مش ناوي ترجع لهم بقا؟ مش كفاية عليها كده خمس سنين غياب؟ كنت بتابعها بعيني من بعيد، بتابع وهي بتتلفت وسط الناس وتصرخ فيهم وتدور عليا. لسه حافظاني وحافظة نبرة صوتي، ماتوهتش عنها. لسه جميلة بس زي الوردة الميتة اللي أصحابها بطلوا يسقوها. ضعفت أوي وخسّت.
لقيتها قعدت في ركن بعيد عن الناس بعيون بهتانة حزينة، حاطة إيدها على راسها وهي بتتنفس بصوت عالي ونفسها بضيق. لما تزعل، في الحالات دي كنت باخدها في حضني أهديها لحد ما تنام بين إيديا. بس دلوقتي عاجز، مش قادر أروح أضمها. مش قادر أحضنها. مش قادر أروح أبوس بنتي وأفتخر بيها زي كل الناس اللي هناك. مجرد إني عاجز فعلاً عن أي حاجة. فوقت على خبطة أحمد ابن عمي، واللي لولاه كان زماني جسد بس من غير روح. —يلا نمشي من هنا بسرعة.
—وآخره إيه يا مصطفى؟ هـتفضل بعيد كده لحد إمتى؟ طب وبنتك؟ انت عاوز بنتك تفضل كده طول عمرها من غير أب؟ زعقت بصوتي كله: —وأنا إيه بإيدي أعمله غير إني أبعد؟ وأفرض وفقت حصل زي اللي حصل قبل كده وموت بنتي بإيدي أو مراتي وأنا مش عارف أنا بعمل إيه ولا في وعيي؟ انت ناسي اللي حصلك ولولا دخول معتز كان إيه حصل! —واحنا لقينا البديل يا مصطفى، وأنت اللي مش موافق. بص مصطفى بعيد بشرود: —حتى لو عايش بنص عقل!
كفاية إني بشوف مراتي وبنتي حتى لو من بعيد. مش عاوز حتى الموت يحرمني من إني أرجع أشوفك أول ما أفتكرهم! مسكه أحمد من إيده وخرجه برا المكان كله. —طب يلا مريم وآسيا خرجوا أهو، يلا قبل ما حد يشوفنا. خرج مصطفى معاه من غير ولا كلمة. *** —مامي هو انتي روحتي فين فجأة؟ مش لاقيتك! ابتسمت نص ابتسامة: —معلش يا آسو، غصب عني حبيبتي دوخت، روحت قعدت بعيد.
بطلع مفتاح العربية بس ملقيتش موبايلي. دورت في الشنطة كتير وجيوبي ملقتهوش. افتكرت لما روحت أدور على الوهم اللي مشيت وراه، يمكن يكون وقع مني وسط الزحمة وماخدتش بالي. —آسو خليكي هنا مكانك وهقفل العربية. نسيت موبايلي جوا، ثواني يا حبيبتي وهجيلك على طول. هزت آسيا رأسها بهدوء.
نزلت دخلت المكان تاني وكنت قاعدة أدور على موبايلي مكان ما كنت بدور عليه، بس ملقتوش خالص. روحت سألت الأمن واديت له مواصفات موبايلي وقالي إنه تقريبًا حد لقيه وموجود في الأمانات جوا، لحظة واحدة وهيجيبوه. واقفة لقيت على الطريق التاني أحمد. استغربت إيه اللي جابه هنا. بس الصدمة قدرت تشلني مكاني. لقيت مصطفى بيركب جنبه! مصطفى فعلاً.. هو مصطفى؟ الصوت كان مصطفى مش مجرد تهيؤات زي ما كنت فاكرة؟ وأحمد؟
أحمد عارف مكانه طول السنين اللي فاتت وسايب قلبي محروق بغيابه؟ سايب قلبنا كلنا بيموت كل يوم في غيابه وساكت؟ سايب بنت أخوه اللي من غير أب يسأل عليها؟ واللي يوجع أكتر مصطفى؟ هان عليه يسيبنا كل ده وإحنا في الحالات دي؟ مش مهم أنا، أنا في ستين ألف داهية.. وبنته؟ وأمه؟ وأبوه؟ وعيلته؟ ولا هما كمان كانوا عارفين زي أحمد وسايبنا في التوهة دي؟
مبقتش قادرة أتحرك ولا أتكلم ولا أتنفس. مخي كان اتشل من الصدمة. جريت وسيبت الأمن، ركبت عربيتي بسرعة وطلعت ورا عربية أحمد بأقصى سرعة. مكنتش حاسة ولا منتبهة لأي حاجة تاني، حتى عياط آسيا من الحالة اللي كنت فيها والسرعة اللي سايقة بيها منتبهتلهاش غير على لمسة إيدها وهي بتهزني. —مامي أنا خايفة، فيه إيه؟ براحة.
هديت شوية العربية، لكن قلبي كان قايد نار. مش عاوز يهدي، بالعكس دا بيثور ويغضب أكتر وأكتر. كل ما افتكر كل يوم بيعدي عليا قلبي مقهور عليه. افتكرت من أول ما الرسالة اتبعتت لما قال إنه طلقني لحد اليوم ده! كنت عملت إيه عشان يعذبني ويوجعني كل السنين دي؟ عملت إيه؟ فجأة ملقيتش عربيتهم قدامي. كانت اختفت في لمح البصر. مش عارفة أنا راحة فين ولا ورا إيه ولا عشان إيه.
محسيتش بنفسي غير وأنا دموعي مغرقة وشي وشهقاتي كانت بتزيد كل ما افتكر كنت عاملة إزاي في بعده وهو كان عايش حياته إزاي. وقفت العربية مرة واحدة وأنا بخبط بدماغي في الدريكسيون بعصبية وجنون لحد ما حسيت إن قوتي بدأت تتلاشى. ولقيت آسيا ماسكة دماغي حاضناها وبتعيط هي كمان. كانت بتطبطب بإيدها الصغيرة على إيدي وبتهديني وهي بتعيط. خدتها أنا في حضني وأنا مكلبشة فيها جامد وباخد نفس مرة ورا مرة ورا مرة عشان أعرف أهدي وأهديها.
—آسيا حبيبتي بصيلي. هزت راسها جامد بـ "لا". —لا لا أنا خايفة. —أنا معاكي والله يا حبيبتي أهو، أنا كويسة متقلقيش، بس تعبانة أوي أوي ودماغي واجعاني عشان كده محسيتش بنفسي. ممكن تهدي؟ بصت لي آسيا ببراءة. —طب تعبانة ليه؟ تعالي نروح نكشف يلا. ابتسمت بهدوء. —حاضر هوديكي عند تيته لحد ما أروح عند الدكتور عشان أبقى كويسة.. أوكي؟ وديت آسيا عند ماما وطلعت على بيت أحمد وأنا بخبط وبخبط جامد.
طلعت لي سلمى مراته وهي مستغربة اللي بيحصل. زقتها بعيد وأنا بزعق: —جوزك فين؟ —فيه إيه يا مريم؟ أهدي. —بقولك جوووزككك فيييين؟؟ —معرفش، معرفش قالي إنه خارج وراه شغل، هو فيه إيه؟ —اتصلي عليه. —هو ف… —سلميييي من غير كلمة. نفذي اللي بقولهولك. سلمي مسكت فونها ولسه بترن. —أوعي تقولي إن أنا هنا، أوعي. هزت راسها. —أيوا يا أحمد. —إيه يا سلمي؟ فيه حاجة ولا إيه؟ —أيوه، تعالي دلوقتي عاوزاك. —طب تمام يا حبيبتي أنا جاي اهو..
—جاي دلوقتي. ممكن تهدي طيب؟ انتي شكلك تعبانة أوي وأعصابك بايظة. فهميني طيب فيه إيه؟ هو عمل حاجة؟ —لما ييجي، لما ييجي هتعرفي. *** —شكل مريم هناك عشان كده سلمي بتتصل. قولت لك شافتنا وعربيتها كانت ورانا. —روح وقول أي حاجة، أي حاجة يا أحمد غير إنك تعرف مكاني وتعرف أنا فين. بصله أحمد بضيق. —يا مصطفى مينفع… —أحمد وقسما بالله لو مريم عرفت حاجة لتكون ولا ابني عمي ولا أعرفك. بصله أحمد بقوة وغضب، وف الآخر سابه ومشي. ***
دخل أحمد من الباب بهدوء، كان دخول مريم عليه زي العاصفة. —هو سؤال واحد، مصطفى فين؟ —مصطفى إيه يا مريم؟ أنا مع… —كداااااب، أنت كدااااب. أنا شوفتكم، شوفتكم في حفلة آسيا. متحاولش تنكر. قولي مصطفى أحسن، وربي وربي ميحصل كويس. —مريم أهدي، أنتِ أعصابك تعبانة. —متقوليش أهدييي. مصطفى فين يا أحمد؟ مصطفى فين؟ —معرفش يا مريم معرفشش. أنتِ بتكلمي عن إيه؟
أنا فعلاً كنت عند حضانة آسيا وكان معايا واحد صاحبي بس مكنش مصطفى ده. صدقيني أنتِ أعصابك تعبانة، متهيألك. هزيت راسي بجنون وأنا مش مصدقاه. لو عيني كدبت، قلبي عمره ما يكذب عليا. أنا متأكدة إنه كان مصطفى. ريحته وصوته كانوا حواليا. لو الدنيا كلها قالت مش هو بس أنا متأكدة إنه هو. صرخت فيه بأعلى صوت: —كدااااب، أنا متأكدة. بقولك أنا متأكدة كان هووو.. هو فييين؟ قولي مكانه هو فييي!
مسكت الفازة اللي كانت جمبي وحدفتها بأقصى قوة عندي وأنا بصرخ، ومكنش على لساني غير: فيين؟ هو فيين؟ مصطفى فيين؟ أنا متأكدة إنه هو، أنا شوفته هو، هو مصطفى. حدفت فازة وطفاية وأي حاجة كانت بتقابلني، لا بكسرها، لا بقطعها. وسلمى كانت حاضناني وبتعيط ومش عارفة تسيطر عليا ولا حتى أحمد، لدرجة خربشته في دراعاته ووشه. مكنتش عارفة أنا بعمل إيه، والله مكنتش عارفة أنا بعمل إيه. كل اللي عاوزه مصطفى وأواجهه؟ عاوزة أعرف عمل كده ليه؟
عمل كده إزاي أصلاً؟ عاوزة أعرف جاله قلب إزاي يسيبني أنا وبنته؟ عاوزاه، عاوزه مصطفى. وقعت بين إيدين سلمى وأنا صوتي بيضعف واحدة واحدة وقوتي بتقل. لحد ما حسيتش بحاجة من بعدها. معرفش عدى وقت قد إيه. صحيت لقيت نفسي على سرير سلمي وأحمد.
كانت سلمى في المطبخ لوحدها. مكلمتهاش. مشيت لبرا البيت براحة من غير ما حد ياخد باله. نزلت من العمارة. كان أحمد بيدور عربيته وماشي. استخبيت ورا البوابة عشان ما ياخدش باله مني. أنا متأكدة إنه رايح له. بعد ما طلع بالعربية، وقفت تاكسي وخليته يطلع ورا أحمد على طول، بس من غير ما ياخد باله. لقيته نزل ودخل حاجة شبه كوخ كده في آخر المدينة خالص. دفعت فلوس التاكسي ونزلت مكان ما دخل. —مريم هتتجنن يا مصطفى؟
تقدر تقول هتستفاد إيه وإنت سايبها في حالتها دي؟ مريم بتموت بالبطيء. ولو إنت خايف عليها من الموت كده أو كده، فـ قربك أو بعدت هتموت. مصطفى بعد على كرسي وحط إيده على رأسه بحسرة وهو بيتكلم بخفوت وحزن: —حصل إيه؟ مصطفى مكملش الكلمة لقوا خبط جامد على الباب. بصوا لبعض باستفهام واستغراب. محدش يعرف المكان ده غير هما الاتنين وبس. —أنا هستخبي جوا وإنت شوف مين.
أحمد هز راسه ومصطفى دخل يستخبي، بس شئ جواه لا إراديا مخلتوش يتحرك. وقف مكانه، رجله مش قادرة تتحرك خطوة زيادة. عينه متعلقة على الباب كأن قلبه حاسس إنها هي. أول مرة يحس إنه مبقاش قادر يستخبي أكتر من كده. ومن إيه؟ ومن مين؟ أحمد فكره دخل جوه وفتح الباب. مريم مدتلوش فرصة يرد. دخلت زي الإعصار.
مجرد ما شفته وعنينا التقت ببعض، قلبي وقف عن الحركة والنبض. كل حواسي وقفت. كل قوتي اتبخرت. حسيت إن كل الكلام اللي في الدنيا والعتاب اتمسح من ذاكرتي. شفايفي اتحركت بس مش لاقية كلمات أو حروف تنطقها. حاسة إن الزمن وقف لحد اللحظة دي. قربت بخطوات شبه ميتة منه وأنا بحط إيدي على وشه بتأكد إنه هو.. عايش.. سليم.
مصطفى معملش أي حاجة غير إنه شدني لحضنه وأنا بشده لحضني أكتر. لدرجة إننا بقينا جسم واحد مش جسمين. كنت حاسة إني بين ضلوعه من كتر قوة الحضن. بعدت وكان أول رد رديت عليه: ليه كل الغياب ده؟ كان قلم نزل على وشه بأقصى قوة عندي. بكل الوجع اللي جوايا، بكل دمعة نزلت مني، بكل عتاب خدته من آسيا، بكل لحظة شايفة فيها آسيا زعلانة عشان أبوها اللي مشافتهوش ولا مرة.
قلم طفى نار قلبي اللي قايدة بقالها سنين. قلم من قوته وشه اتجه الناحية التانية وهو مغمض عينه بوجع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!