جلس شريف خلف مكتبه وأمامه وحيد يعرض عليه آخر تطورات الوضع بالمجموعة. "يا شريف بيه، أنا برضه مع رأي جلال بيه... العقود على المدى الطويل ليها أضرار على المجموعة. دول هيتحكموا في توريدات الشركة، وكمان الشرط الجزائي كبير أوي." قال شريف بحدة تحمل الكثير من عنجهيته وغروره: "هو على آخر الزمن هتفهم أنت وجلال أحسن مني يا وحيد... أنت عارف، أنا بقالي قد إيه بحاول أقنع الناس دي إنها تشتغل معايا."
"عارف يا شريف بيه، أدي الصفقة دي مهمة بالنسبالي." "مش مهمة بس... دي أهم صفقة في حياتي. أنا بيها هتحكم في السوق." اندفع وحيد: "وهما هيتحكموا في سيادتك." ضرب المكتب بقبضته: "وحيد! أنا بقالي خمسين سنة في السوق، يعني أفهم إيه الصالح والطالح أكتر منك...
أنت كل مهمتك تخلي جلال يمضي وبس. كمال بيلف حوالين الوفد عشان يمضي معاهم قبلي، وطول ما جلال عمال يعارض ويأجل، الصفقة هتطير من إيدينا. الأسبوع اللي جاي تكون العقود اتمدت، فاهمني؟ أومأ وحيد على مضض، فهو بالرغم من خبرته إلا أن رغبته بالتوقيع على هذه الاتفاقية تجعله لا يرى مدى أضرارها، والتي استطاع جلال أن يصل إليها بعد دراسة كافة الجوانب. دخلت سالي إلى المكتب قائلة بكبر معتاد منها: "عملت إيه يا وحيد في موضوعي؟
قال وحيد: "بتابع يا فندم تحقيقات النيابة. تقرير المعمل الجنائي هيطلع خلال أيام، بعدها هنشوف شركة التأمين هتقرر إيه." صاحت بحدة: "وأنا لسه هستنى تقارير وزفت... وأنت لازمتك إيه لما الموضوع هياخد وقت؟ "يا فندم... قاطعته بحدة: "أنت تتصرف وتخلص الموضوع ده. شركة التأمين لازم تدفعلي التعويض في أسرع وقت." "يا سالي هانم، الموضوع مش بالساهل كده. وبعدين لازم تتأكدي إن الحريق كان متعمد عشان تقدري تصرفي لك التعويض."
قالت بغضب: "اتصرف يا وحيد." أومأ لها وحيد وزفر بداخله، فلولا أنه عشرة عمر مع شريف لما تحمل تلك الكريهة وترك العمل فورًا. كم لاتشبهه جلال، الذي بالرغم من قسوته إلا أنه محترم في تعاملاته معه، عكسها. خرج وحيد لتقول سالي لأبيها: "شفت يا بابي اللي بيحصلي." "اهدّي يا سالي." "أنا اتدمرت يا بابي... شركتي فلست وعليّا ملايين لازم أدفعها للمستثمر العربي شريكي. أنت لازم تساعدني."
تنهد شريف قائلاً: "مفيش في إيدي حاجة أعملها لك يا سالي. أنا حتى حساباتي في البنوك بقت في إيد أخوكي." صرخت بغل: "متقولش أخويا... أنا بكرهه." نظر إليها شريف باستنكار لتقول: "أيوه بكرهه... طول عمرك مفضلاه عليا. هو الولد تسيب له ثروتك عادي، إنما أنا لا." قال شريف باستنكار: "أنا يا سالي... ده أنا محدش دلعك قد. وأخوكي محدش قسي عليه قدي." قالت بغل: "امال سايبه ياخد كل حاجة ليه؟ "ما أنتي عارفة اللي حصل...
كنتي عاوزاني أعمل إيه؟ "تقف قصاده وترجع فلوسنا منه... ولو وصلت تهدده... تعمل فيه أي حاجة. امال بنت السواق تتمتع بثروتك وأنا لا." "اصبري يا سالي... جلال مش هياخد حاجة، هو بس محتاج يحس إنه أخد حقه من اللي عملناه فيه، وأنا سايبه يحس إنه انتصر. بعدها صدقيني من نفسه هيرمي كل حاجة. وهانت كلها كام يوم ويمضي الصفقة... وقتها هترجع كل حاجة زي ما كانت." نظرت لابيها باستفهام: "يعني إيه؟ ...
أنت هترجع كل حاجة إزاي بعد ما بقت في إيده؟ "هوصل معاه لحل. مالكيش أنتِ دعوة." تذمرت بغضب: "وأنا لسه هستنى توصل لحل... لا طبعًا، أنت لازم تتصرف. أنا لازم أدفع الفلوس للمستثمر، وإلا هروح في داهية. ده واخد عليا شروط جزائية كبيرة." قطب جبينه: "إنتي غبية يا سالي. إزاي تمضي على كده من غير ما تاخدي رأي حد فينا." "وانا كنت أعرف إن المخازن هتتحرق؟ زم شفتيه قائلاً: "طيب يا سالي... هتكلم مع جلال وأشوف...
"كمت: "لما البيه يبقى يرجع... صقت صوفيا جسدها بجلال وهي تميل تجاهه، تدفن رأسها بعنقه وهي تتمتم بإعجابها به: "انت مش متخيل أنا هتجنن عليك من امتى يا جلال بيه." لاحت صورة زاهي الفاتنة بخياله، وداعبت جفونه. يتذكرها كل مرة كانت بحضنه ليتنهد باشتياق أشعل النيران بجسده. أغمض عينيه وهو غارق بذكرياته معها. كل قبلة، كل لمسة لها داعبت خياله. كم يشتاق لوجودها بين ذراعيه ينهل من حبها.
استمرت صوفيا فيما تقوم به وهي تتلمس بإغواء صدره الظاهر من فتحة قميصه، لترفع أناملها ببطء مدروس إلى عنقه تثيره وهي تمرر شفتيها على عنقه، تتنفس رائحة عطره الأخاذه. أفاق جلال من تخيلاته ما إن أدرك أنها ليست هي. قطب جبينه بانزعاج وأبعدها عنه. حاول أن يعتدل واقفًا ولكن رأسه المخمور لم يساعده. لتعاود صوفيا المحاولة مجددًا وهي تلقي بجسدها عليه تحاول بكافة الطرق إثارته، ولكنه لم يستجب لها، فقلبه لا يعشق ولا يريد سواها.
أبعدها عنه بانزعاج واستند على ظهر الأريكة وقام من مكانه ليمسك بسترتة ويغادر الفيلا بأكملها. عاد جلال فجرًا، وآثار السكر واضحة عليه. ترنح وهو يدخل الغرفة لتسرع زاهي إليه تسنده وهي تقطب جبينها تحاول تبين سبب حالته. "جلال، مالك؟
ما إن اقتربت منه حتى اشتمت رائحة الخمر تفوح منه. زمّت شفتيها بغضب وهي تطالع هيئته المخمورة، بينما ترنح بخطواته وهي تحاول إسناده، ولكن بالرغم من محاولتها الإمساك به، إلا أنه وقع على الفراش خلفها لثقل جسده. مالت ناحيته تسأله: "جلال، أنت كويس؟ نظر إليها من خلال عينيه النصف مغلقة قائلاً بلسان ثقيل من أثر السكر: "أنا كويس... أنا كويس أوي. مش أنتِ كويسة ومبسوطة وإنتي بتعذبيني وبتنتقمي مني؟
يبقى أنا كمان كويس. عذبيني كمان يا زاهي." قالت بحنان لنبرته المتألمة: "أنا بعذبك في إيه؟ قال وهو يغمض عينيه بتعب قبل أن يذهب في ثبات ويغلبه النوم: "مفيش... مراتي بس بتحرمني منه." تنهدت مطولاً تنظر إليه بأسى، فكم يؤلمها رؤيته بهذا الضياع والحزن ولجوئه للخمر ليخرج من حالته، وما يؤلمها أكثر هو أنها السبب به.
مدت يدها تحاول أن تفك أزرار قميصه وهي تخلع ملابسه لينام براحة، لتقطب جبينها بانزعاج وتشتعل النيران بقلبها حينما خلعت له قميصه ورأت آثار أحمر شفاه على ياقة قميصه. تنفست بصوت عالٍ وقطبت جبينها بقوة تنظر تجاهه بعيون متقدة غضباً وغيرة. لتجد نفسها تلطمه بقبضتها على صدره العاري بغضب شديد وهي تهتف بانهيار: "لييييه... ؟!! لييييه عملت كده؟ ... أنا عملت لك إيه عشان تعمل فيا كل ده؟ ... مش كفاية اللي عملته...
جاي دلوقتي تحرق قلبي كمان... بتخوني لييييه؟ تراقصت أمامها صورته برفقة امرأة أخرى لتشتعل النيران بكيانها تحرق قلبها وعقلها، فبعد كل ما نالته من جراح على يده، يغرس بقلبها ذلك السهم ليحرق قلبها ويدميه. لتتذكر كلماته لها من قبل: "عاوزاني أخونك... لتبكي بدموع حارة وهي تهزه بعنف: "لييييه عملت كده... حرام عليك، أنا لسه قلبي موجوع من اللي عملته لما سبتني. ليييه تجرحني تاني... أنا كنت خلاص قربت أسامح وأنسى... ليييه تعمل كده؟!
فتح جلال عينيه بصعوبة ليراها من بين ما تبقى من وعيه وهي تلطمه بصدره وتبكي، ليصل إليه صوتها المختنق بالدموع من بين غياهب الواقع. يحاول فتح عينيه بصعوبة وصوتها وبكاؤها يجبره على استعادة وعيه. ولكنها لم تحتمل أن تحترق بالنيران دون أن تعرف السبب الذي دفعه لقتلها بذلك السكين. شهق جلال بقوة حينما قذفت كوب الماء البارد بوجهه، ليفتح عينيه على وسعهما. يحاول استيعاب ما يحدث وهي مهتاجة تصرخ به: "قووووم...
قوم وفهمني عملت فيا كده لييية؟ ... أنا عملت لك إيه عشان تعمل فيا كل ده؟ ... مش كفاية اللي عملته... جاي دلوقتي تحرق قلبي كمان... بتخوني بعد كل اللي عملته فيا... نطق بلسان ثقيل وهو يجاهد للتغلب على سكره: "زززاهي... أنا... صرخت وهي تهزه بعنف: "متنطقش اسمي على لسانك... أنت حيوان مش بيهمك حاجة غير متعتك... أنا استحملت منك كل ده... عشان في الآخر تخوني. سبتني سنتين وأنا حافظت عليك ومفكرتش أخونك... مش قادر تتحملني كام يوم...
عشان واخده موقف منك بسبب وجع قلبي من اللي أنت وعيلتك عملتوه بتعاقبني وبترمي نفسك في حضن واحدة تانية." ازداد بكاؤها وانهيارها وهي تلطمه وتهزه بعنف، وهو تاركها تفعل ما تشاء. يريد أن يخبرها أنه لم يفعلها، ولكنها تابعت ببكاء وانهيار: "كنت عاوزني أول ما أشوفك أقولك نرجع زي ما كنا ولا كأن حاجة حصلت؟ ... ياريت كنت أقدر... ياريت بس مش عارفة... مش قادرة... صورة أبويا مش بتفارقني." دفعته بصدره
بقوة من بين دموعها الحارة: "فكرك أنا مبسوطة باللي بعمله معاك... فاكر قلبي مش بيوجعني أكتر منك وأنا ببعدك عني... فاكرني مش بتعذب أنا كمان... أييييه استحمل شوية يا أخى... حسسني إنك حاسس بيا وباللي أنا فيه... متقطع بينك وبين أبويا... المرة اللي فاتت اخترتك أنت وخنت ثقته واتجوزتك من وراه... وحصل إيه؟! مات مقهور بسببي... أنا كل دقيقة بتعذب وبتقطع بينك أنت وابني وبين أبويا... بحاول أديك فرصة... تيجي أنت بعد كل ده تخوني...
مش كفاية كل اللي عملته... جاي دلوقتي تكمل عليا. جاي تموتني... بتقولي بتحبى وحاسس بيا وعاوز تعمل أي حاجة عشاني وأنت بتخوني... طيب اتحملني شوية... مطلبتش منك المستحيل... ده أنا كنت قربت أنسى وأسامح... بس.. ليه جلال بيه يتنازل... أو يستنى... لازم يا تختارك دلوقتي يا تروح لواحدة تانية وتحرق قلبي." لكمته بقبضتها الصغيرة وهي تهتف بغيظ من بين دموعها: "أنا هموت قلبي اللي لسه بيحبك أحسن ما أموت ذكرى أبويا...
أنت متستاهلش إني أبدأ معاك من جديد... أنت حيوان كل اللي فارق معاك الموضوع ده وبس... مش حاسس أد إيه أنا مجروحة وموجوعة وكمان مستكتر عليا أقول آه." صفعته بقوة على وجهه وهي تصرخ: "أنت لعنة... أنا بكرهك." تجمد مكانه وهو يتلقى صفعتها، والتي بالرغم من سكره، إلا أن كل كلمة نطقت بها بهذا الوجع أحرق قلبه وعقله وأعجزته. فكم هو ضئيل حقير يستحق أبشع عقاب وليس مجرد صفعة.
تركها تنفث عن غضبها كما تريد، حتى صفعتها ثبتت مكانه دون أن يبدي أي ردة فعل. صاحت بغضب ودموع: "أنا بكرهك... بكرهك يا جلال وعمري ما هسامحك أبداً على اللي عملته فيا." جذبها بقوة بين ذراعيه لتنهار باكية وهي تحاول دفعه بعيداً ليقول بصوت أجش: "مخوّنتكيش... والله ما خنتك يازاهي." "كدااااب! "لا يا زاهي... مش كذب. أنا محبتش ولا هحب غيرك ولا أقدر ألمس غيرك." لكمته بصدره تحاول إبعاده عنها: "كدااااب... كنت مع واحدة تانية."
"أيوه... بس مخنتكيش. أنا أستاهل... اعملي فيا أكتر من كده. أنا حيوان عندك حق... بس بحبك والله بحبك. من قهري شربت عشان أنسى العجز اللي بحس بيه وأنا مش قادر أجيب لك حقك. بس ملمستش غيرك، وحياتك عندي... وحياة ابننا ما خنتك." حاول إبعاد ذراعيه عنها ليقول باستجداء: "صدقيني يا زاهي... أنا مخنتكيش. والله ما خنتك... سامحيني يا زاهي... ياريت في إيدي حاجة أعملها عشان أرجع الزمن ومافيش حاجة تحصل من اللي حصل...
أنا هجنن يا زاهي وضايع من غيرك. مش عارف أنا بعمل إيه وإنتي كل ما بحاول أقرب خطوة تبعدي ألف... بشوف كلامك عن عاصم ومعاملتك معايا بفكر إنك بطلتي تحبيني." "هتفت باستنكار: "إنت مجنون... أنا مستحيل أفكر في عاصم." "غصب عني الغيرة جننتني... وعاوزاني أعمل إيه في الراجل اللي أخد مكاني." "محدش أخد مكانك يا جلال." "عارف... بس أعمل إيه وإنتي كل ما أقرب تبعديني وتصدي أي محاولة مني وكل اللي همك تبعدي عني وخلاص."
قالت بدموع حارقة: "عشان كده خنتني." أمسك يدها قائلاً بحنان: "مخوّنتكيش... وحياة زين ما قربت من واحدة تانية من وقت ما عرفتك." نزعت يدها من يده وألقت قميصه الملطخ بأحمر الشفاه بوجهه بتهكم وهي تمسح دموعها بظهر يدها: "واضح." تنهد وأغمض عينيه بقوة قائلاً برجاء: "... اسمعيني... دي... دي." قالت بغضب غيرة مشتعلة على وجهها، حتى أن لم يخونها فعلياً، فهو كان مع أخرى: "دي... إيه؟ ... سهرة من سهراتك طبعًا...
شربت وكان معاك واحدة تانية." وكزته بإصبعها بكتفه قائلة: "إه... منمتش معاها بس كنت مع واحدة غيري. الخيانة مش علاقة بس يا جلال بيه." أشارت لعينيه: "عينك دي خانتني وبصت لغيري... إيدك دي لمست غيري... جسمك ده كان قاعد مع واحدة تانية... عقلك فكر فيها." قال وهو يحاول تهدئتها: "زاهي... صاحت بغضب: "قلتلك متنطقش اسمي على لسانك... أنت كل اللي عملته الأيام اللي فاتت عشان أديك فرصة نبدأ من جديد اتهد باللي عملته دلوقتي."
نظر إليها لتقول: "أنت من اللحظة دي متفكرش، مجرد تفكير تقرب مني. إيدك اللي لمست غيري متفكرش تلمسني. أنت فاهم." نظر إليها ليجدها تندفع بجنون تجاه غرفة الملابس وبعشوائية تجمع ملابسه وتلقيها بوجهه: "برااااا... مش عاوزة أشوف وشك." قال بنبرة مهدئة وهو يمسك بكتفها: "زاهي... اهدي." أبعدت يداه عنها مزمجرة بغضب: "قلتلك متلمسنيش." قال وهو يحاول السيطرة على غضبها بنبرة هادئة: "اهدي وخلينا نتفاهم."
"أه أنا غلطت بس قلتلك مخوّنتكيش." "مفيش بينا تفاهم... اتفضل روح للي كنت عندها." "يا زاهي اعقلي وبطلي جنان... إيه اللي بتقوليه ده." "اللي سمعته... مش عاوزة أشوفك قدامي. لو مخرجتش برا الأوضة هسيبلك البيت وأمشي." تحولت ملامحه ليهدر بحدة: "الجنان اشتغل مش كده." نظرت لعينيه بتحدي: "أنت اللي بدأت لما رحت لواحدة تانية." "طيب يا زاهي قلتلك غلطت ومستعد لأي حاجة ترضيكي." "يبقى تاخد هدومك وتخرج برا."
قال باستنكار: "أخرج برا فين؟ "أي حتة... الأوض كتير." "بس دي أوضتي." قالت بعناد: "يبقى أنا اللي هخرج... أنا مش عاوزة أقعد معاك في مكان واحد." جذبها من ذراعها وتنهد مطولاً، فهي مجنونة بغيرتها وهو بغبائه أشعلها. ولكن هذا لا يمنع أنه سعيد وهو يراها تهدد بحرق الأخضر واليابس غيرة عليه. قال بهدوء وهو يتقرب منها: "طيب بس بلاش اللي في البيت يفهموا إن فيه مشكلة بينا." "وأنا قلت مش هتنام جنبي بعد اللي عملتها." اقترب
منها يحاول استمالتها: "حبيبتي... أبعدت يداه قائلة بإصرار: "متحاولش." زفر بنفاذ صبر وهو يفرك رأسه الذي يكاد ينفجر من الصداع قائلاً: "هنام على الكنبة... كويس كده." نظرت إليه بغضب هاتفة: "اه." سحب وسادة وألقاها على الأريكة واستلقى يزفر بضيق ويلعن آدم... الذي لو كان أمامه لخنقه بيده، فهي أخبرته أنها كانت على وشك أن تنسى وتسامحه، والآن فقد فرصته!
جلست على الفراش تهز قدمها بعصبية. تنظر إليه وهو يحاول أن ينام بجسده الضخم فوق تلك الأريكة، توعده بغضب شديد. بأعين زائغة كان عامر يقود سيارته بيد، وباليد الأخرى يطلبها بلا توقف. نظرت علياء لهاتفه الذي يرن بلا انقطاع. إنها الرابعة فجراً. "علياااااء... " جاءها صوته المخمور حينما فتحت الهاتف. غص حلقها بالدموع ولم تستطع قول شيء، ليقول بنبرة واهنة اختلط فيها حزنه بلسانه الثقيل من أثر الخمر: "علياااء... أنا بحبك. علياااء...
ردي عليا." شعرت بأن هناك شيء ما لا يرام بصوته، لتنطق بعد أن تغلب حبه عليها: "إنت كويس؟ "مش كويس أبدا يا علياء... أنا مش عارف أعيش من ساعة ما بعدتي عني. أنا كنت هقولك بس خفت ترفضي لما تعرفي ظروفي. علياااء انت بحبك والله بحبك." قالت بنبرة تحاول أن تبدو حازمة: "اللي بتقوله ده مينفعش... إنت راجل متجوز." غص حلقه بالدموع ليخرج صوته مختنقاً بالدموع: "متبعديييش عني بعد ما لقيتك يا علياء... اديني فرصة ومتبعديش عني."
ارتجفت يداها وهي توجه إصبعها تجاه زر الإغلاق، قبل أن تنشل حركتها ما إن استمعت لصرير المكابح الذي كاد يصم أذنها. لتصرخ بهلع: "عااامر... لحظات مرت عليها كسنين قبل أن يجيب وقد تفادى تلك السيارة: "روح عامرك." تنفست وأغمضت عينيها لحظات طويلة، كل منهم يستمع لأنفاس الآخر، قبل أن تقول: "إنت كويس؟ قال بحب: "قلتلك مش كويس أبدا من غيرك." "عامر إنت مش في وعيك. لو سمحت روح البيت وخلينا نتكلم بعدين." "مش قبل ما أعرف ردك."
ظلت صامتة ليقول: "عليا لو فضلت ساكتة أنا هجيلك. مش عارف إزاي هسوق وأنا مش شايف قدامي بس هعملها." قالت باندفاع: "لا... متعملش كده." قال بابتسامة حزينة: "خايفة عليا." ظلت صامتة تتنهد بوجع، ليقول: "بتحبيني ياعليا... ظلت صامتة، ولكن إجابتها وصلت من ضربات قلبها المتعالية. ليكمل: "ثقي فيا واديني فرصة وأنا هحارب عشان تبقي ليا وأستاهلك."
تقلب عدة مرات يحاول إيجاد وضع مريح لرأسه الذي يكاد ينفجر، ليدفن رأسه أسفل الوسادة متألماً بخفوت. كانت تنظر إليه وبركان يغلي بداخلها، تريد أن تحرقه وقلبها يتمزق مابين رؤيته يتألم ومابين رغبتها بتعذيبه بعد فعلته. كانت أشعة الشمس قد بدأت بالبزوغ، وهو ما زال يتألم بخفوت يتقلب من جنب لآخر، لا يستطيع أن ينام إلا بضع دقائق متقطعة قبل أن يوقظه الصداع الضاري الذي يفتك برأسه.
قامت على أطراف أصابعها وخرجت من الغرفة لتعود بعد قليل تحمل بين يديها كوب كبير من القهوة وأحد المسكنات. جثّت على ركبتها أمامه لتنظر إليه وقد أولاها ظهره، لحظات تقاوم رغبتها بدفن أناملها بخصلات شعره الفحمية لتحاول تخفيف وجعه. مدت يدها لكتفه قائلة بنبرة حاولت أن تكون جادة وهي تهزه ليستيقظ: "إنت... إنت... بعد عدة مرات رفرف بجفونه واستدار إليها حينما نادته: "جلال..! "جلال قوم." نظر إليها
بعيون متعبة قائلة بقلق: "مالك يازاهي؟ قالت وهي تمد يدها إليه بكوب القهوة والمسكن: "قوم خد الدوا ده عشان الصداع واشرب القهوة." لمعت عيناه بابتسامة لاهتمامها به، ونظر لعيناها، ولكنها سريعاً ما أشاحت بوجهها قائلة: "وابقي قوم نام على السرير لما تخلص القهوة." نظر إليها لتقول بجفاء وهي تقوم من جواره: "الليلة دي بس عشان أنت تعبان... مش على طول." عقدت سالي حاجبيها وهي تنظر لماجد
مدير أعمالها قائلة بغضب: "اعمل أي حاجة يا ماجد." "اعمل إيه بس ياسالي هانم؟ "اتصرف يا ماجد." "يا سالي هانم... حاولت معاه كتير وهو مصمم يا أما ندفع يا أما هيخلي المحامين بتوعه ياخدوا إجراءاتهم." "ادفع إزاي عشرة مليون في أسبوع؟ رفع ماجد حاجبه: "هو شريف بيه ميقدرش يوفرهم لسيادتك؟ زفرت بغضب: "لا." "طيب وبعدين ياهانم... إنتي عارفة المستثمرين العرب كلامهم سيف." "طيب رتب لي معاه مقابلة أحاول أقنعه." "تمام...
هو هيوصل مصر خلال كام يوم هرتب لسيادتك مقابلة معاه." انصرف ماجد لتلقي سالي ما على مكتبها بغضب. يحب أن تصل لحل وإلا سيسجنها ذلك الرجل. أخذت حقيبتها وغادرت بخطى غاضبة. قبلت زاهي جبين زين وأعطته لنعمة قائلة: "خدي بالك منه لغاية ما أروح أشوف جلال صحي ولا لسه يا نعمة." "في عينيّ يا هانم." دخلت إلى الغرفة بهدوء لتجده غارقاً بالنوم منذ أن تركته بعد أن تناول القهوة والمسكن الذي أراحته، لتغلق له الستائر وتتركه ينام.
اقتربت منه بخفوت لتنظر إلى ملامحه المتألمة. جلست بجواره قبل أن تمد يدها ببطء تتلمس خصلات شعره بحنان تربت عليها. شعر بالراحة لتلك الأنامل التي تمر بخصلات شعره لتجعله يسترخي ويبعد ذلك الألم. لم تعرف كم مضى عليها وهي بجواره تتأمله ويداها تتحرك بخصلات شعره، إلا حينما شعرت به يتقلب لتجده يحيط خصرها بذراعه ويضع رأسه فوق صدرها لتلفحها أنفاسه الساخنة المنتظمة وقد غرق بنوم عميق.
حاولت التحرك ولكن نصف جسده النائم فوقها لم يسمح لها، فقد قيدها إلى الفراش. حاولت أن تقوم عدة مرات ولكن بلا جدوى، لتستسلم وتريح رأسها على الوسادة. بعد قليل عادت يدها لا إرادياً تمتد لخصلات شعره مرة أخرى، ليداعب النوم جفونها بعد قليل وتستسلم للدفء المنبعث من جسده الجاثم فوق جسدها.
كانت الظهيرة قد انتصفت حينما رفرف جلال بعينيه التي فتحها بصعوبة، ليرفع رأسه قليلاً يبعدها للخلف ناظراً لوجهها الجميل. إنها لم تتركه وهو مريض. تتابعت ذكريات ما حدث ليلة الأمس لذاكرته. لتتهادى ابتسامة إلى شفتيه التي اقتربت من وجنتها المتشربة بالحمرة ليطبع قبلة رقيقة عليها. شعرت زاهي بتلك الأنفاس القريبة من وجهها لتفتح عينيها ناظرة إليه بتوتر وقد تلاحقت أنفاسها وهو بهذا القرب منها لا يفصل بينهما شبر.
أشرقت الشمس لتوها حينما نظرت إليه تلك العسليتان، ليهمس أمام شفتيها الكرزية التي يتمنى تذوقها بتلك اللحظة لتكتمل مثالية صباحه على وجهها: "صباح الخير." تحشرج صوتها وهي تحاول السيطرة على أنفاسها المتبعثرة لتقول وهي تضع كلتا يديها على صدره تبعده من فوقها: "أوعى لو سمحت خليني أقوم." اقترب أكثر منها وشعرت بجسده المتمدد فوقها يزداد التصاقاً بجسدها وهو يقول بمكر: "هو أنا صحيح اللي سمعته امبارح...
إنك كنتي خلاص هتسامحيني وتديني فرصة." زمّت شفتيها وانتفخت وجنتها بغضب وهي تدفعه بقوة من فوقها تبعده عنها هاتفة بغضب: "هو ده بس اللي سمعته من امبارح." جذبها إليه وأحاط جسدها بجسده مجدداً وهو يقول وعيناه مركزة فوق عيونها لتتبعثر أنفاسها من قربه: "لا سمعت كل حاجة." مد يداه ليمسك بيدها ويضعها فوق وجنته قائلاً: "وحسيت بالقلم اللي أخدته منك... وبالمياه اللي حدفتيها في وشي." قاطعته بحدة وهي تسحب
يديها من تحت يده الدافئة: "تستاهل." هز رأسه ومال ناحيتها وشفتاه تتحرك تجاه عنقها: "اه استاهل كل اللي يجرالي." دفعته بعيداً عنها وحاولت مغادرة الفراش قائلة: "أوعى كده." أمسك بيدها قبل أن تغادر يوقفها قائلاً: "اسمعيني." "مش عاوزة أسمع حاجة... كفاية اللي شفته على قميصك." "فاهمه غلط." تفت بغضب: "إيه اللي فاهمة غلط؟ كنت مع واحدة ولا؟ قال بتعلثم يبحث عن تبرير: "يعني هو الموضوع مش كده أوي...
أصل يعني دي كانت حفلة عشان صالح هيتجوز." زمّت شفتيها بغيظ: "حفلة زبالة طبعًا." قال بحب وهو يحاول استمالتها: "زاهي ياحبيبتي." قاطعته بحدة: "متأقلش حبيبتي." أحاط خصرها بذراعه وقربها إليه: "حبيبتي وروحي وعمري وحياتي كلها... خلينا ننسى." قاطعته بحدة: "ننسى..!! ... كل غلطة تعملها تيجي تقولي خلينا ننسى. طيب سؤال بقى... إنت عندك استعداد تنسي لو أنا عملت زيك... رحت أسهر ورجعتلك الفجر وأنا كنت مع واحد."
ابتلعت كلماتها حينما زمجر بغضب محذراً: "زاااهي... "متكمليش أنا مقدرش أتحمل حتى أسمعها. إنتي بتاعتي أنا... أنا وبس واللي يهوب جنبك بس أمحيه من الوجود فاهم." نظرت لعينيه بتحدي: "شفت بقى إن النسيان مش سهل كده." أغمض عينيه وهز رأسه هاتفاً من بين أسنانه: "زاهي... كفاية بقى... والله تعبت. أنا محتاجك جنبي ومش قادر أبعد عنك أكتر من كده. اديني فرصة وخلينا نرجع تاني زي ما كنا... أنا بحبك ومقدرش أعيش من غيرك."
كادت أن تتراجع من نبرته، ولكنها سرعان ما تذكرت فعلته. تمزقت لحظات مابين قرارها بأن تمنحه فرصة، ومابين معاقبته على فعلته، لتنطق أخيراً: "ماشي يا جلال... هديك فرصة." رفع عينيه نحوها بعدم تصديق، لتنظر إليه وتكمل: "بس ده ما يمنعش إني لسه مش مسامحاك على اللي عملته امبارح." اقترب من شفتيها هامساً بثقة: "أنا هخليكي تسامحيني." قبل أن يصل لشفتيها كانت تبعده عنها وتعتدل واقفة: "قلت مش مسامحاك."
زفر بنفاذ صبر لتنظر إليه بتشفي وهي تغادر لغرفة طفلها. ابتسامة بلهاء ارتسمت على شفتيه وهو واقف أسفل المياه الباردة. "ستعود إليه... ستعاقبه ولكنها بالنهاية ستعود إليه أخيراً." لقد عادت لمعة عينيها وفاضت بكل ما كان بداخلها. لقد خطت خطوة كبيرة اليوم بعلاقتهم. هز رأسه بغيظ، فلولا إصرار آدم على تلك الحفلة المشؤومة لكانت سامحته. ولكن لا يهم، فهو عرف كم تحبه وتغار عليه. كان يغلق أزرار قميصه حينما عادت للغرفة لتنظر
إليه من خلال المرآة قائلة: "إنت رايح فين؟ قال وهو يخطو تجاهها ليقف أمامها: "رايح الشغل... كام ساعة وراجع على طول عشان فرح صالح." نظرت إليه قائلة وهي تلف ذراعيها حول صدرها: "ومين قال إنك هتروح." رفع حاجبه ينظر إليها بمكر وهو يخطو الخطوة الفاصلة بينهما قائلاً: "عاوزاني أفضل معاكي... معنديش مانع." رفعت نفسها ووقفت على أطراف أصابعها وأحاطت عنقه بذراعيها لتتلاحق أنفاسه وهي بهذا القرب منه، بينما
قالت بهمس ماكر أمام شفتيه: "تفضل مع ابنك." ضحكت بخبث وهو يفيق من سحر اللحظة متسائلاً: "ابني؟ هزت رأسها: "ااه... عندي مشوار مهم ومش هينفع أخده معايا ولا هبقى مطمنة أسيبه لوحده عشان كده هتفضل معاه." قبل أن يفتح فمه ليعترض كانت تميل تجاهه قائلة بمغزى: "اعتبرني الرقاصة وسيب شغلك عشاني." جذبها من ذراعها ما إن تحركت لتصطدم بصدره قائلاً: "أنا عشانك أعمل أي حاجة... بس إنت اطلبي." هزت كتفها: "ما أنا طلبت... اقعد مع زينة."
هز رأسه: "حاضر... بس اعرف إنتي رايحة فين." "هشتري شوية حاجات مع ليلي." "تمام." رفع جلال زين بذراعيه القوية يلاعبه، لتتعالى ضحكته الصاخبة، ليدغدغه جلال وهو يقول: "ياترى الست مامتك ناويلاي على إيه يا أستاذ زين." ضحك زين ليقلد جلال صوت ديناصوره المفضل وهو يقول: "ممكن تاكلني زي الديناصور ده... ولا هتفضل منيماني على الكنبة." داعب وجنته بحنان وقبّله قائلاً: ".... أقولك..... تعمل اللي تعمله المهم تفضل معايا."
ابتسم لزين الذي يشبهها كثيراً وهو يقول: "أنا مش ممكن أتخيل حياتي لحظة من غيرها... مامي دي قلبي وروحي وحياتي... وانت أحلى حاجة بينا يا ابني." تمدد على ظهره ووضع زين فوقه يداعب ظهره بحنان قائلاً: "عارف يا زين لما تكبر هحكيلك قصة حبنا." تنهد وأكمل: "بس ياريت متكرهنيش وتقدر إن العذاب اللي شافته ده كان غصب عني... وإن غصب عني مش قادر آخد حقها من أبويا وأختي، ولا أعمل فيهم اللي هما عملوه فيها...
كل اللي أقدر عليه إني أحبها... أحبها أوي وأعوضها بحبي عن اللي شافته... ووعد مني عمر ما حاجة هتأذيها تاني." أخفت زاهي ابتسامتها وتنهدت بحب وهي تستمع لكلماته. أصدرت صوتاً لينتبه على عودتها ويعتدل جالساً.
ابتلع لعابه بصعوبة وعيناه تتحرك ناحيتها لتتوقف لدى جمالها الذي ازداد بعد تلك القصة الرائعة لشعرها. وضع زين على فراشه وتحرك بآلية تجاهها وعيناه تتأمل كل شبر بها. فكم كانت تلك التصفيفة رائعة وقد انسدلت خصلات شعرها البنية على إحدى كتفيها وتسللت بعض الخصلات القصيرة على جبينها. "جميلة...
" نطق بإعجاب وعيناه لا تبارح وجهها. حاولت زاهي تجاهله ولكن دون إرادتها احمرّت وجنتها لتزداد جمالاً بعينيه. لقد استمعت لكلام ليلي وذهبت برفقتها لأحد صالونات التجميل لتستعد لفرح صالح بلوك جديد، ولكنها ندمت الآن وهي ترى نظراته المعجبة التي بالتأكيد أسعدتها وجعلت قلبها يتراقص فرحاً، ولكنه الآن سيظن أنها فعلت هذا عمداً لتجذبه إليها. وهي لا تنكر أنها تتعمد أن تعذبه كما فعل بالأمس. أنقذها دخول
نعمة للغرفة لتقول لها: "لو سمحتي يا نعمة جهزي شنطة صغيرة لزين وحضري هدومه عشان ألبسه." "حاضر يا مدام."
ابتلع لعابه حينما دخل إلى غرفة الملابس بعد أن انتهى من ارتداء بدلته الأنيقة، ووجدها تنحني لتغلق حذائها ذو الكعب العالي، لتحمر خجلاً ما إن اعتدلت واقفة وافترستها عيناه بإعجاب بثوبها ذو اللون الياقوتي الذي انسدل على جسدها الفاتن بدرجة تخطف الأنفاس، وقد وضعت لون أحمر شفاه مماثل جعل الدماء تهدر بعروقه يتمنى لو يتذوق تلك الشفاه التي تثير جنونه. اقترب منها قائلاً بإعجاب: "إنتي حلوة أوي النهاردة." رفعت عيناها نحوه: "بجد."
أومأ لها وعيناه تتحرك فوق ملامحها ببطء، مثير ليقترب أكثر وهو يقول بخفوت: "هتجننيني أكتر ما أنا مجنون بيكي." حاولت إخفاء تلك السعادة التي سمحت لنفسها بالحصول عليها بعد أن انتقمت ولو قليلاً من سالي، وما هي إلا أيام وتنتقم من شريف وتأخذ حق أبيها لتستطيع العيش براحة.
أمسك يدها برفق وعيناه معلقة بجمالها الخاطف تلك الليلة، ليضع بها تلك الدبلة والخاتم الثمين فوقه، وبلحظة كانت يدها أسيرة شفتيه التي طبعت فوقها تلك القبلة الطويلة، لتتلاحق أنفاسها، فكم هي ساحرة تلك اللحظات بهذا الصمت، ولكن بحديث العيون بينهما ولهيب أنفاسهما المتعالي يصف ما يجول بقلوبهم من حب مشتعل.
نظرت إليه بإعجاب، فهو جذاب ساحر كما اعتادته، ولكن الليلة أشد فتنة ببدلته السوداء الأنيقة وشعره المصفف بعناية وعيناه التي تلتهم عيونها وتبعث إليها تلك النظرات التي تدغدغ غرورها كأنثى ترى جمالها بعيون حبيبها وتريد أن تتركه يضمها إليه ويقبلها، فهي تشتاق إليه كما يشتاق إليها.
باغتها بشفتيه يقبل جانب شفتيها قبلة ناعمة لا ترضي تلك الرغبة التي اندلعت بعروقه بالتهام شفتيها، ولكنه يدري أنه لو اقترب لن يستطيع الابتعاد إلا وقد روى اشتياقه لها، لذا اختطف تلك القبلة وأجبر نفسه على الاكتفاء بها مؤقتاً. همس أمام شفتيها: "امسحي الروج ده." رفعت حاجبها: "نعم... همس أمام شفتيها مجدداً: "اللي سمعتيه." هزت رأسها بتمرد: "لا." مال تجاهها غامزاً بمكر: "امسحه أنا."
بلحظة كانت يداه تحيط بخصرها يجذبها إليه وينقض على شفتيها خالفا كل وعوده لنفسه قبل لحظات بالانتظار. لم تفعل شيئاً وشفتيها بين شفتيه يقبلهما، تلك القبلة التي جعلت قلبها يتنفس بسعادة. لم تبادله قبلته، وأيضاً لم تبعده، لتمر دقائق طويلة وهو يقبل شفتيها بجنون، ليبتعد أخيراً ما إن شعر بحاجتها للهواء، ليستند جبينه على جبينها هامساً من بين أنفاسه اللاهثة: "لو فضلت قدامي لحظة كمان... مش هكتفي بالبوسة دي."
أفلتت ابتسامتها لتبتسم عيناه ويقبل جبينها بحب: "وأنا بقول نتأخر شوية على الفرح." وضعت يدها على صدره تبعده: "وبعدين معاك." جذبها إليه: "وبعدين معاكي إنتي يا حبيبتي... مش كفاية عذاب." هزت رأسها: "بعد اللي عملته امبارح." "لحظات وطرقت نعمة الباب قائلة: "آدم بيه بيسأل على سيادتك." قال جلال باقتضاب: "نازل." التفت إليها بابتسامة حينما قالت وهي تحاول أن تهندم من خصلات شعرها التي بعثرتها يداه: "انزل أنت...
أنا هجيب زين وننزل وراك." هز رأسه: "لا... هننزل مع بعض." أومأت له ونظرت إلى المرآة لترتب خصلات شعرها وتمد يدها لتعيد وضع أحمر الشفاه الذي عبث به فوق شفتيها. توقف خلفها حتى كاد يلتصق بها قائلاً وهو يدفن رأسه بعنقها: "لو حطيتيه تاني هعتبرها دعوة صريحة إني أمسحه تاني." التفتت إليه بجبين مقطب: "لا طبعًا... أنا بظبطه... هنزل كده إزاي." هز رأسه: "مش هتنزل بيه أصلاً." زمّت شفتيها: "جلال." جذبها إليه قائلاً
بحب: "عيون وقلب جلال... بس لا برضه مش هتحطه." "وفيها إيه؟ مال تجاه شفتيها قائلاً وأنامله تتمرر ببطء على خطوط شفتيها: "فيه إنه حلو أوي على شفايفك... أنا موافق تحطه بس ليا أنا... حد تاني يشوفك بيه إنسى." قطب كالأطفال وهي تبعد أنامله عن شفتيها التي جعلت تلك القشعريرة تسري بجسدها: "بطل تحكمات بقى... هو لايق مع الفستان." "متخلنيش كمان أقولك غيري الفستان." "نعم..! "اللي سمعتيه."
"كفاية إني سامحلك تنزلي وإنتي حلوة وزي القمر كده... كمان تحطي الروج ده... انسى." وضع يده حول صدرها: "حطي أي لون تاني... ده لا." "على أساس إني امبارح مش لاقية روج على قميصك." نظر لعيونها قائلاً: "قولي اللي تقوليه... برضه لا." قالت بدلال: "جلال عشان خاطري." جذبها إليه قائلاً: "قلب وروح وعيون جلال... لا برضه." قالت سالي بحقد من بين أسنانها وهي ترى جلال ينزل بزاهي: "... شايفة يا طنط البيه نازل بيها إزاي...
مش ابنك اللي واقف بعيد ولا كأنه يعرف." نظرت إليها نجلاء بمغزى قائلة: "... وهو إنتي بتحبي ابني زي ما هي بتحب جلال." طرقت سالي الأرض الرخامية بكعب حذائها تتوجه لتقف بجوار عامر الذي يجاهد ليبدو سعيداً بزفاف ابن عمه.
نزلت زاهي الدرج ويداها بين يديه وبيده الأخرى يحمل زين. بعد نزول جلال وزوجته توجه الجميع لبهو المنزل الضخم للشهادة على كتب الكتاب. الذي ما إن انتهى حتى خرج الجميع للفناء حيث تراصت سياراتهم الفارهة استعداداً للتوجه إلى الفندق حيث حفل الزفاف. ما إن خرجوا حتى أخرج جلال سلاحه من حزامه وبدأ بإطلاق الأعيرة النارية هو وأبناء أعمامه احتفالاً بصالح. ارتجفت زاهي قليلاً من صوت الرصاص لتضم زين إليها، ولكن يد
جلال سرعان ما أحاطت بها: "إنتي كويسة." أومأت وابتسمت له فالأجواء حافلة تبعث البهجة بالفعل. قادها لسيارته وانطلق الجميع إلى الحفل الأسطوري بأحد كبرى الفنادق. دخول جلال برفقته اجتذب الأنظار وهي أحبت نظرات الغل في عيون سالي وشريف وهي برفقة زوجها الذي أحاط خصرها بذراعه وحمل ابنه وسار بها بين الحشود بفخر. لا تنكر أنها اليوم ولأول مرة منذ سنوات تركت العنان لنفسها لتشعر بالسعادة وكأنها تسرقها بعد طول الحزن الذي عاشته.
جلال لم يكن بأقل منها سعادة وهو يرى بنظراتها السعادة برفقته منذ وقت طويل. تركها لحظات لليلى ومها لتسلم عليهما، وبعدها عاد ليأخذها مجدداً ليرقص برفقتها، لتنظر إليه أخيراً بحب وقد ذاب جليد قلبها وأنزلت ذنب الماضي من فوق كتفها. دقائق وهي بين ذراعيه يراقصها غائبين عما حولهم. بينما آدم ولأول مرة عكس عادته انمحت ابتسامته الواسعة من فوق وجهه ما إن رآها تدخل ويدها بيد ذلك الرجل. همس جلال ناحيته زاهي
وهو يرى تبدل ملامح آدم: "ثواني وراجعلك." أومأت له وهي تراه يتجه لابن عمه ويقف بجواره متمتماً ببعض الكلمات. قالت ليلى بخفوت وهي ترى التساؤلات بعيون زاهي: "دي نورا... كانت خطيبة آدم." نظرت إليها زاهي وإلى عيون آدم التي اجتاحها حزن قاتل وهو يراها برفقة رجل آخر، لتكمل: "دي أخت مي مرات صالح... كان بيحبها بس إنت عارفة آدم طبعاً مقضيها... ظبطته مع واحدة من اللي يعرفهم وطبعاً سابته واتخطبت لابن عمها."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!