟ أحد الناهضين باقتصاد مصر بذلك الوقت. ابتسم فاروق وهو يسلم عليه. أشار له نصري أن يجلس على مقعدًا وجلس هو على آخر يقابله.
قال وهو يرفع سماعة هاتفه:
تشرب إيه ياباشا؟
اعترض وهو يهتف بجدية:
أنا مش جاي أُتضايف من النيابة، أنا جاي علشان موضوع مهم.
ترك الهاتف ونظر له نصري باهتمام بعدما شعر أن الموضوع ليس بسهل أبدًا. بينما تابع فاروق:
عايز أقدم بلاغ في عصام ومجدي المنصوري وفتحي عاجور بتهمة تهريب المخدرات والتجارة في الأعضاء.
هتف نصري بصدمة:
إيه؟
رد فاروق بملامح جامدة، بلا تعابير تُذكر:
اللي سمعته يانصري باشا، وبلاغ تاني بتهمهم فيه بخطف أولادي كريم وجاسر الصاوي.
أخرج هاتفه وفرجه على رسائلهم التهديدية له متابعًا:
ودا دليلي على كلامي.
ثم أخرج عدة ملفات من حقيبة يده وسلمهم له و:
ودا دليل على تهمي ليهم.
انتزع منه الورق وقرأه. عاد ينظر له هاتفا:
الكلام ده خطير جدًا بس حقيقي، أنا بحييك على تماسكك، وأنت عارف كويس إن أولاد حضرتك بين إيديهم دلوقتي.
فاروق ببسمة مهزوزة:
لو ربنا أراد لهم الحياة فهي يعيشوا، ولو في بطن الحوت، وأنا واثق في المكتوب.
وقف مستعدًا لينهض بينما قال نصري بجدية:
هيتم اتخاذ الإجراءات حالا، وأولادك في أسرع وقت هيكونوا في حضنك بإذن الله يافاروق باشا.
ابتسم له بسمة بالكاد تظهر وغادره والقلق يعصف به عصفًا، خاصة ورسائل زوجته واتصالاتها تنهال عليه تباعًا. كان يعلم أنها الآن منهارة وتقارب على حافة الجنون، لكن ماذا بيده ليفعل؟
أيصمت عن أفعالهم هو أيضًا خوفًا منهم؟
ووقتها يصبح شريكهم في الشر حتى وإن كان لا يشاركهم في الجرم بالفعل!
لا.. لن يصمت وإن كان الثمن هي روحه.
كم يتمنى أن تكون روحه هي الثمن وليست روح أبناءه.
***
بإحدى الأماكن النائية..
هتف فتحي لعصام ومجدي وعيونه تتقد نارًا حارقة:
قدم بلاغ.
قالها ليعرفهم بالأمر وهو يغلق هاتفه بغضب مع إحدى رجاله المأمورون بمراقبة فاروق. نظر مجدي لأبناء فاروق الجالسين بإحدى الأزقة بالمكان هاتفا:
ما دام ضايعين ضايعين يبقى نندمهم قبل ما نضيع.
عرض عليهم عصام رأيه هاتفا:
تعالوا نشتري الظابط قبل ما يسجل البلاغ فعلًا ونكسب الجولة.
هتف فتحي بعيون وامضة بلمعان غريب:
تصادف فكرة.
نهض عن مكانه وهو يهتف بحماس:
أنا هتصرف في الموضوع ده وهجيبلكم آخره فورًا.
مجدي وهو ينظر لأبناء فاروق:
قولنا قراره بسرعة علشان نعرف نتصرف.
***
أما بحسنا وهو يستعد ليغادرهم.
***
ألقت ليلي نفسها بأحضان فاروق تبكي وتنوح بقوة. كان يمسد هو على ظهرها بضعف يشعر به لأول مرة في حياته، ضعف من أنه لم يكن قادرًا على حماية طفليه. هتفت بصوت صارخ:
أنا عايزة عيالي يافاروق.
هتف يوعدها بصوت متماسك:
هيرجعوا.. بإذن الله مش هيصبح صبح جديد غير وهم في حضنك.
ابتعدت عنه ونظرت له بعيون ترجوه أن يكون صادقًا في حديثه و:
بجد؟
احتضنها من جديد و:
ادعي ربنا يكون بجد.
هتفت بنبرة منهارة تمامًا:
يارب.. يارب.
***
أنت عايزني أبيع ضميري؟
قالها صبري بصدمة موجهًا حديثه لفتحي الجالس ببرود أمامه على مقعده. فرد عليه فتحي بنبرة باردة:
وتشتري حياتك.
طالع نصري بغضب جم. نهض عن مقعده وكاد ينادي على العسكري ليقوم بطرد فتحي، لكن فتحي سارع بالقول:
وحياتك بنتك.. مش اسمها وعد برضو؟ بيقولوا إن عيد ميلادها كان امبارح؟
حسنًا، لقد قام باختيار أهم نقطة ضعف عند نصري وهي ابنته التي قام بحروب العالم أجمع هو وزوجته لينجبوها، حيث قاما باللف على جميع أطباء البلد ربما حتى يستطيعا أن ينجباها. لكن هل هذا سبب كافٍ لبيع ضميره؟
تابع فتحي في محاولة منه لإقناعه:
إحنا هنسيب أولاد فاروق وهنرجعه ليهم، وهنحاول نلاقي حل يرضي جميع الأطراف. أنت هيتحول لك في حسابك مية ألف جنيه دلوقتي.. أعتقد مبلغ مش قليل.. مقابل ده متسجلش البلاغ.
كانت بوادر الاقتناع بدأت ترتسم على ملامح نصري فتابع الآخر ليحبك الموضوع أكثر:
وإن كان على الشغل، فـ عين علينا رقابة هتلاقينا بعدنا عن حوارات التهريب دي خالص.
رمقه بنصف عين وعدم تصديق ناطقًا:
بجد!
فتحي:
إحنا اللي يهمنا إن اسمنا يفضل عالي، فلو هيفضل بالحلال يبقى ليه نمشي بالحرام.
ورغم علم نصري بأنه كاذب وحديثه كان مجرد نوع من التنويم، إلا أنه اختار التغافل ليحيا بهناء، اختار طريق الراحة وهو يطمئن ضميره بكلمات لا تدخل على عقل طفل صغير.
وقد كان.. وضمن الجميع محو ذلك البلاغ من جميع السجلات. كانت تلك هي نقطة نصري السوداء في لائحة تايسون المدون فيها اسمه أول اللائحة وبجوارها عبارة "أول من ساعد في تكوين شيطان شرير".
***
العودة إلى الحاضر.
انتبه لصوت الصراخ وأرهف سمعه فوجده صادرًا عن سيدة يعلم تمامًا نبرتها، فقال وهو يكمل سيره بالسيارة:
متخفيش، ده موضوع بيحصل كل يومين تقريبًا في الحارة.
طالعته بعدم فهم فأكمل ليفهمها الموضوع:
دي ست ابنها اتوفى ليلة فرحه ومستوعبتش الموقف لدلوقتي وبقت كل فترة تجهز البيت وكان الليلة فرحه، ولما حد يفهمها الموضوع تتنكس وتصرخ، وهكذا.
قالت بنبرة تعاطف مع السيدة:
ياحرام.
قلدها هاتفا بضحك:
ياحرام.
وعـد بضيق وهي تضربه في كتفه:
غلس أوي.
حاوط كتفها بإحدى ذراعيه وبالأخرى كان يقود السيارة وهو يهتف:
غلس بس بحبك.
قبلت إحدى وجنتيه هاتفة بحب جلي:
وأنا كمان بحبك.
طالعها بعيون باسمة وبداخله يسأل: "إلى متى ستدوم تلك السعادة؟ متى ستأتي لحظة انكسارها.. وفرقاهم؟ متى سينتهي نزاع عقله ووجع قلبه؟"
لكنه للأسف "لم يجد إجابة لجميع أسئلته".
***
عندما دخلا المنزل وجدت وعـد.. عـلا تقوم بتنظيف الأرضية وهي تميل على الأرض وقد انحصر فستانها للأعلى قليلًا. لم تعجبها طلتها تلك فأقتربت وقامت بتنزيل قماش الفستان للأسفل وهي تهتف بضيف:
غطي ياحبيبتي.. غطي، عيب كده.
نهضت عـلا من مكانها وهي تهتف بغنج:
مأخدتش بالي ياهانم.
مرمقتها وعـد بضيق واقتربت تهمس لها في أذنها ببسمة باردة:
الحقيقة متوقعتش إن أخت جعفر تتصرف بالطريقة الرخيصة دي.
مرمقتها عـلا بصدمة من كلماتها وغضب شديد. كادت ترد عليها لكن صوت تايسون الآمر أوقفها وهو يقول:
قولي لأم السعد تجهزلنا الغدا ياعلا، ولو عايزة تمشي امشي، كفاية عليكي كده.
هتفت بخضوع وهي تتركهم:
حاضر ياتايسون باشا.
اقترب هو ليحاوط خصر وعـد زوجته، ويقول بمرح:
حبيبي الغيور.
قالت بضيق:
متخليهاش تيجي تاني.
تايسون:
لو واقفة قدامي عريانة ياوعدي برضو متملاش عيني، اللي في قلبك انتي. يعني وجودها ولا يفرق.
ضربته بخفة على بطنه وهي تقول بغيظ:
برضو مش عايزاها هنا.
تايسون:
ونقطع رزقها؟
ظهر تأنب الضمير على ملامحها. ابتسم وهو يدرس ملامحها بحب ويرى حزنها من الأمر وشعورها بالذنب لو بالفعل قام بطردها. وتابع:
طيب مش هخليها تيجي تاني وهعوضهم بزيادة راتب جعفر.
ابتسمت لبساطة الفكرة وأومأت بحسنا وهي تحتضنه بسعادة.
وعـد:
انت حلو أوي.
قبل أرنبة أنفها هاتفا:
عيونك هي اللي حلوة ياوعـدي.
***
وصل أمر طرد عـلا لها عن طريق أم السعد، فخرجت من البيت بخطوات هوجاء وهي تكاد تصرخ من ضيقها. لم تذهب لمنزلها بل توجهت لمكان خالٍ من البشر قليلًا في الحارة. هتفت وهي تنظر أمامها بملامح شر:
وديني ما أنا سيباهالك ياوعد الكلب انتي، هو مش ليا بس مش هخليه ليكي ولا لغيرك، لا هفرح بيه ولا هفرح حد بيه.
جائها صوتًا ماكرًا من إحدى الأزقة:
واللي يساعدك في اللي عايزة تعمليه.. تقوليله إيه؟
التفتت تنظر له.. من نظرات عينيه علمت أن طريقهما واضح وواحد: التفريق بين الاثنين فقط.
فقالت بخبث:
أقوله إنه بقي حبيبي وعدوي عدوي وصديقه.. صديقي.
وغمرت رائحة شرورهم المكان من حولهم وهم ينظرون لبعضهم البعض بابتسامة شر.
رواية حارة تايسون الفصل السابع عشر 17 - بقلم زينب سمير
لم يكن صاحب الصوت سوى رامز، الذي وصل لعلا بكل سهولة بعدما علم عن حالتها وحبها لتايسون. كان يظن أنه سيأخذ وقتًا طويلاً ليقنعها بأن تتلاحم معه ليقوما بالفصل بين الآخرين والتفارق بينهم، لكنه جاء بالوقت المناسب ليسمع منها ما جعله يقطع شوطًا كان طويلاً دون جهد.
هتفت بعيون وامضة بالكرة لتلك المدعاة بوعد:
- عايزة أخلص منها في أسرع وقت. مبقتش متحملة أشوفها ولو لثانية واحدة.
أجابها بصوته الهادئ المثير للأعصاب:
- متخافيش، إنتي هتخلصي منها وتاخدي اللي يخصك، وأنا هيرجعلي اللي يخصني.
نظرت له علا وقالت بتساؤل:
- هنفرق بينهم إزاي؟
رامز بعيون ماكرة:
- هنوري وعد حقيقة بطلها الهمام بتاعها، ونشوف هتقدر تتحمل حقيقة إنه قاتل ولا لأ.
علا:
- بس هي عارفة إنه قاتل واتجوزته.
رامز بنفي من رأسه:
- لأ. سمعت بس مشافتش، والفرجة دايماً بتسيب أثر.
علا ببسمة إعجاب بذلك الشيطان:
- إنت مش سهل.
رامز ببسمة وغد واثقة:
- أنا متفهمش، واللي يفكر إنه فاهمني يبقى أهبل.
***
بعدما تناولا طعام الغداء في جو ملئ بالرومانسيات، توجهت هي لغرفة نومها وتوجه هو لمكتبه. بدأ بالعمل ومراجعة بعض الأوراق بتركيز شديد، لكن قطع تركيزه ومضة من الماضي لأخيه وهو يضحك ويتلاعبان معًا. كان صغيراً، ولكن تلك الومضات لازال يتذكرها ولا تغادره أبدًا. غادرت تلك وجاءت الأصعب.
شعر أنه يسمع صوت أخيه يصرخ بقوة، وأحدهم يمسك بيده مشرطًا ويقوم بتشريح جسده بكل برود. كان يشعر ويرى، يسمع وكأنه ما زال بينهم، وكأن لم تمر السنوات على ذلك المشهد الذي ما زال محفورًا في ذاكرته اللعينة.
بدأ يضغط على أسنانه بعنف، واضعًا يده على رأسه يضغط عليها بقوة وهو يصرخ ويطلب أن تغادره تلك الذكريات، لكن لا حياة لمن تنادي.
فُتح الباب فجأة ودخلت وعد ببسمتها الجميلة. قالت وهي تتقدم منه:
- تايسون...
قاطعها بصراخ:
- اطلعي برة! اطلعي برة! مش عايز أشوفك!
تفاجأت من رد فعله وتعصبه الظاهر عليه. اقتربت منه وهي تهمس بـ:
- مالك يا تايسون؟
ألقى كل ما على المكتب على الأرض ووقف عن مكانه وهو يهتف بغضب عارم:
- قولتلك برة! إنتي مبتفهميش! مش عايز أشوفك! مش عايز!
وعد:
- إنت...
اقترب منها وفي لحظة وضع يديه حول عنقها، عينيه تحولت إلى الأحمر القاني، يتصرف وكأنه ليس تايسون المحب، بل ذلك الذي رأى مقتل أخيه بعينيه و:
- هقتلك والله هقتلك! إنتي السبب... كلكم السبب!
بدأت علامات الاختناق تظهر عليها وفي عيونها قد ارتسمت علامات الصدمة من حالته تلك وحديثه الغير مفهوم بالمرة. ظل يضغط على عنقها حتى كاد تنفسها أن ينقطع بالفعل. هتفت بصعوبة نطق شديدة:
- هـ... مـ... و...
تهمسها الخافت وصل لمنطقة الإنذار بالخطر بخلايا عقله، فانتفض مبتعدًا عنها وهو يرمقها بصدمة. بدأت هي تسعل بقوة وهي تنظر له بعيون دامعة. قال باعتذار:
- وعد، أنا آسف. أنا مكنتش شايفك أصلاً والله ما كنت شايفك. أنا مكنتش في وعيي.
لم ترد. ظلت فترة تسعل بقوة وهي تربت على قلبها بخفة، فهي كادت أن تفقد حياتها. دقائق واستطاعت أن تلملم جأشها.
هتفت بنبرة جادة وهي تنظر له بتفحص شديد:
- تايسون، إنت وراك أسرار كتير أنا عايزة أعرفها... أنا مش عايزة أفضل شايفاك لغز كبير يا تايسون ملوش حل. قولي إنت مين وفهمني.
نطق بنبرة باردة وهو يستعد ليغادر المكان:
- أنا جاسر الصاوي... وفقط.
قال تلك الكلمات وفقط، ثم غادر ببرود.
***
كانت هويدا تحمل بيدها عدة حقائب بلاستيكية معبأة بمستلزمات المنزل. كانت ثقيلة لدرجة أنها لم تعد تستطيع حملها. تركت جميع الحقائب على الأرض وأمسكت يدها تمرسها بلطف وهي تتأوه بخفوت.
لمحها جعفر فاقترب منها وعلى وجهه ارتسمت بسمة هادئة دون مبرر. عندما لمحته، طف الخجل على وجهها وهي تنظر للأرض. هتف بعدما وصل لها:
- عايزة مساعدة؟
قالها وعينيه تمر بين يدها وبين الحقائب القابعة على الأرض. قالت وهي تميل لتحمل الحقائب من جديد:
- لأ، شكراً.
سحب الحقائب من بين يديها بحركة خاطفة وهو يقول:
- بس أنا عايز أساعدك.
كادت أن تتحدث فأوقفها بإشارة من يده و:
- امشي جنبي وإنتي ساكتة.
وحمل الحقائب جميعها وسار بالطريق وهي جواره. كل لحظة والأخرى تنظر له نظرات خاطفة بإعجاب وخجل، ثم تعود النظر للأمام من جديد.
كان يلمح نظراتها تلك، لكنه تعمد أن يتجاهلها كي لا يحرجها وكي يستمتع بنظراتها الخاطفة تلك أكثر.
كان قد قرر ألا يغرق في بحر حبها كي لا تغرق في بحر ذنوبه، لكنه لم يستطع. حقًا لم يستطع.
كلما جلس وحيدًا وجد نفسه يفكر فيها بلا هوادة. تلك الفتاة بدأت بأمتلاك جميع خلايا عقله وقلبه بكل سلاسة بالله.
***
جلست وعد على فراشها تنظر لسقف الغرفة بعيون شاردة تفكر بالذي حدث منذ قليل بعقل شارد. رغم كل السعادة التي تحياها بين ذراعي تايسون، إلا أنها مازالت تشعر بالقلق منه ومن ماضيه. لا زالت تجهله ولا تعرف عنه شيئًا. كيف صار كبير حارته وهو بالكاد يتعدى الثلاثين من عمره؟ كيف استطاع أن يحكم حارة كهذه بالله وبقوته وليس عن طريق الوراثة؟ من أين جاء له الجبروت الذي ساعده على أن يفعل ذلك؟ ما زال يخفي عنها الكثير.
لكنها ستفعل المستحيل لتعرف ذلك الكثير.
فاقت من شرودها على صوت هاتفها الذي علا رنينه. ضغط على زر الإجابة ففاجأها صوت والدتها الحنون:
- وعد حبيبتي.
نطقت وعد اسمها بسعادة:
- ماما.
نطقت والدتها بصوت حنون وقد اقتربت على البكاء:
- قلبي ماما، أخبارك يا حبيبتي.
قالت بصوت حاولت جعله سعيدًا يخفي داخله جميع أفكارها التي تعصف بخيالها:
- الحمد لله، أنا مبسوطة أوي يا ماما. أخبارك إنتي وبابا؟
بشوي بحزن ناتج لـ مغادرة ابنتها عنها:
- مش كويسين خالص من ساعة ما اتجوزتي يا وعد. لسه مش مستوعبين فكرة فراقك، بس اللي مطمنا إنك مبسوطة مع جوزك. مش إنتي مبسوطة يا وعد؟
هتفت لتريح قلبها:
- طبعًا مبسوطة يا ست الكل. حد يتجوز تايسون وميبقاش مبسوط برضوا يا أمي.
بشوي بدعاء لابنتها:
- دايماً يا رب متهنية في حياتك يا حبيبتي.
***
استمعت علا لصوت جعفر يحادث أحدهم ويقول:
- العيال اللي عندنا في المخزن متجوش عندهم. الباشا بعد ما قال نخلص عليهم رجع في كلامه تاني. اشترالهم أكل ووكلهولهم.
صمت قليلاً... ثم تابع:
- إحنا هنستهبل يالا؟ ما إنت جاي وعارف كويس هتعمل إيه وهتخلص إزاي، بس عادي نقرر الكلام من جديد. عايزين كل حتة في جسم العيال لوحدها. ارتحت؟ وعمولتك بالدولار متقلقش.
ابتسمت وهي تستمع لتلك الأحاديث وأمسكت هاتفها لترسل لرامز رسالة محتواها: "عرفت المكان اللي هيخلي وعد تشوف تايسون فيه على حقيقته".
***
متاهات بداخل عقولنا، متاهات تجعلنا نجهل الشعور بالراحة كيف تكون. نغرق في بحور التيهة إلى الأبد، حتى أننا نفقد معنى الأمان. رغم الحب يظل الكرة منتشر، رغم الأمان يظل الخوف بائن، رغم السعادة يظهر الحزن موجود.
هكذا حياته، يحب من يجب أن يكرهه، يفرح معها فرحة دائمًا ما تكون ناقصة.
فهو لازال ومازال وسيزال يراها فقط ابنه القاتل، بسببه فقط جميع أسرته، لأنه باع ضميره بأخبث الأسعار.
عذرًا تايسون، لكنه مئة ألف جنيه ليست ثمنًا قليلاً!!!
***
مساءًا... عاد وبيده باقة من الورود الحمراء. يمسكها بيده ويطالعها بتعجب وينظر له بتعجب أكبر. هل هو نفسه من يحمل ورود حمراء؟ هل وصل به الأمر إلى تلك الحالة؟
لكن لا يهم.
ما دام سيأتي ذلك بنتيجة جيدة، إذن لا يهم.
طرق على باب الجناح ودخل فوجدها جالسة على الفراش ويظهر عليها جيدًا الحزن. اقترب منها ووضع الورود بأحضانها وهو ينطق بأسف حقيقي وندم:
- أنا آسف مرة تانية. والله ما كنت في عقلي. سامحيني.
لم ترد. كل ما فعلته أنها أخذت الباقة بأحضانها وراحت تتلمسها بسعادة وتشمشم زهورها بأعجاب.
بينما تابع هو:
- أنا فعلاً لسه لغز بالنسبة ليكي، بس صدقيني دا أحسن لينا. إنتي لو عرفتيني هتكرهيني يا وعد. هتكرهيني أوي وهتتمني لو إنك مكنتيش عرفتيني وقابلتيني كمان.
نظرت له وقالت بعيون سائلة باهتمام:
- إنت مين؟ ومخبي عني إيه؟ عرفني ووعد هفضل أحبك ولو كان ماضيك إيه. عرفني بس أنا عايشة ظن مين، مين تايسون دا ومين جاسر؟ إنت عايش بأي شخصية وشايل إيه وراك؟
***
- خلصوا عليهم، مبقاش فيه اللي نخاف منه. سجلنا نضيف في النيابة.
قالها فتحي لـ صديقيه عبر الهاتف وقد ارتسمت على ملامحه علامات خبث. هتف مجدي:
- طيب وبعد ما نخلص عليهم إيه خططنا للي جاي؟
عصام:
- نبعتله العنوان في مسج ومعاها وردة حمرا كدا حلوة ونروح الشركة نفض الشراكة ونفلس.
مجدي بتساؤل:
- نهرب يعني؟
فتحي ببسمات باردة:
- لأ. نقعد نتفرج من بعيد عليه وهو بيموت بحسرته وكدا كدا إحنا معليناش حاجة نخاف منها.
وقد كان. المنظر كان كالاتي... يفتحون أحشاء كريم أمام عيون جاسر الصادمة. كان الطفل يصرخ... ويصرخ حتى أن حنجرته لم تعد تستطيع أن تتحمل أكثر، فـ راح صوته وهو مازال ينادي على أخيه الذي كان يتألم أمامه. فالبنج كان قليلاً وعديمي الرحمة لم يهتما بذلك وأكملا إجراء العملية.
كانوا يخرجون أحشاءه بكل برود. أمسك أحدهم القلب ووضعه أمام جاسر. نطق ببسمة تبث فيك الشعور بالقرف والاشمئزاز:
- دا قلب أخوك يا بيضة... شايف بينبض إزاي؟
نظر له بكره شديد وأبعد نظره عنه، ثم بامتداد بصره رأى كريم الذي بات كجثة هامدة.
هتف بداخل نفسه: "مش هنسى حقك يا كريم، بابا أكيد هيجيبه يا كريم".
الدور كان من المفترض أن يكون عليه، لكن قرر الطبيب أن يرتاح قليلاً ويؤجل عمليته لساعة أخرى. لم يعرف مجدي والرجال بذلك المخطط فارسلوا العنوان لـ فاروق الذي أسرع نحو المكان بسرعة.
وما إن دخل حتى وقعت عيونه على جثة ابنه الهامدة ذات البطن المنفتح... وفارغة الأحشاء!!!
رواية حارة تايسون الفصل الثامن عشر 18 - بقلم زينب سمير
اقترب فاروق من جثة ابنه بخطوات مرتعشة، يرمق الجثة بنظرات غير مصدقة لما يراه. وقف أمامها تمامًا بعيون مفتوحة لم يستطع أن يغلقها مرة أخرى. مد يده ليلمسها، وما إن وضعها على بطنه الفارغ من أحشائه حتى أغمض عينيه بوجع عميق، وسقطت منه دمعة دون قوة منه.
استمع لصوت صرخات مكتومة، التف فوجد جاسر هو صاحب تلك الصرخات. اقترب منه سريعا ونزع عنه اللاصق الطبي، فخرجت صرخات جاسر المكبوتة. كان الطفل يصرخ بانهيار تام، بكل قوة صوته، حتى إنه بعدما صمت لم يستطع أن يعاود الصراخ مرة أخرى. صوته اختفى.
أخرج فاروق نفسًا عميقًا وحمل جاسر على يده وخرج به نحو الخارج. أشار جاسر بعينيه ناحية كريم، فتابع والده:
"مش هنسيبه، متخافش."
وضعه في السيارة، ثم أخرج هاتفه، واتصل برقم واثنين وكثيرًا غيرهم. كان يتصرف بغير تعقل لدرجة أنه طلب رقم زوجته وأتى بها لهذا المكان لترى ابنها بهذا الشكل.
فقدت ليلي تعلقها تمامًا عندما رأت كريم، عذراً، جثة كريم. سقطت على الأرض وهي تبكي بانهيار. جاءت سيارات الشرطة والإسعاف. الإسعاف أخذت جثة كريم، وجاسر الذي دخل في مرحلة الانهيار العصبي.
وبينما وجه إحدى الضباط سؤالاً غبياً لفاروق:
"شاكك في حد معين ممكن يكون ورا العملة دي؟"
رد بنبرة جامدة:
"لا.. مش شاكك في أي حد.. أنا معنديش أي أعداء ممكن أشك فيهم."
قالها بكل جمود، وقد قرر بداخله أن يشفي غليله بنفسه وبيده، فطريق الحق طويل ولن يجدي نفعه، والانتقام باليد سيریحه أكثر. بالتأكيد.
أمسك هاتفه وطلب رقم أحد، عندما جاء صوت الإجابة من الآخر قال:
"عباس، عايز منك طلب."
عباس:
"أؤمرني يا فاروق، أنا تحت أمرك."
تنهد فاروق بوجع، ثم خرج صوته مختنقًا:
"عايزك تقلبلي الدنيا وتجبلي عصام ومجدي المنصوري.. وفتحي عاجور."
كان عباس صديق فاروق، لديه شركة حراسات خاصة ويعلم كيفية الوصول إلى أي شيء يريده وأي شخص. كذلك كان يعلم بأمر الشراكة التي تجمع فاروق مع أولئك الرجال. فهتف بتعجب:
"اللي أعرفه إنك مفروض تكون عارف طريقهم أكتر مني."
فاروق:
"هتعرف توصلهم ولا؟"
عباس بعدم فهم لما يجول حوله:
"هعرف يا فاروق.. متقلقش."
دخلت ليلي في مرحلة انهيار عصبي حاد ناتج عن فقدانها لابنها، وكذلك جاسر، لكنه دخله أثر رؤيته لما حدث حوله. أدى ما حدث حوله إلى فقدانه حاسة النطق. كانت ملامح وجهه تبين لك شيئاً واحداً.. هو تعرض لصدمة كبيرة لا يمكن أن يتخيلها أحد أو يتحملها. فما بالك بطفل صغير؟
بينما فاروق ضائع ما بين غرفة زوجته وابنه والمشرحة، جاءه اتصال هاتفي من الشركة. تجاهله لخمسة عشر مرة، لكن بعدما تكرر أكثر ضغط على زر الإجابة. فأتاه صوت السكرتير الخاص به وهو يقول بوجل:
"الحقنا يا باشا، الشركة بتضيع."
ضيق حاجبيه وهو يسأله:
"مش فاهم.. تقصد إيه بأنها بتضيع؟"
سكرتيره:
"مجدي وعصام باشا وفتحي باشا فضوا الشراكة يا بيه، ودلوقتي بيلموا لوازمهم. ومعنى إنهم فضوا الشراكة إننا بنخسر ولازم نلاقي حل قبل..."
لم يستمع فاروق لباقي حديثه. كل ما كان يهمه أنهم الآن في الشركة. توجه لسيارته وقادها نحوهم بأسرع سرعة استطاع أن يحصل عليها. كان طريقه معروفًا ومقصده.. مقر شركته، كي يتخلص هناك من قاتلي ابنه. لكن حالته الهسترية التي كان فيها أدت إلى عدم سيطرته على مقود السيارة، فقام بعمل حادث مروع أدى إلى سقوطه صريع الموت في الحال.
هكذا كانت نهاية عائلة الصاوي. موت فاروق وكريم كانا لهما السبب الأكبر في دخول ليلي في حالة من عدم الوعي. لم تستطع أن تتحمل ظلام العالم أكثر في بُعادهم، فبعد شهرين من فراقهم غادرت الحياة أيضًا ذاهبة لهم، تاركة جاسر يواجه العالم وحيدًا بدونهم.
وبقي جاسر مع جدته فوزية، فاقدًا للنطق حتى سن العاشرة، بعينيه ثلاث مشاهد فقط: لحظة تشريح كريم، لحظة دفن والده، لحظة دفن والدته.
الشركة سقطت أرضًا وبات اسم الصاوي لا وجود له.
فتحي وعصام ومجدي.. تتسألون عنهم؟ غادروا جميعًا البلاد في لحظة عودة الانقلاب مرة أخرى، خشوا من أن يفتضحوا أو أن يخسروا مالًا، فهاجروا إلى بلاد أخرى.
لم يهتم بهم جاسر، فالشر في كل مكان. لم أقصد معني كلمة عدم الاهتمام بالضبط أنه لم يعد يهتم بالسؤال عنهم، فهو علم فيما بعد أنهم دخلوا في عداد الموتى للأسف ولن يستطيع أن ينتقم منهم.
جاسر نظر لمن هم السبب في تفكيك تلك العائلة بسبب خوفهم من شرور الكبراء. أولهم كان نصري، وثانيهم كان الطبيب الذي شرح جسد أخيه، وثالثهم مساعد فتحي وعصام ومجدي.. الذي يعد ذراعهم الأيمن. للغرابة، كان ذو قلب رهيف، ورغم ذلك خاف منهم فسكت عن الحق.
وتلك الأطفال المحجوزين في مخزنه، هم أبناء أولئك الثلاثة.
عودة إلى أرض الواقع.
رفع تايسون رأسه عن طاولة المكتب بإرهاق. ظهرت دمعة بكاء على وجنته أخفاها سريعًا ومحاها بيده، فهو كان يتذكر تلك الذكريات الآن. تمر عليه كقطار سريع لا يمكن أن يقطع سيره أحد. تنهد بعمق. فتح درج المكتب وأخرج منه صورة تجمعه بعائلته عندما كان صغيرًا. لامس وجه والدته وأبيه بحنين، ثم وجه أخيه بألم.
هتف بصوت مختنق بدموعه:
"حاربت عشانك يا كريم، قلبي مات وقدرت أقف قدام وحوش ومسكت حارة وبقيت كبيرها عشانك يا كريم. كل رجالتها بيعملوا اللي عايزه من غير اعتراض. قولت لهم اخطفوا.. خطفوا، ولو قلت لهم اقتلوا.. هيقتلوا، بس ناري مش هتهدأ لو هم اللي قتلوا. أنا اللي لازم أقتل، عشان ناري تهدي وأحس إني رجعت تارك يا كريم. المكان اللي الشر فيه بينتصر على الخير، لازم نسطو فيه. أبونا كان خيري فمات، بس أنا... أنا أساس الشر في دايرة الشر دي!"
أخفى الصورة في الدرج وصرخ بعلو صوته:
"أم السعد!"
فجاءت تركض له. قال وهو يستعد ليغادر المكان:
"هتأخر النهارده بره البيت، ووعد متطلعيش منه، ولو الحارة اتطربقت على بعضها.. سامعة؟"
أومأت بنعم وهي تقول بقلق:
"هو في حاجة يا بيه؟"
أجابها وهو يتعاداها بسيره:
"لأ مفيش، أنا بس ببين لك إنها مينفعش تخرج النهارده أبدًا ولو حصل إيه."
وتركها متوجهًا نحو مكان آخر.. نحو مخزن قريته ليقوم بتبريد ناره.
بغرفتها كانت تجلس هي، بيدها كتاب من المفترض أنها تقرأ فيه، لكن عقلها كان مشغولًا بشيء آخر. كان مشغولًا بزوجها عندما طلبت منه أن يتحدث عن نفسه. تنهد طويل وصمت بوجع. علمت أنه يحارب نفسه ومتاهاته. ظنت أنه يسترجع قوة نفسه ثم سيحكي، لكنه لم يستطع. كاد يتحدث ولكنه لم يستطع. مرة فأخرى وأخيراً عندما فشل، نهض واستعد ليغادرها وهو يهتف:
"مش لازم تعرفي الماضي، لأنه أحيانًا بيكون نقطة الفصل والبعد بين أي اتنين."
هكذا قال فقط وابتعد، ومنذ أن ابتعد منذ ذلك الحين لم يقترب أكثر. بات يبتعد ويتهرب كأنه يحارب عدوًا قاتلًا، كأنه يهرب من شيء لا يراه أحد سواه.
تنهدت بألم عالياً وهي تهمس:
"شكلك شايل كتير يا تايسون."
بمنزل جعفر وشقيقته علا "الله ياخدها".
كان يجلس يتناول طعام الغداء وهي معه، كل منهم بعالم آخر. هي تنتظر الفرصة لتنفذ مخططها، وهو يفكر بهويدا التي كثرت مقابلات الصدفة بينهم. وبعد كل مقابلة ولقاء كان يغادرها وهو يعلم تمامًا أنه ترك قطعة من قلبه معها. مع آخر لقاء استطاع أن يجزم بأنه لا يستطيع أن يحيا بدونها. فلتقع في ذنوبه ويغوص هو في بحور حبه. لا يوجد بيده سوى أن يفعل ذلك.. أن يتقدم ليتزوجها. لن يستطيع أن يبتعد عنها، وإن رفضته لأجل عمله. حقًا.. حقًا سيتركه لأجل عيونها.
قطع حبل أفكارهم سويًا رنين هاتفه. نظر لاسم المتصل وجده تايسون. قرأت الاسم كذلك علا. ترك جعفر ما بيده وأمسك الهاتف. دخل لغرفته وأغلق الباب خلفه. توجهت هي سريعًا خلفه، وقفت خلف الباب لتتجسس عليه.
فوجدته يقول:
"يعني النهارده يا باشا؟.. بنفسك!! أنا فكرت إن الرجالة هما اللي هيخلصوا.. اشمعنا دول اللي هتخلص عليهم بنفسك.. لأ لأ مش هسأل خلاص، أنا جاي على المخزن علطول."
وربطًا بحديثه هذا والسابق الذي دار مع الرجل، استطاعت أن تستنبط أنه يقصد حكاية الأطفال الموجودين في المخزن والمطلوب التخلص عليهم.
إذن، تلك فرصتهم. ابتعدت عن الباب قبل أن يفتحه أخيها ويغادر المنزل دون حتى أن تخبرها بشيء. أمسكت هاتفها وأرسلت لرامز رسالة تخبره فيها بما حدث وما سمعته، كذلك تخبره أنها تلك هي فرصتهم للتفريق بين الزوجين. اطمأنت أنه قرأ الرسالة ثم عادت تكمل تناول طعامها وهي تتغنى بسعادة.
فالشر مهما سطع الخير.. سيكون موجودًا.
والحقد وإن فاتت مئة سنة.. سيكون مسكونًا في القلوب.
لا يمكن أبدًا أن يحيا أحد سعيدًا.. وهناك مئات من المتطفلين.
عودة لـ منزل تايسون.
كانت مازالت في غرفتها جالسة على فراشها. تنهدت بضيق وهي تستعد لتغادرها قبل أن يوقفها صوت وصول رسالة. فتحتها فوجدت رسالة من رقم غريب محتواها:
"وعد اللي أنا عارفها بتقدس الحق والخير، وبتبعد عن الشر، بتكره الظالم وبتنصر المظلوم، لكن انتي.. انتي مش وعد. أصل غريبة إنك تباتي كل يوم في حضن قاتل وانتي عاملة نفسك مش عارفة.. اممم معندكيش دليل على كلامي؟ روحي النهارده عنوان "...." مش هيكون بعيد عليكي، دا موجود في نهاية حارة جوزك وهناك هتشوفي القاتل.. سوري قصدي جوزك على حقيقته.. فاعل خير."
قرأت الرسالة عدة مرات بخوف من أن يكون حديثه حقيقيًا. ماذا ستفعل إن كان حقيقيًا! لن تستطيع أن تتحمل. ستبتعد.. ستغادره دون شك. لن تستطيع أن تراه بتلك الصورة البشعة.
يا الله، لا تجعلني أراه بذلك الشكل. لا تجعله قاتلًا. كذّب أحاسيسي ومخاوفي، وحقق آمالي بألا يكون قاتلًا. أرجوك يا إلهي.
ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه. عبارة نعلمها جميعًا منذ أن كنا صغارًا وكل مرة تثبت صحتها بقوة.
ارتدت ملابسها وهبطت للاسفل. كادت تفتح باب المنزل فوجدت أم السعد خلفها تقول:
"ممنوع الخروج يا هانم."
نظرت لها بتسأل فتابعت الأخرى موضحة:
"الباشا محرج عليا طلوعك النهارده يا هانم."
كلمة "النهاردة" زودت من شكوكها، لكنها بلا حديث تركت الباب وعادت أدراجها. توجهت إلى الشرفة واستخدمتها.. لتهبط. كل مرة كان يمنعها هو، لكن اليوم هو ليس موجودًا، إذن فخطة الهروب ستنجح. بلا.. شك.
رواية حارة تايسون الفصل التاسع عشر 19 - بقلم زينب سمير
علي اطراف الحارة كان يقبع مخزن تايسون القديم. المخزن لم يكن بالحجم الكبير، فقط ساحة طويلة علي اطرافها ثلاث غرف متوسطين الحجم واخرتين كُبار كان يتم فيهم تخزين البضائع.
بأحدي تلك الغرف سكن سرير ابيض اللون مماثل لـ تلك السرائر التي توجد بالمستشفيات الحكومية. بجوار الفراش كانت هناك طاولة عليها العديد من الادوات الطبية ك المقص وعدة انواع منه، المشرط، بعض الابر، ومغلفات ادوية، واشياء اخري كثيرة.
كان يقف تايسون امام الفراش ينظر له بشرود. يفكر بالماضي وكل لحظة مرت امام عينيه لاخيه، وما كانت تلك الافكار سوي تزيد من وجعه وحقده. بجواره جعفر الذي يراقب الوضع بصمت دون التدخل بأي شئ. ورجلين اخرين مساعدين.
امرهم تايسون بالمغادرة حيث هتف بالامر:
- مش عايز حد منكم.
ردد جعفر باعتراض:
- ياباشا.....
قاطعه:
- مشيهم واستناني انت برة ياجعفر.
ولم يكن بيد جعفر سوي المثول لأوامره. لحظات وبالفعل كانت الغرفة فارغة من الجميع الا سواه. ترجل من الغرفة ودخل الي التي تجواره. كان بها اربعة اطفال. نزع عن كل منهم الغطاء الذي كان يغطي رؤوسهم.
رمقهم الاربعة بعيون متوسعة بخوف. لم يتأثر بنظراتهم لـ لحظة، لكن بعد تلك اللحظة ازدادت ضربات قلبه دون شعور منه. وعيونه تتواصل مع عيونهم.
هل سيستطيع فعلا ان ينهي حياتهم بيده؟
كما فعلوا اهاليهم من قبل هذا مع اخيه.
سوي بيدهم او ساعدوا بدون قصد في فعل ذلك.
تنهد وتنفس طويلا، محاولا ان يخرج كل الافكار السوداء عن باله. سحب يد احدا فطالعه الطفل برهبة كبيرة.
لحظات وبدا الطفل بالبكاء العالي وتابعه الثلاث اطفال الاخرين.
تنهد بضيق وسحب الطفل خلفه. هتف لـ الباقيين قبل ان يغادر الغرفة تماما:
- اللي هسمعه صوت تاني مش هرحمه.. سامعين؟
اومئوا له بخوف وايطاب، وساد الصمت علي المكان.
عاد بالطفل الي الغرفة الاخري، سطحه علي الفراش. امسك ابرة مليئة بسائل البنج ودسها تحت جلـد الطفل. لحظات وغاب الطفل عن الواقع.
لحظات اخري وكان الطفل سيغيب عن العالم اجمع.
بارتعاش مسك تايسون المشرط ووجهه نحو جسد الصغير و......... .
طرق رامز علي باب غرفة مكتب نصري ودخل بعد ان سمح له نصري بذلك. بعدما لمح نصري.. رامز تغيرت تعابير وجهه من الهدوء الي الضيق البائن. حاول ان يخفيه وهو يقول:
- في حاجة يارامز؟
هتف رامز ببسمة واثقة:
- بقي عندي الدليل اللي يثبتلك ان جاسر الصاوي خارج عن القانون وقاتل ياباشا.
طالعه نصري بنظرات غير مفهومة بين التصديق وعدم التصديق. فرامز لا يغفل عنه شئ وربما يقول هذا فقط ليبعد وعـد عنه.
تفهم رامز نظراته فقال بصدق:
- المرة دي انا معايا الدليل فعلا، تعالي معايا وهتشوف الحقيقة.
لم يتزحزح نصري عن مكانه، فتقدم رامز وسحبه عن المقعد و:
- هتشوفه بعينك وهتصدقني، وهتعرف انك رميت بنتك في النار بأيدك.
نطق نصري محذرا:
- رامز.....
قاطعه رامز:
- لـو طلعت كداب انا هنسي تايسون دا وهبعد عنه وعن وعـد وهقفل صفحتهم.
وامام اصراره تابع نصري خطواته بقلة حيلة وربما رغبة ايضا في معرفة الحقيقة ان كان صادقا.. !!.
توقع جعفر بالفعل امام مخزن الحارة. كان يعلم ان الامر سيطول وقته حتي ينتهي تايسون، فراح يلعب بالحصي بملل. دقيقة.. فأثنتين وشعر بخطوات تقترب من المكان. حوله تعجب من ذلك، لكن لحظات وعَلي صوت احداهن كأنها تطلب العون.
تتبع الصوت حتي وصل لفتاة محاصرة بعدة شباب يحاولون مضايقتها. عندما دقق النظر وجدها هويدا.
أسرع بخطاه نحوهم، وهو يسبهم بداخله.
ما ان وصل لهم حتي انقض عليهم ضربا، حتي فرّ بعضهم هربا من المكان. الذي بيده حاول هو ايضا الهرب لكنه لم يفلح.
منحه لكمة عنيفة وهو يصرخ:
- هخلي تايسون بية يفرج عليكم الحارة كلها بس استنوا، بقي بتتحرشوا علي واحدة من حارتكم دا انتوا ليلتكم مش هتعدي.
تابت حديثه بلكمة فأخري. امسكت هويدا معصمه وابعدته عن الشاب وهي تهتف بخوف:
- كفاية ياجعفر هتموته في ايدك كفاية.
وما ان تفككت يده عن الشاب قليلا حتي فرّ الشاب هو الاخر هاربا.
نظر لها بغضب مزمجرا:
- كنتي سيبتيني اطلع روحه.
هويدا بشفقة علي الشاب:
- هتعمل اكتر من كدا اية بس!
تنحي عن غضبه عنهم ووجه غضبه لها هاتفا:
- وانتي اية اللي معديكي في منطقة زي ديت.
توسعت عيونها زهولا وهي تهتف:
- انت مش معقول.
نطق سائلا بحدة:
- ردي.
جابته بتوتر من نبرته:
- كنت جاية اشوفك.
توسعت عيونه بزهول وعدم تصديق أثر اجابتها، لم يصدق الاجابة والجراءة التي اتت بها لتجيبه من الأساس.
هتفت بخجل وهي تري نظرات عينيه المتوسعة نحوها:
- انا قصدي كنت قريبة من هنا ولمحتك فجيت اسلم عليك.
كان يعلم انها كاذبة لكنه اظهر التصديق وهو يؤمي بتفهما.
استاذنته وغادرته سريعا بخطوات مرتبكة وبقي هو ينظر نحوها وهي تسير مغادرة بابتسامة واسعة.. سعيدة.. فرحة.
اثناء ذلك الوقت.. وصل " توك توك " امام بواية المخزن. هبطت منه وعـد وانقطت سائقه بـ المال. غادر هو وبقيت هي تنظر لـ المكان بخوف وقلق من ما ستراه بعد قليل.
متمنية داخل نفسها الا يريها الله ما يوجع قلبها. تنهدت بقوة ثم بخطوات مصّـرة توجهت نحو بوابة المخزن. كانت مواربة فكان سهل فتحها. دخلت من خلالها ثم اعادت اؤرابها من جديد.
كان الصمت يعم المكان فأعبث ذلك الصمت بداخلها بعض الشعور بالطمأنينة من ان يكون حديث ذلك ' فاعل الخير ' كاذبا.
لكن.. عندما امعنت السمع وصل لها صوت شهقات اطفال باكية فهوي قلبها باسفل اقدامها. تابعت الصوت حتي وصلت الي الغرفتين. غرفة يجى منها صوت الشهقات واخري يأتي منها اصوات ادوات طبية تتلاحم مع بعضها.
اضطرت ان تتجاهل الشهقات وهي تتوجه نحو الغرفة الاخري بخطوات عاجلة.
و.. فتحت الباب.
فوقعت عيونها عليه يقف امام فراش عليه طفلا وبيده مشرطين يقل بالتلاعب بهم بشرود. عندما انتبة لصوت الباب يُفتح التف ناحيته. عندما راها التمع الدمع بعينيه وهو يهمس:
- مش قادر أأذيه ياوعـد، مش قادر.. شايفه كريم ومش قادر اقرب منه ياوعـد.
رغم بشاعة الصورة التي راته فيها الا ان دمع عينيه ابعد عنها اي مشاعر سوداء نحوه. اقتربت منه لتحتضنه و:
- انت مش قاتل ياتايسون.
بكي داخل احضانها طويلا وهو يقول:
- استنيت كتير وعملت كتير علشان اوصل لـ اللحظة دي ولما وصلتلها مقدرتش اعمل حاجة.. انا ضعيف.
ردت علي حديثه بنفي:
- انت مش ضعيف، انت عندك انسانية.
تايسون:
- مش قادر اجيب حق كريم، كريم هيفضل زعلان ومش مرتاح في قبره.
هربتت عليه وهي تردد بثقة رغم جهلها بقصة " كريم ":
- اخوك كدا فخور بيك، عمر ما في حد بيفرح بسيل الدم ياتايسون.
ازداد شهقات بكاءه وهو يهتف:
- مش هقتلهم؟
وعـد:
- مش هتقتلهم.
بحديثها كانها ضغطت علي زر انفجار الكبت بداخله حيث بدأ يبكي ويصرخ طويلا. يبكي قلىـةحيلته، يبكي وجعه، يبكي كرهه والظلم الذي تعرض له، يبكي علي كل ما فات وعلي كل ما سيأتي، يبكي علي كل لحظة آلم عاشها.
ظل يبكي ويبكي حتي طال الوقت، كل هذا وهو بين احضانها ساكن.
بعد قليل.. فُتحت بوابة المخزن وخرجت منها وعـد ومعها تايسون. توجه تايسون لسيارته ومعه وعد. هتف موجها حديثه لجعفر قبل ان يغادر:
- رجع العيال لأهاليهم ياجعفر.
وغادر تاركا خلفه جعفر ينظر لاثره بزهول.
كيف اتت وعـد؟ كيف عاد بقراره؟ كيف وكيف؟
اسئلة لا اجابة لها.
بالاخير.. خرج بهم جعفر من المخزن وتوجه بسيارته نحو بوابة الحارة لكي يخرج منها ويَرّجع الاطفال لـ أهاليه.
لان نصري بات معرفا لدي حرس الحارة، دخل ومعه رامز. لم يتوجها لمنزل ابنته بل لمخزن الحارة. نصري يذهب بعقل شارد ومفكر ورامز يذهب بسعادة متشوقا لـ اللحظة التي انتظرها منذ زمن. صفا السيارة امام المخزن ودخلا بسهولة فهو مامال مواربا!
ظلا يفتحا بابا خلف اخر بحثا من المشهد المطلوب لكنهم لم يجدا شيئا. دون شعور من نصري تنفس براحة، اما رامز فراح يلقي كل ما تطوله يده علي الارض وهو يصرخ بأنهيار كلي:
- ازاااااي... ازااااااي.
هتف نصري له وهو يغادر المكان:
- ابعد عنهم بقي وكفيهم من نارك.
وهل سيفعل رامز ذلك؟ هل سيبتعد عنهم؟
ربما.. فلما لا!
تسطح جسده علي الفراش، نظر لها وهو تنزع عنه حذائه بعيون نصف مغلقة. لم يكاد يتحدث حتي غفي في النوم بدون شعور منه. تركته هي ليرتاح وتوجهت نحو الشرفة.
جلست فيها وراحت تفكر بكل ما حدث منذ دقائق لا تُعدم.
ظهره وبيده مشرط والطفل امامه لا يفارق عقلها.
أكان سيفعل ما كان سيفعله ان لم تأتي؟ كان سيرتكب جرما ك هذابالله هل كان سيفعل؟
تشعر انها مشوشة، هي بالفعل تحيا مع قاتل. ربما لم يستطيع ان يقترب من احدا الان لانه طفل، لكن ربما فعلها من قبل مع كبارا، ربما فعلا كان يفعل كما قالت لها علا من قبل.
يستقطب الفتيات ويدخلها عرينه ثم لا رجعه لهم.
عليها ان تحادثه وتواجهه، عليها ان تعرف عنه كل شئ.
لتستطيع ان تحكم عليه، وتقرر هل ستكفي العيش معه ام ستهرب من عرينه وشروره.
عليها ان تتحدث معه.. هي يجب ان تفعل ذلك صدقا.
جنون رامز لم يكن نقطة في بحر حالة الهستريا التي اصابت علا بعدما علمت منه ما حدث وفشل مخططهم. ظلت تصرخ بغل وهي تضرب الحائط بيدها بقوة.
تلك المدعاه بـ وعـد ستصيبها بالجنون بلا شـك.
كل محاولاتها لان تبعدها عن طريق تايسون تبئ بالفشل، لما بالله؟ لما؟ لما تقع تلك الوعد في طريق الرجل الوحيد الذي تمنته في حياته.
اما الذي في تلك الوعـد يزيد عنها مما يجعله يفضل تلك الوعد عنها.
تحرقها حية ام ماذا تفعل؟
ستحرقها.. او ستقتلها.
لا بديل لها عن ذلك.
ولن تخبر رامز بمخططها، فهو يريد وعد وان علم بمخططها سيرفض، ستنفذ المخطط الجديد بدون مساعدته، ستنفذه بنفسها لتطمئن من انها ارتاحت منها لـ الابـــد.
منذ الصباح ولحتي عم الليل وهي جالسة في الشرفة دون حراك. قاطع خلوتها صوته الجامد وهو يقول:
- عارف ان في مليون سؤال جواكي وانا هجاوبك عليهم كلهم.
رواية حارة تايسون الفصل العشرون 20 - بقلم زينب سمير
منذ الصباح ولحتى عم الليل وهي جالسة في الشرفة دون حراك.
قاطع خلوتها صوته الجامد وهو يقول:
- عارف إن في مليون سؤال جواكي وأنا هجاوبك عليهم كلهم.
التفت تنظر له. كان يقف أمامها بمظهر جديد كليًا عليها، يظهر عليه الإرهاق جليًا، ليس إرهاقًا جسديًا فحسب بل نفسي يكاد يقتله من كثرة التفكير. عينيه ظهر فيها ذبلان كبير، تشعر من مظهره وكأنه كبر فوق عمره عمرًا آخر.
على الرغم من تعاطفها مع حالته إلا أنها هتفت بجدية:
- يا ريت فعلاً تجاوبني وتريحني.
تنهد بتعب بائن وهو يترك مكان وقفته، توجه لمقعد مقابل للجالسة عليه هي وجلس عليه. نظر لها و:
- تحبي تعرفي إيه بالظبط؟
أجابت بحماس واهتمام:
- كل حاجة عنك.. من أول ما اتولدت لدلوقتي.
صمت للحظات عقب جملتها، استجمع فيها نفسه وثم راح يحكي:
- أنا جاسر فاروق الصاوي يا وعد، ابن فاروق الصاوي واحد الدنيا لعبت معاه فجأة بالحلال وقدر يثبت نفسه. كبر بالحلال وفكر إن كل اللي حواليه كبروا بالحلال زيه. بالصدفة وقعت أوراق في يده بتدين أصحابه في شغل غير مشروع بالمرة. هددتهم إنهم لو مَبطلوش شغلهم ده هبلغ عنهم. أقنعوه إنهم هيبعدوا، بس فجأة لقيهم بيهددوه بعياله، كريم وجاسر.
نظرت له بأستفهام فتابع:
- أيوه أنا وأخويا. وثق في العدالة ودخل وبلغ عنهم. روّح وضميره مستريح وحاسس إن القانون هيرجعله عياله، بس للأسف القانون كان الوجه العام للفساد. الظابط اللي مسؤول عن البلاغ باع الحكاية بشوية ملاليم. هددوه ببنتُه فسكت ومحى البلاغ من السجلات. عارفة بنته اسمها إيه؟
وعد بأستفهام واهتمام:
- إيه؟
نطق بجمود:
- وعد. وعد نصري خالد، أبوها هو الرائد نصري خالد.
طالعته بصدمة. تجاهلها هو متابعًا حديثه:
- أبوكي اختار حياتك مقابل حياتنا. مفتش ساعتين وكانوا باعِتين لأبويا مكاننا أنا وكريم. راح بابا لاقى كريم جثة مشرحة مفيهاش أي أعضاء وأنا كنت منهار. الصورة مكنتش بتفارق بالي أبدًا وهم بيشرحوا في كريم والدكتور اللي مسك قلب كريم في إيديه، كان لسه بينبض بين إيديه وهو بكل جبروت بيقولي شايف قلب أخوك؟ بابا قرر يجيب حق كريم بنفسه بس ملحقش.
ضحك بمرارة وعيونه لمعت فيها الدموع. دموع غزيرة بتحرق في قلبه و:
- مات وحصل كريم. أمي مستحملتش فراقهم فسابتني وراحتلهم بعدها. كلهم فكروا في نفسهم وراحتهم وسابوني لوحدي مع جدة قلبها محروق ومضطرة تتماسك عشان حفيدها. هي اضطرت تنسى عشان تعيش، بس أنا منسيتش. كبرت وأنا في بالي حاجة، أنا معنديش اللي أخسره فلازم أخسرهم هما قبل ما أموت. الحارة أخدتها بوضع الإيد. معروفة الحارة دي إنها فيها أوباش وأوساخ كتير، إنها ملهاش قانون ولا كبير. دخلتها وبقيت كبيرها بالقوة، دخلت بالسلاح بعد موت كبيرهم اللي كان قبلي، ضربت رصاصتين وهددت بقتل اللي هيقرب. يومين خناق مع بعض وسب، ويومين متصالحين، سنتين بالظبط وأنا عايش في الحارة وكل يوم ببقى خايف لينطوا عليا ويقتلوني. هما عايزين يعيشوا في أمان وأنا عايز أحقق انتقامي. فاتفقنا. كلهم بقوا رجالتي، فيهم رجالة مخها توزن بلد استغليت أفكارها صح، وكنت حريص جدًا على نشر فكرة إني قاتل قتلة عشان يفضل الخوف صاحي في قلوبهم وقلب الشرطة.
الكل مفكر إني تاجر أعضاء وإيه متأكدين كمان! في حين أنا أصلًا معرفش حاجة عن الحكايات دي ولا أعرف بيتصرفوا فيها إزاي. أنا نشرت الفكرة عشان بس أفضل ناشر الرهبة حواليا. كل شخص في الحارة عندي استعداد أفديه بروحي. كبرت ووصلت. فاضل إيه؟
نظر لها وتابع ببسمة هادئة:
- بالظبط.. فاضل آخد حق اللي ماتوا. كنت ناوي أجيبك مع اللي شوفتيهم.. وأخلص عليكي وخلاص، بس لما دورت وراكي عجبتيني فقولت ليه لأ؟ نغير الخطة معاكي شوية. وحصل وخطفتك. واقنعتك بفكرة إني عايز أخلف. قولت أعيش يومين حلوين برضوا. يوم فرحك هو اليوم اللي خطفت فيه الأربع أطفال. كل طفل من دول أبوه كان السبب في حالتي دلوقتي، كلهم آباءهم خوافه، بتخاف من القوي، ضعيفة وإن حاولت تظهر عكس ده، بتموت في الحرام وبتعبده. كان لازم دول اللي أخلص عليهم، لأن دول السبب في نشر الشر والفسوق لدلوقتي. هما سبب عذاب أي حد، الشر موجود وبيزيد بسبب الناس دي وهيفضل يزيد طول ما الناس دي ساكتين. كل حاجة كانت ماشية تمام.. بس أنا حبيتك. لقيتني برجع معاكي لإنسان طبيعي، بينام من غير كوابيس، بيضحك ويفرح ويحلم ببكرة. بقيت إنسان أنا مكنتش عايزه. تراجعت في قرار الأطفال ده يوم واتنين وكثير، لحد امبارح قولت لازم.. بس لما وقفت قدام أول طفل فيهم مقدرتش أشوفه غير كريم. مقدرتش أقرب يا وعد.
تنهد طويلًا وأخذ نفسًا عميقًا و:
- سنيني كلها اللي جهزت فيها نفسي عشان اللحظة دي ضاعت وملهاش لازمة. انتي اللي صحيتي فيا المشاعر؟ ولا أنا اللي كنت هعمل كدا حتى لو مظهرتيش! مش عارف حقيقي بس اللي عرفته إني لو عملت حاجة للعيال دي، قلبي هيوجعني عليهم قبل أهاليهم حتى. في اللحظة الأخيرة عرفت إن انتقام ربنا في الآخرة هيكون أقوى وأشد من انتقامي منهم ألف مرة.
وصمت بعد حديثه الطويل هذا، صمت وعَلي فقط صوت بكائها عليه، كم تحمل وعانى، كم تفاجئت من صورة والدها البشعة التي ظهرت لها، كم أن العالم قاسي.
عرفت أيضًا شيئًا هامًا.. هناك ملائكة يظهرون بمظهر الشياطين وهناك العكس.
التفكير في كم عانى هذا الطفل يجعلك تبكي دون شعور، مهما قالت لن تستطيع أن تربت على قلبه، مجرد تخيل الأحداث أوجع قلبها لدرجة لا وصف لها.
كل ما استطاعت أن تنطقه بعد طول صمت وبكاء:
- ينفع نكمل كلامنا بعدين؟
تفهم حالتها فإومأ بنعم. ما أن أشار بالموافقة حتى غادرته، توجهت نحو فراشها وجلست عليه، بينما ظل هو في مكانه، ينظر للمكان. حولت بنظرات جامدة خلفها تقبع آلاف من الحرائق.
توجه لداخل الغرفة بعد رُبع ساعة تقريبًا، قال لها قبل أن يغادر الغرفة:
- لو عايزة تطلقي يا وعد فأنا مش هرفض، فالنهاية أنا مش هغصب عليكي إنك تقعدي معايا وتبقي مراتي وفي يوم أم أولادي.
بعدما غادر غرفتها توجه لغرفة مكتبه، جلس على مكتبه وفتح درجًا فيه، أخرج منه متعلقاتها الشخصية التي تناستها معه، كانت ضمن متعلقاتها صورة لها. أخذها وراح يلمس على صورتها ببسمة حب، يتعجب من حبه هذا لكنه بالفعل أحبها، هي التي كانت من ضمن أسباب الحياة التي يعيش فيها الآن.
إلا أنها استطاعت أن تسرق أنفاسه وحبه.. استطاعت أن تفعل في قلبه الأفاعيل.
تنهد عاليًا وهو يهتف بينما ينظر لصورتها:
- فداكي قلبي وروحيا.
عاد الصورة لدرج وفتح درج آخر، كانت به صورة مرسومة لوالده ووالدته وأخيه. كان رسامًا رسمها له حسب طلبه، الصورة تضمه هو أيضًا بينهم. ابتسم بدموع حارقة وهو يتأمل الصورة، الرسام بإحترافية شديدة استطاع أن يرسم على ملامحهم الراحة وعليه هو الحزن والمشقة في بعدهم كما طلب.
بالفعل كان رسامًا بارعًا استطاع أن يرسم كل ما يجول بقلبه من متاعب على ملامح وجهه.
هتف بأسف لهم:
- مقدرتش آخد حقكم.. سامحوني، سامحني يا كريم.
على رنين هاتفه بتلك اللحظة، أخرجه من جيبه فوجد المتصل هو رقم فوزية.
تاب بلهفة عليها فأتاه صوتها الباكي:
- جاسر يابني طمني عليك.
رد بصوت هادئ محاولًا أن يطمئنها:
- أنا كويس يا فوز والله.
قالت بدموع:
- قلبي متوخوش عليك وحاسة إنك مش بخير، خلي بالك من نفسك كويس.
جاسر بأيجاب:
- من عيوني.
أكملت بعتب:
- وابعد عن سكتك يا جاسر، ابعد عن العالم اللي عايز تدخله ده.
تنهد عاليًا وهو يهتف:
- بعدت يا فوز والله بعدت، مقدرتش أدخله.
هتفت بنبرة فرحة كأنها عروس بليلة زفافها:
- بتتكلم جد يابني؟
ابتسم وهو يجيبها:
- أيوه يا ست الكل.
فوزية بسعادة بالغة من الطرف الآخر:
- رضيت قلبي.. رضي عنك ياحبيبي، رضيت قلبي والله.
وبعد عبارات كثيرة من الحب أغلقت معه أخيرًا.
مساءً كان حزينًا.. تعيسًا على البعض، مظلمًا رغم سطوع قمَره، عليه وعليها، على علا وعلي رامز. المساء على الجميع كان تعيسًا إلا على جعفر الذي بات ليلته مبتسمًا وصورة هويدا في جوف عينيه.
وبالصباح.
استيقظت. نهضت عن مكانها فوجدت الجناح فارغًا. علمت أنه ترك لها المكان طمعًا كي لا يضغطها بوجوده. كانت قد قررت ماذا ستفعل، لذا نهضت عن مكانها وتوجهت لحمامها. خرجت وتجهزت، ثم هبطت للأسفل.
قابلت أم السعد فسألتها عن مكانه.
وكانت الإجابة أنه مازال بغرفة المكتب منذ مساء الأمس.
دخلت للمكتب وجدته نائمًا على الأريكة.
اقتربت توقظه بصوتها الرقيق، تلملم وهو يتشدق باسمها بنعاس ودون شعور، ابتسمت وهي تستمع لكلماته التي تخرج بدون وعي: "بحبك يا وعد.. حبيبتي.. وعدي".
وأخرى وأخرى من ذلك القبيل.
هزته مرة أخرى ففتح عينيه هذه المرة بنعاس ينظر لها بتشوش. هتفت وهي تحاول أن ترفع جسده عن الأريكة:
- قوم ياتايسون.
رد وهو يعاود النوم على الأريكة مرة أخرى:
- اسمي جاسر.
هتفت بنفي:
- اسمك تايسون.. أنا معرفكش غير بالاسم ده.
رد بصوت ناعس:
- عايزة إيه يا وعد، لو عايزة تطلقي استني لما أصحى.
أومأت بالنفي بدلال وهي تتسطح فوقه وتعقد ذراعيها حول رقبته و:
- توء، عايزة أزور تيتا فوزية وأزور قبر حمايا وحماتي.
فتح عينيه ونهض فجأة فسقطت هي على الأرض. صرخت بتأوه وهي تهتف:
- مش تخلي بالك ياتايسون!
تايسون بسعادة:
- حماكي وحماتك يعني مفيش طلاق.
قالت ببسمة خفيفة:
- توء مفيش طلاق، المشكلة إني حبيتك.
أنهضها عن الأرض وأجلسها بين ذراعيه وعلى قدميه:
- أنا اتحبيت فعلاً معاكي.
لعبت بشعيرات ذقنه المنبتة بأصابعها الطويلة و:
- مغرور.
قبل إحدى وجنتيها:
- حقي أتغر مش متجوز قمر.
أمسكت خصلة من شعرها ولعبت بها بغرور مصطنع فتعالت ضحكاته عليها، قبل إحدى وجنتيها وتوجه صوب فمها وهو يهتف بنبرة ناعسة:
- بس أنا عايز العيل اللي اتجوزتك علشانه.
وعد:
- هو أنا مقولتلكش.
تايسون بتعجب:
- قولتيلي إيه!
وعد:
- إني هعاقبك على الرعب اللي عيشتني فيه في الأول فمش هخلف.
حملها على ذراعيه وهو يقول:
- لا دا احنا نشوف الموضوع ده بقي في أوضتنا.
وخرج بها من المكتب وتوجه بها صوب غرفتهم بوسط ضحكاتها العالية المرحة.. ودعوات أم السعد لهم بالذرية الصالحة ودوام الحب بينهم.
وعلى جانب آخر كان رامز يتلظى بنيران غضبه.
وبعد تفكير شيطاني طويل أخذ منه ليلًا كاملًا هتف بنبرة غل:
- طالما مش نافع معاك حاجة يا جاسر الزفت فأنا هخلص عليك بنفسي ومش هسيبك غير لما أطمن إن روحك طلعت في إيدي.