فنهض وهو يدعو الله في سره أن يخيب ظنونه. ولكن حديثها نزل كالصاعقة من السماء عليه وهي تقول: "في تطابق بين العينتين في تحليل الـ DNA." تراجع بظهره حتى استند على الحائط، وأغمض عينيه لبرهة. ثم فتح جفنه بقوة قائلاً وهو يحاول تبرئة صديقه وبحكم دراسته: "تطابق من الدرجة الكام؟ فنظرت الطبيبة مجدداً إلى الأوراق، ثم عدلت نظارتها الطبية وقالت: "من الدرجة التانية."
فتنهد مهند براحة لبراءة صديق عمره، ولعن نفسه على تلك الأفكار الهمجية التي اجتاحت عقله. ولكن جحظت عيناه بفزع. "قصدك إيه من التانية؟ فتحدثت بكل رسمية وقالت: "من الواضح أن العينة دي من الأقارب من الدرجة الأولى للعينة الأصلية." فتقدم مهند وعقد ذراعيه أمام صدره وقال: "قصدك إيه؟ فقالت الطبيبة وهي تدقق النظر في الأوراق:
"بص يا فندم أنا عرفت إن دي عينة من جنين وأنت بتحاول تعرف الأب، فأنا بقولك العينة اللي جبتها دي لا يمكن يكون الأب، بس الاحتمال الأكيد إن الأب هيكون من الدرجة الأولى من الأقارب للعينة، بمعنى هيكون أخو أو أبو العينة اللي وصلت دي." فصافحها مهند بجدية قائلاً: "أنا متشكر جداً يا دكتور." ثم تناول ذلك الملف من يده وسار بخطى بطيئة قاتلة بعدما تأكد من هوية قاتل معشوقته. فهو لم يكن إلا عزيز.
عند ندى، وقفت أمام مرآتها وهي تطالع ذبول وجهها وشحوبه. فدَلَفَت والدتها ووضعت صنية الطعام واقتربت من ابنتها. "مالك يا ندي بقالك فترة متغيرة وشك بهتان." فالتفت ندى واتجهت إلى فراشها واتكأت عليه بحرص قائلة: "مفيش يا ماما أنا كويسة." فسارت صفاء بحرص وجلست بجانبها قائلة بحنان الأم وغريزتها: "يابت دانا أمك، لو مش هتحكيلي هتحكي لمين." فنظرت إليها ندى بحزن وتنهدت. فنكزتها أمها وغمزت قائلة: "الواد منصور مزعلك صح!
فهزت رأسها بسرعة نافية تلك الفكرة وقالت بلهفة: "أبداً أبداً بالعكس يا ماما دا مفرحني ديما، بس معرفش مالي بقالي فترة مخنوقة، وببقى عايزة أعيط من غير سبب، ووجع.. وجع يا ماما في كل حتة في جسمي." فوضعت الأم يدها على جبين ندى وقالت بقلق يعتلي نبرتها: "وجع إزاي يابت.. أخدك لدكتور." فهزت ندى رأسها بالنفي وقالت: "مفيش داعي يا ماما عادي، تلاقيه شوية إرهاق بس." ثم ابتسمت بوهن وقالت:
"اسكتي مش عملت لمنصور جواز السفر، فاضل بس أكلم البت هالة وأعرفها." فابتسمت أمها براحة وقالت: "سيبي موضوع هالة عليا." ثم قبلت رأس ندى وقالت: "الله يجبر بخاطرك يا ندي يا بت بطني ويجعل منصور من قسمتك ونصيبك." فضحكت ندي بخجل وقالت محتضنة أمها: "يارب يا مامي يارب." في السجن. رمزي بصياح: "يا عم متزقش بسسس ابعد كدا." فدفعه الحارس بداخل الزنزانة بجوار المجرمين. بعدما حكمت المحكمة عليه بالسجن لمدة عامين.
فنظر حوله بقلق إلى هؤلاء المجرمون. فسمع صوت يعرفه عن ظهر قلب. "رمزيييي! فالتفت على مصدر ذلك الصوت فوجد الآخر ينظر بصدمة. فركض إليه واحتضنوا بعضهم بحيوية. "ياااا راااجل." ثم ابْتَعَد ونظر إليه بتشفٍّ: "ماكنتش متخيل إننا هنتجمع في زنزانة واحدة." فضحك الآخر بسخرية وقال: "لا يا خويا صدق." ثم عقد حاجبيه وقال بترقب: "اومال أنت هنا لي؟ فتهتّكت معالم وجه رمزي وقال: "متقولش أنا هنا لي، قول أنا هنا بسبب مين."
فأشار محمد وقال بتردد: "اوعى تكون اااا.." فهز رمزي رأسه بالتأكيد. فتمتم محمد قائلاً: "ياااا بنت الكاااااااااالب، بندخلنا واحد ورا التاني." فجلس رمزي على حافة ذلك الفراش المتهالك وقال: "داوود لوحده عالساحة، صدقني يوم والتاني وهيكون جنبنا هنا." فأتى فاروق ولكن رائحته النتنة سبقته وقال: "مش تعرفنا على معارفك يا محمد بيه ولا إيه؟ فقال محمد باشمئزاز: "لا إزاي." ثم أشار إلى رمزي وقال:
"دا رمزي.. كان شغال جاسوس عند روز لحسابنا." فأشار فاروق إليه وقال بصدمة: "هو هنا عشان ااااا.." فهز محمد رأسه بنعم. فقهقه فاروق بقوة وقال بسخرية: "بقي ****** تعمل في تلات رجالة بشنبات كدا، يا عيني عالدنيا لما تبهدل الأبطال." فنظر رمزي إلى محمد بمعني بم$ذا يهزأ ذلك العجوز. فأشار إليه محمد وقال بهمس:
"لو عايز تعيش هنا بكامل قواك العقلية، فاوعى تركز معاه.. دا واحد واخد مؤبد يعني مش باقي عالدنيا.. دا غير المخدرات اللي لحست دماغه." فرفع رمزي رأسه وهمهم بتفهم وقال: "امممم تمام تمام فهمت." ففتح الباب وأتى الساعي قائلاً بجمود: "وقت الفطار." فنهض الرجال خلف بعضهم يتسابقون للخارج. وخلفهم محمد ورمزي. اتجه الجميع إلى صالة كبيرة بها العديد من المقاعد والطاولات. وهناك طابور كبير. فجذب محمد رمزي ووقف خلف الجميع.
حتى أتى دورهم فاخذ محمد نصيبه ورحل. بينما مد رمزي طبقه. فاخذ الرجل القليل من الفول ووضعه في طبق آخر. الذي سار بعدما أخذ نصيبه واتجه جالساً بجانب محمد الذي يتناول بشراهة الطعام. نظر رمزي بتقزز إلى الفول وإلى ذلك الخبز. ثم أمعن النظر في الفول مجدداً. ليتفاجئ بوجود السوس به. فشعر بالتقيؤ. فقال محمد وهو يمضغ طعامه: "كل كل أنا كنت زيك كدا في الأول لحد ما كنت هموت من الجوع." ثم نظر إلى رمزي وقال: "الجوع كافر يا صاحبي."
ثم أكمل تناول الفول. بينما نظر مجدداً رمزي إلى طبقه. ولكنه لم يحتمل فنهض ليفرغ ما في جوفه. فقال محمد بصياح إليه وهو يركض: "هاخد طبقك يا رمزي لو مش هتاكل." فأشار الآخر بالموافقة وركض إلى دورة المياه وهو يكتشف الطريق لأول مرة. بينما أخذ محمد طبقه قائلاً: "بكرة يتعود ويلحس الصحن دا لحسس." في أحد الأماكن الراقية. يجلس ذلك الرجل الخمسيني وهو يطالع تلك الأوراق بمهنية. حتى دَلَفَت ابنته. "بابي بابي." فخلع نظارته وقال بجدية:
"عاوزة إيه يا ميساء." فابتسمت بحب وقالت: "كنت عايزة أقولك إني هروح أزور واحدة صاحبتي فالمصحة." فنظر بتعجب واضح. فقالت بهمس: "أصلها كانت مدمنة." ثم قالت باستنكار: "بابي صاحبتي يمنى.. بنت صاحبك غريب الأطوار دا." فحمحم بصرامة وقال: "ماتتأخريش أنتِ فاهمة، لو جت الساعة عشرة ونص وأنتِ مش هنا هيكون فيه كلام تاني يا ميساء." فركضت وقبلته من صدغه قائلة: "عشرة ونص إلا خمسة هكون قصاد حضرتك يا أحلى وزير في الدنيا." في الشركة.
دلف هيثم بكل رسمية. فوجد روز تجوب الغرفة ذهاباً وإياباً بتوتر. وفي يدها ظرف من الواضح أنه دعوة إلى حفل أو مناسبة شخصية. ولكن ما لفت انتباهه أكثر ذلك الحرف البارز بكل وضوح. الذي كان حرف الـ D. وبه شعار لرأس ذئب أسود. لم تلاحظ دخوله حتى حمحم برجولية. فالتفتت إليه. وجلست على أحد الكراسي. فتقدم وجلس على الكرسي المقابل لها وقال: "مالك متوترة كدا لي؟ فاعطته تلك الدعوة. فنظر بغموض إليها وفتحها. دقائق ثم أغلق ذلك الظرف وقال:
"أنا مش شايف أي حاجة تخليكي في كل التوتر دا.. دي مجرد دعوة لحفلة عاملها الديب احتفالاً بنجاح شركاتُه عادي يعني." فبلعت ريقها بتوتر وقالت: "عارفة.. بس أنا مش برتاح للراجل دا، كل ما ببص في عينه بحس إن قلبي هيقف من الرعب.. عمري ما شفته بيضحك.. دا غير كمية كرهي له." فابتسم بسلاسة وقال: "خلاص متروحيش سهلة أهيه! فنظرت إليه قليلاً ثم قالت: "طب أقولك تعالي معايا.. حتى نفك شوية.. هعصر لمونة عليا وهروح." فضحك وقال:
"خلاص يا ستي اللي تشو.." وهنا اقتحم مهند المكتب وأشار إلى هيثم بجدية وقال: "هيثم ورايا." ثم غادر وترك الباب. فتعجب هيثم من نبرته الغامضة. ولكنه نهض واستأذن من روز. خرج هيثم فوجد مهند يشير إليه بالتقدم. فسار إليه ودلف. فأغلق مهند الباب خلف هيثم. فنظر هيثم بفتور إليه وقال: "في إيه يا عم أي دخلة المخبرين دي." فاعطاه ذلك الملف. فمرر هيثم نظره بين مهند وذلك الملف. ثم فتحه والقي نظرة ثاقبة لمدة دقيقتين.
أغلق الملف وقال بعدم فهم: "أيوه مش فاهم برضو أي التحليل دا." ثم فتحه مجدداً وقال: "دا تحليل DNA بس دا لإيه؟ فعقد مهند ذراعيه أمام صدره وقال: "دا تحليل DNA بين الجنين اللي كان في بطن الاء وبينك." فجحظت عينا هيثم وفتح ذلك الملف وقال بجنون: "انت بتشك فيا يا مهند.. معقول بعد كل السنين دي جالك قلب تشك فيا." ثم قلب في صفحات ذلك التحليل وقال بصراخ: "بيقوللللل الزفت داااا.. استحالة يكون ابني." فتهتّكت معالم وجه مهند وقال:
"إزاي دا حتى في تطابق في الجينات بس من الدرجة التانية." فرجع هيثم خطوتين للخلف وقال بصدمة: "قصدك إيه؟ فتقدم مهند منه وأخذ الملف وقال بكل قهر وحزن: "يعنيييي اخووووك عزيز اللي اغتصب الاء وقتلهااا." فنظر هيثم في عيني مهند وقال بهمس سمعه الآخر: "يعني اللي سمعته وشوفته كان حقيقي...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!