الفصل 3 | من 17 فصل

رواية حب بالاكراه الفصل الثالث 3 - بقلم ميفو السلطان

المشاهدات
20
كلمة
4,289
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 18%
حجم الخط: 18

كانت قد بدأت حنين تعد خطتها، وهي تشعر بالقرف مما تفعله، ولكنها مجبرة. ظلت تهدئ نفسها والغليان في قلبها، ثم أعدت العصير ووضعت له المخدر بزيادة. ذهبت إليه لتجده يمسك أحد السيديهات تخص الرقص الشرقي، فأخذته منه وأعطته العصير وقالت: "اقعد بقى، هسهرك سهره حلوة."

أشار بإصبعه إلى عينيه وهز رأسه. بدأت تضع السي دي وبدأت تتمايل وترقص، وهو يشرب العصير. ظلت تدور حوله وتتمختر راقصة، وهو قد أصبح في عالم الخيال، لا يصدق أن في الواقع بهذا الجمال. ظلت ترقص وتتدلل عليه لتتغلغل به مع آثار المخدر، ليعلم أنها تلك الحواء الوحيدة التي خلقت له. ظلت تلهبه بحركاتها وهو يتقلى على الجمر، أراد أن يذهب بها بعيدًا عن العالم لتكون له لوحده.

أكملت دلالها حتى فعل المخدر مفعوله، وذهب هو إلى عالم آخر وغط في نوم عميق. هنا أحست بالغثيان وذهبت مسرعة للحمام، تشعر بالاشمئزاز من نفسها، وهي لا تصدق أنها تفعل هذه الأشياء المنحطة التي يندي لها الجبين. أي عار تفعله بنفسها، فهي تكره الرجال بشدة. ولكنها نهرت نفسها وأنها ستكمل حتى النهاية ولن تتخلى عن أختها.

هنا دخل العامل بسرعة، وكتفه، ووضع لاصقًا على فمه. أخفت هي أي آثار لها في الشقة، وحمله العامل على ظهره ونزل من الخلف، ووضعه في العربة. لتدخل هي بعد أن خلعت تلك المسخرة، وعادت لطبيعتها الرجولية، والحقد ينهش قلبها، وقد حصلت على مبتغاها. ظنت بهذا أنها قد وصلت لمبتغاها، لتفيق على فاجعة أكبر من التي قبلها.

كنا قد تركنا حنين قد أتمت مهمتها واتجهت إلى بيتها، ومعها يامن لا يشعر بشيء، موثوق اليدين والقدمين، ومعصب العينين. كانت قد أخذت تليفونه، ووضعت بصمته عليه، وقرأت رقم كبير الحرس. فبعثت له رسالة أن يرحل، وأنه لا يريدهم أن ينتظرونه أن يأتي إلى الفيلا، فسيسافر مع تلك الجميلة يومين. ثم رسالة أخرى إلى صديقه أنه سيقضي وقتًا رائعًا معها يومين أيضًا، وأنه سيغلق تليفونه، فلا يقلق عليه.

وبدأت رحلتهم إلى العودة إلى المزرعة. مر بعض الوقت حتى وصلت، ووضعت يامن في إحدى الغرف. وما أن دخلت هي، كانت تفكر ماذا ستفعل معه عندما يستيقظ، وتمنت أن يمر كل شيء كما خططت له. ذهبت لتستريح لبعض الوقت.

وفي الصباح، كان قد بدأ يامن في الاستيقاظ ليجد نفسه مربوطًا ولا يستطيع الحركة أو التكلم، وتوجس. ظل يفكر في وضعه وماذا جرى له، حتى تذكر تلك الفاتنة التي كانت معه. وهنا أدرك أنها السبب في ما هو فيه، وكان قد بدأ يشعر ببعض الصداع، ويحاول أن يتذكر شيئًا، ولكنه كان آخر شيء ذكره هو تمايلها أمامه أثناء الرقص. كما أصابه الغضب، فهو ليس بالشخص الهين لتفعل به أنثى هكذا.

في ذلك الأثناء، سمع في الخارج بعض الهمهمات، وكانت صوتًا معروفًا لديه، وهو صوت حنين، ولكنه لم يكن ذلك الصوت الناعم، كان صوتًا حادًا يصيح وبشدة. وفي الخارج، كانت حنين تخبرهم عما فعلت، وأنها أتت بذلك الحقير الذي فعل تلك الفعلة الشنعاء، وأنها سوف تدخل إليه لتجبره على أن يتزوج من أختها، وأنها لا تريد منه شيئًا آخر، حتى لو أراد أن يطلقها في نفس ذات الوقت.

في ذلك الوقت، كانت سمر تبكي، وماجد على وجهه الوجوم، فهو ليس أمامه شيء آخر يقوله.

دخلت حنين إلى الحجرة لتجد يامن قد أجلسه العامل على أحد الكراسي المتحركة، بعد أن قضى الليل بأكمله مستلقيًا على السرير لا يشعر بشيء، وربطه جيدًا. فتحت عليه الباب، وظلت تنظر إليه، وهو لاول مرة ينظر إليها. فهي بالنسبة إليه ليست تلك الفاتنة التي كانت معه في تلك الليلة، لينظر إليها بدهشة من أول شعرها التي تربطه بشدة وتشده وتخبئه تحت أحد الكابات، وذلك القميص الرجالي الفضفاض الذي لا يظهر من جسدها شيء، ثم بنطلون من الجينز، وأحد الكوتشيات في قدميها. كانت مختلفة تمامًا عن تلك الساحرة التي أشعلت قلبه. كانت جميلة وما زالت جميلة، ولكن تغيرها كان إلى النقيض، فكانت تبدو في حالة جادة متجهمة، ولا يبدو عليها تلك النعومة التي الهبته من الداخل.

اقتربت منه، وكان هو جالسًا يحس بالدهشة، ولكنه قد تجلد وأظهر البرود والسخرية، ثم ابتدأ في القول: "طب كنت تقولي لي كده بقى، لما أنت عاملة ده كله، كنت قولي وأنا أديكي اللي أنت عايزاه." أحست بالغضب الشديد، فهو يحل كل شيء بالمال، ويصدق أنها سارقة. فاقتربت منه وأحضرت كرسيًا وجلست به بهدوء، ولكنها كانت قريبة جدًا لتبعث قشعريرة في قلبه، فهي تؤثر عليه بلا شك. بدأت في التحدث قائلة:

"شوف بقى يا أمور، اللي اتعمل ده كله عشان توصل لحد هنا. عشان أنت تستاهل القتل. بس أنا مش جايباك عشان كده، أنا جايباك عشان تصلح البلاوي والقرف اللي أنت عملته." كان قد رفع حاجبه، لا يفهم شيئًا، فأكملت:

"لو أنت فاكر إن كل واحد هيعمل عملته ويهرب، تبقى غلطان. مش حنين بنت ماجد اللي تضرب على ظهرها. أنا عارفة اللي أنت ممكن تخرج من هنا بسهولة، وممكن تؤذيني بأي شكل، بس أنا ما بخافش، فاهم يعني إيه أنا ما بخافش. ما عنديش حاجة أخسرها أو أخاف عليها، واللي بأخاف عليه خسرته بسببك، ولازم يرجع."

كانت تتكلم بقوة، وكلما تكلمت زاد إعجابه بها، فهي ليست فقط ذات أنوثة طاغية، فهي أيضًا فتاة شرسة. أحس بالسعادة لأنها ستناسب شخصه لكي يقوم بتحجيمها. أكملت حنين بهدوء: "يبقى نعقل كده ونهدي، وتنفيذ اللي أنا هقول لك عليه." كان لا يعلم عن ماذا تتكلم، ولا يفهم شيئًا، فقال لها بشيء من الحدة: "هو أنت يا شاطرة مش عارفة أنا مين، وأقدر أعمل فيكي إيه، وحاجة إيه دي اللي أنا أخدتها منك؟ أنا ما بلعبش مع شوية عيال."

فصرخت حنين به وقالت: "أيوه أنا عارفة أنت مين كويس، وعارفة تقدر تعمل إيه، وقريت كتير عنك، جديتك وجبروتك وعدم رحمتك في شغلك، وصرمحتك مع الستات، حاجة آخر قرف." فهتف ساخرًا: "ولما هو قرف، كنت مالك نايحة وسايحة امبارح كده؟ ده أنت ما كنتيش على بعضك يا شيخة." وضحك عليها. نظرت إليه نظرة غاضبة، ومسكته من قميصه بغضب شديد، وقالت:

"أهو ده بقى القرف بذاته، كنت قرفانة وأنا قاعدة جنبك عشان أجيبك لحد عندي ونوصل لهنا. حاجة تجيب القرف والغثيان. انتوا كده رجالة، كل همها تصطاد الستات، تاخذ غرضهم وترميهم، حاجة مقرفة. أنا ما كنتش سايحة ولا أي حاجة زي ما أنت فاكر، أنا خططت ودبرت، وكنت قرفانة، بس أخذت اللي أنا عايزاه، وهو إنك موجود هنا قدامي." هنا تنهد قائلًا: "طب والمطلوب يا حلوة، عايزة إيه؟ فلوس ولا إيه بالظبط؟

ضحكت ضحكة عالية جعلته يحس بأنها تلعب على أوتار قلبه، فهي فتاة رائعة وجميلة، ولم ير مثلها من قبل. كان قد سرح في ضحكتها، فقاطعته وقالت ساخرة: "فلوس إيه يا أبو فلوس؟ دانا أعبيك فلوس تالت ومتلت. هيا الفلوس بتشتري الشرف عندكم؟ إحنا عندنا الشرف يتأخذ، يا إما بداله دم، يا إما يتردلنا شرفنا. لك تختار، أنت عايز إيه؟ ترجع لنا شرفنا بحق ربنا؟ ولا ندفنك كده في المزرعة، لا من شاف ولا من دري؟ ويبقى كده كل واحد خد حقه."

فنظرت إليه قائلًا: "شرف إيه يا مجنونة؟ أنت عقلك بينه خفيف. أنت فاكراني مين؟ دا أنا يامن الصباغ اللي ما حدش يقدر يقرب منه. وزي ما قلت لك، أنا ما ليش في الشمال يا قطة، يبقى تروحي تشوفي شرف إيه يا أم شرف." هاجت بعد كلماته، وظلت تحوم حوله، وقالت: "صدقت، أفحمتني وصدقتك على إن مالكش في الشمال، مش كده؟ لا شريف يا واد. وصرخت في وجهه هاتفة: واللي عملته في سمر ده إيه؟

ما كانش شمال يا أحقر خلق الله. بنت بريئة تقضي على شرفها وسمعتها. أنت إيه يا أخي شيطان؟ فاكر إن بفلوسك تقدر تدوس وتقضي على كل الناس. ولما أنت ما لكش في الشمال، أختي حامل بسببك ليه؟ ربنا ينتقم منك يا شيخ. ربنا ينتقم منك. لتكون فاكر إني هخاف منك ومن عيلتك؟ عيلة إيه يا أبو عيلة." صرخ بها فقد تجاوز حد صبره عليها: "ما أعرفش حد اسمه سمر، ولا عمري شفت حد اسمه سمر." فضحكت حنين بسخرية: "بجد؟ الله عليك!

ولا شفت ولا عرفت سمر. أمال اللي في بطنها ده جه إزاي باللاسلكي؟ يا ابن الصايغ، لتكون فاكر إني أنا هبلة وإنضرب على قفايا؟ لا يا حبيبي، أنت هتكتب عليها النهارده وهتتجوزها. مش عايزين منك حاجة، وهطلقها في نفس اليوم. كل اللي أنا عايزاه منك إن أنا أجوز أختي بدل الورقة العرفي اللي سرقتها يا أمور." كان هو سيجن من تلك الفتاة. نظر بقرف: "أنت مجنونة يا بنتي؟ هو مين اللي متجوز عرفي؟ أنت هبلة يا بنت؟

أنت ما تروحي تشوفي مين اللي عمل كده في أختك، اللي هو أكيد مش أنا." هنا فاض بها الكيل، وقالت له: "يبقى ما فيش حل غير إن الست هانم بنفسها تيجي وتحط صباعها في عينيك. أما أنت راجل بجح صحيح، ربنا ينتقم منك ويحرق قلبك يا شيخ." وخرجت، وسمعها تصرخ بالخارج لأحد الفتيات التي كانت تبكي، وتقول لها: "البيه جوه مش معترف بيك ولا بجوازك، ولا بإنه يعرفك أصلًا. مبسوطة يا هانم؟ مبسوطة؟ ودي آخرتها؟ حطيتي وشنا في الأرض. وبعد ما

أجيبه لك لحد عندك يقول لك: ولا أعرفك، ولا عمري شفتك. وأنت تقولي لي؟ وبتكذبي عليا إنه بيحبك؟ ولسه هيقول لعيلته؟ عيلة إيه يا أم عيلة؟ ده هو العيلة كلها. ده هو اللي بيقول ويتطاع. أروح فين يا ربي؟ أنا عملت إيه في دنيتي يا ربي؟ كانت سمر تبكي: "لا مش ممكن يعمل كده! مش ممكن. هو بيحبني، وعدني إنه يتجوزني. بس اصبر عليه، أنا متأكدة إنه بيحبني." ردت عليها حنين: "ما تجننينيش! أنت مجنونة؟

بأقول لك: بيقول مش عايز يعرفك ولا يعرف اللي في بطنك، وأنت تقولي لي: حب؟ حب إيه وزفت إيه يا شيخة؟ أنت بنى آدمة مش طبيعية. بأقول لك: بيقول ما يعرفش عنك حاجة، وإنكم شوية مجانين وبتلزقوله مصيبة، وروحي شوفي مين اللي عمل فيكِ كده." ظلت سمر تصرخ وتقول: "كذب! كذب! أحست حنين بالجنون وصرخت فيها: "طيب! أنا هاجيبه لك لحد عندك عشان أشوف إنتم بتعملوا كده ليه، عشان أنا خلاص ما عدتش قادرة."

واستدارت بسرعة إلى الحجرة، لتجر يامن بعنف من على الكرسي، لتخرجه من الحجرة، وتقول: "أهو! عيني عينك، أدي الجمل وادي الجمال، اشجنوني أنتوا الاتنين." نظر يامن ليجد ريسيبشن كبير به كل الرفاهيات على ذوق عالٍ. وأدار عينيه ليجد فتاة جميلة تبكي، ورجل كبير عليه الوجوم يجلس ولا يتكلم. واتجهت به إلى سمر، وقالت: "أهو قدام بعض، أما نشوف البجاحة اللي أنتوا جايبينها دي جايبينها منين." وذهبت إلى سمر لتصرخ فيها بتهديد:

"حد فيكم يقول لي؟ انطقي! مش هو ده اللي بيحبك؟ مش هو ده اللي مش هيسيبك؟ مش هو ده اللي هيقول لعيلته؟ اهو قدامك اهو، ما يعرفش عنك حاجة ولا عايز يعرف حاجة، وبيقول لك: جايباه منين اللي في بطنك؟ الزبالة بيتبري منك يا واطية."

رفعت سمر عينيها لتنظر لحبيبها بوجع، وكانت تشهق شهقات عالية عالية، لتنظر إليه جامد، لتفتح عينيها عن آخرها، وتنظر إليه بذعر شديد، وتضع يدها على فمها، وتشعر بالخوف والرعب. لأنها علمت أنه أخو مازن، وكانت تعرف من هو يامن الصباغ، وأنه شخصًا لا يرحم، وأنها بذلك قد قضى عليهم. فبدأت تصرخ وتصرخ، وهو ينظر إليها وعلى وجهه نظرة سخرية. اقتربت منها حنين وهزتها: "أنت بتصرخي ليه؟ انطقي، ولا كل ده كذب؟ فقالت سمر لها وهي تبكي:

"رحنا في داهية! أنت وقعتيني في مصيبة. وصرخت: مش هو… مش هو." فبهتت حنين وقالت: "يعني إيه مش هو؟ فصرخت بها: "أنت قلت لي إنه من عيلة الصباغ، وهو أهو قدامك من عيلة الصباغ. أنت عايزة تجننيني؟ قالت لها وصرخت: "مش هو! ده أخو مازن الكبير، ده كبير العيلة. إنما الثاني مازن الصغير أخوه." وكانت تبكي، وظلت تصرخ وتقول:

"وديتنا في مصيبة وفي داهية، إحنا رحنا في داهية. ده لو مشي من المكان هيموتنا كلنا. حرام عليكي، بدل ما تحليها، أديكي موتيني، وهو عمره ما هيرجع ليا تاني بسببك وبسبب اللي أنت عملتيه فينا. يامن هيخلص علينا، ده مش قليل، ده جبروت."

هنا أحست بالتوجس والضعف، وكان ذلك على مرأى ومسمع يامن، وقلبها يخفق بشدة، ووضعت يدها على قلبها، وأحست بالدوار، لتركن على كرسيه، وأصبحت قريبة منه، ويرى وجهها الجميل وانفعالاتها، ولحظة ضعفها. فاحس بالرجفة في قلبه من قربها، وشعوره بالحزن من حالتها. وهنا كان يستعجب مما فعله أخيه الصغير، فهم من طريقتهم يظهر عليهم الصدق. وظل الوجوم يسود فجأة، إلى أن هب ماجد، ومسك حنين من قميصها، ورزعها على الحائط، وظل يصرخ فيها، وكلما صرخ بها، يخبطها بشدة، وكان قلب يامن يتمزق من أجل تلك الفتاة، ولا يقدر على الزود عنها من بطشه.

كانت حنين في حالة من الذهول والضعف، ووالدها يصرخ بها ويؤلمها. "أنت اللي عملت كل ده؟ أنت اللي ودتينا في داهية؟ وكان كلما تكلم، يخبطها. كانت تحس بالألم والوجع الشديد في قلبها، فهي الآن قد وضعتهم في مشكلة كبيرة عن غير قصد. وكان ماجد قد انتهز الفرصة، وبدأ يتطاول عليها، ويصرخ في وجهها، ويقول: "عملتي فيها كبيرة، وعملتي إنك هتعرفي كل حاجة، وجبتي لينا المصايب لحد عندنا. أنت تستاهلي القتل. أنت تستاهلي القتل."

كان يهذي، ثم صفعها على وجهها صفعة شديدة أسالت الدماء بين شفتيها. هنا لم يستطع يامن أن يتحمل ألمها، فكان ينغز في قلبه، ولم يتحمل ما يفعله ذلك الحقير فيها. أحس أنه لو كان غير مقيد، لقام وفتك بذلك الحقير، وهي كل ما فعلته أنها تحاول أن ترجع شرف أختها. وأخيرًا صرخ وقال: "ما تلم الدور يا جدع أنت، وشوف هنتفاهم إزاي؟ مانت قاعد من ساعتها، قايم تتشطر على النسوان."

هنا تراجعت حنين بصمت، وظلت لوهلة تنهج. مشت حنين بهدوء، فقلبها لم يعد يحتمل، وتجلدت، واتجهت إليه، وأخذته، واتجهت به مرة أخرى إلى الحجرة، ودخلت، ووضعته في الحجرة، واستدارت لتهرب، فلم تعد قادرة على الصمود أكثر من ذلك. ليهتف بها ويقول بصوت حانٍ: "أنت كويسة." أحست بالغضب الشديد لظهور ضعفها، فاستدارت، وكانت بعض الدماء تسيل من فمها، وتمنت لو رفع إصبعه وأزالهم. وهنا قالت بسخرية:

"اطمئن، خائف عليا قوي. أنا كويسة، وهافضل طول عمري كويسة. أنا لا محتاجة لك، ولا محتاجة له عشان تخليني كويسة."

كانت تحبس الدموع في عينيها، وكان يعلم أنها ما إن تذهب إلى حجرتها، ستنفجر في البكاء، فأحس بنغزة في قلبه عليها، وأراد أن يأخذها في حضنه لتبكي بداخله، فهو شعر أنها امرأته. وبدأ يفكر فيما فعله أخيه، وكيف أصبح بهذا الاستهتار، وأنه لا يمكن أن يرضى بذلك، فهو ليس بالشخص الحقير. ثم أغمض عينيه من الإرهاق، وظل تفكيره في تلك الساحرة التي الهبت فؤاده بالأمس، وأحس بشيء بداخله رجفة جميلة، بداية شرارة ليدق حينئذ قلب ذلك العملاق،

لتأتي تلك الجميلة لتلهب قلب ابن الصباغ. وظل يفكر في تلك الجوهرة الجميلة، ومازالت ملامحها في الأمس لا تخرج من ذهنه، بتمايلها ودلالها وروعتها وجمالها، واستعجب كيف تحولت إلى تلك الفتاة القوية التي تتشبه بالرجال، وتظهر بهذه القوية، وهي من الواضح أنها أضعف ما يكون. وتنهد، وأحس أنها الآن لابد وأن تكون وحيدة، ويعلم جيدًا أنها تبكي، ولكن ليس بيده شيء.

كان قد أحس بالسعادة أنها ليست تلك المستهترة، وأنها هي جوهرة ملفوفة تنتظر من يزيل عنها غطاءها. كان يريد أن يطبطب عليها، يريدها أن تكون بجانبه، ولا يعرف لماذا قلبه يوجعه عليها، وأنها يجب أن تكون بجواره لكي يحميها من هذا الألم الذي تشعر به، ولكنه لا يعرف كيف يفعل، وخاصة بعد أن أدرك أنها ليست تلك الفتاة المستهترة التي كانت معه بالأمس، ولكنها فتاة جميلة متفانية رائعة تضحي من أجل الآخرين. أنثى سلوكها لا يشوبه شيء. هنا أحس

بداخله يريدها بشدة، ويريد أن تكون بجانبه. وكان يستعجب من نفسه، فهو قابل الكثيرات لا يحصي عددهن. وعند تلك الجميلة توقف قلبه، وقرر أن لا تمر هكذا بدون أن تتغلغل بداخله، لتصبح بداخل يامن الصباغ، ومن تدخل بداخله يجب أن تكون له كاملة. وكان هذا ما جعله يشعر ببعض الراحة من معرفة دواخله، ولكنه لا يعرف ماذا سيحدث بعد ذلك، فأمامه معضلة أخيه، فلينهيها ليتفرغ لتلك الجميلة.

هنا قرر أن أخيه إذا كان هو قد فعل تلك الفعلة الشنعاء، فإنه أبدًا لن يرضى أن تلطخ بسوء سمعة فتاة بسبب أخيه. مر بعض الوقت، وكانت حنين قد أخذت حمامها لتطفئ النار بداخلها، لتجعلها تبدو هادئة. غيرت ملابسها بقميص آخر فضفاض، من يراها يظن أنها امرأة قوية لا تخضع لأحد، ومن نظر إلى حزن عينيها يعرف جيدًا أنها تحتاج إلى شخص تتحامى فيه ويأخذها بين أحضانه. ليتنهد قائلًا: "صبرًا يا حنين… صبرًا…"

ظهرت حنين مرة أخرى، ودخلت عليه الحجرة مرة أخرى، ووضعت صينية طعام قد حضرتها له بجوار الكرسي. نظر إليها ساخرًا: "وده هاكله إزاي؟ هشمه مثلًا ولا أعمل إيه؟ ردت عليه ساخرة: "لا هاكلك يا خفيف."

ضحك ضحكة أحست منها شيء بداخلها تريد أن تسمعها مرة أخرى، ولكنها نهرت نفسها. اقتربت منه، وبدأت تطعمه في هدوء وهي لا تنظر إليه، أما هو فلا يحيد عينيه عنها كعيون الصقر. كانت تطعمه في هدوء، وتبقي آخر قطعة صغيرة كانت ستضعها في فمه. عند ذلك تحدث وسألها عن أختها بعض الأسئلة، وعندما شرعت في الكلام، اقترب بهدوء، وأخذ الطعام من أصابعها بشفتيه، فتلامسا، فأحست بلسعة شديدة وانتفضت. أما هو فاغمض عينيه يشعر بتلك اللمسة، فكان حتمًا يقصد ذلك.

هنا أحست هيا بالارتباك الشديد، لتقوم وتستدير وتستجمع نفسها، وهو ينظر لها بسعادة على توترها. ثم اتجهت إليه وقالت:

"أنا عارفة إن أنا غلطت، وإن كان ممكن أدقق أكتر وأعمل حسابي، وعارفة كويس إنك مش سهل، وإن ممكن أنت تؤذيني بشدة، وعارفة إن صعب عليك، بهيلمانك ودنيتك، إن يتعمل فيك كده. بس أنت لازم تحس إني كنت مجبرة. شرف أختي. أنا ممكن أموت نفسي عشانه. أنا ما بقولش إن أختي صح، هي أجرمت، بس لازم حل، ولازم نقعد ونتكلم. ولازم تعرف إن مهما حصل، هقف جنب أختي. وبقول لك بلاش نلف وندور، لأننا برضه برضه إحنا لسه في نفس الموضوع.

وأقول لك ثاني: أنا ما بخافش، مش خايفة منك. ولو على رقبتي، مش هيسيب أخوك. حياتك قدام شرف أختي. أنا مش عارفة أنا إيه اللي جاي، ولا أعرف أنت ناوي على إيه، بس كل اللي أعرف إن طول عمري سند لأختي، واللي يبقى سند ضهره عليا، ما يتقطمش. فعشان كده حنين بتقول لك: والله لو عملت إيه، أنا ما بيتهزليش شعرة، ولا بخاف." هنا ضحك يامن وقال: يتبع…

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...